ما حدث في اليمن صفقة أم صفعة؟

الكاتب : Hasan1001   المشاهدات : 667   الردود : 1    ‏2002-12-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-04
  1. Hasan1001

    Hasan1001 عضو

    التسجيل :
    ‏2002-09-29
    المشاركات:
    12
    الإعجاب :
    0
    لقد أثارت حادثة مأرب من جديد تساؤلات طالما ترددت خلال السنوات القليلة الماضية حول حقيقة ما يجري في اليمن وحول التواجد الأمريكي على أراضيه وحول القوة الحقيقية المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، وخاصة أن كثيراً من المواقف التي يتخذها الرئيس اليمني نفسه يبدو واضحاً افتقادها للحكمة والفطنة وكأنما أريد لصورته أن تشوه ولسمعته أن تخدش في الوقت الذي يفوز سياسيون يمنيون آخرون بمواقف لا شك أن الرئيس نفسه يحسدهم عليها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الإنجاز المتعلق بحسم أزمة الجزر مع إريتريا. ولعل ما يساعد خصوم الرئيس من داخل النظام على التخطيط والإنجاز ما يتمتع به الرئيس اليمني من عفوية وصراحة في الوقت الذي يتسلح الآخرون بدهاء وقدرة فائقة على المناورة وتثبيت الأقدام.

    إن المتتبع لأحوال اليمن وتطورات الأوضاع فيها - وبخاصة في الآونة الأخيرة - لا يملك إلا أن يتساءل عما إذا كانت الساحة السياسية تعد لمرحلة ما بعد علي عبد الله صالح. فهو من جهة يدفع باتجاه سياسات تثير الرأي العام عليه وتفقده شعبيته، وتثير ظلالاً من الشك حول مصداقيته وأهليته، وخاصة فيما يخص استرضاء الولايات المتحدة في زمن الذل. ومن جهة أخرى تورط الرئيس اليمني في مواقف على الساحة الدولية تحرجه وتنتقص من مكانته كرئيس دولة ذات سيادة. والأمران في نهاية المطاف يمهدان لقادم جديد ربما كان هو اللاعب الحقيقي حاليا، ولكن من وراء الكواليس.

    الرئيس اليمني يتصرف وكأنه لا يعرف أن أمريكا أمعنت في سياستها العدوانية وغيّها وطغيانها وغرورها، فزرعت الشرّ في كل مكانٍ في العالَم، واستخفّت بشعوب الأرض، وبأرواحهم وحُرُماتهم، وتآمرت على مصالحهم، ونهبت ثرواتهم، فنثرت بذلك بذور الكراهية والحقد والرغبة في الانتقام. وأن الانتقام والثأر القادم لن يقتصر على أمريكا فحسب، بل وسيصل إلى كل من يتعاون معها لا محالة.

    الرئيس يفخر أن اليمن ليست بنما:

    في أكثر من مؤتمر صحفي ولقاء تلفزيوني أكد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أنه جاد في قضية تنظيم حمل السلاح، ومنع التجول به داخل المدن. وبعد حادثة تدمير المدمرة الأمريكية "كول"، وتردد إشاعات عن ضربة أمريكية لليمن، لوح الرئيس صالح بأن اليمن ليست بنما، وقال أن الشعب اليمني شعب مسلح تسليحا جيدا، وقادر على الدفاع عن أرضه. وافتخر الرئيس بأنه يستطيع تعبئة أكثر من مليون من أبناء القبائل المسلحين في يوم واحد. وكان قد صرح في مقابلة مع قناة "الجزيرة" أوائل عام 1997م أن عدد قطع السلاح في أيدي المدنيين في اليمن يتجاوز الخمسين مليون قطعة. وهذا الرقم الكبير موزع بين مسدس وبندقية عادية وآلية ورشاش عيار 12/7 مم، وعيار 5/14 المضاد للطائرات، إضافة إلى مدافع الهاون الميدانية وقذائف "الآر. بي. جي" المضادة للدبابات، وكذلك القنابل اليدوية والألغام الفردية. غير أن ما يتجاوز 60 في المائة من هذا العدد هو بنادق آلية روسية الصنع "كلاشينكوف"، إضافة إلى البنادق الأمريكية "إف. إم. جي3".

    وبعد حادثة المدمرة كول قال الرئيس اليمني: (إن اليمن ليست بنما أو نيروبي حتى تحتلها أميركا... فالشعب اليمني قد ناضل كثيراً من أجل التحرر من الاستعمار)، مشيراً إلى أن جميع تحركات الأمريكان في عدن هي بإذن من البحرية اليمنية. ولكن بعد الحادث الأخير، هل نفهم أن الرئيس لم يكن يقصد أن اليمن أكثر سيادة من بنما وإنما قصد العكس، أي أنها أقل سيادة؟ نعم: بعد حادثه مأرب فهمنا ماذا كان يقصد الرئيس اليمني عندما قال أن اليمن ليست بنما، ولعل فخامته كان يقصد أن اليمن ليست بنما بمعنى أن سيادة اليمن أقل من سيادة بنما.

    ماذا حدث وما الذي غير موقف الرئيس اليمني:

    قال الرئيس اليمني في كلمته أمام المهرجان التضامني الذي أقامته اللجنة العربية للدفاع عن الوحدة اليمنية 28 يونيو 1994م: (بأن الذي يعتقد أن هامات اليمنيين ستنحني... فإننا نقول له أن شعبنا اليمني لن تنحني هامته إلا للخالق عز وجل... ونحن نقاتل من أجل الكرامة والسيادة والوحدة والعيش بسلام في أرضنا اليمنية "... فماذا حدث؟!

    وفي إجابة للرئيس اليمني لسؤال من صحيفة (وول ستريت جورنال) ذات مرة قال: ( يجب على الإدارة الأمريكية أن تفكر جيدا وكما تحدثت في الأول ليس هناك مسببات تقلق الإدارة الأمريكية حول مصالحها لأن مصالحها مضمونة في المنطقة، وأعتقد أن الإدارة الأمريكية لا يهمها إلا مصالحها وليس أمامها مسألة الحكام أو غير الحكام في المنطقة العربية وإذا كانت مسألة أنها تتضامن مع الحكام فلنتذكر بما عملت الإدارة الأمريكية في بنما عندما غزت بنما وأخذت رئيس دولة مستقلة وأخذته إلى أمريكا لمحاكمته).

    كما أنه فيما يبدو أن الدعوات لفتح الحدود مع الكيان الصهيوني للجهاد للاستهلاك الشعبي ، فكيف كان سيعمل الرئيس صالح مع اسرئيل لو كانت اليمن على حدودها؟ اليست اسرائيل ربيية أمريكا؟ وما الفرق بينهما؟

    فمن الذي سمح وفرط بالسيادة والكرامة اليمنية بمنح الأمريكان حق مراقبة وقصف وقتل اليمنيين على الأراضي اليمنية مثلما يفعل الصهاينة مع ابناء الشعب الفلسطيني، ومما لا شك أن الرئيس اليمني قد كسب في السابق تعاطف الشارع العربي والإسلامي بمواقفه وخطابته وتصريحاته الرنانة ضد أمريكا خاصة ما يخص حرب الخليج والقضية الفلسطينية. وجاءت عملية القصف الأمريكي لمأرب والانتهاك الأمريكي للسيادة اليمنية لتنسف كل التصريحات السابقة والمستقبلية له بخصوص أمريكا واسرئيل وتؤثر على مصداقية هذه التصريحات ، ومما لا شك فيه أن مبارك رئيس النظام المصري مسرور لما حل باليمن وحل بالرئيس اليمني.

    وللأسف فإن ما حدث يؤكد أن أفعال الرئيس عكس أقواله وتصريحاته، فلقد أتت الحملة الأمريكية علي خلفية وعود قدمها الرئيس علي عبد الله صالح لبوش أثناء زيارته للولايات المتحدة نوفمبر 2001، وهي وعود قصد منها التأكيد علي موقف اليمن الثابت في مناهضة كل صور الإرهاب الدولي وفقا للمفهوم الأمريكي!! مع أن مفهوم الإرهاب لدى الإدارة الأمريكية هو مفهوم فضفاض لا يتطابق مع المفهوم اليمني.

    موقف الشعب اليمني:

    أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جاء أهل اليمن هم أرق قلوبا الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في المدينة إذ قال الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية.

    ومن المعلوم عن الشعب اليمني أنه شعب أبي وعنيد، وحينما يغضب ويثور لا يوقفه شيء ويرفض الاحتلال والتدخل في سيادة بلده لكن النظام الحاكم سمح بعكس ذلك وسمح للأمريكان بأن يدوسوا هذه الكرامة وهذه السيادة فأصبحت القوات الأمريكية علي أرض اليمن وليست متسترة بعيدة عن أعين الناس في الجو والبر والبحر- كما هو حال غيره من الأنظمة العربية الأخرى التي تجيد فنون التخفي والتدليس والمراوغة – وهي تشارك في الكمائن، ونقاط التفتيش في مناطق الجوف ومأرب وشبوة وغيرها، ومن المؤكد بأن القوات الأمريكية ليست في اليمن فقط فهي الآن تجوب كل الدول العربية دون استثناء للبحث عن مؤيدي القاعدة أو للعمل على تغيير المناهج أو للبحث عن أسلحة الدمار الشاملة وغير الشاملة وللبحث عن معارضيها ولدعم مؤيديها. فالأسلوب الذي تصرفت به القوات الأمريكية في عملية مأرب باليمن له دلالات كبيرة علي العرب جميعا فهي رسالة للعرب بأن المطاردة ستنالكم جميعا إذا ما لم تقوموا أنتم بمطاردة مؤيدي القاعدة والخنوع والانبطاح الكامل بمعنى أن تصبحوا تابعين كولايات أمريكية. وهم يقبلون بل يرحبون بذلك لأن هذه الأنظمة - أي الأنظمة التي تحكم بغير رغبة شعوبها - ضعيفة الشخصية، وعديمة المسئولية، وقليلة الكرامة. هذه الأنظمة بذلك وضعت أمتنا تحت الانتداب الأمريكي.

    ولكن ما لا تدركه الإدارة الأمريكية أن الشعب اليمني محكوم بأعراف وتوازنات قبلية، وأن هذه الأعراف لا يمكن أن تقبل بمثل هذه التجاوزات الأمريكية المهينة، وبذلك فأن أمريكا ستواجه مقاومة من كافة فئات الشعب اليمين بعد أن أغرقت نفسها في وديان اليمن وشعابه، فلقد نسيت أنه لم تدخل قوة أجنبية اليمن علي مر التاريخ وخرجت منتصرة. فاليمن كان وما زال وسيظل مقبرة لطموحات الأمريكان ومن عاونهم.

    وتمخض الجبل فولد فأراً:

    بعد تأخر أكثر من أسبوعين اعترفت الحكومة اليمنية بعلمها المسبق واشتراكها في قتل ستة مواطنين في محافظة مأرب. وجاء الاعتراف على لسان وزير الداخلية اللواء رشاد العليمي في بيانه الذي ألقاه أمام مجلس الوزراء، والذي قال أن العملية تمت في إطار المنظومة الدولية، وضمن التعاون والتنسيق الأمني بين الحكومتين اليمنية والأمريكية لمكافحة الإرهاب، معلنا للمرة الأولى أنه تم رفع مستوى التنسيق بين اليمن وأمريكا عقب حادث تفجير حاملة النفط الفرنسية ليمبرج في أكتوبر الماضي.

    ولقد وقع حادث مقتل الشباب اليمنيين – رحمهم الله - وهم :

    (1) قائد سالم سنان الحارثي (أبوعلي)

    (2) منير احمد عبدالله السوداء (أبوعبيدة)

    (3) صالح حسين علي الزنو (أبوهمام)

    (4) اوسان احمد الطريحي (أبو الجراح)

    (5) عادل ناصر السوداء (أبو أسامة)

    (6) كمال درويش (ابو احمد الحجازي)

    ونجاة شخص آخر بتاريخ 3/ 11/ 2002م في منطقة تسمى " شعب النسي - النقعة" الذي يبعد عن مدينة مأرب بحوالي 35 كيلومتراً.

    وكما أكد وزير الداخلية اليمني، انتقل فريق من ضباط البحث الجنائي مع طقمين مسلحين مع المعمل الجنائي فور الحادث للمعاينة والحفاظ على آثار الحادث وعند وصولهم إلى موقع الحادث كانت السيارة والجثث لا تزال تحترق فقاموا بإطفاء الحريق والتحفظ على الآثار والأدلة ونقل الجثث إلى المستشفى العسكري بمأرب، وفي فجر يوم الاثنين الموافق 4/11 /2002 م، تم التوجيه بتكليف المعمل الجنائي المركزي بالعاصمة صنعاء إلى موقع الحادث لاستكمال الإجراءات الخاصة بالفحص الجنائي ونقل الجثث إلى مستشفى الثورة العام بصنعاء.

    وزعم وزير الداخلية اليمني أن عملية المطاردة والتي انتهت بمقتله مع خمسة آخرين تمت في إطار المنظومة الدولية تطبيقا لقرار مجلس الأمن رقم (1373) لسنة 2001م، بشأن مكافحة الإرهاب، وضمن التعاون والتنسيق الأمني بين حكومة الجمهورية اليمنية وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب!

    العلاقات اليمنية الأمريكية:

    يأتي الاهتمام باليمنعلى اعتبار جهات استخباراتية تقدر نسبة المجاهدين المنحدرين من أصول يمنية نحو ثلث عدد المجاهدين في القاعدة ، ويتطلب أي تحليل للعلاقات اليمنية ـ الأمريكية الإشارة إلى جانب التعاون الأمني، ويمكن في هذا الإطار تحديد عدة نقاط للتعاون الأمني بين البلدين.

    المرحلة الأولى: تدريب المئات من رجال الشرطة اليمنية في مجال مكافحة الإرهاب، وقد بدأ هذا النمط من التعاون الأمني في أواخر العام 1997، واستمر إلى يومنا هذا. وقد اشتملت المساعدات الأمريكية لليمن في مجال مكافحة الإرهاب، على برامج ودورات تدريبية عقدت في كل من واشنطن وصنعاء.

    المرحلة الثانية: تمت في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، إذ أبدى الجانب اليمني استعداداً جاداً للمساعدة في عمليات التقصي والتتبع والتي ذهبت الاحتمالات إلى إمكانية التوصل من خلالها إلى التعرف على الجهات المتورطة في الحادثين.

    المرحلة الثالثة: تمت في أعقاب تدمير المدمرة (كول) في أكتوبر 2000. حيث وصل إلى اليمن نحو مائة شخص من فريق الدعم الخارجي من مكتب التحقيقات الفيدرالي. وقد تواكب مع وجود فريق التحقيق الأمريكي قيام أمريكا بتعزير قواتها في اليمن بألفين من مشاة البحرية الأمريكية لتأمين الدفاع عن المحققين وحمايتهم وذلك في أسطول صغير يضم مروحيات وسفن حربية.

    المرحلة الرابعة، ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: وهي المرحلة التي ألقت الإدارة الأمريكية بكل ثقلها سواء قبلت السلطات اليمنية أم لم تقبل، وفرضت هيمنتها إلى درجة إدارة شئون اليمن السياسية بشقيها السياسة الداخلية والخارجية.

    بيد أن هذا التعاون المكثف لم يخل من مشاكل فنية وقانونية منها حدود مشاركة الجهات الأمريكية في التحقيق مع المشتبه بهم، وطريقة التحقيق، والحد الذي يمكن معه استدعاء شخصيات يمنية ذات مستوى قيادي رفيع للتحقيق معها بواسطة الجهات الأمنية الأمريكية مباشرة أو عبر الجهات اليمنية وحدها.

    لذا أظهرت السلطات اليمنية ، أو تظاهرت، بالحسم تجاه الناشطين الإسلاميين. وزعمت السلطات اليمنية (أن التحرك الأخير الذي استهدف أنصار تنظيم القاعدة في اليمن كان ضروريًا)، لا سيما وأن أي تأخير أو تراخ سوف يترتب عليه الكثير من المتاعب للسلطات اليمنية التي تريد أن يكون الحسم محققًا لمطالب خارجية أمريكية وأخرى داخلية من خلال الحفاظ على السيادة الوطنية، ولكن هذه الأخيرة فقدت عذريتها بالتدخل المباشر من المخابرات الأمريكية في هذه العملية على الأراضي اليمنية. وما حدث يتناقض مع ما كان قد أكده أكثر من مرة الرئيس علي عبد الله صالح عندما قال أن بلاده: «ستتكفل بمحاكمة من يتم إلقاء القبض عليهم داخل اليمن وليس خارجه». ولا يزال الرئيس اليمني يتغاضى عن كثير من التدخلات الأمريكية والتطاولات التي تمس الأمن العام في اليمن، بل ويزعم بموافقته عن كثير منها ويؤكد ذلك لكافة وسائل الإعلام، كل ذلك رغبة ً منه في تجنيب اليمن ويلات حربٍ ضروس ستأكل الأخضر واليابس فيها.

    إن أخطر ما يظهر في إشكالية التواجد العسكري الأمريكي قبل الوقوع في محذوراته على أراضي دولة بحجم اليمن وموقعها ليست القواعد الأرضية الثابتة ولا حتى الموافقة على تأهيل الجيش اليمني وتدريبه وإعادة تركيب عقيدته العسكرية بطريقة تغاير ما تربى عليه، إنما الخطر هو ما يمس ويهز ثقة المواطنين في دول ضعيفة تتحول فيها إدارة علاقاتها بغيرها من الدول وعلى أيدي مفردات من أركان نظامها وسلطتها إلى مجموعة من الألغاز والمغالطات لا تستقيم مع ما يفرضه واجب المسئولية وتفرضه المصالح العليا للنظام والدولة بكاملها.

    أهمية اليمن:

    من المعلوم أن لليمن موقع جغرافي متميز بالنسبة للمصالح الأمريكية في ثلاث مناطق استراتيجية بالغة الاضطراب في الوقت الراهن هي: الخليج العربي، والبحر الأحمر، وشرق أفريقيا. واليمن من هذه الناحية عبارة عن حزام جغرافي يطوق جنوب الخليج والجزيرة، ويتحكم بمضيق باب المندب، وطرق الملاحة في البحرين الأحمر والعربي وهو من ناحية تأثيره على قضايا السياسة والأمن في هذه المناطق له علاقاته وارتباطاته التاريخية.

    بالنظر إلى مجمل التحديات في المنطقة العربية من المنظور الأمريكي فإن غالبيتها تأخذ بعداً عسكرياً صرفاً تحتم أن يكون صاحب القرار الأول في التصرف نحوها هي وزارة الدفاع الأمريكية - البنتاغون - ودوائر الاستخبارات قبل وزارة الخارجية والبيت الأبيض وأن كان هذا الأخير هو الذي يوافق على صيغة القرار، والاستراتيجية الأمريكية اليوم لا يمكن أن تعتمد في رؤيتها لأهمية اليمن وموقعه الهام في خريطة المنطقة إلا من زاوية عسكرية.

    ومنذ أحداث 11 سبتمبر2001 م، والجدلية هي التي تحكم النظرة الأمريكية في تعاملها مع اليمن. فالمرونة التي أبدتها الحكومة اليمنية في التعامل مع المطالب الأمريكية المتعلقة بمكافحة الإرهاب والجهود التي بذلتها السلطات اليمنية في هذا الجانب، يعدها البعض بمثابة نجاح للسياسة اليمنية، وحالت دون تعرض اليمن للضربة العسكرية المحتملة التي راج الحديث عنها مع بداية القصف الأمريكي على أفغانستان.

    مع أن تبادل المعلومات قائم – على قدم وساق - بين السلطات اليمنية والاستخبارات الأمريكية، إلا أن الصفعة تلو الصفعة، فبعد أن عبر باول عن شكره لليمن على تعاونه ودعمه للحملة ضد الإرهاب خلال زيارة وزير الخارجية اليمني القربي لواشنطن في 30 مايو الماضي، والإعلان عن تهيئ ميناء عدن لاستقبال خمسين زورق بحري، مقدمة من أمريكا لقوات خفر السواحل اليمنية، ووصول خبراء أمريكيين لتدريب القوات اليمنية على مكافحة الإرهاب، إذ بالإدارة الأمريكية تبادر إلى توجيه مصالحها الأمنية لتشديد رقابتها الأمنية على اليمنيين المغادرين أو القادمين، إلى الولايات المتحدة وإخضاعهم لإجراءات تفتيش دقيقة في المطارات والمواني والحدود الأمريكية.

    ولقد جاءت ردود الفعل الشعبية من عملية مأرب مندهشة ومنفعلة ومستنكرة، لأن الشعوب الأبية تأبى ذلك، وما حدث هو أكبر إهانة لهذا الشعب، والأعراف القبلية اليمنية لا يمكن أن تقبل بمثل هذه التجاوزات الأمريكية المهينة، ومن غير المستبعد أن تثأر القبائل لأبنائها وضحاياها، إن عاجلاً أم آجلاً.

    كما أن ما حدث في مأرب يؤكد أن قيم الإدارة الأمريكية الحالية ليست لها علاقة بالعدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتجسد بشكل صريح قيم تنظيمات (المافيا)، وعصابات رعاة البقر.

    ولقد وصفت وزيرة الخارجية السويدية الحادث بأنه وصمة عار، وانتهاك صارخ للسيادة اليمنية إذا كان قد تم بدون علم سلطات صنعاء. وأضافت أنه إذا كان قد تم بعلمها، فالأمر اكثر خطورة. وقالت: أن أمريكا لا يجوز أن تنصب نفسها قاضيا وجلادا!

    وأكد دبلوماسي أوروبي أن الحادث تم بدون سند قانوني مقبول. واتهم الولايات المتحدة باختراق سيادة الدول وانتهاك الحقوق الإنسانية التي يكفلها أي دستور في العالم للمتهمين بحق الدفاع عن أنفسهم. وأشار إلي مخاوف الدول الأوروبية من حدوث مثل هذه التصرفات علي أراضيها تحت زعم رفض هذه الدول تسليم متهمين بالإرهاب.

    إن الهجوم الأخير باليمن يظهر بوضوح أن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر الى المسألة برمتها في سياق الأمن وتطبيق القانون، وإنما في سياق عسكري صرف.

    ويعلم الجميع أن أمريكا أصبحت اليوم السجان الأكبر، فيما أصبحت الأنظمة الموجودة في البلاد العربية والإسلامية شرطي وسجان لأمريكا، والنظام اليمني واحد من هذه الأنظمة التي تمارس عليها ضغوط كبيرة جدا، بل وهددت بضربة عسكرية كما نعلم، وقدمت أمريكا أيضا رشاوى للأجهزة الأمنية اليمنية.وأكدت على أن الأنظمة القائمة في البلاد العربية والإسلامية قاطبة أصبحت تحت المطرقة الأمريكية والنظام اليمني، كواحد منها ـ بدون شك ـ ربما يكون من أضعف الحلقات في هذا الجانب، فقد تعطلت الحقوق الدستورية لليمنيين والتي نظمتها القوانين. كما أن المطالب الأمريكية من اليمن تمادت كثيرا إلي درجة الابتزاز السياسي والابتزاز السياسي هو اقل ما يمكن أن يطلق علي الموقف.

    وتتعاطى الإدارة الأمريكية الآن مع اليمن باستراتيجية جديدة للولايات المتحدة تجاه المنطقة، تطبق بعض جوانبها عبر البوابة اليمنية، والضغوط التي تمارس على اليمن تصب في سياق تلك الاستراتيجية التي تشكلت على خلفية أحداث 11 سبتمبر. هذه الاستراتيجية تتراوح ما بين الترغيب والترهيب، وستظل اليمن عرضة للابتزاز الأمريكي ما دامت قبلت بالخضوع للضغوط.

    ولقد رمت الإدارة الأمريكية بكل ثقلها في ملف مكافحة الإرهاب في اليمن، بإعلانها رسميا مسئوليتها عن العملية التي استهدفت تفجير السيارة التي كانت تقل سبعة قتل منهم ستة.

    ولقد جاءت هذه العملية بعد أيام قلائل من اختفاء عبد السلام الحيلة المسئول اليمني الذي تم استدرجه إلى مصر وسلم لأمريكا والذي تنطبق عليه حالة الاختفاء القسري، مما يثير الشكوك حول ارتباط العمليات الأخيرة والخاصة بملف اليمنيين سواء داخل اليمن أو خارجها في إطار ملف واحد ، ويطرح علامات الاستفهام، لا سيما بعد اعتراف السلطات اليمنية بعد إنكار استمر أسبوعين، اشتراكها مع المخابرات الأمريكية بالتواطؤ في عملية القتل لمواطنيها وعلى أراضيها والذي يعتبر تفريطاً بالسيادة الوطنية وموافقة على انتهاك كرامة الشعب وحقوقه الدستورية والقانونية، وصمة عار في جبين هذه الحكومة.

    إن ما حدث يُعد إعداماً خارج نطاق القضاء وانتهاكاً فادحاً لحقوق الإنسان الأساسية، وامتهاناً للضمير الإنساني والبشرية جمعاء. ولقد أدانت الأمم المتحدة مثل هذا القتل المتعمد الذي لا يقره القانون، كما إن هذه العملية الإجرامية التي قامت بها الإدارة الأمريكية والأنظمة الديكتاتورية التابعة لها تشكل انتهاكا صارخا لمعايير القانون الدولي الإنساني التي تؤكد على الحق في الحياة كأحد الحقوق الأساسية للإنسان، وفقا لنص المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تؤكد على حق كل فرد في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.... فينبغي أن يُتاح لمن يعولهم الضحايا حق الحصول على تعويضٍ عادل وكافٍ من الدولة، بما في ذلك التعويض المالي. ومعظم الحكومات التي تنفذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء تنفي مسؤوليتها عنها إلا أننا في هذه الحالة في وضع مختلف فيوجد طرفان اعترفا بارتكاب الجريمة الولايات المتحدة الأمريكية والنظام اليمني.

    تنسيق أم قطيعة أم اعترافات أم مقايضة؟ وفي الأخير : أن هذا الحادث يحمل أكثر من تفسير. فهو إما أن يكون بادرة افتراق بين الإدارة الأمريكية والسلطات اليمنية، حيال التعامل مع الأعضاء المفترض انتمائهم للقاعدة، حتم على الإدارة الأمريكية وضع السلطات أمام سياسة الأمر الواقع، وجرها إلى خوض حرب فعلية على هذه الجبهة، بغض النظر عن التداعيات الشعبية لمثل هذا الفعل.

    وإما أن يكون التصرف الأمريكي تعبيرا عن وصول التنسيق بين الجانبين إلى أقصى مداه، والدخول في مرحلة جديدة من الشراكة في مجال مكافحة الإرهاب – هذا ما اعترفت به السلطات اليمنية مؤخراً - ترمي هذه المرة إلى حسم هذا الملف، ووضع حد للجدل الدائر حول أن اليمن يشكل ملاذا آمنا للإرهابيين العائدين من أفغانستان، وذلك بالاتفاق مع المسئولين اليمنيين الذين ضاقوا ذرعا بالاتهامات من أن اليمن تأوي عناصر من تنظيم القاعدة، وبالتالي، وضع حد لتلك الاتهامات.

    وإما أن تكون من تداعيات عملية اختطاف المسئول اليمني عبد السلام الحيلة بعد استدراجه للقاهرة وتسفيره منها على متن طائرة أمريكية!! فهو الذي يحيط بجزء كبير من الملف الأمني. وبمشيئة الله سيكون لنا مقال مستقل عن عبد السلام الحيلة: من هو؟ ولماذا حدث معه هذا؟ وكيف؟ وهل الرئيس اليمني مضطر لتقديم كافة التسهيلات للأمريكان والتسليم لهم وتركهم يعيثوا في اليمن كيفما شاءوا في إطار صفقة للإفراج عن عبد السلام؟ وهل يتحرك من أجل إطلاق سراح أحد مواطنيه فضلاً على كونه أحد المقربين له؟! وكان من المقرر أن يتم ترشيح عبد السلام الحيلة في الانتخابات النيابية المقبلة كعضو في مجلس النواب، وقد حاز على وعد من الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)، وهو عضو في اللجنة المركزية بالحزب، أم أن المعلومات التي أدلى بها تم إطلاع الرئيس اليمني بها لإحراجه، ومن ثم استخدام عبد السلام كورقة ضغط على الرئيس شخصياً، وهذه نقطة مهمة، وفيما يبدو أن التعاون اليمني الأميركي في مجال مكافحة الإرهاب يسير بصورة جيدة ومرضية للطرفين الأمريكي واليمني، باستثناء عدم الاقتناع بمبررات الدور الذي كان يقوم به عبد السلام الحيلة والذي التقى في صنعاء بمسئولين من مكتب التحقيقات الفيدرالية من أجل تسوية وضعه معهم، وإزالة الشبهات حوله، وأطلعهم على طبيعة تحركاته ودوره فأوهموه بأنهم اقتنعوا، لكن فيما يبدو كانوا يشكون في أنه يحتفظ ببعض الأمور والتي لم يكشفها لهم فتآمروا عليه عبر النظام المصري الذي تورط لصالح المخابرات الأمريكية باستدراج عبد السلام لمصر، ومن ثم تسليمه للأمريكان. وهذا الموضوع سنتناوله في تقرير آخر موثق بمعلومات ووثائق هذا الأسبوع إن شاء الله.

    --------------------------------------------------------------------------------



    تقرير إخباري - خاص - المرصد الإعلامي الإسلامي جميع الحقوق ممنوحة لكل شخص بشرط ذكر المصدر
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-05
  3. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    الفقرة التالية (بين قوسين) ، هي الزبدة مما ذكر في هذا التقرير ، وما عداه مجرد تكهنات وتخرصات ، لا تمت للواقع بصلة ..
    ( وإما أن يكون التصرف الأمريكي تعبيرا عن وصول التنسيق بين الجانبين إلى أقصى مداه، والدخول في مرحلة جديدة من الشراكة في مجال مكافحة الإرهاب – هذا ما اعترفت به السلطات اليمنية مؤخراً - ترمي هذه المرة إلى حسم هذا الملف، ووضع حد للجدل الدائر حول أن اليمن يشكل ملاذا آمنا للإرهابيين العائدين من أفغانستان، وذلك بالاتفاق مع المسئولين اليمنيين الذين ضاقوا ذرعا بالاتهامات من أن اليمن تأوي عناصر من تنظيم القاعدة، وبالتالي، وضع حد لتلك الاتهامات)
     

مشاركة هذه الصفحة