قُé حè

الكاتب : العربي   المشاهدات : 422   الردود : 1    ‏2002-12-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-04
  1. العربي

    العربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-11-18
    المشاركات:
    435
    الإعجاب :
    0
    "أريد أن أكتب، أريد أن أملأ العالم كلاماً وأفكاراً، أريد أن أضيئ، بنور الكلمة، كل ورقة بيضاء تقع تحت يديَّ"

    تردد صدى الكلمات داخل نفسه بشكل فخم، لكنه عذب في الآن نفسه. شعر بشيء من النشوة وهو يستعيد الأحرف ببطء لذيذ، ثم انعطف نحو اليمين، إلى حيث تقع المكتبة التي اعتاد أن يشتري منها أدواته، وأخرج منديلاً مسح به حبات العرق التي تراكمت فوق جبينه، وأخذ يحث الخطى.

    "أريد أن أكتب. نعم. لدي الكثير لأقوله. الصمت جريمة! لن أدع نفسي أسقط إلى قاع الكسل والصمت. سأقول كل شيء، ولن يكون شيئاً عادياً. هذه الرواية ستكون حدثاً يهز هذا الركود الرمادي الكئيب"

    ثم كرر:

    "هذه الرواية ستكون حدثاً"

    الكلمة الأخيرة أفلتت من شفتيه، وقد كان في الوقت نفسه يبتسم برضى. رمقه أحد المارة مبتسماً، فتنبه لنفسه:

    "يا إلهي. يبدو أنني نطقت بشيء مما أفكر به. عليَّ أن أضبط نفسي بشكل أفضل"

    بحث عن الشخص الذي ضبطه وهو يكلّم نفسه. كان لا يزال قريباً، لكنه لم يكن بعد ينظر إليه.

    "يبدو أنه لا يعرفني. هذا أفضل. الشهرة أحياناً عبء يحمله المرء على كتفيه. خذ مثلاً، لو كان هذا الشخص الذي ضبطني الآن يعرفني، لملأ الدنيا بهذا الاكتشاف المذهل، وبشماتة ربما: اسمعوا يا ناس، شجاع فارس أصبح يسير في الشوارع وهو يكلّم نفسه. أو ربما بشفقة: تصوروا المسكين. إنه يكلّم نفسه. الله يلطف فينا"

    نظر إلى الرجل، فرآه يشير إلى سيارة أجرة ويصعد إليها. يمكنه الآن أن يتابع طريقه باطمئنان، فسيارة الأجرة مرت للتو بقربه تماماً، دون أن يشمله الرجل ولو بنظرة. لو كان يعرفه، فلا شك أن الفضول كان سيدفعه لمتابعة مراقبته حتى يكتشف – متسلياً - إن كان الكاتب لا زال يكلّم نفسه.

    "حسناً، أنا لم أجن على أية حال. هذا الأمر يحدث أحياناً. يستغرق المرء بأفكاره إلى حد الشرود عما حوله، وفي لحظة ما، يجد أن الكلمات لم تعد تجري داخل عقله وحسب، بل إن بعضاً منها يخرج على لسانه دون أن يقصد ذلك. على كل حال، الحمد لله أنها لم تكن نجوى. ليضبطني أي مخلوق في هذا العالم وأنا أكلّم نفسي، إلا نجوى"

    ابتسم ابتسامة حذرة، خشية أن يضبطها شخص آخر، وتحسس ذقنه الحليقة جيداً، وهو يتذكر كيف كاد في وقت مضى أن يتأثر ببعض المنظّرين الذين يسخرون من القشور، ويعتبرون الاهتمام الزائد بالأناقة والنظافة، سلوكاً بورجوازياً عفناً. في حينها، التقى صدفة في أحد الشوارع بامرأة تشبه نجوى. أجفل، ثم تحسس ذقنه التي كانت طويلة قليلاً، ونظر إلى حذائه المتسخ قليلاً. كاد أن ينتقل إلى الجانب الآخر من الطريق لكي لا تلمحه نجوى وهو على هذه الحالة، لكن المرأة، التي كانت تسير أمامه بمسافة قصيرة، التفتت فجأة إلى الخلف. كاد قلبه أن يتوقف في تلك اللحظات وهو ينتظر وجه نجوى، لكنه - ولحسن الحظ - كان وجهاً آخر لامرأة بالكاد تشبه نجوى قليلاً. منذ ذلك اليوم، لم يعد يخرج من منزله دون أن يكون في أبهى حلة، ففي كل يوم يمكن أن تظهر نجوى في طريقه، وعليه أن يكون لائقاً من أجل لقاء كهذا.

    "هل أكتبكِ الآن يا نجوى؟ هل تكونين روايتي القادمة؟ ما رأيكِ؟ اسمعي: من المؤكد أنني سأكتبكِ في يوم من الأيام، لكنني أسألكِ فقط: هل حان الوقت؟"

    كان قد أصبح عند المكتبة تماماً. مسح عرقه من جديد، ودخل.

    - أهلاً أستاذ شجاع.

    ونهضت الفتاة من خلف طاولتها بحبور صادق. كانت تبتسم بمودة وهي تمد يدها إليه مصافحة.

    - صباح الخير آنسة نها.

    - صباح الورد والياسمين لأديبنا الجميل.

    ابتسم بسعادة. "من قال إن الأديب عليه أن يرتفع فوق عبارات المديح؟ هراء! المرء يحتاج إلى هذه الكلمات ويسعد بها، مهما حاول إظهار ترفعه عنها، فكيف إذا جاءت من صبية جميلة ذات جسد برونزي آسر؟"

    - تفضل. تفضل.

    قالتها وهي تقرّب له كرسياً، فاعترض:

    - شكراً آنسة نها، لكنني في الحقيقة مستعجل قليلاً.

    - طالما قليلاً فقط، إذن ستجلس.

    قالتها بلهجة ناعمة آمرة. إنها تشعر إذن أن لها دالة عليه، وإن كانت كل امرأة جميلة، في الواقع، لها دالة عليه. جلس بارتباك فيما كانت تقول:

    - حماتك تحبك. وضعت الركوة على النار قبل قليل. لقد ملأتها بكاملها وكأنني كنت أتوقع قدوم ضيف عزيز يشاركني بها.

    - لكن آنسة نها...

    - هس. لا أعذار. الماء يغلي والأمر لن يستغرق وقتاً طويلاً.

    انحنت نحو السخان الكهربائي دون أن تنتظر إجابته، وتناولت ركوة الماء المغلي، وملأتها بثلاث ملاعق كبيرة من البن. قالت وهي تحرّك القهوة بالملعقة:

    - أنت لا تمر بنا كثيراً هذه الأيام، ثم تريد أن تمضي هكذا كأي زبون يأخذ حاجته ويمضي؟ لا يجوز أستاذ شجاع، لا يجوز.

    كانت أنظارها معلقة بركوة القهوة مخافة أن ينسفح شيء منها على السخان. كانت تقرّبها وتبعدها بطريقة شبه راقصة. رفعتها أخيراً، ووضعتها فوق المنضدة التي تفصل بينهما، ثم نهضت، وسوّت وضع بلوزتها التي كانت قد ارتفعت قليلاً كاشفة عن بطن جميل أملس، واختفت للحظات عادت بعدها آتية بفنجانين.

    جلست مجدداً، وأخذت تصب القهوة وهي تقول:

    - ما الأخبار أستاذ شجاع؟ هل تكتب لنا شيئاً جديداً؟

    أشعل سيجارته، وتناول الفنجان من يدها وقال:

    - في الحقيقة، سأبدأ حالاً بكتابة رواية جديدة.

    شهقت بفرح:

    - رائع. أنت تحتاج إلى رزمة أوراق وقلم جديد إذن.

    ابتسم لها، سعيداً بأنها تحفظ طقوسه في الكتابة بشكل دقيق، وقال:

    - بالضبط. بالضبط.

    - حسناً. سآتيك بكل ما تحتاجه في النهاية، ولكن أخبرني، عمَّ ستكتب هذه المرة؟ أرجو أن يكون موضوعاً بهيجاً بعض الشيء. روايتك الأولى كلها سياسة بسياسة. أليس هناك موضوع للكتابة عنه إلا السياسة؟

    دارى خيبته بابتسامة مجاملة، وقال:

    - لا. هذه المرة لن تكون الرواية سياسية، لكن، بالنسبة للموضوع البهيج، فأنا لا أعدك بالكثير.

    - ولكن لماذا أستاذ شجاع؟ لمَ كل هذا الحزن؟ اكتب فقط كما تعيش وستكون الرواية بهيجة. أنت، كما أسمع يعني، تعيش حياة مليئة بالضحك والفرح. لماذا تحتكرها لك وحدك، وحين تكتب إلينا تملأ كلماتك بالأحزان؟

    ارتشف قليلاً من القهوة، وسحب نفساً من سيجارته. قال:

    - ليست أحزاناً يا نها. ليست أحزاناً. تسمية الأمور بأسمائها مسألة لا علاقة لها بالحزن والفرح. أنا أسمّي الأمور بأسمائها، وأنتم تعتبرون ذلك حزيناً كئيباً. هذا ليس ذنبي. الأمور تجري بشكل سيء. هذا كل ما في الأمر.

    "هل تفكر نجوى أيضاً بهذا الشكل؟ هل تعتقد، هي الأخرى، أن روايتي تلك جافة قليلاً لأنها تتناول مواضيع سياسية؟ لكن، هل قرأت الرواية أصلاً؟ هل سمعت باسمي ككاتب؟"

    كانت نها أيضاً تفكر بما قاله، أجابت:

    - يبقى أن هناك الكثير من الأمور البهيجة. هناك في الدنيا حب ورقص وغناء وصداقة. هناك الكثير جداً من الأمور اللذيذة والجميلة. خذ الطعام مثلاً...

    قاطعها بصخب مرح:

    - أنت تريدينني أن أكتب عن فن الطبخ إذن؟

    ضحكت بعمق. كان يمكنها على الدوام أن تضحك باستغراق جميل على أية نكتة مهما كانت بسيطة. قالت:

    - معاذ الله أستاذ شجاع. طبعاً لا. ربما تظن أنني سخيفة وسطحية، لكن لا. أنا لا أقصد أن تكتب روايات فارغة، لكن...يعني...لن أعرف أن أشرح لك رأيي تماماً، لكنني ألاحظ أن الكتّاب عندنا يميلون إلى التجهم والأحزان. أشعر أحياناً أنهم يرون في الحديث عن الحزن متعة، أو ربما وساماً معلقاً على صدورهم. سمعت وقرأت ألف مرة كاتباً أو شاعراً يقاطع محاوره بالقول: أنا يا سيدي إنسان مهنته الأحزان! لماذا؟ دائماً يبررون الأمر بأن هموم الوطن والأمة تسكنهم، لكن كيف يمكننا أن نواجه هموم الوطن والأمة بأشخاص شكائين بكائين، وبثقافة عبوسة إلى هذا الحد؟

    كان يرتشف قهوته وهو يراقبها. كانت تتحدث بتدفق وصدق وحماس. كانت، حين تتحدث، وحين تضحك، وحين تحزن، تفعل ذلك بكل ذرات جسدها. "إنها فتاة نموذجية منذورة للفرح" فكر بذلك وهو يواصل الاستماع إليها، ثم أردف في سره: "نجوى أيضاً كانت كذلك. إنها الآن في مثل سن نجوى حين أحببتها. كانت بهيجة، تجبر المرء على أن يؤمن أن الحياة رائعة. ما أجمل أن يعيش المرء كل الانفعالات إلى أقصى مداها. ما أجمل أن يحيا بروح نجوى، أو بروح هذه الشابة!"

    ثم جاءه على الفور إثبات على ذلك. انفتح باب المكتبة بصخب عن شاب ملؤه العافية والنشاط، ودخل تتقدمه كلماته المنغمة:

    - هاأنذا.

    أشرق وجهها كما الشمس، وتوردت وجنتاها وهي تنهض صائحة:

    - فراس. الحمد لله على سلامتك.

    تلاقت أيديهما بشوق، وكاد أن يضمها إليه، لولا أنها تراجعت قائلة:

    - تعال أعرّفك على الأستاذ شجاع فارس.

    رفع حاجبيه بدهشة وهو يتقدم مصافحاً:

    - الأستاذ شجاع فارس؟ الروائي؟

    أجابت بزهو:

    - هو بذاته.

    - تشرفنا أستاذ شجاع.

    - شكراً لك.

    تدخلت نها معرّفة:

    - فراس.

    واحمرت وجنتاها، مكملتين بتوردهما التعريف المنقوص. شعر أن عليه أن يتركهما للبهجة والحب، فقال:

    - تشرفنا أستاذ فراس.

    ثم التفت إلى نها قائلاً:

    - والآن...

    قاطعته مبتسمة:

    - الأوراق والقلم.

    تناول عدتّه وخرج شاكراً. كان إسفلت الشارع ينضح بالحرارة، وكان الناس يسيرون متأففين من شدة الحر، وهم يكررون في كل حديث كلمة "غضب من الله" مؤكدين مسؤوليتهم الأخلاقية عما يتعرضون له من عقاب. شعر بحاجة إلى نسمة منعشة، أية نسمة مهما كانت صغيرة، لكن هيهات. لا مكان للنسيم في هذه الأيام الحارقة. إذن ليس هناك إلا عيناها. نادى عينيها، فجاءتا إليه مبتسمتين.

    "نهاركِ سعيد نجوى. كيف أنتِ؟ كيف حال البحر؟"

    وهبت على روحه نسمة بحرية منعشة. اختفت أبواق السيارات، تلاشى الغبار، وانسحبت الشمس الحارقة. ابتعد الضجيج، وخفتت أصوات الناس وأجهزة التسجيل التي تملأ المحلات التجارية، ثم...لا شيء إلا عينيها.

    "سعيدة أنتِ؟ قولي لي، أرجوكِ. هل هي هناك لا تزال، فوق ثغركِ الجميل، تلك الابتسامة الرائقة؟ ابتسمي حبيبتي. ها أنا أقولها. ليس بمقدوركِ الآن أن تمنعيني من أن أناديكِ حبيبتي. ابتسمي تلك الابتسامة، التي بقدر ما هي رقيقة هادئة، كانت بالنسبة لي تياراً بحرياً هائلاً شدني بقوة لم أستطع مقاومتها لأن أرتكب تلك الأيام"

    تنهد بعمق، ولاح طيف ابتسامة على شفتيه.

    "اسمعي نجوى. سأبدأ اليوم بكتابة رواية جديدة. ترى هل قرأتِ روايتي الأولى؟ هل أعجبتكِ؟ لم أكتب عن الحب بعد. لم أكتب عنكِ. لكنني أعرف أن الموضوع الذي كتبت عنه يعنيكِ كثيراً. لن تقولي كما قالت نها إن عليَّ أن أبتعد قليلاً عن السياسة. ألم تقولي لي ذات مرة، وكل ما فيكِ يتألق، إن الوطن يسكنكِ بهمومه. لقد كان يسكن روايتي تلك أيضاً. سيأتي يوم أكتب فيه عنكِ، وستكون تلك رواية عمري، لكن الوقت لم يحن بعد. أو...أو...لا أدري. هل حان؟ هل أقولكِ الآن، لأوقن في خاتمة المطاف بأن الحكاية قد انتهت؟ أم أحتفظ بكِ، لأترك لنفسي فسحة ضئيلة من الأمل بأن أكتبكِ ذات يوم بعد أن تكتمل القصة؟"

    توقف قرب محل لبيع الزهور، واشترى لعينيها باقة من القرنفل، ثم تابع طريقه.

    "في ذلك اليوم، تذكرين؟ قلتِ لي: "هل تحب الشعر؟" فرفعت حاجبيَّ بدهشة، وسألتكِ: "أنتِ تكتبين الشعر؟" أومأتِ أن نعم، ثم قلتِ: "أكتب شعراً باللهجة المحكية" شعرتُ في حينها ببعض الخيبة، وقد لاحظتِ ذلك، فسألتِني: "ماذا؟ ألا تحبه؟" وقد كنت في الحقيقة لا أحبه كثيراً، لكنني قلت بارتباك لكي لا أخيّب أملكِ: "يعني...ليست المسألة أنني لا أحبه، ولكنني لا أسمع شعراً جيداً من هذا النوع إلا نادراً" قلتِ ببهاء: "سأجعلك تغيّر رأيك فيه، اسمع"، وانتظرت أن أسمع عن الحب، عن السماء والنجوم والورود والقمر، لكنني سمعت الوطن ينساب من شفتيكِ. لم أعرف إن كان الشعر جيداً، فأنا لم أهتم كثيراً لذلك، لكنكِ استحوذتِ على روحي بتلك الكلمات. إحدى وعشرون سنة، مع تلك الرقة الهشة، وذلك الجمال الساحر، وتلك الأناقة المرهفة...كل ذلك كان ينبغي به أن يجعلكِ تكتبين عن الحب والأحلام، لكنكِ استحضرتِ بدلاً من ذلك فلسطين، وجعلتِ تنسجينها بالكلمات، حلماً لا كتلك الأحلام. قلت لكِ: "أنتِ رائعة" فابتسمتِ، وسألتِني: "أعجبك شعري؟" قلت بحماس: "جداً" ثم لاحت لي ذكرى تلك الأيام الطفولية، حين كنت أهوى أن أكتب قصصاً صغيرة، ثم أمزقها وأرميها، وقلت في سري إنني سأعود يوماً إلى الكتابة"

    - أستاذ شجاع.

    أجفل وهو يعود بروحه إلى الازدحام والغبار، فاقترب منه حسان محيياً:

    - كيف حالك أستاذ شجاع؟

    - أهلاً. أهلاً.

    قال الرجل مبتسماً:

    - ماذا تفعل في ديارنا؟

    نظر إليه شجاع بدهشة، وتلفت حوله، ثم قال:

    - هل هذه ديارك؟

    ضحك حسان وقال:

    - كل ما يحيط بوزارة المالية يدخل في اختصاصي. أنت تعلم ذلك جيداً.

    ضحك شجاع مجاملاً، فقال حسان:

    - اليوم سنجتمع عند الدكتور فايز من أجل الاتفاق على موضوع تركيب باب حديدي للبناء. هل أبلغوك؟

    - لا. ليس بعد.

    قال حسان متأففاً:

    - يا أخي أم علي هذه، ليكن الله في عوننا عليها. حين تلاحق مسألة ما، تظل تلح عليها حتى تتحقق.

    - لا بأس. سيدة كبيرة وعلينا أن نسايرها.

    - إذن أراك في المساء أستاذ شجاع. عليَّ أن أتابع جولتي.

    قال حسان ذلك وهو يمد يده مصافحاً بنشاط، والابتسامة لا تفارق وجهه، ثم مضى في طريقه. تابعه شجاع وهو يبتسم. كان دوماً نشيطاً مبتسماً، متأبطاً تلك الحقيبة التي كادت تصبح جزءاً من صورته. همهم شجاع بسخرية، وقال في سره:

    "من نجوى إلى حسان. أي هبوط مدوٍ هو هذا؟!"

    عاد الحر والازدحام والغبار. عاد ضجيج السيارات والمارة وأجهزة التسجيل. قرر أن يهرب من كل ذلك، فأشار إلى سيارة أجرة. حين انطلقت السيارة به، سرحت أفكاره من جديد:

    "رواية وحيدة حتى الآن. لا بأس بذلك على أية حال، فأنت لا تزال في السادسة والثلاثين من العمر، ولديك متسع من الوقت. ولكن...ولكن...لا بد من الاعتراف. الرواية لم تضرب أرقاماً قياسية في البيع أو في ترحيب النقاد، ولم تُطبع طبعة ثانية. لماذا؟ على أية حال، الأمر لا يهم. إنها مجرد البداية. ولكن ألستُ مخطئاً قليلاً في تفكيري؟ أبحث عن موضوع بعيد عن القضايا الكبرى، وأفترض رغم ذلك أن الرواية الجديدة ستكون حدثاً؟ ثم ماذا في هذه المدينة من أشياء كبيرة للحديث عنها؟ ماذا غير الثرثرة والفراغ والغبار؟"

    - كذابون كلاب!

    قطعت عليه شتيمة السائق أفكاره، فنظر إليه بدهشة وسأله:

    - خير يا أخ؟ من هم الكذابون الكلاب؟

    كان السائق يدير مؤشر الراديو إلى محطة أخرى. أجابه:

    - ألم تسمع؟ يقولون إن أمريكا ستضغط على إسرائيل من أجل السلام. كلاب. كلهم يهود. أقسم بشرفي يا أستاذ إنهم يهود. ويقولون لك دولة عظمى. أية دولة عظمى هذه التي تخوّفها دولة صغيرة لا تكاد تظهر على الخارطة مثل إسرائيل؟ تفو!

    ابتسم شجاع وقال:

    - بسيطة. ليس في الأمر جديد على أية حال.

    - يا أستاذ، يا أستاذ. أنت تقول بسيطة؟ يظهر عليك أنك رجل مثقف، ورغم ذلك تقول بسيطة؟ هؤلاء الناس لا هدف لهم إلا ضررنا. إنهم يخافون من العرب لأنهم يعرفون أن العرب إذا توحدوا لا يقف في وجههم أحد. أليس كذلك؟ بشرفك، أليس كذلك؟

    قال شجاع بجدية:

    - يعني...ربما. محتمل. لكنهم ليسوا قادرين على كل شيء على أية حال. يمكننا أن...

    - يمكننا ماذا يا أستاذ؟ لا يمكننا إلا أن نركب زوجاتنا وننجب المزيد من الأطفال. شعب فحل.

    صمت قليلاً ثم أضاف بنبرة تحليلية ذكية:

    - لكن يا أستاذ خذها من هذه الشيبة. النصر لنا. أتعرف لماذا؟ لأن الله معنا. "ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" صدق الله العظيم. نعم. الله سينصرنا عاجلاً أم آجلاً. ألم ترَ كيف حطم الله دولة الملحدين السوفييت؟ كانت دولة عظمى، ثم، فجأة، سقطت بدون رصاصة واحدة. سبحان القادر على كل شيء.

    - هنا من فضلك.

    أوقف السائق سيارته، وأخرج شجاع محفظته ليدفع له، فتابع بنبرة من سيلقي بخبر سري خطير:

    - سمعت أن الصين ستكون دولة أعظم بكثير من أمريكا عما قريب، وهؤلاء يمكن أن يساعدونا. ما رأيك يا أستاذ؟

    قال شجاع وهو يناوله النقود مبتسماً:

    - لكن هؤلاء أيضاً كفار يا صديقي.

    - سيدي. ليأتِ الفرج على يد من يأتي به، ثم، الله يتصرف من عنده مع الكفار.

    ترجل شجاع من السيارة بعد أن تجاهل السائق إعادة باقي الخمسين ليرة له، وراقب السيارة وهي تبتعد وهو يقول في سره مبتسماً بسخرية:

    "أين يمكن، في هذا البلد، أن يعثر المرء على شخص لا يفهم في السياسة ويتحدث بها؟ كل الناس تعرف كل الحقيقة، ورغم ذلك..."

    همهم بأسى، ودخل إلى البناء الذي تقع فيه شقته، وأخذ يصعد السلالم مسرعاً، متشوقاً إلى اللحظة التي ينفرد فيها بأوراقه. كان قد جهز نفسه لأيام طويلة من الكتابة. بالأمس، حين أغلق العيادة، ألصق على بابها ورقة كتب عليها: "العيادة مغلقة حتى إشعار آخر لإجراء بعض أعمال الصيانة" لم يكن هناك صيانة ولا شيء من هذا القبيل، ولكن ماذا سيكتب؟ "العيادة مغلقة لأن الدكتور يود أن يكتب رواية جديدة؟" كان مرضاه القلائل، وكل من يقرأ هذه الكلمات، سيسخرون منه. ها هو يحمل أوراقه ويتوجه نحو الوحدة. رزمة أوراق جديدة، وقلم جديد، هما أمران لا بد منهما مع كل رواية جديدة، مهما توفر لديه من فائض الأوراق والأقلام. كان يحب دائماً أن يبدأ بأدوات جديدة لم تستعمل من قبل. كان يسخر من نفسه أحياناً، ويقول إنه لا يليق برجل مثقف أن يربط إبداعه بأمور لها علاقة بالتفاؤل أو بالتطير، لكنه رغم ذلك لم يغيّر هذه العادة. الأوراق والأقلام بين يديه الآن، وكذلك بعض الأفكار للبداية. يمكنه دوماً أن يبدأ ببعض الأفكار. لا ضرورة لأن يكتمل الموضوع في ذهنه قبل أن يبدأ. أفكار وشخوص أولية، ثم تقوده هذه إلى المزيد، بعد أن يمنحها وجودها وحياتها على الورق.

    عند باب شقة أم علي، جارته العجوز، وجدها واقفة مع شاب تتجادل وإياه حول شيء ما. دفعه الفضول لأن يقف قليلاً دون أن تراه. كانت أم علي تقول للشاب بنفاد صبر:

    - اسمع يا بني. أنا أم علي. الجميع هنا يعرفونني، وأنا أعرف كل الجيران. قلت لك إنه لا يوجد أحد بهذا الاسم في هذا الشارع كله. أعرفهم بيتاً بيتاً، أكلت إلى موائدهم وأكلوا إلى مائدتي. أعرف أدق خباياهم، هل تريد أن أخبرك لماذا تشاجر أبو هيثم، أبو هيثم الذي في البناء التالي، مع زوجته فغضبت وعادت إلى بيت أهلها؟

    قال الشاب متأففاً:

    - يا خالة. يا خالة، أرجوك. سألتك وأجبتني. أنا مستعجل، لا تهمني حكاية أبي هيثم وأم هيثم.

    همَّ بالمضي، فاستوقفته معترضة:

    - ليست هي أم هيثم يا بني. هيثم ابنه من زواج سابق. اسمع...

    طفح كيل الشاب. كان فيما يبدو قد سألها عن شخص ما، فأكدت له أنه غير موجود لا في هذا البناء ولا في الشارع كله، وطفقت تستعرض أمامه مهارتها في مجال الأنساب، فوقف المسكين معها احتراماً لسنها، أما الآن، فقد تركها ونزل السلالم كمن يفر بجلده من ورطة ما. مرَّ شجاع قرب بابها، فحياها:

    - نهارك سعيد يا خالة.

    - أهلاً يا بني.

    وهم بمتابعة الصعود إلى شقته، فاستوقفته قائلة:

    - أستاذ شجاع، اتفقنا أن نجتمع في السابعة من مساء اليوم في بيت الدكتور فايز من أجل موضوع الباب الحديدي للبناء. ستأتي، أليس كذلك؟

    أجاب مبتسماً بمودة:

    - ولو؟ طبعاً. من أجل عيون خالتي أم علي سآتي بكل تأكيد.

    - حفظك الله يا بني. ليت كل الجيران مثلك.

    ابتسم لها، وتابع طريقه نحو منزله الكائن في الطابق التالي.


    --------------------------------------------------------------------------------
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-04
  3. أسـ الحزن ـيرة

    أسـ الحزن ـيرة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-27
    المشاركات:
    644
    الإعجاب :
    0
    يعطيك العافية 000

    جزاك الله كل الخير0000
    لى عودة فى تعليق
    تحياتى
     

مشاركة هذه الصفحة