رمضان محطة سفر إلى الجنة الحلقة (20)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 565   الردود : 1    ‏2002-12-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-03
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    رمضان محطة سفر إلى الجنة الحلقة (20)

    طهرة للصائمين وطعمة للمساكين

    فرض الله تعالى زكاة الفطر على جميع المسلمين، لا فرق بين كبير وصغير، وذكر وأنثى، وحر وعبد.

    كما روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال:
    "ثم فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". [البخاري (1432) ومسلم (985، 986)].

    وجماهير علماء الأمة أتفقوا على أن زكاة الفطر فرض، بل قد نقل كثير من العلماء الإجماع على ذلك، فلا يلتفت إلى من زعم نسخها بفرض الزكاة. [راجع المغني لابن قدامة (2/351) ونيل الأوطار (4/250)]

    ويخرج الزكاة عن الصغير والعبد ولي أمرهما، وكذلك كل من تجب عليه نفقته...

    كما قال أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه: يقول:
    "كنا نخرج زكاة الفطر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، عن كل صغير وكبير حر ومملوك.." [مسلم (985) ، وسنن البيهقي الكبرى (7461)]

    ما الحكمة في فرض زكاة الفطر؟

    إن المسلم مأمور بطاعة الله، في تنفيذ ما أمر الله به، سواء عرف الحكمة في ذلك أم لا؟

    ولكن كثيراً من أبواب الشريعة قد تظهر حكمتها من النصوص الواردة فيها، وما لم يظهر من النصوص، قد يعلمه بعض العلماء، وإن خفي على غيرهم، ومما ظهرت حكمته من النصوص، زكاة الفطر..

    ومنها ما يأتي:

    الحكمة الأولى:
    إغناء الفقراء في يوم فرح وسرور المسلمين، فلا يليق بالأغنياء، أن يفرحوا ويسروا، ويلبسوا جيد الثياب، ويأكلوا لذيذ الطعام، وبعض إخوانهم يتضورون من الجوع، ويلبسون رديء الثياب، لما في ذلك من حسرة نفوسهم، وانكسار قلوبهم…

    وينبغي للأغنياء أن يتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: الذي رواه عنه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [البخاري، رقم (13) ومسلم رقم 45] ويضعوا أنفسهم موضع إخوانهم الفقراء، ليكون ذلك حافزاً لهم على البذل والإنفاق.

    الحكمة الثانية:
    جبر ما قد يكون حصل من الصائم، في شهر الصيام، من لغو ورفث وغيرهما، ليكمل له صومه، وهذا من فضل الله تعالى على عبده المؤمن، حيث يشرع له ما يطهره ويجبر النقص الذي يقع في عبادته.

    وقد نبه على هاتين الحكمتين، حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال:
    "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي زكاة من الصدقات" [أبو داود (1609) والحاكم في المستدرك، وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" رقم (1488)]

    الحكمة الثالثة:
    تذكير الصائمين من الأغنياء، بأن ما مسهم من الجوع في صيامهم في شهر رمضان، يمس إخوانهم الفقراء في رمضان وغيره، وأن ذلك يذكرهم بأن إنفاق أموالهم على إخوانهم الفقراء، مما يرضي ربهم سبحانه وتعالى..

    ووجوب زكاة الفطر على الأغنياء يدعوهم إلى الاستمرار في مواساة الفقراء في جميع الأوقات، والصحيح أنه يجب على الغني أن يطعم الجائع، ولا يليق به أن يبيت شبعان وجاره جائع، وأن في المال حقاً سوى الزكاة.

    وقت أداء زكاة الفطر

    سبق أن من حكم فرض زكاة الفطر، إغناء الفقراء والمساكين، في يوم العيد واستقرارهم، واستغناءهم عن الطواف على الأغنياء لطلب الرزق، ولهذا شرع أداؤها يوم العيد، قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها عنها، فإذا أخرت لم تجزئ عن الفرض، وإنما تكون صدقة من الصدقات.

    روى ابن عمر:
    "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر، أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". [البخاري، رقم (1440) ومسلم، رقم (986)]

    ويجوز إخراجها قبل يوم العيد، لئلا يشغلوا عن أدائها في وقتها، وللعلماء في وقت إخراجها قبل يوم العيد أقوال، فصلت في كتب الفقه، والذي يظهر أنه ينبغي ألا يطول الوقت قبل يوم العيد، وقد أشار إلى ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما... وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين.. [البخاري، رقم (1440) وراجع أقوال العلماء في المغني لابن قدامة (2/359) ونيل الأوطار للشوكاني (4/252)].

    وقد تدعو المصلحة، إلى تقديمها في وقت أوسع، كأن تنقل إلى بلد غير البلد الذي يسكنه مؤديها....كما سيأتي.

    الأصناف التي يجب إخراج زكاة الفطر منها:

    وردت السنة بإخراج زكاة الفطر من بعض الأطعمة، كما سبق في حديث ابن عمر المتفق عليه:
    "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" وذكرت أصناف أخرى، كالزبيب والأقط".

    والصحيح أنه لا يتعين شيء من الأطعمة، بل الراجح أن تخرج من غالب قوت أهل البلد، لأنه الأسهل على الغني والفقير معاً.

    قال ابن تيمية رحمه الله:
    "وكذلك أمره بزكاة الفطر بصاع من تمر أو شعير، هو عند أكثر العلماء لكونه كان قوتاً للناس، فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم، وإن لم يكن من الأصناف الخمسة، كالذين يقتاتون الرز أو الذرة، يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد". [مجموع الفتاوى (21/205)]

    وهل يجزئ إخراج القيمة من النقود؟

    ذهب جمهور العلماء، إلى أن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الأصناف التي ذكرت في الحديث، وبعضهم أجاز إخراجها من غالب قوت أهل البلد.

    ومنعوا إخراج قيمتها من النقود اختياراً من صاحبها، بخلاف ما إذا اضطر إلى ذلك، كأن يكون في مكان يصعب عليه وجود الطعام فيه، ولو أخر إخراجها حتى يجد الطعام، فات وقتها، فإنه يجوز له إخراجها بالقيمة، وعلى هذا الرأي المالكية والشافية والحنابلة، وحجتهم في منع إخراج القيمة اختياراً، مخالفة ذلك لتعيين الشارع الأصناف التي تخرج منها.

    قال ابن قدامة: "( 1966 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ :
    (وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ, لَمْ تُجْزِئْهُ ) قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي فِي زكاة الْفِطْرِ - قَالَ: أَخَافُ أَنْ لاَ يُجْزِئَهُ، خِلاَفُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قَالَ لِي أَحْمَدُ:
    لاَ يُعْطِي قِيمَتَهُ, قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ، .قَالَ يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُونَ قَالَ فُلاَنٌ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )). [المغني (2/357) ومنار السبيل (1/197)]

    وقال القرطبي في تفسيره (8/175):
    "الثاني أخذ القيمة في الزكاة، وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة، فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى فوجه الجواز وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث [يقصد حديث معاذ الذي ذكره قبل ذلك، ونصه: "روي أن معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس، آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الزكاة، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة، أخرجه الدارقطني" قال: "والخميس لفظ مشترك وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع"]

    وقال النووي رحمه الله:
    "اتفقت نصوص الشافعي رضي الله عنه، أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، وبه قطع المصنف وجماهير الأصحاب" [المجموع(5/384)]

    وذهب الحنفية إلى جواز إخراجها بالقيمة، واحتجوا بأن المقصود هو إغناء الفقراء والمساكين بها، والإغناء يحصل بالقيمة، كما يحصل بالطعام، بل قد تكون القيمة أكثر مصلحة لهم.

    قال الكاساني رحمه الله:
    "...فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوساً أو عروضاً أو ما شاء، وهذا عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة... ولنا أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم ) والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم وأوفر، لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه تبين أن النص معلول بالإغناء... [بدائع الصنائع (2/73)]

    وقد لخص ابن رشد رحمه الله، أقوال العلماء في إخراج القيمة عن الأعيان في الزكوات عموما، فقال:
    "واختلفوا هل يجوز فيها أن يخرج بدل العين القيمة أو لا يجوز؟

    فقال مالك والشافعي:
    لا يجوز إخراج القِيَم في الزكوات بدل المنصوص عليه في الزكوات، وقال أبو حنيفة: يجوز سواء قدر على المنصوص عليه أو لم يقدر..

    وسبب اختلافهم:
    هل الزكاة عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان لم يجز، لأنه إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها، فهي فاسدة.

    ومن قال:
    هي حق للمساكين، فلا فرق بين القيمة والعين عنده....

    والحنفية تقول:
    إنما خصت بالذكر أعيان الأموال، تسهيلاً على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه، ولذلك جاء في بعض الأثر، أنه جعل في الدية على أهل الحُلل حُللا، على ما يأتي في كتاب الحدود بداية المجتهد (1/277)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-12-03
  3. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    مواصلة للموضوع

    وهناك رأي آخر، وهو أنه يجوز إخراج القيمة عن الأعيان، للحاجة أو المصلحة..

    وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله:
    " وَأَمَّا إخْرَاجُ الْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ. .. فَلاَ بَأْسَ بِهِ : مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعِهِ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَوْ حِنْطَةً، إذْ كَانَ قَدْ سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ" وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ . ....

    وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ، لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لأَهْلِ الْيَمَنِ: " ائْتُونِي بِخَمِيصِ أَوْ لَبِيسٍ أَسْهَلُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِمَنْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار" وَهَذَا قَدْ قِيلَ إنَّهُ قَالَهُ فِي الزَّكَاةِ وَقِيلَ: فِي الْجِزْيَةِ" [مجموع الفتاوى(25/82)].

    وهذه النصوص التي ذكرناها عن العلماء، وإن كان غالبها في الزكاة عامة، فإن زكاة الفطر داخلة في هذا المعنى العام.

    و الرأي الذي ذكره ابن تيمية، من الأمر يعود إلى المصلحة والحاجة، هو الراجح إن شاء الله، لثلاثة أمور:

    الأمر الأول:
    حاجة مخرج الزكاة إلى إخراج القيمة، لصعوبة حصوله على أحد الأصناف المذكورة في الأحاديث، والذي يظهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم، نص على الأعيان المذكورة، لكونها كانت أيسر على الأغنياء من القِيَم.

    الأمر الثاني:
    أن إخراج الزكاة – ومنها زكاة الفطر - ليس تعبدياً محضاً، بل لها معنى معقولاً، وهو إغناء الفقراء والمساكين، والإغناء يحصل بالعين ويحصل بالقيمة...

    الأمر الثالث:
    أن إخراج القيمة قد يكون أكثر نفعاً و مصلحة من إخراج العين، وهذا واضح في عصرنا هذا في غالب البلدان، لأن الفقير يستفيد من القيمة أكثر من استفادته من الأطعمة، حيث يستطيع أن يوفر حاجاته بالقيمة مباشرة، مثل ملابسه وملابس أسرته، وأجرة منزله، بدون خسارة..

    بخلاف ما إذا أعطي الأطعمة، فإنه قد يضطر إلى بيع ما يحتاج منها، للحصول إلى النقود، والغالب أنه يبيعه بأقل من قيمته بكثير.

    وغالب الأحكام الشرعية مبنية على الحكم والمصالح، كما قال ابن القيم رحمه الله:
    "فصل في تغير الفتوى واختلافها، بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، .... فإن الشريعة مبناها وأساسها، على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها" [إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/3)].

    وهل يجوز نقل زكاة الفطر من بلد إلى بلد؟

    روى ابن عباس رضي الله عنهما:
    "ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بعث معاذاً رضي الله عنه على اليمن، قال: ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب..) الحديث - إلى أن قال – ( فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم...) [البخاري، رقم (1389) ومسلم، رقم (19)].

    ذكر الإمام النووي أن الضمير في قوله ( فترد على فقرائهم ) يحتمل أن يعود إلى فقراء المسلمين أينما كانوا، ويحتمل أن يراد به فقراء أهل بلد الزكاة، وأن الاحتمال الثاني أظهر. [شرح النووي على صحيح مسلم (1/198)]

    وبناء على هذا الاحتمال، يكون الأصل صرف الزكاة على فقراء أهل البلد، ولا تنقل الزكاة إلى بلد آخر، إلا إذا فاضت عن أهل البلد الذي تخرج فيه.

    إلا أن الواجب مراعاة أحوال المسلمين، في بلد الزكاة وفي البلدان الأخرى، فإذا علم أن فقراء بلد الزكاة عندهم ما يسد بعض حاجتهم، والمسلمون في بلد آخر لا يجدون ما يأكلون من الطعام وما يلبسون من الثياب، وما يسكنون من البيوت، فإن الواجب نقل ما يحفظ حياتهم من الزكاة، ولا يجوز تركهم يموتون من الجوع والبرد والحر...

    ومن أظهر الأمثلة في عصرنا ما نشاهده في الأرض المباركة "فلسطين" التي يخرج اليهود فيها من بيوتهم، بل يهدمونها على رؤوس بعضهم، فلا يجد من بقي حياً، مأوى يسكنه، ولا طعاماً يأكله، ولا ثوباً يستره، ولا دواء يستشفي به.

    لقد كثر أيتامهم، وكثرت أراملهم، وكثر مرضاهم، وكثر معوقوهم، واشتد حصارهم، وأفسدت مزارعهم وبساتينهم، ولا يجد أقوياؤهم عملاً يأخذون عليه أجراً، يسد حاجتهم.

    إن الواجب على أغنياء المسلمين، وولاة أمرهم، في جميع البلدان الإسلامية، أن يقارنوا بين فقراء بلدهم، وفقراء المسلمين في فلسطين، ويقدموا الأكثر حاجة، بل الأكثر ضرورة، إضافة إلى أن الفقراء في فلسطين، مجاهدون في سبيل الله، جهاد دفع عن أنفسهم، وأرضهم وعرضهم.

    وليست هذه دعوة لحرمان فقراء بلد الزكاة منها، وإنما هي دعوة للعدل بين فقراء المسلمين، وتقديم أهل الضرورات على أهل الحاجات، والأشد ضرورة على من هو أخف حاجة...

    ولكن قد يطرأ بعض الأسباب التي تقتضي نقل الزكاة من البلد الذي تصرف منه، إلى بلد آخر.

    وقد ورد في بعض الأحاديث، أن معاذاً رضي الله عنه، نقل بعض أموال الزكاة من اليمن، إلى المهاجرين والأنصار في المدينة..

    قال القرطبي رحمه الله:
    "وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال:

    القول الأول:
    لا تنقل.. قاله سنحون وابن القاسم وهو الصحيح لما ذكرناه، وقال ابن القاسم أيضاً: وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صواباً، وروي عن سحنون أنه قال: ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الزكاة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه.

    والقول الثاني:
    تنقل... وقاله مالك أيضاً، وحجة هذا القول ما روي أن معاذاً قال لأهل اليمن: ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الزكاة، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة" أخرجه الدارقطني وغيره...

    القول الثالث:
    "وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام والقول الأول أصح والله أعلم" [الجامع لأحكام القرآن (8/175)]

    هذا ما رجحه القرطبي رحمه الله، وأرى أن ما ذكره عن سحنون أنه قال:
    "ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الزكاة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه.. أقرب إلى مقاصد شرع الله...

    والله أعلم…
     

مشاركة هذه الصفحة