كائنات إنترنتية !! /د.أحمد يونس

الكاتب : علي طه الصايدي   المشاهدات : 396   الردود : 0    ‏2007-11-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-11-29
  1. علي طه الصايدي

    علي طه الصايدي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-03-28
    المشاركات:
    2,256
    الإعجاب :
    0

    هلوسة آخر الليل
    الرفاق حائرون.
    يتجادلون. يتشاتمون. يتقاتلون.
    هناك في دوامة السكون.
    هناك حيث لا بشر.
    هناك حيث لا خطر.
    هناك حيث لا مباحث, أو مخبرون,
    وحيث لا مطـاردة,
    لكل من يتجرؤون,
    على انتقاد صاحب البلد,
    أو الذين في حماه ينهبون.
    هناك حيث لا سجون.
    الرفاق قابعون. متقوقعون.
    متربصون. متشرذمون. يتساءلون.
    عن كـل شيء في جنون.
    عن الرضوخ والمقاومة.
    عن العدو والمساومة.
    عن محنة السواد الأعظم الفقير.
    عن الحكومة التي بلا ضمير.
    ويصرخون.
    بأعلى صوتهم هم يصرخون.
    ويهتفون.
    هناك في جوف الظلام يهتفون:
    ـالمجد للأطفال والزيتون.
    ـالمجد للأحرار والتحرير.
    لكن فقط, على الأثير.
    لكن فقط, على الأثير.


    أنا في الحقيقة لا أعرف ما الذي دفعني لكتابة ما سبق. لماذا بالشعر؟ هل هو الغضب من الرفاق الذين أصبحوا يعيشون في الترلملم؟ أم أن السبب يرجع إلى تعاطفي الشديد مع مأساتهم, خاصة أنهم لا يشعرون بها؟ هم على وجه التحديد, فالآخرون يهمني أمرهـم بدرجةٍ أقل.
    ذات يوم, تخيلوا ـ وأنا منهم ـ أن الكرة الأرضية في انتظار أن يطهروها من الاستغلال, وأن يدخـلوا المـدن المقهورة على رأس الجماهير في مواكب النصر. لكن الحلم استحال كابوساً, فملؤوا الحقائب بالتصاوير الملونة كألعاب الأطفال. ملؤوها بذكريات الزمن الذي مضى, لينقذوها ـ هناك بعيداًـ من الطوفان. أسقطوا من حقائب الذاكرة كـل مـا يبعث على الإحساس بضياع العمر هباءً. أسقطوا من حقائب الذاكرة كـل مـا يقلل من لذة الشعور بالرضا عن النفس أو يعكر صفو الضمير. تخلصوا من الوزن الزائد, فكانت النتيجة أن اختفى كل ما قد يحتاج إلى التعديل أو المراجعة. حالوا بذلك دون إمكانية التعلم من الخطأ.استوطنوا الإنترنت. ولم أكن هذه المرة معهم. لاذوا بالفرار إلى الواقع البديل. أصبحوا نوعاً من الـكائنات الإنترنتية. يتجادلون ويتشاتمون ويتقاتلون هناك داخل الشبكة. لا أحد سواهم يسمع ما يقولونه. يتجاذبون ـبتلك الأظافر الحـادة غير المقلمة من سنينـ أطراف المبادئ القديمة حتى تمزقت بين أيديهم. يتقاذفون بالمصطلحات الزجاجية المشطوفة إلى أن تطمس الجراح تقاطيع الوجوه, ويندفع الدم من الفم والعينين. لحاهم تسكنها العتة. وعلى جباههم غبار المخازن المختومة بالشمع الأحمر. كالأشباح التي لا تستريح إلا في خرائب المدن, أصبحوا يظهرون على فترات متباعدة. صاروا يتخيلون دون أن يغادروا المنفى السحيق أن الكرة الأرضية ما زالت في انتظار أن يطهروها من الاستغلال, وأنهم سيدخلون المـدن المقهورة على رأس الجماهير في مواكب النصر. اعتادوا على استنشاق الهواء الفاسد الذي يختلط بالعفن في الأماكن المغلقة لأزمنةٍ طويلة. البعض يطلون ـ أحياناً على ما يجري في الحياة, ليعودوا مرةً أخرى إلى العالم الافتراضي الأجمل. هناك, يتكومون إلى جوار الحوائط الوهمية متخذين وضع الأجـنة في بطـون الأمـهات.
    الإنترنت, ما هو إلا طريقةٌ في التواصل. ليس كهفاً نأوي إليه بأحلامنا المهزومة. يا أخوتي الذين هاجروا إلى مغارات الحنين! أوحشني كثيراً أن أراكم هنا تحت شمس الألم الحقيقي الذي بلا نهاية. لا شيء في الدنيا ينوب عن المصافحة...!



    قلم / د.أحمد يونس
     

مشاركة هذه الصفحة