لماذا نرفض توريث الحكم الى ابن الرئيس؟!

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 459   الردود : 0    ‏2002-12-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-12-02
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    (1) لماذا نرفض توريث الحكم لابن الرئيس مبارك؟
    (2) تأبين مبارك للارهابي رابين كان مشهدا مروعا وغير مقبول

    (3) مبارك وصف رابين المجرم بأنه " عظيم " 4 مرات وأنه "العظيم " مرتين

    (4) ويصفه بالصديق العزيز والمحارب الشجاع وداعية السلام والرائد والمناضل الجسور وانه شخصية دولية مرموقة وسياسي مرهف وفذ ورؤيته ثاقبة .. هل هذا معقول ؟!




    بقلم : مجدي أحمد حسين
    magdyhussien@hotmail.com



    فى يوم 2 نوفمبر الماضى .. فى ذكرى وعد بلفور .. و فى الذكرى السابعة لاغتيال اسحاق رابين رئيس وزراء اسرائيل .. قرر حسنى مبارك ان يهوى بنا الى القاع .. ففى لحظة يرتفع فيها الجهاد الفلسطينى الى الذروة .. وتستجمع الامة العربية قواها من هنا و هناك للتصدى الى الغزوة الامريكية-الصهيونية .. و فى لحظة يجرى الحديث الامريكى الصريح عن اعادة رسم خريطة المنطقة العربية انطلاقا من العراق .. و انتهاء بمصر ذاتها .. فى هذه اللحظة يعود بنا الرئيس مبارك الى نقطة ما تحت الصفر .. بعد عامين من الجهاد البطولى للشعب الفلسطينى .. يعود بنا الرئيس مبارك الى المراهنة على حزب العمل الاسرائيلى المنهار .. و باعتبار ان مصير العرب و المسلمين رهينة فى يد الناخب الاسرائيلى الذى نتوسله ان يسقط شارون و ان يأتى بأبناء حزب العمل الطيبين الى سدة الحكم فى الكيان الصهيونى .. لتعود الى المنطقة اجواء السلام المشرقة ..

    هذه الطبخة الرديئة شاطت و احترقت .. فى كلمة وجهها رئيس مصر الى تجمع لم يتجاوز المئات من اليهود (حسب وكالات الانباء وفى اهرام 3/11/2002 تحت نص كلمة مبارك) .. بينما كانت قوات الامن الاسرائيلى أكثر عددا من الجمهور الهزيل الذى تجمع فى احد ميادين تل ابيب يحتفل بذكرى رابين ويستمع لكلمة رئيس اكبر دولة عربية .

    واذا كانت المناورات من حيث المبدأ العام معروفة و مقرة فى السياسة .. الا ان هناك بونا شاسعا بين المناورة و الاهانة .. وقد كانت كلمة الرئيس مبارك اهانة كبيرة للمصريين -الذين يحكم باسمهم- وللعرب و المسلمين.

    ففى كلمة لا يستغرق القاؤها دقائق معدودة .. وصف الرئيس مبارك رابين رمز العدو الصهيونى بأنه عظيم ست مرات من بينها مرتان معرفة بالالف و اللام (العظيم) .. بينما هذه صفة من صفات الله الصقها برابين .. ووصف رابين بالصديق العزيز ( صديق مبارك طبعا) مرة واحدة ووصفه بالشجاعة مرتين (محارب شجاع - شجاعته) .. ووصفه بأنه (داعية سلام) وانه ( الرائد) و خلع عليه لقب مناضل مرتين (مناضل جسور - مناضل) كما وصفه بأنه (شخصية دولية مرموقة) و انه (سياسى مرهف وفذ) ووصف ذكرى رحيله بأنها (ذكرى غالية) مرتين وقال (ان ذكراه خالدة فى اذهاننا ) و ان (سعيه للسلام راسخا فى وجداننا) و اننا - اى الرئيس مبارك - يذكره (بكل العرفان و التقدير) و انه (يأسف لرحيله) كما وصفه بأن (رؤيته ثاقبة ) و ان (المبادىء التى تركها رابين لا تزال تشكل اساسا صلبا لصحوة حقيقية) واضاف ( اننى على ثقة بأننا نستطيع معا مواجهة جميع التحديات اذا كان يجمعنا الاصرار على تحقيق الرؤى التى شاطرها معنا اسحاق رابين)

    اننى لا اذكر ان الرئيس مبارك خلع كل هذه الالقاب فى كلمة قصيرة .. فى أى يوم من الايام على رمز مصرى او عربى او مسلم طوال فترة حكمه المديد .

    لقد طالبت الامة بكل اتجاهاتها .. بمثقفيها و جماهيرها .. الرئيس مبارك .. بحشد كل القوى لمواجهة الغطرسة الاسرائيلية - الامريكية .. فرفض ابسط المطالب (طرد السفير الاسرائيلى)..

    وحتى هذه اللحظة لا تزال العلاقات السياحية و البترولية مزدهرة مع اسرائيل .. ومايزال الرئيس يتحدث عن العلاقات الاستراتيجية مع العدو الامريكى .. و القرار الوحيد الذى اتخذه ازاء العدوان الاسرائيلى الذى اجتاح مختلف الاراضى الفلسطينية الخاضعة للسلطة الفلسطينية .. هو وقف الاتصالات .. وسرعان ما عادت الاتصالات الى اشدها .. وكانت الاتصالات التليفونية مع شارون ذاته .. وكان ارسال المبعوثين له .. والاتصالات ماتزال مستمرة .. اى ان النظام المصرى لم يتخذ قرارا واحدا ضد اسرائيل منذ اجتياح ابريل الماضى حتى الان .. وكنا صابرين على ذلك ، ونحاول البحث عن مساحات مشتركة مع الموقف الرسمى .. ولكن الرئيس كعادته يصر على العودة بنا الى نقطة الصفر او ما تحت الصفر، ولقد اعتاد النظام على التصرف على اساس ان التصريحات و الاقوال غير مهمة..على اساس ان الكلام يطير فى الهواء، ولكن ما يصدر على لسان حاكم مصر لا يطير فى الهواء .. ويزرع اليأس و الاحباط و الخوف من العدو .. وتظل الكلمة الخالدة صحيحة : (فى البدء كان الكلمة).

    ولكن من هو اسحاق رابين ؟ المجال لا يتسع لعرض تأريخى طويل و مفصل .. ولكننا مضطرون لتقديم نبذة للشباب الذين قد يظنون ان فى اسرائيل قديسا اختطفته يد المنون.. وان مصيرنا معلق بتلامذة و أتباع هذا القديس رابين.

    رابين التحق فى شبابه بقوات الهاجاناه .. وهى العصابات الصهيونية الاساسية التى عملت على طرد الفلسطينيين من ديارهم و اقامة الكيان الصهيونى .. فى عام 1945 اصبح نائبا لقائد قوات البالماخ وهى الذراع الضاربة للهاجاناه .. ثم اصبح قائدا لها .. وهكذا كان له دور مهم فى حرب 1948 والتى اسفرت عن قيام الكيان الصهيونى و تأسيس الجيش الصهيونى.

    وفى عامى 51 - 1952 لعب دورا اساسيا فى استقبال 100 الف مهاجر يهودى فى معسكرات الايواء.

    وكان رئيس اركان الجيش الاسرائيلى فى حرب 1967 .. واصبح رابين بعد هذه الحرب بطلا قوميا فى اسرائيل ، و اصبح رئيسا لوزراء اسرائيل بعد حرب 1973 وتقلب فى موقع رئيس الوزراء ووزارة الدفاع على مدار سنوات عدة .. اهمها فترة الانتفاضة الاولى التى اندلعت عام 1987 وحتى توقيع اتفاقية اوسلو فى 13 سبتمبر 1993 .. وهى الانتفاضة المعروفة بانتفاضة الحجارة .. لأنها اعتمدت بالاساس على الجهاد المدنى .. من مظاهرات و اعتصامات ومنشورات ورشق جنود الاحتلال بالحجارة .. وفى هذه الفترة ووفقا لاحصاءات منظمة التحرير الفلسطينية فقد شهدت هذه السنوات استشهاد 1540 فلسطينيا وبلغ عدد الجرحى 130 ألفا و اعتقل حوالى 116 الفا لمدد مختلفة .

    بل خلال الاشهر الثمانية الاولى من الانتفاضة تم رصد 3400 اصابة بعاهات دائمة، وبلغت حالات الاجهاض بسبب القمع الاسرائيلى للنساء 1700 حالة .. (الطريق الى القدس - د.محسن محمد صالح).

    هذه هى انجازات رابين المتصدى الاول للانتفاضة بحكم موقعه كرئيس وزراء او وزير دفاع .. حتى عرف بلقب ( محطم عظام صبية فلسطين ) .. حيث امر قواته بالقبض على الصبية المتظاهرين وضربهم بالعصى و مؤخرات البنادق لتكسير عظامهم .. وهذا فى محاولة لتقليل عدد القتلى الذى بلغ كما ذكرنا 1540 فلسطينيا .

    وكان لرابين دوره المقدر فى مذابح الاسرى المصريين ،اما فيما يتعلق برغبته فى السلام فان عهده كباقى عهود اقرانه شهد اكبر كم من العمل الاستيطانى فى الاراضى المحتلة.

    وكان شعار رابين .. قليل من الكلام .. كثير من العمل الاستيطانى .. وهذه حقائق بالارقام لا يختلف عليها اثنان .. ( ان الاستيطان في عهد حكومات حزب العمل أكبر منه في عهد الليكود ) اما مشروع رابين " الرائد " للسلام فيمكن قراءته فى برنامج حزب العمل فى نفس الآونة التى شهدت اغتيال رابين.. (سوف تواصل اسرائيل تعزيز افضليتها النوعية على الجيوش العربية و ستعطى اولوية عليا للبحوث العسكرية وللتوسع فى الانتاج المحلى للمعدات العسكرية المتطورة و المبتكرة ) .

    ( سوف تتمسك اسرائيل بالمبادىء التالية فى المفاوضات :

    1- قدس موحدة هى عاصمة اسرائيل بمقتضى القانون الاسرائيلى.

    2- سيشكل نهر الاردن الحدود الامنية الشرقية لاسرائيل ، ولن يكون هناك جيش اخر فى الغرب .

    3- السيادة على وادى الاردن و شمال غرب البحر الميت وكتلة عيتسون و المناطق المهمة لامن اسرائيل.

    4- تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود اسرائيل و رفض حق العودة.

    5- فرض القانون الاسرائيلى على معظم المستوطنين الاسرائيليين ( اى عدم فك المستوطنات).

    ( الانتخابات الاسرائيلية - الكنيست الرابعة عشرة 1996 و مستقبل التسوية - د. عبدالعليم محمد)

    ********

    لا اريد ان اتحدث من خلال هذا الموقف عن تحليل الاوضاع فى تطورات القضية الفلسطينية .. والتكتيكات التى تتبعها امريكا و يشارك فيها مبارك للجم شارون لحين ضرب العراق .. وتخدير الرأى العام بمشروع التسوية المخادع الذى يدعى قيام دولة فلسطينية .. فاذا كانت امريكا تريد حقا اقامة دولة للفلسطينيين عام 2005 فلماذا تشارك فى ذبحهم عام 2002؟!

    ولكن اريد ان انتقل من هذا الموقف الفاجع (مشاركة مبارك فى تأبين رابين)..

    الى الموضوع الاساسى الذى يشغل المصريين و العرب .. حيث لا يجتمع اثنان الا ويكون حديثهما حول " توريث الحكم .. وهل سيورث مبارك الحكم لجمال مبارك؟!).

    وقد فتح الاستاذ محمد حسنين هيكل هذا الموضوع فى محاضرته الاخيرة بالجامعة الامريكية .. ورغم الخلاف الكبير مع اطروحات الاستاذ هيكل فى احاديثه الاخيرة فى قناة دريم .. الا انه لفت الانتباه اكثر عندما تحدث فى مسألة توريث الحكم .. رغم انه لم يقل شيئا محددا .. بل اشار فى نهاية محاضرته الى تصريح لمبارك ينفى فيه انه يسعى لتوريث الحكم لابنه .. والى تصريح لجمال مبارك يقول فيه نفس الشىء .. ليأخذ من ذلك تكئة لطرح موضوع مستقبل البلاد عام 2005 وهو عام نهاية الفترة الحالية للرئيس مبارك .. ويطلب فتح باب الحوار حول ذلك.. ومنذ ايام قليلة - وبدون مناسبة محددة - اعلن د.اسامة الباز مستشار الرئيس ان الرئيس مبارك لن يرشح نفسه فى انتخابات الرئاسة القادمة .. وانه يرحب بتوسيع المشاركة السياسية وعدم حصرها فى عدد محدود .. وانه لا يفكر فى توريث الحكم لابنه جمال مبارك (قناة الجزيرة - 5نوفمبر 2002) .. الا ان تصريحات الباز التى نقلتها وكالة رويترز ونشرتها الصحف العربية فى اليوم التالى جائت مختلفة بعض الشىء اذ جاء فيها (ان الرئيس حسنى مبارك لا ينوى تمديد حكمه الى مدى الحياة ).. وهذا يعنى انه يمكن ان يمد حكمه فترة اخرى .. لذلك قال الباز فى موضع اخر من حديثه (انه من المبكر جدا القول ما اذا كان مبارك سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة فى 2005 لتجديد انتخابه لولاية خامسة من ست سنوات ).

    واكد الباز ان مبارك (لا يقوم بتهيئة جمال لتسلم السلطة و ان جمال بالذات لا يعد نفسه لتسلم السلطة او اى شىء من هذا القبيل ) (الحياة اللندنية 6 نوفمبر 2002) .

    اما الشعب المصرى و ممثلوه السياسيون فهم اخر من يتحدث فى هذا الموضوع ..

    يجب الا ننتظر حتى عام 2005 .. حقا مايزال 3 سنوات .. وهذه فترة جد قصيرة فى حياة الشعوب .. كما ان بقاء الرئيس فى موقعه حتى نهاية المدة ليس امر مفروغا منه .. لاسباب خارجة او داخلة عن ارادة الشعب ..

    والحقيقة فانه لا يوجد موضوع اخر اهم من ذلك فى الحياة السياسية المصرية ، ومن يتحدث فى موضوع اخر .. فانه اما خائف .. او غير جاد.. او يائس من حق الشعب فى المشاركة السياسية , وهنا غير جائز ان كان الرئيس مبارك يقول على لسان مستشاره انه ( منفتح على اى تطور لتعزيز بنية الديموقراطية و ادخال انماط جديدة من السلوك السياسى و انه يريد اشراك المصريين الشباب فى الحياة السياسية) . فلماذا لا يتكلم الناس؟! وهذا حقنا الانسانى و الدستورى .. فى كل الاحوال.

    ان بلادنا العزيزة مصر فى مفارق طرق حقيقية، ولابد من طرح كل شىء على بساط البحث ..ولقد وصلت اوضاعنا من التدهور فى شتى المجالات .. ووصلت التحديات الخارجية الى مدى لا يسمح ببقاء الاوضاع على ما هى عليه .. وستكون من سخرية الاقدار ان يتلخص دور الامة فى انتظار تعديل وزارى للمرة الثالثة .. يأتى اسوأ من سابقيه .. وهو دور لا يرتقى حتى لتشجيع المتفرجين فى مباراة كرة القدم .. لان مشجعى كرة القدم يجهرون برأيهم .. ويلعبون من خلال ذلك دورا مؤثرا فى نتيجة المباراة ومجريات احداثها .. ان دور الامة الان فى الامور المصيرية لا يتعدى دور المتفرج على المباراة من خلال التليفزيون فى منزله حيث لا يؤثر صراخه او انفعالاته على مجريات الاحداث .. وحيث يموت بعض المشاهدين كمدا من جراء ذلك..

    وهذه المرة ربما تصاعدت الامال فى ان يوسف والى على الاقل الذى ارهق الامة و اتعبها .. ربما تكون ايامه الاخيرة قد اقتربت .. فها هى النيابة تصر على استدعائه فى قضيتى : يوسف عبد الرحمن و الفيوم؟ ومايزال والى يتمنع .. ولكن يبدو انه سيضطر للذهاب الى النيابة .. لسؤاله كشاهد فى البداية .. ثم كمتهم ، واقوال يوسف عبد الرحمن ، ودفاعه عن مسئولية يوسف والى وتوقيعه على اوراق استيراد المبيدات السامة لا تترك مجالا لأى شىء اخر .. ورغم انه لا يوجد فى مصر من يفرح او يستبشر بهذه التطورات .. وأيضا من يقدر اهميتها و خطورتها .. مثلنا فى حزب العمل .. الا انه من الصدق ان نقول .. ان الاحوال قد تدهورت الى حد لم يعد ينفع معها سوى الاصلاح الشامل .. ان الترقيع لم يعد يجد فى ثوب مهلهل .. بعد فترة لابد ان تشترى ثوبا جديدا مهما كان الثمن!!

    لقد وصلنا الى مفارق طرق عدة التقت فى ميدان واحد .. وصلت الاوضاع الى حالة كرة الصوف التى تعقدت خيوطها .. بحيث لا تعرف من اين تبدأ؟!

    هل نبدأ بالاصلاح السياسى الداخلى ؟ ام نبدأ باصلاح علاقتنا بالعالم الخارجى ؟ ام نبدأ بالاصلاح الاقتصادى و الوطنى الحقيقى بعيدا عن روشتة صندوق النقد؟

    وبدون مبالغة لابد ان نبدأ على كل هذه المحاور .. ولكن الاصلاح السياسى له الاولوية لأن السياسة هى العقل المدبر لكافة شؤون المجتمع الداخلية و الخارجية ..

    وقد وصلت عملية التآكل السياسى للنظام .. الى حد مخيف و مذهل .. لقد جرت عملية تجريف واسعة النطاق للعمل السياسى و الاهلى .. بحيث اصبحت البلاد تدار بالامن اكثر من اى وقت مضى .. وهذا امر يثير القلق العميق, فالامن بمنزلة الاعصاب من الجسد .. و الاجهزة السياسية فى الحكم و المعارضة تمثل العقل و الجسد (بشحمه و لحمه) .. المجتمع اصبح هزيلا حيث يكاد الشحم و اللحم ان يختفيا من الجسد .. كذلك الشخص المهزول الذى نسميه جلد على عظم .. او انه مجرد اعصاب تتحرك .. والاعصاب كأسلاك الكهرباء .. يجب الا تكون مكشوفة .. حتى لا تصعق الاخرين و تتلف هى بدورها .. ازمة النظام الان انه يتحرك ويعمل بأعصابه التى لم تعد محاطة بجسد سليم من شحم و لحم .. ولذلك فان حركة النظام تؤذيه .. وتؤذى الامة معه .. لان الاجهزة البيولوجية لا تعمل فى المجالات المخصصة لها .

    ورغم ان دولتنا المصرية عريقة .. وبالتالى دولة مؤسسات حتى فى الاطار الفرعونى الشمولى .. الا ان شخص الرئيس هو اهم مؤسسة .. فلابد من احاطة مسئوليات الرئيس بضمانات غليظة مع مؤسسات الدولة .. وبالاخص المؤسسات الشعبية .. وفى مصر الان فان المؤسسات الشعبية اما قد تم الغاؤها او حلها .. بدءا من عمودية القرية حتى الاحزاب و المنظمات السياسية، و المؤسسات الرسمية لا يمكن ان تشكل ضمانة كافية لاحداث التوازن مع سلطات الرئيس .. وبذلك تصبح آراء و امزجة و رغبات و تكوين شخصية الرئيس بمنزلة القدر الذى لا فكاك منه الذى لابد ان تعانى منه الامة طالما اطال الله فى عمره .. تصبح امزجة ورغبات و تكوين شخصية الرئيس بخيرها و شرها .. امرا نافذا .. حتى يقضى الله امرا كان مفعولا .. وهذا امر لا يستقيم مع سنن الحياة.

    ولكن قبل ان نناقش اللحظة الراهنة لابد من نظرة سريعة الى الخلف حتى نضع اللحظة الراهنة فى مكانها الصحيح.

    ان شرعية النظام بمعناها السياسى التاريخى - تعود لثورة 23 يوليو التى جاءت معبرة عن التيار الشعبى التاريخى الرافض للاحتلال و للنظام الملكى الذى كان عمره الافتراضى قد حل .. ولعل المبالغة التى حدثت مؤخرا فى الاحتفال بمرور خمسين عاما على ثورة يوليو .. تعكس هذه الرغبة الدفينة لدى النظام لتجديد شبابه واعادة انعاش شرعيته السياسية والتاريخية ، وقالوا ان الاحتفال سيستمر عاما كاملا الا انهم سرعان ما ادركوا الآثار العكسية لهذا الافتعال ! لقد كانت محاولة للشيخ المتصابى الذى يريد أن يجدد شبابه ويرتدى ملابس الشباب ويمارس أفعال الشباب فلم يقنع أحدا ! وكانت محاولة لشغل الامة عن الشرعية الاسلامية التى تسير الامة نحوها بخطى حثيثة وهى شرعية يمكنها أن تستوعب كل ايجابيات ثورة يوليو دون سلبياتها .

    ان شرعية النظام السياسية التاريخية والتى تحولت الى شرعية " دستورية" بدستور 1971 ( رغم انه لم يحترم كثيرا فى أى يوم من الايام) ، ان شرعية النظام تعود اذن الى ثورة 23 يوليو .. وبوفاة الرئيس السادات خلت مواقع الحكم من القيادات التاريخية للثورة ( الضباط الاحرار) ولكن الثورات وشرعيتها لاترتبط بالاشخاص .. وتتعدى زمن حياتهم الفردية.. ولكن أساس ثورة 23 يوليو الذى تم وضعه فى دستور1971 لم يعد موجودا على أرض الواقع الا قليلا .

    فعلى صعيد التحرر الوطنى .. عادت مصر الى براثن التبعية للقوى الاجنبية وبعد أن كانت مصر عبد الناصر رأس الحربة فى مقاومة التغلغل الامريكى فى المنطقة .. أصبحت مصر السادات ثم مصر مبارك فاتحة الابواب أمام الامريكان واسرائيل فى مصر والعالم العربى والاسلامى والافريقى والآسيوى .. بما قدمته من قدوة ونموذج فى اتفاقية كامب ديفيد.. وبعد أن كانت مصر قائدة النضال ضد الوجود الصهيونى ، أصبحت قائدة " النضال" من أجل السلام معه . والرئيس مبارك لم يطلب - خلال تأبين رابين - انسحاب اسرائيل الى حدود 4 يونيو 1967 ولكن تحدث عن تسوية .. بل والطريف انه أعاد احياء الميت من قبره ( مشروع الشرق أوسطية ) .

    وبعد أن كانت مصر قائدة وداعية للوحدة العربية خاضت بعد انتهاء حرب 1973 معظم معاركها الخارجية ضد أطراف عربية أو اسلامية . وخلال عقدين من الزمن ارتفع الحديث بالنعرة الاقليمية المصرية كما لم يحدث فى تاريخنا . ورغم التحسن الاعلامى فى السنوات الاخيرة الا ان الاعلام والموقف الرسمى مستعد للاستفزاز والانقضاض لدى أى بادرة مشكلة لاثارة حملات ضد أطراف عربية (يتصادف انها متعارضة مع أمريكا ) !

    وبينما يتحدث حسنى مبارك مبررا اشتراك الجيش المصرى فى حرب الخليج الثانية باتفاقية الدفاع المشترك .. الا انه عندما يذبح الشعب الفلسطينى يقول ان الاتفاقية معطلة! وفى أخبار اليوم 13-4-2002 قال: ( ان جيش مصر لاهم له ولا هدف الا الدفاع عن بلده وحماية حدوده. ومن واجبى أن أنبه الى أن القوات المسلحة المصرية ليست جيشا مرتزقا ولاتحارب من أجل الحرب ) وهنا يضع الرئيس نظرية ثابتة ان جيش مصر لايتحرك الا دفاعا عن التراب المصرى .. وهذا يسقط واحدة من أهم مبادىء ثورة يوليو ( العروبة والوحدة العربية ) .. وذلك رغم أن الجيش المصرى تحرك فى معية الامريكان الى البوسنه والكويت والصومال وتيمور الشرقية.

    وكانت السياسة الخارجية لثورة يوليو قائمة على توسيع دائرة التحالفات مع العالم بأسره عدا أمريكا واسرائيل .. فأصبحت الآن أمريكا هى الشريك التجارى الاول والاستراتيجى وأصبح سلاحنا يأتى من الامريكان ويتدربوا معنا فى مناورات ثابتة كل عامين عدا الانشطة الموسمية .

    وعلى الصعيد الداخلى .. استهدفت ثورة يوليو اقامة العدالة الاجتماعية ( الاصلاح الزراعى- التأميم الصناعى ) وهذا المقال ليس مخصصا لتقييم التجربة ولكن لتأكيد أن النظام الحالى لم يعد يمت لثورة يوليو الا بصلات واهية.. فانصاف الفلاحين تحول الى خراب واسع النطاق لفقراء الريف .. ويكفى ان السياسة الزراعية لقرابة ربع قرن توضع وتنفذ بمعرفة يوسف والى الذى يعلن جهارا نهارا التزامه بالتوجيهات الامريكية . وأما فى المجال الصناعى فرغم أن الدستور ينص على ( يسيطر الشعب على كل أدوات الانتاج ) مادة 24 ( يقود القطاع العام التقدم فى جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية ) مادة 30 .. فان الحكومة ومجلس الشعب يخرقان الدستور صراحة بالاعلان عن تولى القطاع الخاص 70% من خطة التنمية .. وذلك بعد بيع القطاع العام برخص التراب فى سوق الاجانب( راجع المقال السابق) وأيضا بالمخالفة للدستور .

    ثورة يوليو قامت على الاشتراكية وحكام الوقت الحاضر يتحدثون عن اقتصاد السوق الحر ( دعك الآن من الممارسة العملية التى لاتمت لهذا أو لذاك!! ) .

    مجانية التعليم تحولت الى شعار بلا مضمون ( الدروس الخصوصية تكلف الاسر 12 مليار جنيه سنويا وهذا مجرد بند واحد) .

    تعريفات العامل والفلاح تحولت الى الهزل أكثر منه الى الجد . النهضة الصناعية تحولت الى بوار شبه كامل .

    العلاج المجانى لحق بالتعليم المجانى وأصبح شعارا بلا مضمون حقيقى .. فاذا لم تكن تملك المال الكافى فان ذلك سيكون سببا مباشرا لوفاتك اذا أصبت لاقدر الله بأمراض عضال.

    باختصار شديد ان المظلةالشرعية أصبحت متآكلة ولم يتبق منها الا أقل القليل .. دون أن يتشجع النظام ويضع أساسا متكاملا لحقبة جديدة .. فحدثت ترقيعات :

    ورقة أكتوبر التي بشرت با لانفتاح الاقتصادي -- تعديل الدستور للاقرار بالتعددية الحزبية .. مع استمرار باقي النصوص كما هي .

    وبدون تأصيل عملية التحول - بغض النظر عن رأينا فيها - فان البلاد تسير في طريقها بصورة عشوائية وهذا ما حدث مع كل أسف .. فتركنا نظاما كانت له علاقاته الداخلية المترابطة والمتسقة .. دون أن نصل الى نظام جديد متسق وله منطقه الداخلي المتماسك .. كنا كمن أقلع بطائرته ولكن دون أن يهبط بها على أرض جديدة .

    وفي بداية عهد الرئيس حسني مبارك حاول النظام الخروج من هذه العشوائيات.. ودعا في البداية الى مؤتمر قومي للاصلاح الاقتصادي والحقيقة أن التجربة كانت مبشرة .. ولكن توصيات هذا المؤتمر لم يؤخذ بها .. وسارت البلاد في طريق العشوائية .. وتغلبت علاقات التبعية الجديدة .. من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .. وأصبحت التبعية هي الحقيقة المنظمة الوحيدة .. هي المؤسسة الوحيدة التي تعمل بانتظام .. وهي عين العشوائية - من وجهة النظر الوطنية - لأن القوى الأجنبية ( أمريكا - اسرائيل ) لاتريد لمصر قوة أو عافية أو ازدهار أو نماء .

    ولكن المؤتمر الاقتصادي القومي لم يكن هو المحاولة الوحيدة لاصلاح أحوال البلاد في بداية عهد الرئيس مبارك .. ولابد أن نعطيه حقه .. كما سنقول رأينا بصراحة فيما آلت اليه أحوال البلاد في نهاية عهده وهذا ما سنواصله العدد القادم باذن الله ..

    ملاحظة :

    الدراسة قد تطول .. في عدة حلقات .. لذا لابد من وضع هذه المواقف العامةأمام عقل وقلب القراء .. ليفكروا معنا .. وليشاركوا في هذا الحوار .

    اننا باختصار ..

    (1) نرفض توريث الحكم .. وبالأخص في الظروف المصرية الراهنة .. لأنه سيكون توريثا لخط التبعية للولايات الأمريكية المتحدة والصداقة مع اسرائيل .

    (2) اننا سنناضل من أجل تعديل دستوري ليكون انتخاب رئيس الجمهورية بالترشيح المباشر .. وبالانتخاب الحر المباشر .. وليس عبر مجلس الشعب ثم عبر الاستفتاء على شخص واحد .

    (3) ان هذا التعديل لابد أن يحدث خلال عام 2003 حتى تستعد الأمة لهذا التغيير .

    (4) لابد لشخصيات عامة أن تطرح نفسها للترشيح لهذا المنصب .. وأن تتحرك من الآن على هذا الأساس .. وأن تنظم حركة لتعديل الدستور .

    (5) ان نزاهة الانتخابات للبرلمان أو للرئاسة هي الأساس .. ان ما جرى في المغرب وباكستان وتركيا جعل انتخاباتنا فضيحة دولية مدوية .

    (6) في حالة قيام حرب أمريكية ضد العراق أوضد بلاد عربية أخرى .. فان الأولوية تكون للتصدي الفوري لهذا العدوان .. وخروج مصر من دائرة التحالف مع أمريكا .. واذا أصر الرئيس مبارك على مجرد اصدار بيانات الأسف والتمني على أمريكا .. فانه في هذه الحالة لابد من حركة شعبية تطالب بالاستقالة ( وفقا لمادتي الدستور 83 ، 84 ) وترشيح رئيس جديد يقبل تحديات المواجهة ضد أمريكا واسرائيل .




    المظلة الشرعية للنظام تآكلت و لابد من تأسيس مرجعية و شرعية جديدة
    الأوضاع بالغة الخطورة و لاتحتمل الانتظار حتى عام 2005

    و على مبارك أن يتخذ قراره
    هل نحتاج حاكما مدنيا أم عسكريا ؟!



    **********

    قلنا ان وفاة الرئيس السادات كانت ايذانا برحيل آخر حكام طاقم ثورة يوليو (الضباط الأحرار) .. و قلنا ان شرعية المرحلة قد لا ترتبط برحيل مؤسسى المرحلة .. و لكن شاءت الظروف و الأقدار ان يتطابق رحيل السادات مع رحيل شرعية ثورة 23 يوليو.. بل ان الرئيس السادات قام فيما بين 1974 - 1981 بحمل معول الهدم فى هذه المرجعية الدستورية . بل يمكن القول ان ماسمى مبادرة السادات فى أواخر عام 1977 حتى الآن (أى ربع قرن بالتمام و الكمال ) يمثل مرحلة واحدة مناقضة لأسس ثورة 23 يوليو .. ولكن دون وضع أسس شرعية جديدة ..

    يقول الأستاذ/محمد حسنين هيكل فى محاضرته أمام الجامعة الأمريكية .. ان السادات حاول ان يؤسس لشرعية جديدة على أساس الأركان الأربعة التالية :

    (1) الهوية مصرية (أى لا عربية ولا اسلامية)

    (2) الرأسمالية (الانفتاح الاقتصادى)

    (3) تعدد الأحزاب الذى بدأ بثلاثة منابر .

    (4) العلاقة الخاصة مع أمريكا و الصلح مع اسرائيل .

    و الحقيقة ان المقصود بالشرعية ليس مجرد قرارات و توجهات و ارادة الحاكم .. الشرعية بمعناها الحقيقى .. هى تواضع الأمة على مرجعية واحدة .. و اجتماع الأمة على مرجعية واحدة يتم عبر التحولات التاريخية العميقة التى تسمى "ثورة" أو "تحول تاريخى" ناجم عن أعمق تفاعل بين كل أطراف الأمة .. بحيث تجمع الأغلبية الساحقة على الأقل على مرجعية محددة ..

    و رغم ان الأمة قد تجاوبت الى حد ما مع هذا التوجه .. أعنى ما يخص الانعزالية المصرية و الدخول فى مثلث (مصرى - اسرائيلى - أمريكى ) أو ما يسمى العلاقة الخاصة مع أمريكا و السلام مع اسرائيل .. فان هذا التجاوب النسبى كان من قبيل الانكسار .. و الهزيمة .. و خداع النفس .. التى غذتها حملة اعلامية شرسة لتعميق الروح الاقليمية المصرية .. و تغذية العداء للعرب و المسلمين .. و تعليق الآمال الكاذبة على صداقة أمريكا .. و كذلك تغذية الشعور بالارهاق من الحروب .. و الخلاص من شرورها .. و هى غرائز يمكن استثارتها .. بعد سلسلة من الحروب غير الموفقة عسكريا فى 1948 ، 1967 ، 1956 ، و حتى نصر أكتوبر العظيم .. كان قد انكسر الزهو العسكرى به بالاجتياح الاسرائيلى للضفة الغربية (الثغرة) .. ثم كان تبديد المكاسب السياسية للنصر .. بتبديد التحالف العربى العالمى الواسع .. و بتكريس الحل المنفرد . و كان ثمن استعادة سيناء كاملة و لكن منزوعة السلاح .. ثمنا باهظا .. حسبه الأعداء بدقة .. و لم يحسبه - بصورة موفقة - المفاوض المصرى (السادات و معاونوه).. حقا لقد قاوم معاونو السادات اندفاعه و لكن كانت المحصلة النهائية خاسرة . فلم يكن الثمن الذى دفعته مصر نزع سلاح سيناء الذى مانزال نعانى منه حتى الآن.. بل كان الأخطر من ذلك .. الاختراق الأمريكى الصهيونى الرهيب لأعماق المجتمع المصرى .. و بعض مراكز اتخاذ القرار فى الدوائر العليا للحكم .. أى ان مصر دفعت الثمن .. من ريادتها و قيادتها العربية .. و دفعت الثمن من استقلالها السياسى و الاقتصادى .. و عانت منذ ذلك التاريخ من تبعية الولايات المتحدة فى شتى المجالات.. مايزال الحكم حتى هذه اللحظة عاجزا عن الافلات منها .. ثم يعلق ذلك على مشجب "سقوط الاتحاد السوفيتى" !

    و هذا السقوط فى براثن التبعية .. و العجز عن تولى زمام قيادة الأمة العربية .. لايمكن ان يسمى شرعية .. الا اذا اعتبرنا ان الاحتلال البريطانى كان يمثل شرعية قبل 23 يوليو ..

    و هكذا فان ماجرى خلال الأعوام (1977 - 2002) كان انكسارا ، و لم يكن شرعية.. أما التجاوب السلبى من شرائح مقدرة من الرأى العام ، و التجاوب الايجابى لبعض رموز الفكر و الثقافة التى سارت فى زفة "كامب ديفيد" و حاولت التنظير لها .. فقد قابلها اجماع النخبة الوطنية و الاسلامية على رفض منهج كامب ديفيد .. و كذلك المقاومة الجماهيرية التى لم تتوقف ضد هذا النهج فى قطاعات متعاظمة من أبناء الشعب .. التى أخذت مختلف الأشكال الجماهيرية الممكنة .. من مسيرات و مؤتمرات و بيانات ، و صحف حزبية تم العصف بها واحدة تلو الأخرى .. و من خلال المعارضة البرلمانية .. و من خلال مختلف التكتلات الوطنية .. بل ان التحقيقات فى قضية "اغتيال السادات" كشفت ان ابرام "كامب ديفيد" و معاهدة السلام مع اسرائيل كان من أبرز دوافع الجماعة التى قامت بهذا العمل .

    و هو الأمر الذى حدا بالرئيس مبارك فى بداية حكمه على تخفيف لهجة ما يسمى الصداقة مع اسرائيل .. إلا أن الأفعال لم تكن على مستوى اللهجة !

    و الحقيقة فان الأستاذ / هيكل أغفل أهم محاولات السادات لاضفاء مرجعية و شرعية تميز حكمه .. بادخاله تعديلات على الدستور جعل الشريعة الاسلامية المصدر الأساسى للتشريع ، و قد حاول السادات بالفعل قبل مبادرته المشئومة .. تقنين الشريعة الاسلامية .. و سار مجلس الشعب خطوات كثيرة على هذا الدرب .. و أصبحت هناك مشروعات قوانين شبه جاهزة بالفعل .. الا ان الضغوط الأمريكية الخارجية حالت دون ذلك و حيث أصبح السادات يضع المواقف الأمريكية بعين الاعتبار على أساس (ان 99% من أوراق اللعبة بأيديها) .. و بغض النظر عن رأينا فى هذه المحاولة .. و عن رؤيتنا التى ترى ان الشريعة الاسلامية ليست مجرد مجموعة من القوانين .. بعيدا عن مقصاعد الشريعة .. و على رأسها استقلال الأمة الاسلامية و عدم موالاة الأعداء دون المؤمنين .. فلا شك ان هذه المحاولة تحسب للسادات .. ( و الله أعلم بطبيعة الحال) .. فمحاولة مشابهة فى السودان فى ظل نميرى مهدت الأرض لاقامة حكم اسلامى بعد سقوط نميرى بأربع سنوات .. و ربما تعثرت تجربة السادات أيضا لضغوط داخلية .. المهم ان هذه المحاولة انكمشت الى مجرد تعديل نص دستورى و رغم أهمية ذلك .. الا ان نصوص الدستور كما ذكرنا لا تحترم فى بلادنا كما هو حال الدساتير فى بلاد خلق الله .

    حقا ان السادات فتح المجال أمام الحركة الاسلامية و لكنه عاد و انقلب عليها كما سنرى .

    كذلك مثلت التعددية الحزبية (التى تم اخالها بتعديل دستورى أيضا) .. محورا آخر للمرجعية الجديدة التى حاول ان يفرضها السادات .. ولاشك ان أى طاقة لحرية التعبير تجد ترحيبا من الأمة .. و لكننا رأينا كيف أصدر قوانين قمعية مخيفة فى أعقاب انتفاضة 1977 .. حيث وصلت عقوبة الاضراب و الاعتصام الى الأشغال الشاقة المؤبدة ، و عندما انتهى حكم السادات لم يكن متبقيا من التعددية الا الحطام !! فجمد حزب الوفد نفسه ، و تم اغلاق صحيفة حزب التجمع ، ثم تم اغلاق "الشعب" و "الدعوة" و "المختار الاسلامى" و إلقاء الآلاف من نخبة الأمة من كل الاتجاهات فى السجون بقرار استثنائى .. بينما لم تكن هناك من الأحداث الكبرى ما يبرر ذلك ، و لكن السادات ضاق بالرأى الآخر و المعارضة .. و زين له الشيطان ان نشاط المعارضة ربما يعطل انسحاب اسرائيل من سيناء !

    و لكن سيظل يذكر لعهد السادات انه سجل أدنى معدلات انتهاك حقوق الانسان (التعذيب) بالمقارنة مع عهدى عبدالناصر و مبارك ..و لكن كما ذكرنا عندما خطب السادات خطبته الشهيرة فى 5 سبتمبر 1981 فقد كان ينعى نفسه .. و ينعى عهده .. لانه هدم الانجاز الوحيد الذى كان يدعيه .

    أما المحور الآخر فكان تبنى نهج الرأسمالية (سياسة الانتاج الاقتصادى) . و هذه بدورها كانت محاولة كتب عليها الفشل .. فان ماجرى فى الربع قرن الأخير .. لم يكن نظاما رأسماليا مزدهرا (بغض النظر عن رأينا فى الرأسمالية ) .. بل كان اقتصادا للسمسرة و النهب و السلب .. و تبديد للثروات الكبرى التى حصلت عليها البلاد .. وصولا الى اقتصاد مد اليد (الشحاذة) .. و كانت مسيرة الانتقال من الاستقلال الى التبعية . و عرفنا ما سمى بالانفتاح الاستهلاكى دون الانتاجى .. الا ان الأمور الاقتصادية تفاقمت أكثر فى عهد الرئيس مبارك .. و لكن من الصعب الفصل بين المرحلتين .. فهى كما ذكرنا مرحلة واحدة بدأت بورقة أكتوبر عام 1974 حتى الآن .

    و هكذا نرى انه لم يتم التأسيس لشرعية جديدة ، و هذا ما أصبح واضحا فى نهاية عهد الرئيس مبارك ..

    ففى هذه الأيام نرى كيف تحولت التعددية الحزبية الى حطام من نوع جديد .. و كيف تحولت قطاعاتنا الانتاجية ( الزراعة - الصناعة ) الى حطام من نوع جديد .. بينما استمرت الثوابت الكريهة : العلاقات الخاصة مع أمريكا ، و السلام مع اسرائيل .. و لكن دعونا لا نسبق الأحداث ..

    عندما اعتلى الرئيس مبارك سدة الحكم .. و كما ذكرت كانت تصريحاته و تصرفاته تبعث على الارتياح .. (و هكذا بدا الانتظار أدعى للسلامة ) كما يقول هيكل ..

    من الناحية النظرية يمكن لأى شخص فى ملابسات معينة أن يصبح حاكما .. و لكن لكل نظام مرجعياته و أسسه .. و حرصه على قضية الشرعية .. و من الملابسات ان الرئيس مبارك كان النائب الأوحد لرئيس الجمهورية .. و لكن كانت هذه من الملابسات الظاهرية .. فمشروعية ان يكون رئيسا ارتبطت بالأساس - فى عين الحكام و المحكومين - (1) بانه يمثل المؤسسة العسكرية . (2) دوره فى حرب أكتوبر فى الصف الأول حيث كان يتولى قيادة القوات الجوية .

    و قد ظلت المؤسسة العسكرية منذ ثورة 23 يوليو .. القلب الداخلى أو الحزب الحاكم للنظام بحكم قيادة تنظيم الضباط الأحرار للتغيير .. ثم بحكم أهمية المؤسسة العسكرية فى بلد يقع على حدود اسرائيل و مستهدف من كل القوى العظمى بحكم موقعه الاستراتيجى .

    و بالنسبة لدور الجيش فى ثورة 23 يوليو فقد تحول الى حزب ثورى يتولى المناصب الحاكمة و ليس تلك التى تمت للعسكرية بصلة فحسب ، فتولى الضباط الأحرار و من والهم المواقع الوزارية و الاقتصادية و الحكم المحلى و كثيرا من المواقع الادارية ، بدون احتكار بطبيعة الحال ، فكان للمدنيين دورهم فى مختلف هذه المواقع .. و لكن ظل القلب الداخلى فى يد تنظيم الضباط الأحرار حتى أواسط الستينيات على أقل تقدير.. و هذه طبيعة التغييرات الثورية حيث يرى الحزب الذى وصل الى السلطة انه أحق من غيره بالقيادة . و كان من أخطاء الثورة استبعاد الجبهة الوطنية العريضة التى شاركت فى احداث التغيير (مصر الفتاة - الاخوان - اليسار ) .. و استعانت على الأغلب بمدنيين من خارج هذه الدائرة .. و كانت هذه من أبرز الفجوات فى العلاقة بين السلطة و الشعب .. (باستثناء محمد حسنين هيكل لم يتح لأى عنصر مدنى ان يشارك بقدر من التأثير و بقدر من الانتظام ، فى مشاورات القرارات السياسية العليا) و التى أظهرت أثارها فيما بعد فى سلبيات التنظيم السياسى الأوحد (الهيئة القومية - الاتحاد الاشتراكى) .. و لكن فى كل الأحوال لايمكن اغفال الدور التاريخى الايجابى للجيش فى ثورة 23 يوليو ، و لا إغفال دوره الحالى، و لا المستقبلى ..

    و قد كان الأستاذ / عادل حسين رحمه الله .. أول - و ربما آخر - من أثار قضية العلاقة بين الجيش و العمل السياسى (عام 1986) .. و دعا الى الاعتراف بها .. و تقنينها .. من خلال مجلس للأمن القومى كما هو معمول به فى كل البلاد التى تحكمها المؤسسات .. و ان تحدد علاقة هذا المجلس بباقى أطراف النظام السياسى .. فالجيوش مكون أساسى من مكونات النظم السياسية .. و من السذاجة القول بأن العسكريين لابد ان يكتفوا بدور المنفذين .. بل أيضا من عدم الانصاف .. و ان التقنين الدستورى لعلاقة الجيش بالنظام السياسى من أهم دواعى الاستقرار و أكبر ضمانة للحريات السياسية ، و للمصالح العليا للوطن ..

    و لكن عندما كتب الأستاذ / عادل حسين سلسلة من المقالات حول هذا الموضوع كان كمن يرمى حجرا فى بركة هادئة .. و لكن سرعان ما هدأت الأمواج .. و سكنت البركة . و اعتبر كثيرون ان هذه مقالات شجاعة ، و لكن أحدا لم يقو على المشاركة فى النقاش ، و أغلق الباب .

    ليس هذا مجال اعادة بحث هذا الموضوع ، و لكن مجرد الاشارة اليه .. لتوضيح ان شرعية تولى حسنى مبارك لرئاسة الجمهورية استندت فى الأساس الى أنه ممثل المؤسسة العسكرية ، و كل الرصيد الذى أتى به الى الحكم : سمعته فى الأداء العسكرى التى أوصلته لرئاسة الكلية الجوية ثم القوات الجوية ثم مشاركته بهذه الصفة فى حرب أكتوبر .. و لم يكن لحسنى مبارك رصيدا سياسيا كذلك الذى كان لمحمد نجيب ، أو عبد الناصر أو السادات مع الفرق بين أقدارهم .

    و من هذه الزاوية - و بالمناسبة - نقفز على التسلسل التاريخى للاحداث لنقول ان توريث الحكم لابنه جمال مبارك يصبح مسألة خارج السيناريو .. و خارج السياق .. و دفعا للنظام و البلاد الى المجهول .. و من المثير للحنق أن بعض "المعارضين" - ويالها من معارضة - أعلن انه يرحب بهذه الخطوة كوسيلة للانتقال من حكم العسكر الى حكم المدنيين .

    و كأنه لاوسيلة أخرى للتحول الى الحكام المدنيين الا عبر تحويل النظام الجمهورى الى نظام ملكى !

    ان اثارة نعرة المدنى ضد العسكرى هى نعرة شكلية و سطحية .. من شأنها اثارة التحزبات الطائفية بين المدنيين و العسكريين .. و تبعدنا عن جوهر القضية : رسالة و برنامج الحكم .. لايمكن طرح قضية المدنى و العسكرى بعيدا عن هدف الامة .. و رسالتها .. فى الاستقلال الحضارى .. هل أرحب بحاكم مدنى يدفعنى فى طريق العلاقات الاستراتيجية مع أمريكا ؟! و أرفض حاكما عسكريا يحمل برنامجا استقلاليا حضاريا ؟!

    هل كان صلاح الدين الأيوبى عسكريا أم مدنيا؟! و فى البلاد التى تسمى ديموقراطية: هل كان ايزنهاور حاكما عسكريا أم مدنيا ؟ هل كان جورج بوش الأب (رئيس المخابرات الأمريكية السابق) حاكما عسكريا أم مدنيا ؟! و هل بوتين (من المخابرات السوفيتية ) حاكما عسكريا أم مدنيا ؟

    المهم اذن .. هى الكفاءة و التوجه.. فى ظل نظام مؤسسى يحقق التوازن بين أجنحة النظام المدنية و العسكرية ، التشريعية و التنفيذية و القضائية .. بين الحزب الحاكم و أحزاب المعارضة ، بين المؤسسات الرسمية و المؤسسات الشعبية .. الخ الخ

    اذن يجب الا تزيغ القضية الأساسية .. و هى اعادة المشروعية لوسيلة اختيار و انتخاب حاكم البلاد .. فى ظل نظام مؤسسى متكامل .

    و اذا عدنا الى التسلسل التاريخى لعهد الرئيس مبارك .. و اذا حاولنا ان نضغط فى سطور ما حدث خلال 21 عاما .. نعود مرة أخرى الى محاضرة الأستاذ / هيكل التى يمكن الاتفاق معه فى التشخيص .. و الاختلاف معه بعد ذلك فى الآفاق .. فى المشروعية المستهدفة التى لم يتطرق اليها ..

    [بدا الانتظار أدعى للسلامة لكن ماحدث بعد ذلك هو ان الانتظار تحول من سد فجوة الى طبيعة سياسية ، كل شئ فيها مؤجل و أى تغيير عليها لا داعى له ، فاذا اشتدت المطالبات و زادت الضغوط فان المسموح به يجئ حلا وسطا يكرس الانتظار أكثر مما يسمح بالانطلاق ]

    و هذا ماعبرت عنه فى مقالى السابق بألفاظ مختلفة [تركنا نظاما كانت له علاقاته الداخلية المترابطة و المتسقة دون ان نصل الى نظام جديد متسق و له منطقه الداخلى المتماسك ، كنا كمن أقلع بطائرته و لكن دون ان يهبط بها على أرض جديدة ] .

    ثم يضيف هيكل : ان الهوية (لاهى وطنية تلزم حدودها ولا هى قومية تحمل مسئوليتها) و فى الخيار الاجتماعى (لاتنمية شاملة و لا مبادرة فردية) .

    ثم أشار بعد ذلك الى الضعف العام للصحة المصرية حيث مائدة المفاوضات مع العدو غاية فى حد ذاتها.. و ان مصر تبدو طالبة أكثر منها مطلوبة ، و المخاطر التى تتعرض لها مصر فى السودان ، و فجوة القوة بيننا و بين اسرائيل .. و رغم انه قال ان ذلك تحدى القرن الجديد .. فهو حقيقة التحدى الذى هربنا منه لربع قرن مضى.. ثم يضيف: ما تتعرض له مصر من حصر نفسها وراء حدودها فى مقابل اطلاق يد اسرائيل فى العالم العربى حتى حدود رفح - العدوان الوحشى على حرمة المال العام - تراجع الدور الثقافى لمصر .

    ثم ينتهى الى أهم محصلة : (ان مجرد التواجد فى الحكم ليس كافيا فى حد ذاته لاضفاء الشرعية على أى تنظيم أو نظام و ان القعود الحذر طوال الوقت يتحول الى حالة من الجمود ، تهدد مطلب التجدد سواء فى الأفكار أو فى السياسات أو فى حركة تتابع الأجيال ، دون اقرار بان الاستقرار يتحقق بالتواصل مع الزمن و ليس بتجبيس كل شئ على حاله و كل رجل فى وظيفته . و ان هناك تناقضا فى الأداء الرسمى بين زهو الكلمة و تواضع الفعل ، و هذا التناقض أنتج فجوة مصداقية أوصلت الى احباط شبه عام ) .

    **********

    ان مشروعية النظام ترتبط فى المحل الأول بقضية الاستقلال .. و المعروف ان البلاد العربية و الاسلامية وسائر البلدان المستعمرة التى تحررت من الاستعمار التقليدى الذى أخذ شكل الاحتلال المباشر بل و حتى الضم (كما فى حالة الجزائر) .. هذه البلدان المتحررة تعرضت لتحديات جديدة .. ففى الوقت الذى تراجعت فيه موجة الاستعمار التقليدى المتمثل فى انجلترا و فرنسا و بدرجة أقل ايطاليا و البرتغال بعد خروج أسبانيا و هولندا من السباق .. بدأت موجة الاستعمار الجديد الأمريكى و الذى استخدم فى البداية وسائل الهيمنة الاقتصادية و الثقافية .. من خلال استخدام المؤسسات الدولية على رأسها البنك الدولى و صندوق النقد الدولى ، و بدأنا نسمع عما يسمى "التبعية الجديدة" .. و فى منطقتنا كان الاستعمار الاستيطانى اليهودى فى فلسطين انتقل ميراثه من تحالف اسرائيلى - فرنسى - بريطانى ، الى تحالف اسرائيلى - أمريكى فى المحل الأول .. و كان ذلك فى الستينيات .. حيث كان الرئيس الأمريكى جون كنيدى صاحب أول صفقة سلاح أمريكية تصل الى اسرائيل حين أقر صفقة الصواريخ هوك و التى استلمتها اسرائيل بعد اغتيال كيندى عام 1964 . و استمر ليندون جونسون على نفس سياسة كيندى الدافئة تجاه اسرائيل . و كان جونسون أول رئيس وزراء أمريكى يستقبل رئيس وزراء اسرائيليا فى زيارة رسمية حيث استقبل ليفى أشكول فى البيت الأبيض عام 1964 . ثم أقر جونسون فى عام 1966 ثانى صفقة سلاح أمريكى لاسرائيل و هى صفقة طائرات حربية . ثم تواصلت العلاقات العميقة بين أمريكا و اسرائيل على مختلف الأصعدة على ماهو معروف للكافة حتى وصلت الى حد العلاقات الاستراتيجية و العسكرية الشاملة .

    و أصبحت قضية الاستقلال فى بلادنا مرهونة بحماية الوطن من هذا التحدى الصهيونى - الأمريكى .. و كما ذكرنا فان استرداد سيناء منزوعة السلاح كان بثمن باهظ .. و لكن الواجب الوطنى و العقائدى يستوجب عدم استمرار البكاء على اللبن المسكوب .. و كان لابد من استرداد هذا الثمن مع الأيام .. و لكن الذى حدث ان علاقتنا بأمريكا تحولت الى علاقة الذئب بالحمل .. و أصبح من ضروراتها استمرار العلاقات المصرية مع اسرائيل .. و مع مرور الأيام و بدلا من استرداد الثمن الباهظ المدفوع من حريتنا و استقلالنا .. أصبحنا مطالبين بالمزيد من الدفع .. و أصبح من المعتاد ان تسمع أن هذا المسئول أو ذاك من ترشيحات صندوق النقد .. أو من ترشيحات الولايات المتحدة .. و وصل الأمر الى حد ان قرأنا ان يوسف بطرس غالى مرشح الدوائر الدولية لمنصب رئيس الوزراء خلفا لعاطف عبيد ..

    و قرأنا مؤخرا ان عيدروس رئيس هيئة الخدمات البيطرية و المسئول عن دخول الأغذية الفاسدة الى بلادنا .. قد التقى بجنرال فى الموساد الاسرائيلى فى الأردن !! فاذا كان التطبيع الزراعى مستمرا مع اسرائيل ، فلماذا لا يلتقى عيدروس بمسئولين زراعيين فى تل أبيب أو فى القاهرة ، لماذا يتم اللقاء فى بلد ثالث ؟! ما هذه الاتصالات المشبوهة ؟! و لماذا لم يحاكم أحد فى وزارة الزراعة حتى هذه اللحظة بتهمة الخيانة العظمى كما طالب ألف من مثقفى مصر فى بيان للنائب العام منذ شهرين كاملين و الذى تضمن ( المطالبة بمحاكمة المتورطين فى هذه القضية المروعة - قضية يوسف عبد الرحمن - بتهمة الخيانة العظمى و الابادة الجماعية للشعب المصرى و القتل العمد للمواطنين الأبرياء بهذا السم الزعاف .. اننا نتهم المتورطين فى هذه القضية المقبوض عليهم و من لايزال بعيدا عن أيدى العدالة ، و مهما علت مناصبهم و ارتفعت مراكز بعضهم باقتراف جريمة فى حق الانسانية لا تسقط بالتقادم ) (أخبار الأدب22/9/2002) . و هو ما طالب به حزب العمل من عدة أعوامفكان نصيبنا السجن و التجميد و ايقاف الجريدة .

    و المفارقة المحزنة التى جرت طوال عهد مبارك .. انه رغم أن شرعيته الفعلية و الواقعية كحاكم للبلاد .. تستند بالأساس لدوره فى حرب أكتوبر و تمثيله للمؤسسة العسكرية رغم انه لم يكن من الضباط الأحرار .. و كان انتسابه الوظيفى هو الذى دفع به حتى المنصب الثانى فى البلاد .. رغم كل ذلك فان حسنى مبارك كحاكم مدنى .. كرئيس للبلاد .. هو أكثر من يتحدث عن انتهاء الحروب ، رغم ان انفجارات الحروب تدوى فى منطقتنا و من حولنا و فى كل مكان فى العالم ، و يتحدث عن ان الحروب لم تحل المشكلة .. و انه باعتباره خبيرا فى الحروب فانه يرفض الحرب أيا كانت الأسباب (فيما عدا الاعتداء على تراب الوطن ) .. بينما الدفاع عن التراب الوطنى لايحتاج الى أى تنظير .. و كل حكومات الدنيا تدافع عن ترابها الوطنى .. و بالتالى أصبح الأمر معكوسا ، فبينما كان الرئيس يمثل المؤسسة العسكرية .. كان هو يضع أساس عدم أهمية هذه المؤسسة إلا فى مجرد الدفاع عن التراب الوطنى .. علما بان التراب الوطنى لن يهدد أبدا طالما اننا نسلم بكل الشروط أو بمعظم أو بكثير من الشروط الأمريكية . و هذه خطة متكاملة لحماية التراب الوطنى .. و لكنها اذا صلحت لجيبوتى ( التى تحولت من قاعدة لفرنسا الى قاعدة لأمريكا ) فانها لاتصلح لبلد فى وزن مصر .. ناهيك عن معارضة هذه الخطة لعقيدتنا و هذا أمر فصلناه خلال 7 رسائل للرئيس مبارك فى بداية اجتياح اسرائيل للضفة الغربية فى ابريل الماضى .

    ان الموقف الوطنى الوحيد و المسئول .. بعد معاهدة السلام مع اسرائيل كان اعتبارها مجرد هدنة .. و الاستعداد للحرب .. و الأخذ بكل أسباب القوة .. فى مواجهة هذا الكيان الغاصب .. فحصولنا على سيناء ليس آخر المطاف ، فنحن كعرب و كمسلمين لايمكن ان ننفصل عن قضايا أمتنا .. كذلك فان أمننا القومى المصرى يتعرض للخطر الداهم اذا كنا قوة كسيحة عرجاء أمام اسرائيل النووية ..

    و فى 21/3/1995 كتبت مقالا فى جريدة الشعب بعنوان ( من لا يؤتمن على حياة شعبه لا يستحق أن يبقى فى موقع الحكم يوما واحدا) بمناسبة انضمام مصر لمعاهدة حظر نشر الأسلحة النووية دون اسرائيل .. و رغم ماينشر فى التقارير الدولية عن وجود روادع لدى مصر للسلاح النووى الاسرائيلى .. و رغم اننا نميل الى تصديق ذلك .. إلا ان القضية الأساسية تكمن الارادة السياسية .. و هذه ليست متوفرة .. فالرئيس يقول ( لن تتوقف علاقتنا الخاصة مع أمريكا مهما حدث ) .. كما قال ( لن ندخل الحرب مع اسرائيل مهما حدث إلا اذا اعتدى على ترابنا الوطنى) و هذه أشبه بضمانات مجانية للأعداء .. و تشجيع لهم على ان يسيروا فى غيهم ضد مصالح أمتنا .

    و الحقيقة ان حديث الكراهية و قطع المعونات يأتى أولا من واشنطن - فى كل مرة - ثم تكون الحملات الاعلامية المضادة من القاهرة ..ثم يتم التوصل لحل وسط .. (على طريقة خلافات الأزواج التى لا تؤدى الى الطلاق) و اذا كان هذا محمودا فى اطار الأسرة .. فانه ليس محمودا مع الأعداء التاريخيين للأمة .

    و عندما أطرح مجددا على الرئيس مبارك الاستقالة (فى حدود نصوص الدستور) فاننى لا أقصد الاستفزاز .. و لكن لان الضرورات هى التى تحكم هذا الطلب .. بل اننى أطرح هذا الموضوع بشكل ودى للغاية .. و أنا مدرك انه لا توجد حتى هذه اللحظة ثورة فى الشوارع تطالب بذلك .. و ان كانت كثيرا من الهتافات فى المسيرات الشعبية فى ابريل 2002 كانت منتقدة لموقف الرئيس من مذابح اسرائيل فى فلسطين .. و لكن ماذا أعنى بذلك ؟

    أعنى ان الرئيس مبارك عندما ترك موقعه العسكرى و تولى موقعه المدنى السياسى كنائب لرئيس الجمهورية .. و حتى الآن قد أمضى فى الحكم 28 عاما ، و قد سار طوال هذه المدة على نهج واحد لم يتغير .. و حيث كان الأفق الوحيد لرؤيته و حركته : ثوابت العلاقات مع أمريكا و اسرائيل .. و قد حاول جهد الطاقة الحفاظ على المصالح الوطنية و لكن فى ظل هذه الثوابت ..

    و الواقع انه لايمكن على المدى المتوسط أو الطويل الحفاظ على المصالح الوطنية بهذا الأسلوب .. بل ان حلف الأعداء نفسه - رغم كل ما قدمه نظام مبارك لأمريكا - لم يعد راضيا عن مستوى التعاون المصرى معه .. و قد يكون من الصعب على الرئيس مبارك تصور ممارسة دوره فى مواجهة أمريكا و اسرائيل صراحة .. بل قد يتعارض مع كثير من التفاهمات .. و مع واقع الحصول على عشرات المليارات من الدولارات .. فى صورة معونات أو غيرها .. فاذا كان الرئيس مبارك غير قادر - بحكم طبيعته الشخصية أو بحكم أى اعتبارات أخرى - على التحول فى اتجاه آخر.. و معاكس و هذا أمر انسانى مفهوم .. و اذا كان اجماع الأمة اننا نتجه اذا لم نكن وصلنا بالفعل الى حالة تصادم شاملة مع الحلف الصهيونى - الأمريكى ..

    فان تنحى الرئيس قد يكون المخرج السليم .. الهادئ .. و الحضارى .. الذى يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة ..
    لقد وصلت سريعا الى هذه النقطة قبل الحديث عن أهمية تعديل الدستور ليكون انتخاب رئيس الجمهورية مفتوحا و مباشرا و حرا .. لأن الأحداث تداهمنا .. و الواقع لن يتجمد حتى عام 2005 بل أننا خلال أيام قليلة أو أسابيع ربما ندخل كأمة فى مرحلة مواجهة شاملة مع الحملة الأمريكية - الصهيونية التى تستهدف بعد فلسطين و أفغانستان و العراق مواصلة الطريق للهيمنة الكاملة على مقدرات و مقدسات الأمة .. و هذا لن يكون باذن الله .. و لكن لابد من المقاومة الشاملة و الصريحة .



    **********



    (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه و من ضل فانما يضل عليها و ما أنا عليكم بوكيل ، و اتبع مايوحى إليك و اصبر حتى يحكم الله و هو خير الحاكمين ) يونس 108 - 109
     

مشاركة هذه الصفحة