مسلمون وكفى - للشيخ سلمان العودة

الكاتب : نقار الخشب   المشاهدات : 615   الردود : 8    ‏2007-11-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-11-25
  1. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    سلمان بن فهد العودة 17/8/1423

    23/10/2002


    منذ فترة طويلة وأنا مهموم بالبحث عن الأسباب التي أدت إلى تخلف الأمة الإسلامية في هذا الوقت ، بل ومنذ مئات السنين ، وتراجعها عن دورها الريادي والحضاري ، وفشلها في كثير من شؤون الحياة .
    هذا السؤال ليس جديداً ، بل ربما كان المسلمون يطرحونه قبل قرون , ولما حصل انحسار الإسلام عن بلاد الأندلس ، وسقطت بأيدي النصارى بعد ثمانية قرون من الحكم الإسلامي أحدث هذا دوياً هائلاً في العالم الإسلامي ، وتساءل المسلمون عن سر هذه المصيبة وهذا التخلف ، وكتبوا ما كتبوا ، وقالوا ما قالوا ، من منثور ومنظوم ، ولما جاء الغزو المغولي التتري حصل مثل ذلك ، وكذلك لما جاء الغزو الصليبي ، ولما جاء الغزو الاستعماري وهيمن على معظم الرقعة الإسلامية ، واستسلم له المسلمون لفترة تكرر مثل هذا السؤال أيضاً ، والآن أصبح السؤال يطرح بشكل أكثر إلحاحاً ، وكتب فيه من كتب من العلماء ، ومن أشهر ما كتب ( لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟) للأمير شكيب أرسلان ، ومن أنقرة إلى القاهرة إلى دمشق إلى جاكرتا إلى الرياض إلى مناطق كثيرة من العالم ؛ فإن هذا السؤال يطرح بقوة : ما السبب وراء تخلف المسلمين ، وتقدم غيرهم ؟!!
    الكثير يطرحون سؤالاً وهو : من فعل هذا بنا ؟! ، من العدو الذي أحدث فينا هذا الضعف ومن تسبب لنا بهذا التخلف والتأخر ؟ ومن جرنا إلى هذا المصير ؟!
    بيد أن القرآن الكريم يرشدنا إلى ضرورة تغيير السؤال ، وأن أول مرحلة في الإصلاح هي أن نعيد صياغة السؤال بشكل آخر ، بدلاً من سؤال من فعل هذا ؟ علينا أن نتساءل : كيف حدث هذا لنا ؟ لنؤكد أن المشكلة تبدأ من عندنا ، وليست شيئاً خارجياً مفروضاً علينا .

    وهذا المعنى متضمن في عشرات الآيات القرآنية ، من أبرزها وأوضحها قول الله I : " وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى "[الأنعام:164] ، وقولهI: " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ "[النساء:79]
    وقولهI : "وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ "[النساء:111]
    وقولهI :" قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"[آل عمران:165]
    وقولهI :" وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[الأعراف:160]
    وقولهI : " وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"[النحل:118]
    وقولهI:"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"[الأنفال:53]
    وقولهI :" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ "[الرعد: 11] .

    هذه الآيات وما شابهها تقوم مقام القاعدة القرآنية الشرعية القطعية ، التي تؤكد أن مبدأ التغيير هو من النفس ، ويفترض أن نخلص من هذه النصوص القرآنية التي هي غاية الوضوح والسهولة إلى أن التغيير الحقيقي في المسلمين يجب أن يبدأ من عند أنفسهم ، فتغيير وبناء الشخصية الإسلامية هو المنطلق ، والحجر الأساس في عملية الإصلاح المنشودة .

    وهناك جانبان أساسيان في موضوع تغيير النفس يشملان كل ما وراءهما :
    الأول:جانب التصورات والعلوم ، والتي يتفرع عنها تصحيح مناهج النظر والتفكير والتحليل.
    الثاني: جانب الإرادة والقصد ، جانب العمل والأداء والممارسة .

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-11-25
  3. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    الإنسان ما هو إلا علم وعمل ، والشريعة بل الرسالات السماوية كلها جاءت لإصلاح هذين الأمرين ، إصلاح نظر الناس وعلمهم وتصوراتهم عن الأشياء بحيث تبدو صحيحة ، وإصلاح أعمالهم بحيث تكون متوافقة مع العلم الصحيح ، هذا هو مدار الأمر.
    قبل أن نسترسل في هذا الجانب , دعونا نقف قليلاً مع بعض الإحصائيات التشخيصية المتعلقة بواقع الأمة الإسلامية .
    رجل من كبار المستشرقين ؛ بل هو عميد المستشرقين ( برناند لويس ) كتب مجموعة من المؤلفات قديمة وجديدة عن الإسلام والمسلمين ، لكن من آخر ما كتب ( تأثير الغرب ورد فعل الشرق الأوسط ) ، وهنا تقرأ هذه المجموعة من الإحصائيات :
    - المسلمون ربع سكان العالم ، ولكن حصتهم من الثروة العالمية تقل عن ( 6% ) .
    - ثلثا فقراء العالم الذين يعيشون بأقل من دولارين يومياً هم من المسلمين ، وهذه النسبة ( نسبة الدخل للفرد المسلم ) تنخفض بمعدل ( 2% ) سنوياً ، وهو أكبر انخفاض يقع للفرد فيما يسمى بدول العالم النامي .
    - لا يوجد بلد إسلامي واحد بين البلدان الثلاثين التي صنفت على أنها أغنى ثلاثين دولة في العالم .
    - من بين منتجات الدول المميزة في كل مجالات الإنتاج هناك خمسة آلاف منتج تعتبر مميزة لا يوجد واحد منها من بلد إسلامي .
    - إذا ما استثنينا النفط ، والكافيار ( بيض السمك ) ، والسجاد الإيراني ؛ فإن الدول السبع والخمسين الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي لا تقدم شيئاً وراء هذا للسوق العالمية .
    - مديونية الدول الإسلامية تقدر بمئات المليارات من الدولارات ، ونسبة الاكتفاء الذاتي عند المسلمين تنخفض بشكل مستمر( السلعة التي يكتفون فيها ذاتياً ) .
    - الفرد المسلم يعيش متوسط حياة أقل بعشرين سنة من متوسط نظيره في بلاد الغرب ؛ لاعتبارات الخدمة الصحية والغذائية والتوعوية ، ولا تستبعد أثر القهر والشعور بالمهانة!
    - أربعون بالمائة من الشباب المسلم المتعلم لا يحصلون على مهنة لائقة لهم في بلدانهم ؛ فإما أن يبقوا عاطلين في بلادهم عن العمل ، وإما أن يضطروا إلى الهجرة كما يهاجر شباب المغرب وتونس والجزائر وغيرها إلى فرنسا ، أو يهاجر شباب مصر والشام إلى أمريكا أو أوربا .
    - بينما تتراوح نسبة البطالة في الغرب ما بين (5- 12 % ) خلال العقدين الماضيين ؛ فإن نسبة البطالة في العالم الإسلامي تزيد على ( 20% ) وهي آخذة بالازدياد .
    نتيجة البطالة أن يفتقر الناس والشباب والمتخرجون إلى الوظائف والعمل ، ويترتب على هذا عدم إمكانية توفير السكن ، وهذا يعني أن كثيراً من الشباب المسلمين لا يستطيعون الزواج وتكوين العائلات ، وهذا يترتب عليه كثرة العنوسة في العالم الإسلامي ، ولذلك في إيران: يحتمل أن ينتهي المطاف بـ ( 40% ) من الفتيات اللاتي هن دون سن العشرين إلى العنوسة ، ونشرت الصحف هنا في السعودية قبل شهور تقريراً مخيفاً عن العنوسة هو قريب من هذا الرقم .
    - نقص المياه هو مشكلة يومية في العالم الإسلامي كله .
    - وفقاً لدراسة أعدتها منظمة الصحة العالمية ، يعتبر بلد إسلامي واحد فقط هو عُمان من بين الدول الأربعين التي توفر لمواطنيها الرعاية الصحية وفق المعايير الحديثة.
    - من الناحية السياسية لا يتمتع العالم الإسلامي إلا بنفوذ ضئيل جداً في التأثير على السياسات العالمية ، وتوصد الأبواب في وجه الدول الإسلامية للدخول إلى منتدى صناع القرار في العالم ، حيث تتحكم حفنة قليلة من الدول الغربية في هذا الأمر .
    - من بين أبرز ثلاثين نزاعاً محتدماً في العالم ، هناك ثمان وعشرون نزاعاً في العالم الإسلامي تعني المسلمين أو العالم الإسلامي حكومات أو شعوباً .
    - في العقود الثلاثة الماضية لقي ما لا يقل عن مليونين ونصف مليون شخص من المسلمين حتوفهم في حروب جرت داخل العالم الإسلامي .
    - يقبع ثلثا السجناء السياسيين في العالم في سجون العالم الإسلامي .
    - (80% ) من أحكام الإعدام في العالم تمت في دول إسلامية . (1)
    - يشكل المسلمون في العالم حوالي (80% ) من اللاجئين في العالم .
    - كل الدول التي عانت من انهيار ، وأصبحت دولاً عاجزة تنتمي للعالم الإسلامي ، مثل ما حدث من انهيار دولة الصومال .
    - العالم الإسلامي هو أقل مناطق العالم استثماراً في ميدان البحث العلمي ، والتقنية ، وخدمة المعلومات .
    هذه معلومات حديثة ، ومعلومات إحصائية تدل على قدر من التخلف في العالم الإسلامي في مجال الصحة ، في مجال التعليم ، في مجال الاقتصاد ، في مجال حقوق الإنسان ، ربما هذه الأسئلة تجد من يخدمها ؛ لأنها قضايا مطروحة عالمياً ، وبالتالي هناك مقارنة بين العالم الإسلامي وبين غيره من دول العالم ولسنا بصدد التعليق أو الاستدراك ؛ لأن العملية وصفية محضة .
    لكن ثمت نمط آخر من الأسئلة يكمل الصورة .
    عملت استبياناً للرأي شارك فيه بضع مئات من الشباب في عملية توقعية محضة ليست بالضرورة متطابقة مع الصورة الحقيقية ، ولكنها تقريبية ، وطارحتهم مجموعة من الأسئلة السلوكية والتعبدية التي تمثل لوناً آخر من التخلف ، ولا يمكن فصل هذا الجانب عن ذاك ، إذ إن هذا الفصل ذاته يعني نوعاً من الازدواجية في النظرة ، والتمزق في الشخصية .
    وقد جاءت الأسئلة كما يلي :

    س:كم نسبة الذين يصلون الصلاة جماعة في المجتمعات المسلمة ؟
    ج:أكثر من نصف الأصوات تقول : (20% ) .

    س:كم نسبة الذين يصلون من المسلمين في بيوتهم ؟
    ج: ( 20% ) .

    س:كم نسبة الذين يصلون أحياناً ويتركون الصلاة أحياناً أخرى ؟
    ج: ( 30% ) .

    س:كم نسبة الذين يختتنون من المسلمين ؟
    ج:نحو ( 80% ) .

    س:كم نسبة الذين يعقدون عقود الزواج الشرعية ؟
    ج:تقدر نسبتهم بنحو ( 75% ) .

    س:كم نسبة الذين يدفنون موتاهم بحسب الطريقة الشرعية ؟
    ج:أكثر من ( 90 % ) .

    س:كم نسبة من يدفعون الزكاة ؟
    ج:من الصعب جداً إحصاء من يدفعون الزكاة ؛ لأن الزكاة ليست هي مالاً يدفع لمصلحة جباية الزكاة فحسب ، وحتى في العصر الإسلامي الأول لم تكن الدولة هي التي تأخذ أموال الزكاة كلها ، فقط بعض الزكوات تجبى عن طريق السلطان أو الخليفة ، وهناك أموال زكوية يدفعها صاحبها ، وهو مؤتمن عليها ، واليوم معظم الزكوات يدفعها أصحابها بأنفسهم للمستحقين ، وفي كثير من البلاد الإسلامية لا يوجد جباية للزكاة أصلاً ، لكن توقع (70%)من الذين تعرضوا للسؤال أن نسبة الذين يخرجون زكاتهم من المسلمين هي (55% ) .

    س:كم عدد الذين يصومون شهر رمضان من المسلمين ؟
    ج: (70% ) ؛ لأن كثيراً من الناس لديهم إقبال على الشعائر التعبدية المحضة ، لكنهم أكثر تفريطاً فيما يتعلق بالجوانب المالية ؛ لوجود نوع من الشح ، أو حب الدنيا ، أو الأثرة في النفوس ، هناك أشياء أخرى يصعب الحديث عنها بشكل دقيق مثل جوانب الالتزام الأخلاقي مع النفس ، أو مع الزوج ، أو مع الوالدين أو مع الآخرين أو مع أفراد المجتمع أو مع الأعداء .
    --------------------------------------------------------------------------------
    (1)تحتج منظمة العفو الدولية على حكم الإعدام ،وعقوبة القتل في الشريعة الإسلامية ثابتة من باب القصاص ( النفس بالنفس )وفي حالات عديدة معروفة في كتب الفقه .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-11-25
  5. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    وفيما يتعلق بالجانب الأول ( الحياتي أو المعاملاتي ) ففي العديد من الحالات يصبح المسلمون استثناءً سلبياً داخل مجتمعات أكثر رقياً وتطوراً ، وهذا أمر في غاية الخطورة ؛ لأنه يعطي الآخرين انطباعاً مباشراً بأن سبب هذا التخلف يعود إلى تعاليم الدين ذاته " رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "[الممتحنة:5] .

    والمشكلة تعود في بعض أجزائها إلى اغترار بعض المسلمين بانتسابهم ، ووقوفهم عنده يظن أن مجرد الحصول على الصفة أو اللقب يعيضهم من الالتزام والتقيد بمقتضى الشريعة .
    أو أن حصوله على جانب من الصلاح يعفيه عن استكمال النقص أو قبول النصيحة .

    ولقد نعى الله –سبحانه وتعالى-على أهل الكتاب مثل هذا المعنى " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ "[المائدة:18].

    يقول حذيفة- رضي الله عنه- : [ نِعمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لهم المر ولكم الحلو ] يعني أن الأشياء التي حكاها الله- سبحانه وتعالى -عن اليهود أو النصارى ، وحذر منها ، وعابهم عليها ، هي حق عليهم وحق عليكم ، وإلا لما حكاها لنا ، وإنما ذكرها الله لنا للاعتبار ، ولهذا قال – سبحانه وتعالى- بعدما ذكر قصة بني النظير:" فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار"[الحشر: 2] ، والاعتبار هو: القياس ، والنظر ، وربط الشيء بمثله ؛ فإذا كان الله – سبحانه وتعالى-يعيب على أهل الكتاب من قبلنا ألواناً من المخالفات والانحرافات ؛ فما ذلك إلا لنتجنبها، ولهـذا كان مما يقرؤه المسلم في كل صلاة ، بل في كل ركعة " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ "[ الفاتحة:6-7] ، يقول العلماء: المغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى ، وهذا ليس قصراً للآية على هؤلاء ، وإنما هو من التفسير بالمثال أي من كان عنده علم ، وعنده صدق في تصوراته ، ولكن لم يكن عنده عمل ؛ فهذا فيه نسبة من المغضوب عليهم ، ومن لم يكن عنده تصور ، وإنما عنده عمل على غير هدى وبصيرة ؛ فإنه يلحق بالضالين .

    فمن قصّر في جانب التصورات والعلوم ، أو أخل بها ففيه شبه من النصارى للجهل الموجود عندهم ، ومن قصر في جانب العمل ففيه شبه من اليهود ، ولهذا المسلم يدعو ربه أن يجنبه طريق هؤلاء وهؤلاء .

    والمتأمل يجد أن الله –سبحانه وتعالى-جعل اسم هذا الدين : الإسلام وكلمة (الإسلام) تدل على العمل والتحصيل بمعنى: الاستسلام لله –سبحانه وتعالى- ؛ فالإسلام علم ، وعبادة ، وتوحيد لله –سبحانه وتعالى- وهو خلق وسلوك ، وهو أداء وإتقان للعمل ورعاية للأمانة ، ولهذا بوب البُخاري في صحيحه :
    - الصلاة من الإيمان "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم "[البقرة: من الآية143] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس .
    - أداء الخمس من الإيمان .
    - أداء الزكاة من الإيمان .
    - صيام رمضان من الإيمان .
    - قيام ليلة القدر من الإيمان وهكذا .

    ففي الإسلام مزج وتشابك قوي بين العلم الصحيح والعمل الصحيح ، وكلها إيمان وكلها إسلام ، وكلمة الإسلام وكلمة الإيمان هي تدل بذاتها على هذه المعاني ، ولهذا سمى الله – سبحانه وتعالى- المسلمين ( مسلمين ) ، وقال: " هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل "[الحج:78] بينما تجد اليهودية ليس في هذا المعنى ، وإنما اليهودية نسبة إلى يهوذا وهو شخص، وكذلك النصرانية ليس في هذا المعنى ، وإنما قد تكون نسبة إلى بلد وهي النصرانة أو الناصرة التي يقال: إن عيسى – عليه السلام- ولد فيها أو تكون نسبة إلى عيسى الناصري ، والبوذية نسبة إلى بوذا ، فالإسلام يتميز عن الديانات السماوية السابقة ، وعن المذاهب الأرضية بأنه دين يقوم على العمل ليس وراثة ، ولا أماني ، ولا ادعاءات، ولم يسم أتباعه بالمحمديين ولا بالمكيين حتى لا يظن الناس أن الإسلام هو عبارة عن قومية أو جنسية أو نسب.

    كلا بل الإسلام عمل والناس الذين كان آباؤهم وأجدادهم من الوثنيين ، وسدنة الأصنام ، ومحاربي الدعوة صار كثير منهم من السابقين الأولين للإسلام، وأولاد الصلحاء الأتقياء الأنقياء ربما صار أبعد ما يكون عن الخير والهدى والإسلام ، وفي القرآن الكريم تجد فيما تجد قصة نوح وابنه وقصة إبراهيم وأبيه ، وقصة امرأة نوح وامرأة لوط وقصة امرأة فرعون ...

    ولهذا لو أن الإنسان دخل في الإسلام من غير إرادته وبغير إيمان واعتقاد ، بل نتيجة الإكراه والضغط عليه فإنه لا يكون مسلماً عند الله – سبحانه وتعالى-، ولهذا قال سبحانه وتعالى:" لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ "[البقرة: من الآية256] أما قول أبي هريرة – رضي الله عنه- لما قرأ : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "[آل عمران: من الآية110] : تقودون الناس إلى الجنة بالسلاسل .

    فليس معناه أنكم تكرهون الناس على الدخول في الإسلام ، والتاريخ كله لم يشهد أن أحداً أكره على الدخول في الإسلام ، لا فرد ، ولا شعب ، ولا جماعة ؛ وإنما المقصود أن المسلمين بجهادهم ، وصبرهم أزالوا العقبات التي كانت تحول بين الناس وبين الاستماع إلى دعوة الإسلام ، فدخل من دخل من الناس في دين الله إيماناً وإعجاباً بعدله ، ومنهم من يدخل لرغبة أو رهبة ، ثم يحسن إسلامه بعد .
    فالإسلام هو استسلام لله – سبحانه وتعالى- ، وهو عمل يقوم به الإنسان ، حتى الرسول نفسه – صلى الله عليه وسلم -كان يكلف بكل التكاليف ، ويطالب بكل المطالبات حتى يقول الله- سبحانه وتعالى-له: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ"[الأحزاب:1] ، ويقول سبحانه وتعالى :"وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ "[الزمر:65] .
    إن من شرائع الإسلام النصيحة للنفس وللغير .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-11-25
  7. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4

    وإن من الحواجز التي تحول بين الناس وبين قبول النصيحة أو قبـول التصحيح هو تزكية النفس ، وعدم رؤية العيوب . نعم! لقد ورد في القرآن الكريم فضل هذه الأمة والثناء عليها ، ولكن هذا الفضل ليس فضلاً يتوارثونه ؛ لأنهم عرب ، أو لأنهم عاشوا في الأمصار والبلاد العربية ، فالأرض لا تقدس أحداً ، والقبيلة لا تقدس أحداً ، وإنما يقدس الإنسان عمله كما قال سلمان -رضي الله عنه- .
    ولذا يقول الله -سبحانه وتعالى-: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"[آل عمران: من الآية110] ؛ فهذه الفضيلة لأمة، ليست لجنسية معينة ، وإنما لمن آمن بالله ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقام بأمر الله -عز وجل- ، وكذا قوله سبحانه وتعالى:" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً"[البقرة:143] هذه الوسطية، والفضيلة " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً"[البقرة:143] ؛ فهي لا تكون إلا لمن قاموا بالشهادة ، وكانوا نموذجاً وقدوة في أمورهم الخاصة والعامة والفردية والجماعية .

    ولهذا كان عمر – رضي الله عنه- يقول : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " كنتم فيما مضى . ويعني بهذا من سبق من أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم- لأنهم كانوا هم المعلم والمنارة التي يقتدي بها الخالفون من بعدهم.


    إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يرون أن مجرد انتسابهم لهذا الدين يكفي في نجاتهم في الآخرة ، ويكفي في صلاحهم في الدنيا ، حتى لو لم يطبقوا حقيقته ، وقيمه ، وتعاليمه ، وربما تجد عند أحدهم من الثقة بالفوز والنجاة في الدار الآخرة أعظم من ثقة العشرة المبشرين بالجنة ، وأما ما يتعلق بالدنيا ؛ فربما تجد الواحد منهم يكدح فيها ليل نهار ، ويضني بدنه وجوارحه ، لكن دون جدوى ؛ لأنه لا يأخذ بالأسباب المادية المعتبرة ، والكثيرون قد يطلبون قضاء حوائجهم وتفريج كرباتهم ، وسداد ديونهم ، وتزويج عوانسهم ، و إزالة مشكلاتهم ، ورد غيابهم ، و نصرتهم على عدوهم عند الأولياء ، أو المشاهد وعند القبور ، أو يتوقعونها هدية رخيصة تأتي دون ثمن وعناء ، ولم لا..! أو ليسوا بالمسلمين ؟!

    إن السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً ، والله – سبحانه وتعالى- يقول: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً "[النساء:123-124] .

    إن كوني من الصالحين لا يسمح لي أن أجعل الصلاح ترساً أرفعه في وجه كل من يريد نصحي ، أو الاستدراك علي أو تصحيح خطأ مظنون أو مقطوع .
    وهل الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين ؟!
    وفي هذا المقام فإن من الضرورات الملحة قيام المعنيين بالإصلاح والتربية على تجديد هذا المعنى الكبير في نفوس المسلمين ، وهو أن الإسلام نفسه دين العمل: العمل للدنيا ، والعمل للآخرة ، والعمل للنفس ، والعمل للغير ، وأن المرء يثاب على عمله حتى عمله الدنيوي ، ولذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البيهقي عن عائشة -رضي الله عنها-، وسنده جيد : ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) وهذا يشمل كل عمل يقوم به المرء مما هو داخل في دائرة المباح فضلاً عن المستحب أو الواجب ، سواءً كان وجوبه بأصل شرعي ، أو كان لتحمله لمسؤولية العمل وتبعته بموجب العقد والاتفاق .
    وفي الحديث الآخر عند أحمد وسنده صحيح ( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل ) وهكذا يرفع الإسلام من قيمة العمل حتى حين يتيقن الإنسان ألا ثمرة تحتسب له من ورائه، ويوجه المسلم إلى احتساب الأجر والثواب وهو يغرس فسيلة قد ينتفع بها إنسان أو طير .

    ومن الواجب الملح التربية على أن هذا النسب الشريف (الإسلام ) يتطلب أن يكون المرء على القدر الشرعي المقبول اللازم من أداء واجبات هذا الانتساب ، وترك منهياته أومحرماته .
    ويجب أيضاً أن يتم الفصل بوضوح بين الإسلام ، وبين ممارسة المسلم ( فرداً أو جماعة أو دولة ) فالإسلام دين رباني محكم مهيمن ، وهو المرجعية للحكم على الأشياء وتصحيحها .
    أما عمل الناس وسلوكهم فهو قابل للنقد والمراجعة والتصحيح والنصيحة والملاحظة .

    فكم يعزى إلى الإسلام ذنب *** وكل الذنــب ذنب المسلمينا ​

    والنصيحة نفسها عمل بشري قابل للمراجعة ما دامت تتعلق بأمر محتمل ، ليس من قطعيات الشريعة أو ضرورياتها ، والله أعلم .


    انتهى​
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-11-25
  9. العندليب

    العندليب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-04-04
    المشاركات:
    39,719
    الإعجاب :
    4
    أشكرك كثيراً أخي الكريم " نقار الخشب "

    جاري قراءة ما كتبه الدكتور " سلمان العودة "

    وجزاكم الله خير :)
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-11-25
  11. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    أدري أن الموضوع طوييييييييييييل حبتين.. :M3:

    لكن يستاهل الصبر والقراءة بوعي:M21:


    حياك الله يا عندليب أفندي
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-12-01
  13. فواز مصلح

    فواز مصلح قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2007-04-01
    المشاركات:
    15,363
    الإعجاب :
    4
    الذي يقول مسلمون وكفى في نظري مخطى اذا كان قصده ان المسلم يسكت عن انحراف المنحرفين وبدع المبتدعين وظلال المظلين لان الحديث الصحيح اتى في بيان ان الامة ستفترق الى ثلاثة وسبعون فرقة كلهن في النار الا واحدة لهذا نعم نحن مسلمين لكن يجب التفصيل والا صرنا جاحدين بمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والسلام
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-12-02
  15. أبو أحمد سليم

    أبو أحمد سليم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-07-21
    المشاركات:
    3,303
    الإعجاب :
    0
    بل طويل جدا جداً ...

    ومضمونه معلوم ..ومثل هكذا كلام قد يعد تمييع

    تحيتي يا أستاذ نقار
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-12-02
  17. ألم وآمال

    ألم وآمال قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-05-31
    المشاركات:
    2,802
    الإعجاب :
    0
    ما أحلاه من كلام

    ما أحوجنا أليه في هذه الأيام

    بارك الله فيكم أخي نقار الخشب..
     

مشاركة هذه الصفحة