منقول : للدكتور عبدالله بن محفوظ

الكاتب : Shipami   المشاهدات : 433   الردود : 0    ‏2007-10-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-10-31
  1. Shipami

    Shipami عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-24
    المشاركات:
    903
    الإعجاب :
    1
    عولمة الحضارم ما بين الاستثمار والتوطين (1 من 2 )[​IMG]
    د. عبد الله مرعي بن محفوظ - 20/10/1428هـ
    abdullahbinmahfouz@gmail.com

    إن أبرز مظاهر العولمة الاقتصادية الحديثة، توجه الدول إلى الاستثمار الدولي وتحرير قيود التجارة وتسهيل حركة رؤوس الأموال، والتركيز على (التعدين –التطوير التكنولوجي – الطاقة)، لذلك أصبحت اليد الشابة والعاملة الخبيرة أحد أهم عوامل نجاح أي عملية اقتصادية حديثة، والاقتصاد الصيني أكبر شاهد في هذا المجال.
    لذلك فإن تحريك الكفاءات البشرية، يعتبر إحدى أهم القضايا التي تحتل صدارة جدول أعمال المفوضية الدولية لشؤون الهجرة، والتي عقدت مؤتمراً لها في العاصمة الألمانية برلين في 31 أيار (مايو) 2006 لمناقشة التحديات المرتبطة بظاهرة الهجرة العالمية في القرن الحادي والعشرين، وتمت مناقشة الاستفادة من القوة البشرية الموجودة في آسيا وإفريقيا، واضعين على بساط البحث الآثار المترتبة على مجال حقوق الإنسان الدولية وعملية التنمية في البلدان المصدرة لهم، إضافة إلى الآثار القانونية لعمليات توطين هذه القوى والانتماء للدول المستقبلة لهم.
    هذا الموضوع هو ما دفعني للكتابة عن الهجرة الاقتصادية والاجتماعية التي تميز
    بها الحضارم على مر التاريخ الإنساني، والتي تُسطر عملياً وقائع عولمة اقتصادية
    واجتماعية وثقافية وحضارية جرت في العالم الإسلامي قبل قرون عديدة من العولمة التي نعيشها اليوم، والمطلوب تعريف الغرب المتقدم والشباب العربي والإسلامي بمآثر تاريخية تتجاوز حدود حضرموت (الأرض)، والتي سطر أبناؤها قوتهم الاقتصادية وكفاءتهم البشرية وحسن تعاملهم وأخلاقهم، لتمتد آثارها من شواطئ بحر الصين شرقاً إلى حدود إسبانيا غرباً.
    ومقالي هذا هو جزء من كتاب قادم حول هذا الموضوع، سينشر ـ بإذن الله ـ بالتزامن مع شريط وثائقي أعددته لـ (قناة العربية)، وأسعى في هذا الكتاب إلى استكمال جهود العديد من الكتاب والباحثين في قضايا الاستثمار والتوطين في عصر العولمة الحديثة.
    حضرموت التي اعتبرها المؤرخون الغربيون إحدى أهم وأقدم حواضن الحضارة الإنسانية لما تملكه من بعد حضاري عميق ومتسع عبر الحقب والتطورات المختلفة التي عاشتها البشرية، ويمكن قياس هذا البعد الحضاري عبر دراسة هجرات قبائلها المتعددة، الذي انصهر معظم أفرادها في تضاريس العالم الإسلامي والعربي لتشكل كتلة متميزة، والباحث في تاريخ حضرموت وقبائلها، سواء الذي يعود إلى عصور سحيقة في القدم أو المعاصرة, يستطيع أن يميز تاريخياً بأن هناك خمسة مفاصل مهمة في مسيرة هجرة مستمرة من جنوب الجزيرة العربية وهي كالتالي:
    الهجرة الأولي: في القرن الأول قبل الميلاد هجرة الحضارم إلى الحبشة، وامتد إلى شرق إفريقيا، وهي كانت هجرة استقرار وتوطن ونقل حضارة الجنوب العربي (الكتابة – العمارة – الديانة) إلى تلك البقاع.
    الهجرة الثانية: في القرن الخامس الميلادي هجرة الحضارم الاقتصادية عندما كانت حضرموت مركز التجارة ما بين الشرق والغرب وتحرك القوافل الحضرمية لتصدير البخور والبضائع الهندية.
    الهجرة الثالثة: في القرن السابع الميلادي بعد انتشار الدين الإسلامي، وتحرك قبائلها مع الجيوش الإسلامية إلى شمال إفريقيا، الأندلس، العراق، الهضبة الإيرانية، وأواسط آسيا.
    الهجرة الرابعة: في منتصف القرن الثامن عشر ميلادي هجرة الحضارم إلى إندونيسيا والهند وشرق إفريقيا بعد دخول الاستعمار البريطاني إلى عدن.
    الهجرة الخامسة: في نهاية القرن التاسع عشر, هجرة الحضارم إلى الحجاز ودول الخليج العربي .
    وفي هذا الجانب يقول البروفيسور إنجسينج هو Engseng Ho، رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة هارفارد في أبحاثه التي أخرجها في كتابه (قبور تريم) عام 2000م، إن الحضارم صاهروا المجتمعات المحلية التي هاجروا إليها وأسّسوا مناطق حكم، ومجتمعات ترتبط ببلدهم الأمّ عبر صلة الدم، وكان ذلك عبر قبيلة (كندة) في نجد وقبيلة (الصدف) في البحرين، واستطاعت بعد ذلك أجيالهم عبر الثقافة الاجتماعية وعلم الاقتصاد في التجارة من إنشاء مجتمعات تمتد عبر بحر العرب إلى آسيا وإفريقيا.
    ركز البروفيسور (هو) على استحداث نظرية اجتماعية لحركة الهجرة إلى
    الخارج، حين أمر رسول الله محمد, صلى الله عليه وسلم, المسلمين في مكة بالهجرة إلى الحبشة في نهاية القرن السادس الميلادي، ومع بداية القرن السابع الميلادي استمرت الهجرات الحضرمية حتى ظهور الدعوة لتطوير شرعية دولية لتنظم التوطين وسن قواعد دولية لحقوق الإنسان.
    وكان أشهر تلك الدعوات، خطابا للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في 26 كانون الثاني (يناير) 1941م والذي دعا فيه لضرورة حماية الحقوق والحريات الأربع المتمثلة في حرية الرأي والتعبير وحرية الدين والحق في التحرر من المطالب المادية وضمان الحياة دون خوف.
    ثم عملت الأمم المتحدة على صياغة هذه (الشرعية) وحققت نجاحاً كبيراً عندما
    تم تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) عام 1948، لذلك فإن الحديث العام عن الهجرة الإنسانية لدى المجتمعات الدولية، وأثر العولمة عليها تسبقها دائماً الصفة القانونية وهي حقوق الإنسان في الحريات الأربع.
    وبالنسبة للحضارم لا يمكن للباحث فهم كيفية تشكل (الهوية الحضرمية) بمعزل عن طبيعة الأرض التي عاشت عليها هذا الأمة، ولا يشكل الحضارم خرقاً لهذه القاعدة، فالحضارم مدينون بالشيء الكثير من تمايزهم عن بقية إخوانهم العرب لطبيعة أرضهم، فحضرموت تتألف من واديين كبيرين (للماء) يسيران على امتداد الساحل تحيط بهما الهضاب شمالاً وجنوباً أحدهما يصب في البحر العربي، فيما الثاني ينتهي على تخوم صحراء الربع الخالي، هذه الحقيقة الجغرافية كانت العامل الأساس في تكوين الهوية الحضرمية، فهم أهل البحر الذين يسعون إلى اكتشاف آفاق جديدة وتأسيس أسواق تجارية في مناطق العالم المختلفة وتلقي ونشر الحضارة الإنسانية، وهم أهل الصحراء أهل التمسك بالأصول، وأهل النبل والأخلاق الدمثة والكرم.
    وأكبر منجزات الحضارم التي حققوها عبر هجراتهم المتعددة على الصعيد
    الإنساني، كان نشرهم للدين الإسلامي الحنيف، فعلى يد الحضارم هدى الله أكثر من نصف مليار مسلم اليوم إلى دين الحق في جزر الهند الشرقية والأرخبيل الفلبيني إضافة إلى جنوب شرق آسيا وأجزاء من الهند والصين، أما على صعيد التطور التكنولوجي فقد رافق فتح الحضارم لعلوم المحيط الهندي، فتح بوابة التجارة الدولية التي تحققت فيها اكتشافات مهمة في علم الملاحة والإبحار في المحيطات، توازي إن لم تتفوق على التقنيات التي استخدمها كولومبوس وغيره من كبار المستكشفين بعد أكثر من 1600 سنة من استكشاف المحيطين الأطلسي والهادي.
    ولقد عرفت التجارة الحضرمية بين الشرق والغرب فترات ازدهار كان أبرزها العصر الذهبي في فترة ما قبل فتوحات الإسكندر الأكبر المقدوني، الفاتح الذي حلم بضم حضرموت واليمن إلى قائمة فتوحاته وأعطاهما الاسم الذي عرف في أدبيات الغرب الأوروبي لقرون عديدة باسم العربية السعيدة Arabia Felix واصفاً إياها أنها أغنى ممالك الأرض قاطبة، وقد كان هذا العصر الذهبي للتجارة الحضرمية نتيجة لاحتكار حضرموت للطريق الوحيد إلى شرق آسيا الذي كان يمر عبر صحراء الربع الخالي وصولاً إلى موانئ جنوب شبه الجزيرة ومن ثم بحراً إلى الهند والصين .
    وعند الحديث عن الهجرة الحضرمية ينبغي علينا ألا نكتفي بالتركيز على جانبهم
    الاقتصادي كمبرر وحيد لتفسير ظاهرة الهجرات عند قبائل حضرموت، بل لا بد من الأخذ في الاعتبار عدة عوامل أخرى وهي:
    (العامل الأول): العامل المناخي، فمن المعروف أن مناخ شبه الجزيرة العربية كان
    أكثر اعتدالاً مما عليه اليوم في الأزمان الغابرة، فواديا حضرموت والمسيلة كانا
    واديين لنهرين دائمي الجريان وليسا مجريين موسميين كما هو الحال عليه اليوم،
    وهذا الأمر أدى إلى ازدهار الزراعة وانتشار الرخاء في جنوبي شبه الجزيرة
    العربية، حيث كان معدل الأمطار السنوية التي تهطل على منطقة حضرموت أكبر بكثير مما هي عليه اليوم، هذا التغير في المناخ فرض واقعاً جديداً أصبحت معه منطقة حضرموت أقل قدرة على دعم الأعداد المتزايدة من السكان بوسائل العيش الضرورية مما جعل العديد من الحضارم يهاجرون من أرض أجدادهم بحثاً عن حياة أفضل.
    (العامل الثاني): العامل الديني، فبعد أن أعز الله عباده بالإسلام، كانت
    للقبائل الحضرمية شأنها شأن أخواتها من قبائل العرب دور في الفتوحات الإسلامية، وأغلب القبائل الحضرمية استقرت في الأقطار المفتوحة في مصر والعراق والشام والأندلس، واستفاد الحضارم من السماحة الاجتماعية الموجودة في الدين الإسلامي وتواكبها مع تميزهم كعرق مسالم من ناحية (أنثروبولوجية) و(فسيولوجية)، واستطاعوا ترسيخ مفاهيم التوطين بمبادئهم المتسامحة والمسالمة.
    (العامل الثالث): العامل السياسي فمن المعروف أن حضرموت قد احتضنت مجتمعاً متكاملاً من أبناء الدوحة النبوية الشريفة (آل البيت) وهؤلاء تعرضوا للاضطهاد السياسي أيام حكم الخلفاء الأمويين والعباسيين، فهاجر السيد أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن الإمام جعفر الصادق في عام 313 هـ من بغداد إلى حضرموت مع جماعته، ودام تدفق هجرة السادة العلويين من آل البيت حتّى نهاية العصر العباسي الأول، واستقروا فيها، وقد أسهم السادة (الأشراف) بعد ذلك في إضفاء الميزة الدينية على هجرات الحضارم بقبول أغلب المجتمعات الإسلامية لهم، لتوافر الحُسنين مكانة آل البيت الدينية وحُسن تجارة ومعاملة الحضارم.
    ختاما: العولمة الاقتصادية في مفهوم الحضارم عبرنا عنها تاريخياً، من خلال علم (الاجتماع) بأنهم سريعو الاندماج في المجتمع الذي يتوطنون فيه، ليشكلوا أفراداً متميزين لامتمايزين و(دينياً) بأنهم خير الأمم تمسكاً بالدين الإسلامي والعقيدة والقيم السامية شرفاً وأمانة، و(اقتصادياً) كون النزاهة والدقة في العمل طباع أصيلة، والالتزام لديهم مقدس والوقت لديهم ثمين والحقوق محفوظة والأمانة شرف يهون الموت دونه، و(سياسياً) كون الحضارم لا يحبون النزاع ويعزفون عن الدخول فيما لا يعنيهم . وللحديث بقية.

    http://www.aleqtisadiah.com/article.php?do=show&id=7293
     

مشاركة هذه الصفحة