اليمن .. صراع السياسة بين الرئيس والإخوان

الكاتب : المقنع الكندي   المشاهدات : 434   الردود : 0    ‏2007-10-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-10-29
  1. المقنع الكندي

    المقنع الكندي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-07-09
    المشاركات:
    181
    الإعجاب :
    0
    اليمن .. صراع السياسة بين الرئيس والإخوان

    واجه النظام السياسي الحاكم في اليمن في الآونة الأخيرة عاصفة من الأزمات السياسية، من الواضح أنها مع اعتصام المتقاعدين العسكريين في المحافظات الجنوبية، والمظاهرات التي شملت معظم أنحاء البلاد والمعترضة على غلاء أسعار المواد الغذائية، بدأت تهز عرش السلطة المكين ولم يجد الرئيس صالح في ظل هذه الوضعية الصعبة إلا أن يعلن عن مبادرة سياسية، كمحاولة للحد من تصاعد وتيرة الاعتراضات الشعبية على سوء أوضاع الحياة الاقتصادية، وعجز الدولة عن القيام بوظائفها نتيجة تفشي الفساد في مؤسساتها، ومن جانب آخر محاصرة القوى السياسية المعارضة المهددة لحكمه، وتجاوز مشروعها السياسي بمبادرة تحمل في مضمونها إصلاحات سياسية جذرية.

    والمبادرة تحمل اقتراحات ستغير من هوية النظام السياسي، بتحويل النظام الحالي الرئاسي البرلماني إلى نظام رئاسي كامل يتم فيه انتخاب رئيس الجمهورية كل خمس سنوات ولدورتين انتخابيتين فقط وتتكون السلطة التشريعية من غرفتين: مجلس نواب يتم انتخابه حسب التعداد السكاني، ومجلس شورى يمثل المحافظات اليمنية بالتساوي، ومدة كل دورة أربع سنوات. كما دعت المبادرة بالانتقال من الإدارة المحلية إلى الحكم المحلي، بحيث تكون القيادات المحلية على مستوى المحافظات والمديريات منتخبة ومستقلة ماليا ولها شرطة محلية، وطالبت المبادرة بمنح المرأة نسبة 15% في الانتخابات البرلمانية، كما أكدت على تشكيل أعضاء اللجنة العليا للانتخابات من القضاة.

    هذه المبادرة رغم أهميتها في تهدئة الأوضاع، وقدرتها في حال تطبيقها على حل إشكالات سياسية يواجهها النظام، إلا أن المبادرة في حقيقتها هي إفراز لطبيعة الصراع السياسي الراهن في اليمن بين مراكز القوى والذي يمثل الإشكالية الكبرى التي تهدد مستقبل الدولة اليمنية، والمبادرة ليست إلا أداة من الأدوات التي يتم توظيفها في هذا الصراع.

    ويمثل صراع نظام الرئيس صالح مع التجمع اليمني للإصلاح الواجهة السياسية لحركة الإخوان المسلمين، الصراع الأكثر خطورة. وأغلب الصراعات الراهنة المهمة والمؤثرة على النظام الحاكم ترتبط بهذا الصراع بشكل أو بآخر.

    فحزب الإصلاح الذي كان يمثل الشريك الأبرز لنظام صالح، أصبح يمثل العدو اللدود المهدد لمستقبل النخبة السياسية المرتبطة بالرئيس صالح، فقد قاد الإصلاح منذ انتخابات 2003 النيابية معارضة شرسة، دفعت بعض قياداته في عام 2006 للمطالبة بثورة شعبية للقضاء على نظام الرئيس صالح باعتباره السبب الرئيس لتخلف اليمن، هذه المواجهة بدأت بعد أن تبنى نظام صالح سياسة إخراجهم من منظومة الحكم، وشكلت الانتخابات النيابية عام 1997 المدخل الرئيس لإخراجهم من الحكم، ومن ذلك الحين والرئيس صالح يعمل على إعادة بناء تحالفات جديدة لدعم قوة النظام، حيث عمل على تمكين القوى ذات الاتجاهات الليبرالية من منظومة الحكم، وقام بتصفية العناصر التي كان لها تاريخ اخواني من المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم لصالح قيادات سياسية ليبرالية وتقليدية مشهورة بمواقفها العدائية لحركة الإخوان المسلمين وعمل أيضا على إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية ورفدها بالقيادات الجديدة من أبناء النخبة الحاكمة التي تلقت تعليما حديثا في الجامعات الغربية، وتمتاز بولائها المطلق للرئيس صالح، كما عمل على بناء تحالفات قبلية داعمة للنظام من خارج قبيلة حاشد.

    وقد واجه تجمع الإصلاح الإسلامي سياسات صالح ببناء تحالف مع القوى اليسارية والقومية والتيارات الإسلامية الزيدية. ورغم التناقضات بين تلك التيارات على مستوى الفكر والمصالح ناهيك من التاريخ الحافل بالصراعات، إلا أن تلك الأحزاب أبدت تماسكا قويا على مستوى القيادات العليا واستطاعت أن تشكل معارضة قوية وتتفق على مشروع للإصلاح السياسي جعلت صالح وحزبه الحاكم في حالة من التحفز الدائم.

    وفي معمعة المواجهة بين الاخوان مع الرئيس صالح يأتي صراع النظام الحاكم مع الحركة الحوثية في جبال صعدة ليعبر عن طبيعة هذا الصراع المعقد، فقد عملت أطراف داخل النظام السياسي على إقناع صالح بدعم الحركة الحوثية لمواجهة حركة الإخوان المسلمين، باعتبارها ندا أيديولوجيا ومذهبيا للإخوان، إلا أن الحوثية بعد تضخم قوتها ونتيجة للتعبئة الإيديولوجية المتأثرة بالفقه السياسي للثورة الإيرانية، بدأت توجه سهامها نحو سياسات الرئيس صالح الخارجية، وبعد استبعاد بعض القوى المتعاطفة معها من منظومة الحكم انتقلت الحركة إلى رفض شرعية النظام السياسي وبدأت تواجه الدولة بقوة السلاح وهذا سهل مهمة قوى عسكرية وأمنية داخل النظام قريبة من الإخوان المسلمين في تفجير حرب بين الحوثية والنظام السياسي.

    وبعد أن استطاعت القوى التقليدية المعروفة باتجاهاتها القبلية والإسلامية أن تحاصر خصما أيديولوجيا لحركة الإخوان، أضحت تقود صراعا داخل منظومة الحكم ضد قوى التحديث، حيث تعتقد هذه القوى أن القوى العلمانية أصبحت قوية ومؤثرة على صناعة القرار، وتسعى لدمج اليمن في المنظومة الدولية وفق الشروط الأمريكية، وتتبنى أفكارا عصرية متناقضة مع تقاليد أبناء اليمن، وتعمل على تغيير المنظومة الفكرية والتشريعية للنظام السياسي، وتعتقد أن الرئيس صالح لديه استراتيجية واضحة تعمل على تقوية الاتجاه الليبرالي وتسعى لتمكينه من مؤسسات الدولة، وان هذه القوى الليبرالية تتبنى أفكار التوريث السياسي لصالح ابن الرئيس القائد العسكري القوي الذي تلقى تعليمه في جامعات الغرب.

    ومما زاد من تخوف الرئيس صالح، أن هذه القوى التقليدية التي تحمل إيديولوجية فكرية «اسلاموية» لها علاقة قوية بزعماء من قبيلة حاشد ، يرتبطون بشكل مباشر بحركة الإخوان المسلمين ويقودون معارضة قوية ضد نظامه، وكانوا هم الممول الرئيسي لحملة بن شملان منافس صالح على كرسي الرئاسة في انتخابات سبتمبر 2006، وقد استطاعت هذه النخبة القبلية ان تجمع لمرشح المعارضة، بن شملان، في محافظة عمران قلب قبيلة حاشد التي ينتمي لها الرئيس صالح، أكثر من خمسين ألف ناخب، وفي فورة الحملة الانتخابية طالب أبرز زعمائها الشباب بثورة شعبية لإزالة نظام صالح.

    وعلى الرغم من أن سلوك هذه النخبة له علاقة بالصراع على المصالح الاقتصادية ومواقع النفوذ السياسي والاقتصادي، إلا أن الصراع الدائر بين الرئيس وبين هذه النخبة مرتبط بطبيعة الصراع المعقد بين الإخوان المسلمين والنخبة الحاكمة المرتبطة بالرئيس صالح، فحركة الاخوان تعمل على تفكيك تحالف مراكز القوى داخل قبيلة حاشد وإعادة بنائها لصالح قوى قبلية وعسكرية تتبنى الفكر الإخواني.

    وفي سياق الصراع داخل قبيلة حاشد يمثل تأسيس مجلس التضامن الوطني مدى قدرة الإخوان على توظيف التناقضات داخل منظومة الحكم، فالمجلس تجمع قبلي يضم مشايخ من جميع محافظات الجمهورية بقيادة رموز قبلية من حاشد تنتمي للحزب الحاكم بعضها لديها ميول اسلاموية، وتعتقد أن الرئيس صالح يهدد مصالحها ويعمل على استبعادها لصالح قوى جديدة. و«الدينمو» المحرك للمجلس وأمينه العام قيادي قوي وبارز في تجمع الإصلاح الإسلامي، ويبالغ البعض في طرحه بالتأكيد أن المجلس إطار تنظيمي للقبائل يأتي في سياق الإعداد لثورة شعبية ضد نظام صالح وهدفه إسناد الثورة التي يهدد بها رموز اخوانيه بين الحين والآخر.

    وعلى الرغم أن أصعب الأزمات التي تواجه الرئيس صالح هو صراعه مع القوى المتضررة من الحرب الأهلية في 1994، والتي كان الاخوان المسلمون شركاء الرئيس صالح فيها، حيث كانوا من أشد التيارات تحمسا لها، معزولة عن سياق الصراع الراهن بين النخبة الحاكمة والإخوان، إلا أن أغلب الكتاب المؤيدين لنظام صالح يرون أن تجمع الإصلاح الإسلامي متورط في تأجيج مشاعر أبناء الجنوب ويعمل بذكاء شديد على استثمار الوضع لتشتيت طاقة النظام وإضعافه.

    في تصوري المبادرة التي تقدم بها الرئيس صالح تأتي في سياق الصراعات السابقة. لذا فقد رفضت أحزب المعارضة التي يقودها تجمع الإصلاح الإسلامي المبادرة واعتبرتها هروب من معالجة المشاكل التي يعاني منها الواقع اليمني، وان النظام الرئاسي الكامل هدفه الرئيسي دعم النزوع الاستبدادي للنخبة الحاكمة وتهيئة الوضع للتوريث السياسي.

    وعلى الرغم من إيجابيات المبادرة لحل الكثير من المشاكل والأزمات التي تواجه الواقع اليمني ومساهمتها في دعم التحولات إلا أن المبادرة ضربة قاصمة لطموحات الإخوان في السلطة، فالنظام الرئاسي سيجعل الرئيس قادرا على التحكم بمراكز القوى الموجودة في البلاد بفعل القوة التي يملكها، كما أن أغلب القوى السياسية والاجتماعية الراهنة في اليمن، ناهيك من المنظومة الإقليمية والدولية، لا يمكن أن تسمح للقوى الإسلامية بالوصول إلى الكرسي الأول، وسيظل وجودها في البرلمان ليس إلا، مع مشاركة في أحسن الأحوال في بعض المناصب الحكومية كمنح رئاسية، أما فيما يخص الحكم المحلي في ظل التركيبة الاجتماعية فإن النخب القبلية ستهيمن على الحكم المحلي، وهي قوى اجتماعية في معظمها مؤيدة للرئيس ومرتبطة بالحزب الحاكم، وحتى في حال إفراز الحكم المحلي لنخب سياسية جديدة فلن يكون للإسلاميين نصيب فيها، على الأقل في المستقبل المنظور، فالانتخابات المحلية السابقة أثبتت قدرة الحزب الحاكم على تشكيل تحالفات تتناقض مصالحها مع الفئات الاجتماعية التي تمثل الإسلاميين، ويشكل نظام «الكوتا»: في المبادرة والذي يؤكد على ضرورة أن تحصل النساء على نسبة 15% من المقاعد النيابية مشكلة عويصة لتجمع الإصلاح الذي يستند إلى رؤية أصولية في فهمه لدور المرأة.

    هذه هي الصورة السياسية، في يمن اليوم، والغد، ما لم تتغير ملامح الصورة بشكل أو بآخر.
    Najeep Ghallab
    * كاتب وأكاديمي
     

مشاركة هذه الصفحة