سجون حجه وحلم الاطفال بالخلاص

الكاتب : ابوالعز الشعيبي   المشاهدات : 567   الردود : 0    ‏2007-10-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-10-25
  1. ابوالعز الشعيبي

    ابوالعز الشعيبي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-04-22
    المشاركات:
    542
    الإعجاب :
    0
    تحقيق: نبيل سبيع
    أهالي "القزعة" يناشدون السلطات إطلاق معتقليهم. ومن "بني الجرادي" مناشدات مماثلة لإطلاق معتقليهم. فيما يوقع أهالي "بني مجمل" المناشدات من أجل إطلاق معتقلهم الوحيد في سجن "النصيرية" المركزي بحجة. الوقوف على هذه المناشدات يقدم نموذجاً صقيلاً لما آلت إليه أوضاع
    البلد التي يبدو كما لو أنها دفعت الجميع، نهائياً، إلى خيار الانتماءات الضيقة.
    في ظل غياب القانون، لا يعود من المجدي الحديث عن الدولة والسلم الاجتماعي. مسألة ثابتة وبديهية. ومسألة أخرى تقول إن مرحلة ما قبل الدولة التي تعيشها اليمن تعكس نفسها على كافة المستويات. إنه احتماء إجباري بالانتماءات الأسرية والقبلية الضيقة والمغلقة يأتي موازياً لغياب القانون ومشروع "الدولة".
    تتجاوز المسألة هنا مقولات "الوقوف مع..." أو "الوقوف ضد..". تتجاوز اتجاهات السياسة ولعبة المصالح والصراع على السلطة. نحن حيال طريقة دامية في إدارة شؤون البلاد. وعلى أحد ما أن يتوقف قليلاً حيال هذا الأمر.
    "الشارع" تحاول هنا عرض جانب من مشكلة قائمة موضوعها معتقلو سجن "النصيرية" المركزي في حجة، على ذمة الاحتياطات الأمنية المتخذة في هامش حرب صعدة الأخيرة:
    «ما تخرج منه إلا وقد أنت حمَّام»
    سجـن أعـوذ باللــــــه..
    عنبر طويل في نهايته حمام.. الله لا ورَّاك قذارته". صورة مصغرة لسجن مديرية المفتاح التابعة لمحافظة حجة. غالب الأهنومي (37 عاماً) تحدث ببساطة مفرطة، عن هذا السجن الذي زُج به فيه قبل نحو 4 أشهر ونصف. وباختصار شديد، أنهى وصفه هكذا: "ما تخرج منه إلا وقدك أنت نفسك حمّام".
    مساء 16 فبراير الماضي، تلقى غالب اتصالاً تلفونياً من مدير مديرية "المفتاح" فيصل بن حيدر، يطلب منه الحضور إلى مركز المديرية للتحقيق معه فقط. اتصالات تلفونية مماثلة تلقاها 5 آخرون من نفس قرية غالب. وصباح اليوم التالي، غادر المطلوبون الـ 6 قرية بني الجرادي إلى مركز المديرية، معتقدين أنه سيكون مجرد تحقيق قصير، يصافحون بعده المحققين معهم ويعودون إلى القرية.
    "قال لي: هو بس تحقيق وتروح بيتك"، يقول غالب الذي أرتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يضيف: "رحت الصبح بدري.. كان سبت.. ظنيت أنهم بايحققوا معي ويقولوا لي مع السلامة.. روح لك.. بس بعدما وصلت وحققوا معي دقوني 21 يوم سجن. وما خرجت إلا بعدما أديت 5 كفلاء يضمنوا لهم أني ما عاد أدرِّس المذهب الزيدي".
    يدرِّس غالب "القرآن الكريم" والعلوم الشرعية في مسجد "بني الجرادي". ليس محارباً "حوثياً"، ويقول إنه يختلف مع "الحوثيين" في أفكارهم وطريقتهم في التعبير عنها. هو مجرد مدرِّس غير رسمي للمذهب الزيدي ويستغرب أن يعتقل لسبب كهذا. غير أنه بات على يقين من أنها حملة ضد كل ما له علاقة بالمذهب الزيدي. وهو نفس اليقين الذي بدا في ملامح الرجل وهو يؤكد: "بس إحنا زيود.. أيش نفعل!".
    قبل أن يتلقى غالب ورفاقه طلب حضورهم من مديرية المديرية، وصل طقم عسكري قريتهم نهار اليوم نفسه، الجمعة: "... وغلّق الدواوين بأقفال جديدة"، وباستغراب شديد أضاف: ".. غلقوا الدواوين.. ما يشتوناش نخزن ونجتمع فيها.. وزِدْ غلقوا بيت واحد من القرية".
    غادر غالب السجن بعد تعهده بعدم تدريس المذهب الزيدي. ولم تمر 26 يوماً على مغادرته "سجن أعوذ بالله"، حتى تلقى اتصالاً من أمين عام المجلس المحلي في مديرية "المفتاح" عادل فرحان، يطلب منه إحضار أكبر أبنائه للتحقيق معه. ومنذ ذلك اليوم، وغالب يناضل من أجل إنقاذ طفله عبدالرحيم الذي تم الزج به في المعتقل وهو لم يكمل عامه الـ 15 بعد.
    بيانات سجين سياسي في سن الثـانية عشرة

    في خانة الاسم، كُتب بخط اليد: عبدالرحيم غالب مقبل مقبل الأهنومي. وأمام العمر. 15 سنة. المؤهل: إعدادي. العمل: طالب. والحالة المادية: لا بأس. ومقابل الحالة الاجتماعية، كتبت نفس اليد: "طبعاً عازب".
    يصعب عليك عدم التوقف لإطلاق ضحكة مدوية عند وصول عينك النازلة بالتدريج من قمة الصفحة إلى خانة "طبعاً عازب" في الاستمارة رقم 1 من ملف عرض الحالات الخاصة ببعض معتقلي سجن "النصيرية" في حجة. ولو نظرت إلى الطفل الموجود في الصورة على يسارك، فإنك ستتأكد من أنه يحدق في عينيك مباشرة وأن خانة عدد الأولاد– في استمارته- شاغرة، لاشك، من أي أبناء. إذ من غير المعقول أن تكون ابناً لطفل في الخامسة عشرة وأن يكون أبوك هذا معتقلاً سياسياً على ذمة حرب.
    يوم 3 أبريل الماضي، تلقى غالب الأهنومي اتصالاً من أمين عام المجلس المحلي في مديرية "المفتاح" عادل فرحان، يطلب منه إحضار نجله إلى مركز المديرية للتحقيق معه. وفي اليوم التالي، غادر عبدالرحيم قرية "بني الجرادي" رفقة مطلوبين آخرين للتحقيق: الطفل وائل العلوي (15 عاماً) والشاب يوسف العلوي (24 عاماً).
    عقب انتهاء أفراد البحث الجنائي من التحقيق مع عبدالرحيم ورفيقيه، زُج بهم في سجن "المفتاح". أمام "حالة السجن"، تقول استمارة عبدالرحيم: "رديئة، وسيئة، الأكل والشرب وحتى ماء الوضوء شراء، وحمام السجن كريه وقذر وليس للسجن أي نوافذ إلا بابه المغلق غالباً".
    قضى عبدالرحيم ورفيقاه 4 أيام في سجن المديرية، قبل نقلهم إلى سجن في مدينة حجة. أمام "طريقة النقل إلى السجن الثاني"، تقول الاستمارة: "سيئة وعار على مسؤول الأمن، إذ تم كلبشته مع بعض السجناء، ونقلوهم فوق طقم مكشوف متعرضين للرياح والشمس والشماتة والتفرج من قبل من مروا عليهم، ولمدى 4 ساعات بعضها على الخط السريع".
    التعرض للرياح والشمس والشماتة عبارة ملفتة قدمت، بإضافة "الشماتة" إلى "الرياح" و"الشمس"، صورة شعرية بالغة الروعة. وقد قررت للتو وضعها كعنوان لمادة أخرى في هذا الملف.
    في خانة اسم "السجن الثاني الذي نقل إليه"، كتبت اليد بالخط الجميل ذاته: "سجن النجدة المستعار من قبل الأمن السياسي". وأمام "حالته" (أي السجن)، كتبت: "جيدة". وفيما سجلت "الأمن السياسي والبحث" أمام "الجهة التي قامت بالتحقيق معه"، كتبت اليد في خانة "طريقة المعاملة": " كانت توجه إليهم بعض الأسئلة الاستفزازية والاتهامات بالإرهاب والحوثية وقاسية أيضاً".
    لم يستمر الطفل عبدالرحيم ورفيقاه في سجن "النجدة". بعد نحو يومين من وصولهم إليه، نقلوا إلى سجن آخر في نفس المدينة. في خانة اسم "السجن الثالث الذي نقل إليه"، سجلت اليد: "عنبر الأحداث في سجن النصيرية المركزي". وأمام "حالته"، كتبت: "قذرة وغاية في القبح، فلم يجدوا له مكاناً إلا في حوش السجن جنب الشبك معرض للرياح والأمطار والنامس والشمس والروائح الكريهة المنبعثة من غرفة تفتيش الحمامات، حتى تصدق عليهم أحد الناس بطربال وقاهم بعض الشر، حتى فترة قريبة".
    منذ نقله إلى هناك، ما يزال الطفل عبدالرحيم معتقلاً دون أن توجه إليه أي تهمة حتى الآن، وفقاً لما كتب بخط اليد في خانة علوية تلي خانة "تاريخ الاعتقال" مباشرة. بالعودة إلى أسفل الصفحة، وتحت خانة اسم "السجن الثالث الذي نقل إليه"، كتبت اليد كلمة "لا" رداً على "هل عرضت قضيته على النيابة العامة". في الخانة المجاورة، تسأل الاستمارة: "هل عرضت قضيته على القضاء"، فترد اليد بخط مستعجل: "لا".
    وقع عبدالرحيم ضحية كونه يمنياً ورطه والداه بأن أنجباه في زمن مجرم بطلاقة، وخارج عن القانون، بدأب. قبل نحو 3 أعوام، كان أكبر أبناء غالب الأهنومي في الثانية عشرة. كان العام 2004 في منتصفه تقريباً، وحرب صعدة الأولى بدأت لتوها، في مرَّان، بين السلطات وحسين بدر الدين الحوثي. آنذاك، اعتقل عبدالرحيم على ذمة تلك الحرب التي اندلعت في العام الـ 12 من عمره.
    شأن المرة الأخيرة، لم يقترف الطفل عبدالرحمن أي شيء يبرر اعتقاله سوى كونه ابناً للظروف السيئة بشدة. كان في طريق عودته من منطقة "ضحيان" في صعدة حيث كان يدرس. وكان قد وصل منطقة "مثلث عاهم" التابع لمحافظة "حجة"، حين قامت السلطات باعتقاله مع رفاقه من الطلاب العائدين. لم يكن الطفل أو رفاقه خارجين عن القانون. إذ أنهم قرروا العودة بعد اتخاذ السلطات إجراءات إغلاق المدارس والمعاهد الدينية. وفيما أتت عودتهم تلبية لتوجيهات السلطات، قامت الأخيرة باعتقالهم دون أية تهم تذكر، منتهكة بذلك الأسس الدستورية والقانونية التي تدعي حمايتها.
    كان عبدالرحيم يدرس المذهب الزيدي في مسجد "الرحمة" بمنطقة "آل الغالبي". كان هذا مشروعاً قبل اندلاع الحرب. وقد عوقب الطفل ورفاقه على أمر مشروع للغاية. بل إن ذلك المسجد– حسب غالب الأهنومي- معروف بعدم التقائه مع أفكار الحوثي: "المسجد معروف بخلافه مع الحوثي حتى الآن"، يقول.
    قضى عبدالرحيم أزيد من شهرين في معتقل الأمن السياسي بـ"حجة". ووفقاً لوالده، فقد أصيب بحالة نفسية جرّاء اعتقاله وغادر معتقله متضرراً بقسوة: "بعد السجن أصبح يحب الانعزال.. يعني ما عاد يحب الناس أو يجلس معاهم.. وبدأ يلخبط في كلامه.. حتى أنهم أسعفوه إلى صنعاء يعالجوه.. وأنا مش داري. أسعفه محمد الهادي". كان غالب يتدفق في حديثه، قبل أن أستوضح منه عن هوية الشخص الذي ذكر اسمه للتو، والذي رد أنه أحد زملاء عبدالرحيم يكبره سناً.
    ربما نجح الطفل في تجاوز الشروخ النفسية التي غادر بها معتقله الأول عام 2004. لكنه قد يفشل في تجاوزها بعد معتقله الأخير. في الخانة المخصصة لتقييم "الحالة النفسية"، تقول الاستمارة: "سيئة ومضطربة". فوق هذه الخانة، تجد "الحالة الصحية" مكتوباً فيها: "وضع سيء إذ لديه عمليتان لزرع عظام ساعده التي تكيست قريباً".
    قبل قرابة شهرين من اعتقاله، أجريت عملية جراحية له في أحد مستشفيات العاصمة صنعاء، إثر اكتشاف تكيّس في عظم ساعده الأيسر. وطبقاً لحديث والده، فقد تم استبدال العظم المتكيِّس بعظم مأخوذ من حوضه.
    في الخانات الأخيرة من استمارة الطفل المعتقل عبدالرحيم الأهنومي، واحدة كتب فيها "نعم" أمام "هل تعرض للأذى النفسي". وفوقها بفاصل 4 خانات، كتب أمام "هل سمح لأقاربه بالزيارة" الرد التالي: "لم يسمح لأحدٍ منهم".

    «قَلِق ومضطرِب وخائف وتلاحقه الكوابيس»

    لم يتسنَّ لصاحب هذه الصورة أن يكون، بحق، طفلاً في الـ 15، شأن رفيقه عبدالرحيم الأهنومي. لقد وجد الطفل وائل غالب محمد حسن العلوي (15 عاماً) نفسه معتقلاً سياسياً بدون مقدمات أو تهمة على ذمة حرب لا صلة له بها.
    منذ قرابة 4 شهور وهو يقبع في سجن النصيرية المركزي بـ"حجة". وفي استمارة عرض الحالة الخاصة به، لا تختلف البيانات عن استمارة الطفل عبدالرحيم الأهنومي إلا في تفاصيل بسيطة، إذ كانت ظروف اعتقاله هي نفسها التي رافقت اعتقال رفيقه.
    في خانة "الحالة النفسية"، تقول الاستمارة إنه: "قلق ومضطرب وخائف وتلاحقه الكوابيس". وأمام "الاضرار المترتبة على الاعتقال واستمراره"، تقرأ التالي:
    - الحالة النفسية التي قد تتطور أكثر إذا لم يتم تلافيها.
    - حرمانه من رؤية أفراد أسرته وزيارتهم.
    - إهانته وتشويه سمعته.
    - الخسائر المادية التي وقعت على أسرته مع كارثة انقلاب وانعدام موترهم الوحيد".
    وفقاً للاستمارة، لم تعرض قضية الطفل وائل على النيابة ولا القضاء ولم توجه إليه أية تهمة حتى اللحظة. وحول ما إذا كانت قضيته عرضت على الجهات التنفيذية في محافظة حجة، تقول الاستمارة: "نعم من قبل السلطة المحلية في المديرية والمشائخ وأولياء الأمور، ومناشدات المعتقلين التي أرسلت إلى المحافظ مباشرة، وعبر الصحف المحلية". وفي خانة السؤال عن رد السلطة المحلية، تقرأ التالي: "حوّل مدير الأمن السياسي قضيتهم (وائل وعبدالرحيم) إلى المحافظ، فطلب المحافظ نتائج التحقيق، وبعد دراستها بعد مدة طويلة، طلبوا من المشائخ كفالة بعدم التحاق المذكور بالمعاهد العلمية غير المصرح بها، فحرر المشائح تلك الكفالة إلى المحافظ مزكاةً من عضو مجلس النواب، ولم يفرجوا عنهم، ثم طلبوا بعد مدة ضمانة أخرى أكثر تعنتاً فطلب المشائخ نسخة منها ليضعوا ضمانة كما يحبون فلم يسلموا لهم نسخة بحجة تسريبها إلى الصحف، فوضع المشائخ ضمانة من أنفسهم، ولكنهم لم يطلقوهم حتى الآن".
    عند نقله من سجن مديرية "المفتاح" إلى سجن "النجدة" في مركز المحافظة، تعرض الطفل وائل لأذى جسدي بالغ. في خانة السؤال عن هذا الأذى، تجد: "الكلبشة في سِرَة واحدة مع زملائه". وعن "موضع الأذى"، تحدد الاستمارة :"يديه". وأمام الجهة التي ارتكبت هذا الانتهاك، كُتب: "إدارة أمن مديرية المفتاح".

    في مكان الشحاتين

    الاعتقالات في إطار الاحتياطات الأمنية المتخذة على هامش الحرب الأخيرة في صعدة، طالت عديدين لم توجه إليهم حتى الآن أية تهمة. بعض هؤلاء المعتقلين ذهبوا طوعاً إلى السلطات المحلية التي طلبت حضورهم باتصال تلفوني، للتحقيق معهم.
    اللافت أنه فيما التزم هؤلاء المدنيون بالقانون ولم يعلنوا العصيان على السلطات المحلية، جنحت هذه الأخيرة إلى انتهاك الثوابت الدستورية والقانونية عبر الزج بالمدنيين في المعتقلات دون توجيه أية تهم إليهم، وبين هؤلاء المعتقلين أطفال.
    كرامة وسيادة أي بلد لا تكون أبداً بدون كرامة وسيادة أبنائه. هذا بديهي للغاية. لكن السلطات المحلية– كما يبدو- لا تدرك ذلك، في غالب تصرفاتها:
    في 5 أبريل الماضي، تلقى اتصالاً تلفونياً يطلب حضوره إلى مركز مديرية "المفتاح" في محافظة "حجة" لإجراء تحقيق معه. كان متواجداً في العاصمة صنعاء. ومع هذا، فهو لم يتأخر أو يماطل. توجه، طوعاً وعلى الفور، في اليوم التالي.
    بمجرد وصوله مركز المديرية، زُجَّ به في السجن دون أن توجه إليه أية تهمة. محمد عبدالله علي الهادي البالغ 28 عاماً من أبناء منطقة "القزعة"، وتقول حالته الاجتماعية إنه متزوج ولديه ابن واحد. وفيما تسجل استمارة عرض الحالة الخاصة به في خانة "العمل" أنه "شيخ حلقة مسجد"، كتب بخط اليد أمام "الحالة المادية": "فقير جداً جداً، لا يملك ما يقبر فيه".
    معتقلو سجن النصيرية المركزي بحجة، الذين حصلت "الشارع" على استمارات عرض حالة لهم، اعتقلوا بطريقة واحدة: اتصال تلفوني من السلطات المحلية وحضور طوعي.
    الطفلان عبدالرحيم غالب مقبل مقبل الأهنومي ووائل غالب محمد حسن العلوي، كلاهما في الـ 15 من العمر ومن أبناء قرية "بني الجرادي"، توجها إلى مركز مديرية "المفتاح" عقب تلقي وليي أمرهما اتصالاً تلفونياً من أمين عام المجلس المحلي في المديرية، يطلب إحضار ابنيهما للتحقيق.
    ثالثهما يوسف غالب محمد محمد العلوي (24عاماً) كان من نفس القرية واعتقل بنفس الطريقة واللحظة عقب تلقيه اتصالاً تلفونياً من الجهة ذاتها يطلب حضوره للتحقيق معه.
    يوم اعتقال الطفلين عبدالرحيم ووائل، اعتقل طفل آخر في عمرهما جاء إلى مركز المديرية طوعاً من منطقة "بني مجمل"، بعد طلب تلفوني بحضوره من الجهة ذاتها. ناصر يحيى يحيى حسين مجمل الذي لم يكمل عامه الـ 15 بعد، تقول استمارة عرض الحالة الخاصة به إنه "فقير ويتيم" يعتمد على الصدقة في العيش داخل المعتقل وأن إدارة السجن– ترتيباً على عدم وجود من ينفق عليه- وضعته "في مكان السائلين" حتى يتدبر بنفسه قوته اليومي.
    المعتقلان الأخيران في قائمة السبعة اختلفت تفاصيل اعتقالهما عن الخمسة الأوائل بعض الشيء، إلا أن الاتصال التلفوني والحضور الطوعي ظلا أساسيين في الاعتقالات السبعة.
    باكر حسن محسن الشظبي البالغ 25 عاماً والطالب في المستوى الثالث بكلية التربية، متزوج، وتقول استمارة عرض الحالة الخاصة به إن لديه ابنتين وإن حالته المادية فقير جداً. اعتقل الشظبي، وهو من أبناء منطقة "الوجيه"، أواخر مارس الماضي. وفي الخانة المخصصة لطريقة اعتقاله، ورد التالي: "اتصل به مدير أمن المديرية هاتفياً للحضور، فحضر وحُقِّق معه، وسمحوا له بالعودة، وفي منتصف ليلة عودته فوجئ هو وأفراد أسرته وابنتيه بوصول طقم عسكري لأخذه، فأخذوه وسط خوف وضجيج أسرته، وأعادوه إلى مدير الأمن".
    خلافاً للستة الآخرين، أوردت استمارة الشظبي بعض التقييمات الإيجابية لطريقة المعاملة التي رافقت اعتقاله. في خانة "طريقة المعاملة من قبل المحققين"، كُتب: "جيدة جداً". وأمام "طريقة النقل إلى السجن الثاني"، نقرأ: "ممتازة، وفوق سيارة نائب مدير البحث".
    في ظروف قريبة إلى حد بعيد من ظروف اعتقال الشظبي، اعتقل السابع والأخير في القائمة. صلاح صالح علي عامر القحطاني البالغ 23 عاماً والمتزوج دونما أبناء، اعتقل أواخر مارس الماضي، وتقول استمارة عرض الحالة الخاصة به إنه من أبناء منطقة "القشفة" وإنه من أسرة كبيرة العدد وحالته المادية فقير جداً. وعن طريقة اعتقاله، قالت الاستمارة: "وصل إلى قريته نائب مدير البحث في المديرية وطلب من أحد عقال أسرته إيصاله، فأبلغه حالاً وأوصله إليه في تلك اللحظة، فحقق معه وأودع السجن".
    على غرار خاصة الشاظبي، حملت استمارة القحطاني بعض التقييمات الإيجابية لطريقة المعاملة التي رافقت اعتقاله. في خانة "طريقة المعاملة من قبل المحققين"، ورد: "حسنة لولا أنهم طلبوا منه التعرِّي ما عدا سرواله، ليطلعوا إن كان به أثر جروح". وأمام "طريقة النقل إلى السجن الثاني"، نقرأ: "طريقة محترمة، إذ أوصلهم هو وزميله باكر نائب مدير البحث إلى حجة فوق سيارته بمفرده، بل وأعطاهما سلاحه الشخصي (الآلي)".
    التعرُّض للريح والشمس والشماتة
    كيف تصنع إرهابياً

    في 9 أبريل الماضي، قطع طقم عسكري، بسرعة كبيرة، المسافة بين مديرية "المفتاح" ومدينة حجة. على ذلك الطقم، كان هناك 3 أطفال و4 شبان جميعهم في العشرينيات من العمر. وكان سبعتهم مكلبشين بـ"سِرَة" (سلسلة حديدية) واحدة ينتهي طرفاها بقفل واحد. كان هؤلاء معتقلين سياسيين على ذمة حرب صعدة الأخيرة، لم توجه إليهم أية تهمة.
    في سجن "النجدة" بحجة، توقف الطقم. وبعد إنزال المعتقلين، غادر عائداً إلى المديرية. وكان قد قطع مسافة طويلة على طريق العودة، حين اكتشف السجانون الجدد أن قفل القيد ما يزال لدى عساكر القطم، الذين اضطروا إلى العودة لتسليم المفتاح بعد اتصال تلفوني من إدارة سجن "النجدة". حكاية طريفة قد لا ينساها المعتقلون البتة. عدا أنها قبل أي شيء آخر، حكاية عن الإهانة المستمرة ضد الإنسان اليمني وقواعد بلده الدستورية والقانونية.
    الأطفال عبدالرحيم الأهنومي، وائل العلوي وناصر مجمل لم يكملوا بعد الـ 15 من العمر، إلا أنهم وجدوا أنفسهم معتقلين سياسيين دون أن توجه لهم أية تهمة. لم يخرجوا عن القانون، من قبل. وقد انصاعوا للسلطات وتوجهوا إليها، طوعاً، بمجرد اتصال تلفوني إلى أولياء أمورهم. ورغم هذا كله، تم اعتقالهم ومعاملتهم على مثل طريقة مهينة.
    رفاقهم باكر الشظبي، يوسف العلوي، محمد الهادي وصلاح القحطاني تتفاوت أعمارهم بين الـ23 والـ 28، وجدوا أنفسهم معتقلين بالمثل دون أية تهمة. مثل الأطفال الثلاثة، انصاعوا للسلطات ولم يتلكأوا في الذهاب إليها، بأنفسهم وطوعاً، بمجرد اتصال تلفوني تلقاه كل منهم.
    لم تعرض قضية أي من هؤلاء الـ 7 على النيابة أو القضاء ولم توجه إليهم –كما سبقت الإشارة- أية تهمة حتى اللحظة. وهؤلاء مجرد نموذج بسيط لمئات الضحايا الذين وقعوا فريسة لانتهاك القانون اليمني على يد القائمين عليه.
    داخل المعتقل، يكابد الـ 7 ظروفاً لاإنسانية (بعض الأمثلة عليها معروضة في مواد هذا الملف بشكل متفرق). بعد أن يغادر الطفل ناصر أو عبدالرحيم المعتقل ويتقدم في العمر، كيف سيفكر في القانون والسلم الاجتماعي؟ كيف سيلتزم باحترام وعدم المساس بكرامة الآخرين بعد أن جردت كرامته على يد السلطات وصمت الجميع؟
    صناعة الحقد داخل نفوس اليمنيين مستمرة على كافة المستويات. نتائج هذه المسألة لابد ستكون وخيمة على المجتمع وعلاقاته بالعالم. ولابد على أحد أن يلتفت لهذه الصناعة الدامية.
    في المحصلة، يرجح كثيراً أن اليمن في طريق التحول التام إلى مصنع للإرهابيين. ذاك أمر ليس في مصلحة أحد: لا المجتمع اليمني ولا العالم.

    اعتقال المزيد من الزبائن

    حركة بيع وشراء مربحة. هذا ما يبدو عليه الحال في سجن "النصيرية" المركزي بـ"حجة"، طبقاً لمصادر "الشارع" التي أفادت بأن الزج بالمزيد من الأفراد في السجن ينمي حركة البيع والشراء تلك، ورأسمال المستفيدين منها.
    طبقاً لملف عرض حالات المعتقلين، فإن الطعام وماء الشرب وصولاً إلى ماء الوضوء يتم بيعه داخل السجن.
    السمسرة كذلك مزدهرة هناك. نظراً لرداءة نوعية الطعام داخل السجن، يلجأ المعتقلون إلى الحصول على وجباتهم اليومية من خلف الأسوار. في خانة نوعية الطعام الذي يقدم لهم (المعتقلين)، تقول استمارة المعتقل محمد عبدالله علي الهادي: "رديئة، قليلة ومنعدمة أحياناً، مما يضطرهم إلى شراء الطعام بأضعاف الثمن من خارج السجن عبر وسطاء مستفيدين".
    بالنسبة إلى المستفيدين من حركة البيع والشراء والسمسرة داخل السجن، فإن المزيد من المعتقلين الذين يتمتعون أو عائلاتهم بأوضاع مادية جيدة أمر بالغ الأهمية. وكأن المسألة تتعلق بسوق سوداء وليس إصلاحية قانونية.
    في سجن "النصيرية" مكان مخصص للشحاتة يسمى "مكان السائلين". الطفل ناصر يحيى يحيى حسين مجمل (15 عاماً) أحد المعتقلين هناك منذ قرابة 4 شهور، دون أن توجه إليه أية تهمة حتى اللحظة. ناصر فقير ويتيم. وحتى يتحول إلى زبون يضيف إلى أموال المستفيدين من حركة البيع والشراء والسمسرة، وضعته إدارة السجن في المكان المخصص لـ"السائلين". هل يقوم سجن "النصيرية" بمهمة تدريب الأطفال اليمنيين المعتقلين لديه على فنون "الشحاتة"؟


    معتقلو السجن المركزي في حجة

    1. حمدان سالم عمر/ رازح
    2. عزيز عمر أحمد/ رازح
    3. محمد عوض عايض/ رازح
    4. عبدالرحمن مقدار/ رازح
    5. ماجد عبدالرحمن المداني/ رازح
    6. حميد قاسم علي منصور/ حيدان
    7. حسين قايد عبادي/ حيدان
    8. يحيى قطاع/ حيدان
    9. عبدالله محمد النعمي/ رازح
    10. فهد ناصر الوارصي/ كحلان الشرف
    11. عبدالله حمود المغربي/ كحلان الشرف
    12. عبدالله هاشم المغربي/ كحلان الشرف
    13. محمد حسين المغربي/ كحلان الشرف
    14. عبدالرحمن يحيى علي النعمي/ كحلان الشرف
    15. عبدالرزاق محمد ناجي قاربه/ كحلان الشرف
    16. ياسر محمد المزيقر/ كحلان الشرف
    17. أحمد حمود العضري/ كحلان الشرف
    18. علي محمد عامر/ كحلان الشرف
    19. عبدالله علي أحمد مياح/ كحلان الشرف
    20. مطهر يحيى حسين مسعود/ كحلان الشرف
    21. عبدالله محمد الشرفي/ كحلان الشرف
    22. عبدالله أحمد الشرفي/ كحلان الشرف
    23. شرف أحمد الشرفي/ كحلان الشرف
    24. علي محمد المؤيد/ أفلح اليمن
    25. محمد عبدالله الهادي/ المفتاح
    26. يوسف غالب العلوي/ المفتاح
    27. وائل غالب العلوي/ المفتاح
    28. عبدالرحيم غالب الأهنومي/ المفتاح
    29. صلاح صالح عامر/ المفتاح
    30. باكر حسن الأهنومي/ المفتاح
    31. ناصر يحيى مجمل/ المفتاح
    32. عبدالله يحيى العزي/ وشحة
    33. محمد عبدالكريم طامي/ وشحة
    34. عبدالكريم محمد طامي/ وشحة
    35. محمود علي اسماعيل طامي/ وشحة
    36. عبدالرحمن محمد طامي/ وشحة
    37. عبدالكريم محمد حسن طامي/ وشحة
    38. يحيى محمد طامي/ وشحة
    39. اسماعيل يحيى محمد طامي/ وشحة
    40. اسماعيل علي اسماعيل طامي/ وشحة
    41. عبدالرحمن سباع/ وشحة
    42. عايض أحمد الحاج/ وشحة
    43. علي جابر مشيب/ وشحة
    44. محمد عبدالله العروي/ مستبأ
    45. حميد علي العقيبي/ مستبأ
    46. محمد المرمي/ مور
    47. عبدالرحمن العبالي/ مبين
     

مشاركة هذه الصفحة