هل كانت جيزان وعسير يمنية ؟ اقراء هذا وقل رأيك

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 1,818   الردود : 3    ‏2002-11-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-25
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    صراع الادراسة على العرش وتمزق امارتهم

    محمد علي ادريس مؤسس الامارة الادريسية الذي توفي في 20 مارس 1923 لم يعين خلفاً له، وقد ترك أمر حل هذه المسألة المعقدة لمجلس العائلة الذي كان ينبغي عليه ان يتولى اختيار الخلف[1] وقد اتجه رأي المجلس في البداية إلى اختيار اخي المتوفي، وهو الحسن بن علي الادريسي الذي كان معروفاً بالورع، ومخافة ان يؤدي انتخابه إلى نزاع عائلي بينه وبين اولاد محمد علي، ينبغي ان يكون قد اثر الابتعاد عن اعتلاء كرسي الامارة.

    وينبغي ان يكون قد زكى موقفه ذاتياً بأسباب انه لا يرغب في الانصراف بهذا المنصب الدنيوي عن اعماله الدينية الأكثر اهمية[2]. وفي الاجتماع الذي عقد في صبيان والذي شارك فيه إلى جانب العائلة شخصيات أخرى من الامارة، وبعد جدل مثير وطويل، تمت في مارس 1923 مبايعة علي الادريسي، الابن الأكبر لمحمد علي الادريسي والبالغ من العمر 18 عاماً، (ولد في 1905) كامام،[3]

    غير أنه في مثل هذا الظرف ظهر عمه الكبير السيد مصطفى، الذي ابان حياة محمد علي لعب دوراً قيادياً في مكافحة الاتراك.

    والذي عين حاكماً للمنطقة الجنوبية[4] من الامارة منذ انسحاب الاتراك إلى محمد علي، وقد جاء هذه المرة في 23 شعبان 1341هـ (10/4/1923) قادماً من الاقصر (بمصر)، لم يكن مصطفى الادريسي العنصر الرئيسي في العائلة الادريسية، وانما أيضاً العضو الذي تربطه بانجلترا اوثق صداقة مصطفى الادريسي بالبريطانيين إلى الوقت الذي كان فيه مصطفى ابان الحرب العالمية الأولى مقيماً في مصر، وقد استدعي أيضاً من قبل محمد علي إلى اليمن للتفاوض مع الانجليز حول عقد المعاهدة البريطانية ـ الادريسية لعام 1915.[5]

    لم يكن ـ من ناحية أخرى ـ علي بن محمد الأمير الجديد والحدث للامارة ـ صاحب تجارب في هذا المجال، ولهذا فإن صعوده على عرش الامارة لم يكن حدثاً ساراً بالنسبة للبريطانيين، ولحجب مآربه فانه ـ أي مصطفى ـ قام في البداية بمبايعة الأمير علي، غير انه لم يمض وقت طويل حتى نزع مصطفى الادريسي القناع عن وجهه،وقد عبر عن عدم رضاه في صعود علي بن محمد إلى العرش على نحو مكشوف، واقترح على مجلس العائلة انزال علي الادريسي عن العرش، ووضعه تحت الوصاية، وارساله إلى مصر لمواصلة دراسته في الازهر، وفي مكانة ينبغي وضع شخص آخر مقتدر من العائلة.[6]

    ان هذه المعارضة الحادة من قبل مصطفى الادريسي لا يمكن ارجاعها فحسب إلى مطامح ذاتية، وانما أيضاً إلى تحرض له من قبل البريطانيين، وينبغي ان يكون علي الادريسي قد أدرك ان وراء معارضة مصطفى كانت تقف بريطانيا العظمى، ولهذا فانه لم يكن مما يدعو إلى العجب ان يتخذ الأمير علي موقفاً عدائياً ازاء البريطانيين،[7] وان يتوقف البريطانيون عن تقديم المساعدة والدعم له، كما كانوا يفعلون مع والده،[8] واكثر من ذلك، فانه على الرغم من التزام ابيه المتوفى وفق المعاهدة البريطانية ـ الادريسية لعام 1917 بعدم اعطاء أي شركة أخرى عدى الشركات البريطانية امتياز استخراج واستغلال مصادر البترول المقدر تواجدها في جزيرة فرسان[9] فإن الأمير علي ـ على العكس من ذلك ـ رفض ان يبيع الانجليز هذا الامتياز البترولي، عندما ارسلوا إليه لغرض الجنرال هولمز[10] وهكذا قاد مصطفى الادريسي ـ مدعوماً من البريطانيين ـ سياسة معارضة نشطة ضد الأمير علي. وقد ادت دعاية مصطفى إلى اختلافات في الرأي في امارة الادراسة، بل والى انقسام في الموقف السياسي للقبائل، وقد وجدت دعايته صداها الايجابي لدى جماعة مهمة من رجالات الامارة الاوائل الذين يقف على رأسهم محمد يحيى باصهى الذي كان الوزير الأول في بلاط محمد علي الادريسي، وكان أكبر تاجر في الامارة، وكانت تضم هذه الجماعة المؤثرة محمد حيدر القنى رئيس المحكمة العليا، ومحمد طاهر رضوان الآمر الأعلى للجيش الجنوبي المواجه لجيش المملكة المتوكلية اليمنية على خط الجبهة الامامي ـ الادريسي وفي نفس الوقت كسب مصطفى إلى جانبه كل مشائخ وزعماء تهامة الجنوبية تقريباً حيث كان يحكم من قبل، امثال شيخ الواعظات الكبير هادي هيج، وشيخ عبس الكبير وغيرهم، ولكنه لم يستطع ان يحصل على تأييد قبائل عسير تهامة بالذات، التي بقى جزء منها على ولائه للامير علي، مثل قبيلة المسارحة القوية، التي كانت تنتمي إليها أم اخيه عبد الوهاب ومثل قبائل أبو عريش، الضمد، الحكمية، الحسيني، أي معظم قبائل عسير تهامة، وكان بعض مشائخ صبيا والمنطقة الشمالية من عسير تهامة يرون جعل علي الادريسي تحت وصاية الحسن أخ الامير المتوفي، على ان يبقى مصطفى في منصبه حاكماً لتهامة الجنوبية.[11]

    غادر مصطفى الادريسي العاصمة صبيا، واتجه إلى الجنوب لتهيئة مشائخ المنطقة هناك للانتفاضة ضد الأمير علي. ولهذا الغرض فأنه كان يزور بتكرار مدن الموانئ الهامة جيزان، ميدي. اللحية،وعندما برح الأمير علي صبيا قاصداً الجنوب في 8 شوال 1341هـ (24/مايو 1923) لمتابعة دسائس مصطفى ضده عن كثب، وبلغ ميدي في 30 شوال 1341هـ (29 مايو 1923) أدرك جيداً انه امام وضع ناشئ مهدد، وسادت بينه وبين كل العائلة تقريباً حالة من سوء الثقة، شملت حتى عمه الحسن، الذي غدا هو أيضاً طامحاً للوصول إلى السلطة واكتشف أيضاً ان كل رجالات الامارة مشتركون في المؤامرة المبيتة ولحماية نفسه قام بتزويج القبائل التي ما تزال موالية له بالسلاح والذخيرة،[12] وبدأ يمارس حكماً شخصياً تحكيماً لا مبالياً زاد في زعزعة الموقف السياسي الخارجي الضعيف لبلاده، واحدث في الداخل وضعاً اقتصادياً فاسداً غير محتمل،[13] وفي البادية تمكن من وضع جماعة مصطفى،وجماعة الحسن في الظلال، وكبحهما عن اطلاق العنان للانتفاضة الجاري التحضير لها.

    وفي أبريل 1924 ظهر سخط مصطفى والحسن معاً،[14] واتحد حزباهما، وقرراً خطف الأمير علي خلال حفل ذكرى وفاة الجد الكبير، مؤسس الطريقة، أحمد بن ادريس، فإذا ما نجحت المؤامرة فسيكون الحسن وصياً على علي، ومصطفى نائباً له في تهامة الجنوبية، ولكن الأمير علي كان قد احيط علماً بالمؤامرة، فشارك في الاحتفال، ولكنه غادره قبل بدء ممارسة الطقوس الدينية، وتوجه على الفور إلى جيزان، وفشلت المؤامرة، وقام بتحصين مدينة جيزان، التي كانت توجد بها مستودعات الذخيرة، وكلف خاله من أمه محمد هارون بالدفاع عن المدينة، وبدأ بتعبئة انصاره، ورابط سليم بك قائد الكتيبة النظامية في الحفائر، حيث كانت توجد الآبار، وحشدت القبائل المصارحة، الحكمى أبو عريش في معسكر الواصلي الرئيسي، من حيث اراد الزحف نحو صبيا، وكان المتآمرون بلا حول ولا قوة، فقد عزل مصطفى الادريسي بوجودة في صبيا ـ عن اتباعه في تهامة الجنوبية، وكانت قبائل المنطقة الشمالية من صبيا التي كان يعتمد عليها

    الحسن غير قادرة وحدها لايقاف زحف الأمير ولهذا فضل الحسن ومصطفى التصالح معه، ومن صبيا توجها على رأس جموعها وجموع المنطقة الشمالية وضمد إلى معسكر الامام علي في الواصلي، حيث عقد اجتماع شارك فيه أعضاء العائلة، ورجالات الامارة، وزعماء المخلاف السليماني، وهنا ابرم صلح بين الطرفين، واعترف الحسن ومصطفى بعلي كامام، وبايعاه من جديد، وعين مصطفى نائباً للامير في تهامة الجنوبية واعلن عفو عام.[15]

    وبذلك أتيح للامير الشاب مؤقتاً ان يوقف النزاع على العرش، وأن يحول دون سقوطه.

    وخلال هذا الوقت الذي كانت فيه عملية تدهور الاوضاع في الامارة الادريسية تسير على قدم وساق شددت السلطات السعودية في عسير السراة من تدخلها في الشؤون الداخلية للامارة.[16] وفي اغلب الأمر ان ابن سعود حليف البريطانيين قد وقف خلال النزاعات الانفة الذكر إلى جانب مصطفى والحسن، ذلك ان العلاقات بينه وبين الأمير علي كانت سيئة بشكل ملحوظ[17] وادرك شريف مكة الوضع الضعيف الذي وحدت الامارة الادريسية نفسها فيه،وقبل قليل من طرده من الحجاز من قبل ابن سعود وضع مشروع معاهدة بينه وبين الادارسة[18] لم يستهدف منه فحسب وضع الامارة الادريسية المزعومة المترنحة والمهددة من قبل ابن سعود والامام يحيى تحت سيطرته، وانما شكل أيضاً مظاهرة شريفية ـ انجليزية عامة ضد الامام يحيى ومحاولة خبيثة لزيادة اليمن تفتتاً، فقد نص مشروع المعاهدة من جملة ما نص عليه على النقاط التالية:

    ينبغي قيام "امارة شافعية"تكون عاصمتها "تعز"، ويكون "نقيل سمارة" حدودها الشمالية، بحيث يكون الحد الفاصل بين المنطقة الزيدية، والمنطقة الشافعية التي تمتد حدودها الجنوبية (كأمرة شافعية) إلى حدود سلطنة الحوشبى، والتي تبدأ حدودها الغربية من مدينة بيك الفقيه في تهامة، على ان يكون المخاء هو ميناء الامارة وبذلك تضم الامارة الشافعية لواء تعز، ولواء آب (خلال الحكم التركي كانت متصرفية تعز) ويجب ان تضم أيضاً سلطنة يافع العليا، والسفلى، وامارة الضالع، ومشيخة العلوى، والصبحية.

    ان من الملاحظ ان هذه الامارة الشافعية المشرع لقيامها تكون ـ بالذات ـ من مناطق كانت من ناحية أجزاء من المملكة المتوكلية اليمنية، ومن ناحية أخرى من مناطق امارات وسلطنات، ومشيخات كان الامام يحيى قد انتزعها بالفعل من البريطانيين، باستثناء يافع السفلى وبعض اجزاء من يافع العليا، التي كانت ما تزال تحت حكم الاستعمار البريطاني، وباستثناء الصبحية التي كان جنود الامام قد اخلوها.

    لم يقترح مشروع المعاهدة بأن يكون أمير هذه الامارة أحد أولاد الشريف، ولكن يظهر منه تماماً ان هذا ينبغي ان يكون من عائلته، وعلى هذه الامارة الشافعية الجديدة ان تصل إلى اتفاقات مع امارة الادراسة، بحيث ـ على سبيل المثال ـ تكون هناك وحدة في الشؤون العسكرية والاقتصادية.

    وطبقاً لمشروع المعاهدة فستكون كل من سلطنة لحج وسلطنة حضرموت مربوطة بالامارة الشافعية الجديدة، على ان تمتد حدود سلطنة لحج إلى حضرموت، بحيث تشمل سلطنة الفضلى، والحوشبي، وامارة العوائق، ومشيخة القطيبي، وما جاورها من المشيخات والقبائل الاخرى، وحسب نص المشروع فأن مناطق "سلطنتي لحج وحضرموت والمناطق الجديدة التابعة لكل منهما ستتبع في جميع امورها السياسية ومعاملاتها.. هذه الامارة،بدلاً من الحكومة الحامية" على ان "تكون تعز (عدن) كما في الحاضر، مدينة تجارية، ومركزاً لاقامة المندوب السامي البريطاني، وتحل مشكلة عدن، وما جاورها مثل الشيخ عثمان في مجلس الحلف العربي" وعلى ان يعترف كل من سلطان حضرموت، ولحج بملك الحجاز كملك على العرب كافة "ويبايع جلالته في المستقبل بمقام الخلافة الاسلامية، إذا اقرها الحلف العربي" وعلى ان يرسلا وفدين مع وفد الامارة الشافعية الجديدة إلى مجلس الحلف العربي في الحجاز، الذي يملك حق تعيين سلاطين سلطنتي حضرموت ولحج، والذين يصدق على تعيينهم ملك العرب "وتتعهد الامارتان

    المكذورتان ـ الحج وحضرموت بتنفيذ جميع القرارات والخطط التي رسمها أمير الامارة الجديدة فيما يتعلق بنهضة البلاد ورقيها" ويقرر مبدأ اقتصادي عام بين الامارات المذكورة يكون كدستور للتعاون على كل ما من شأنه انهاض البلاد اقتصادياً، و"توحد العملة والمسكوكات، وتضرب باسم جلالة ملك العرب، حسبما يقرر فيما بعد" وتوحد شؤون الجندية والتربية والتعليم ـ اضافة إلى الاقتصاد ـ كما توحد التعريفة الجمركية في الامارات المذكورة، ويوحد البريد، وتسعير طوابع الحجاز، ويشمل التوحيد حتى الزي الوطني، ويعترف بالعلم الحجازي العربي الحالي علماً عربياً عاماً. وتلغى الرايات الحاضرة، و"تقرأ خطبة الجمعة" "باسم جلالة ملك العرب في مدن وامصار هذه الامارات كافة"، وتوافق وتتعهد امارة لحج والامارة الجديدة على قبول مد السكة الحديد الحالية في عدن ولحج إلى داخلية البلاد، و"يؤلف مجلس خاص يسمى فيما بعد وبشكل من هيئات رسمية معينة من قبل امارة لحج وحضرموت، ويرسل إلى عاصمة الامارة الجديدة للنظر في الأمور المحلية، والمشاكل والعلاقات الخارجية، عن صلاحية مجلس الحلف العربي، ويعقد اجتماعاً سنوياً، مدته تقرر فيما بعد" و"على الامارة الجديدة والامارتين لحج وحضرموت تنفيذ قرارات مجلس الحلف العربي" و"لا يجوز لكلتا الامارتين لحج وحضرموت مخابرة أمير من امراء الجزيرة العربية في شأن من الشؤون السياسية، وفيما يتعلق بادارة البلاد، ويكون المرجع في مثل هذه الأمور أمير الامارة الجديدة، فإذا وقع اختلاف بينهم وبينه ترفع المسألة للاعتاب الهاشمية أو مجلس الحلف العربي في المستقبل" و"يحق للامارة الجديدة قبول قناصل الدول الاجنبية التجاريين فقط، في تعز ومخا"[19]

    وهنا ينتصب السؤال فيما إذا كانت أصابع بريطانيا العظمى قد لعبت عند وضع مشروع هذه المعاهدة، وفي مبدأ الأمر اريد ان أشير إلى ان شريف مكة الذي أعلن نفسه ملكاً على العرب كان طموحاً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى وضع المنطقة الاضافية من اليمن تحت سلطانه، ولم يقف البريطانيون ضد هذه المطامح، طالما وهي لا تتسع لتمس منطقة محمياتها ونفوذها، وخلال حياة محمد علي الادريسي الذي كان يجمع في يده خيوط وحدة الامارة والذي كان يديرها بنجاح ويقود كل قبائل الامارة خلفه فأن بريطانيا العظمى حالت بين الشريف وبين محاولة توسيع نطاق سلطانه في اتجاه الامارة الادريسية.

    غير ان الامارة غدت تدار الآن من قبل الأمير الضعيف علي ابن محمد الادريسي المعادي للبريطانيين، والذي عادى أيضاً حتى ابن سعود،ومحاولات مصطفى الادريسي، والحسن الادريسي في خلعه قد فشلت، ولم يبق من حلفاء بريطانيا سوى الشريف حسين، الذي ارادت من خلاله ان تعيد فرض نفوذها في امارة الادراسة من جديد، وفي هذا الصدد يجب الاشارة إلى المقترحات البريطانية التي قدمت إلى الأمام يحيى في ديسمبر 1923، والتي رغب الانجليز بمقتضاها في الاعتراف بابن حميد الدين حاكماً على اليمن كلها، بما في ذلك لحج وحضرموت، ومقابل ذلك كان ينبغي عليه ان يعطي البريطانيين امتيازات اقتصادية، وحقوقاً تجارية خاصة في اليمن، وان يسمح لهم بمد خط السكة الحديد عدن ـ لحج عبر الضالع وتعز إلى صنعاء، ومن المعروف ان الامام يحيى كان حذراً من "الاجنبي" ومخافة فقدان سلطانه المطلق على يد البريطانيين فقد رفض هذه المقترحات (انظر بريمدوند ص 90 ـ 91، وفاروقي ص 60، والاهرام، عدد 1474 في 6 ـ 2 ـ 1924).

    ومشروع المعاهدة الانف الذكر الذي قدمه الشريف حسين احتوى من جملة ما احتوى عليه "روح" الاقتراحات البريطانية التي قدمت إلى الامام يحيى والتي اريد لها ان تأخذ في حالة قبولها صبغة معاهدة بينها وبينه، لذلك فأنه يمكن ان تقدر بأن السلطات البريطانية أوعزت إلى عملائها في الحجاز ولدى الشريف ـ بعد ان رفض يحيى حميد الدين هذه الاقتراحات البريطانية، وبعد ان غدت الامارة الادريسية المزعومة واقعة تحت تهديده المباشر ـ بأن يدفعوا شريف مكة إلى التفاوض مع الادارسة حول مشروع هذه المعاهدة، وينبغي ان يكون من اهداف انجلترا من مثل هذا المشروع غير العملي هو ازعاج الامام يحيى، وتهديده ومنازعته في مملكته الخاصة، وابعاده عن الامارة الادريسية، ناهيك عن ان هدفها الابعد هو ضرب مشروع وفكرة الوحدة اليمنية في الصميم.

    غير ان التطور في اليمن وفي الجزيرة العربية أخذ مجرى مختلفاً تماماً عما نص عليه مشروع المعاهدة الخيالي.

    إذ ما كان مصطفى الادريسي يتوجه في مطلع 1343هـ (مطلع أغسطس 1924) إلى اللحية، من حيث يمارس عمله كحاكم للمنطقة الجنوبية، حتى جمع زعماءها من حوله، وكان تعيينه حاكماً في منطقة تتبعه تقريباً من الناحية العملية من هدفه، اسرع الأمير علي بن محمد الادريسي إلى اللحية، لتدارك الأمر، وقام مصطفى بدفع المشائخ ـ حيث لم يستكمل استعداداته بعد ـ إلى اقتراح اصدار منشور ـ انطلاقاً من ان مصطفى ما يزال موالياً له ـ يعلن فيه بأنه لم يعد هناك أي سوء تفاهم بين الأمير وبين حاكمه في اللحية وان مصطفى الادريسي منذ الآن سيكون نائبه بحق في المنطقة الجنوبية، وبعد ان أقر الامام الادريسي هذا الاقتراح كر عائداً إلى إلى جيزان،[20] بذلك تمكن مصطفى من تهدئة الأمير، ليكسب وقتاً، يحضر نفسه خلاله للانتفاضة، ومن أجل الحصول على نقود وذخائر للحركة فأنه قام بالاتصال باصدقائه البريطانيين، وقد أدت المفاوضات مع الحكم البريطاني في جزيرة كمران إلى نتيجة مؤداها، ان يمنح مصطفى الادريسي مقابل اعطائه قوداً وذخيرة ـ شركة انجليزية حق استغلال جبل الملح الموجود في الصليف، وعندما علم الأمير علي بهذا التصرف من قبل البريطانيين بلغ به الغضب اشده، وارسل خطاباً إلى الحكومة البريطانية وبرقية إلى الملك الانجليزي جورج الخامس، احتج فيهما على هذا العمل واوضح انه هو امام وحاكم الامارة الادريسية، وليس مصطفى، وازاء ذلك فأن الحكومة البريطانية لم تتمسك بأن تلعب هذا الدور إلى النهاية، وتم الغاء الاتفاقية.[21]

    ولكن ذلك لم يغير واقع ان مصطفى الادريسي قد اعد حركته التي ازمع القيام بها مع كل شخصيات الامارة تقريباً، ومع مشائخ جنوب تهامة، وبموافقة البريطانيين، وانه قام بتوزيع منشورات أعلن فيها خلع الأمير علي باعتباره غير قادر على حمل اعباء منصب الامارة، وضرب ضربته التي اخذ بها تهامة الجنوبية كلها بما في ذلك الحديدة،[22] وفي نفس الوقت قام بتجهيز قوة تحت قيادة نجله المهتدى للزحف نحو الشمال، وقد اتخذت من جبل الملح قاعدة لها ومضت إلى الامام إلى ابي حلق.

    ومن ناحية اخرى بادر الأمير علي بتعبئة اتباعه من قبائل عسير تهامة القوية، وتسليحهم ووضعهم تحت لواء أخي امه عبد المطلب، وفي قافلتين تقدمتا صوب الجنوب، احداهما في محاذاة الشاطئ برئاسة مكي بن أحمد القبي، والاخرى عبر داخلية تهامة بزعامة قاسم بن إبراهيم العكفي، حالاً ضربت طليعة قوات مصطفى الادريسي التي كانت مرابطة في ابي حلق، والى الامام مضت قوات الأمير علي، وفي وادي مور أخضعت جيش الأمير المتمرد، وبدأت قبائل تهامة الجنوبية تتخلى عنه، وتنتقل إلى جانب جيش الأمير الشرعي المنتصر، وحتى الشيخ الكبير لقبائل الواعظات هادي هيج أعلن تضامنه مع الامام علي، وبمعاضدته اتيح لفصائل الأمير ان تستولي على معسكر جيش مصطفى في جبل الملح بعد بضعة أيام فقط، واستجابة لرجاء مصطفى الذي هرب من اللحية إلى الزيدية مكن هادي هيج نجل المهتدي المحاصر في قلعة جبل الملح من النفاذ بجلده[23] واجتاحت قوات الأمير علي كل المدن امامها من الزهرة عبر الزيدية إلى الحديدة، وبذلك أنهار التمرد تماماً وفي أكتوبر 1924 هرب مصطفى الادريسي إلى جزيرة كمران، ومن هناك توجه لاقامة قصيرة في عدن، ثم غادرها إلى الاقصر في مصر، حيث كان يقيم من قبل بصفة شبه دائمة.[24]

    جاء الأمير علي الادريسي إلى الحديدة وأمر بنفي كل الشخصيات المهمة في امارته، نظراً لمشاركتهم النشطة في المؤامرة، وذهب الجميع على الفور اما إلى عدن، أو جزيرة فرسان، أو مصر وكان بينهم محمد طاهر رضوان قائد جيش الحدود الجنوبي المواجه لجيش الامام، وكون جهاز حكومي جديد، كان على رأسه اخو امه السودانية: فاصبح خاله محمد هارون وزيراً للبلاط في صبيا، وخاله عبد المطلب نائباً له في الحديدة، وقائداً لجيش الحدود الجنوبي.[25] ان هذا التغيير الحكومي الذي لم تشارك فيه زعامات البلاد الحقيقية لم يكن من شأنه ان يساعد الأمير الغاضب. ولقد حدث العكس، حيث فقد تعاطف كثيرين من مشائخ عسير تهامة وبصورة خاصة اولئك الذين اصحوا في المنفى، وعزم الأمير فوق ذلك على اتخاذ اجراءات عقابية ضد مشائخ الجنوب لاشتراكهم في مناصرة تمرد مصطفى الادريسي، وهدد على نحو خاص الشيخ الكبير لهذه المنطقة هادي هيج.[26]

    وعلى الرغم من فشل هبة مصطفى الادريسي فانها قد اضعفت الامارة الادريسية بشكل ظاهر والاجراءات العقابية التي اتخذها الأمير علي قد احدثت اثراً بالغ الضرر في كل امارته.

    كان الامام يحيى يتابع من الهضبة سير الاحداث في تهامة باهتمام كبير، واعد للامر عدته، وقد ترك في اول الأمر الادراسة يسحقون بعضهم بعضاً، وانتظر في صبر الفرصة الملائمة للانقضاض عليهم، وكان يرى ان الاحداث في امارة الادارسة تتطور لصالحه، وتركها تنضج وبفعل الظروف المتأزمة والمتفاقمة داخل الامارة الادريسية فأن هذه قد غدت من الضعف والتفكك بحيث انها لم تكن تحتاج الا إلى ضربة واحدة لتنهار تماماً.

    ولقد استغل الامام يحيى هذا الوهن في الامارة الادريسية، ووجه ضربته بالفعل ،وهكذا فأن خط الحدود غير الطبيعي والذي ظل ممتداً لوقت طويل في محاذاة الهضبة من عبال قرب باجل في الجنوب إلى عسير تهامة، والذي كان إلى هذا الوقت يفصل امارة الادراسة عن المملكة المتوكلية قد تم اختراقه في نهاية 1924 من ناحيتين، فقد هجم جيش بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير على باجل[27] التي كانت تشكل عقدة مفصلية رئيسية لخط الحدود واستولى عليها، وحاصر الفصائل الادريسية المرابطة هناك في جبل برع من جميع النواحي، وأجهز عليها، (إلى ان تم الاستيلاء على برغ ينبغي ان يكون قد قتل هنا حوالي 2000 جندي من جيش يحيى حميد الدين، و3000 من جيش الادراسة)[28] واجتاح جيش الوزير في نفس الوقت المناطق الهامة القريبة مثل عبال وبني سعيد، ومحيطهما،[29] وفي نفس الفترة أيضاً ارسل نجل الامام الكبير، احمد، من مركزه في حجة الواقعة شمال غرب صنعاء، جيشاً آخر نحو تهامة بقيادة علي بن حمود، وقد تقدم بظفر في سهل تهامة جهة، وادي مور، الواقع شمال الحديدة، وقد سهل الشيخ الكبير لهذه المنطقة هادي هيج الذي كان قد ابلغ الإمام قبل ذلك تضامنه معه لتسهل عملية الزحف،وفي يناير 1925 اخذت مدينة الميناء اللحية،[30] وبعد بعض المواقع بين جيش الامام وجنود الادراسة قرب الحدية دخل عبد الله الوزير على رأس جيشه في ابريل 1925 مدينة الحديدة، بينما هرب القائد والحاكم الادريسي عبد المطلب بباخرة شراعية إلى جيزان.[31]

    وتم احتلال موانئ ابن عباس،الصليف، الخوية، قرى الضحى، الزهرة، المنيرة، الزيدية، المراوعة، وغيرها من المواقع الساحلية من قبل الجيشين المتقدمين، وفرت بقايا الحاميات الادريسية إلى ميدي واستمر الهجوم العام للجيش اليمني في ربيع نفس العام حتى وصلت فصائله إلى بني ندر على حدود عبس، في شمال تهامة[32] وفي ذهول اتجه الأمير علي بسيارته مصحوباً بوزير بلاطه محمد هارون صوب اللحية، وعندما كان على بعد ميل منها رأى انها قد غدت في يد الجيش الزاحف باسم توحيد اليمن، وعاد إلى الفور إلى ميدي، ومن هناك ركب البحر إلى جزيرة كمران في مواجهة اللحية ومن كمران اجرى اتصالاً عن طريق البرق بلندن، طالباً المساعدة، ولكن بدون جدوى، وقفل في شهر الحجة 1343هـ (مايو 1925) عائداً إلى ميدي[33] لم يكن بامكان بريطانيا، التي لم تكن تعد الادريسي من حلفائها ان تحول دون الاستيلاء على هذه المناطق الساحلية من اليمن، وان كانت قد حاولت ان تمنع جيش التوحيد اليمني من تصفية بقية الامارة الادريسية، وكانت مهتمة بقطع الطريق عليه، لئلا يتقدم بعيداً صوب عسير، ويجهز على الامارة كلها.[34] ولتحقيق هذا الغرض كان لابد من خلع علي الادريسي أولاً، حيث ان البريطانيين لم يحصلوا منه على أي فائدة تذكر، وكان الحسن بن علي الادريسي الذي كثيراً ما حاول انتزاع السلطة من ابن اخيه، هو الشخصية التي نوى البريطانيون جعلها خلفاً لعلي الادريسي، ذلك ان الحسن كان معروفاً بصداقته مع البريطانيين،[35] وعلى الفور بدأ الحسن في اعداد نفسه لاسقاط الأمير الشاب، وفي أول الأمر لم تساعده الظروف في عسير تهامة، حيث ان الجميع تقريباً كانوا في حرب مع يحي حميد الدين، ومع جيش التحرير والتوحيد اليمني.

    كان هذا الجيش المحرر الموحد قد تم الاستيلاء على منطقة عبس، وقضى على الفصائل الادريسية في منطقة ابي حللق، واخترق خط الدفاع الأول في حبل، الواقعة على بعد 15 كيلو متر جنوب مدي، واجتاح في حوالي شهر نوفمبر 1925 معسكر الجيش الادريسي القائم هناك، بينما قتل قائده، عبد المطلب، وقام جيش آخر بفتح جبهة ثانية في جبال عسير تهامة في الشرق، وبالذات في بلحارت، وشن جناحاً الجيش اليمني الموحد في تهامة وفي الجبال هجوماً شاملاً، وفي12 جمادي الثانية 1344 (28 ـ 12 ـ 1925) اخذت ميدي ـ بوابة عسير ـ في سرعة البرق، وفي نفس الوقت اكتسحت مدينة حرض التي تقع في مدخل الجبال على الطريق من صعدة إلى أبو عريش، واحتل جبل شذا وما حوله من مناطق في جبال عسير تهامة.[36]

    وهكذا اتيح لجيش التحرير والتوحيد اليمني ان يوجه ضربة مدمرة إلى الامارة الادريسية، وان يطوح بالادارسة إلى ما وراء ميدي، وان ينتزع منهم الجزء الأكبر من امارتهم ـ حوالي 220 كيلو مترـ.

    وقد مكن الاستيلاء على الحديدة حاكم صنعاء ان يمد سلطانه أيضاً تدريجياً إلى المنطقة الجنوبية الشرقية التي كانت تتبع قبيلة الزرانيق، وغدت المنطقة الساحلية التي يهيمن عليها الامام يحيى تنبسط من ميدي في الشمال إلى قرب الشيخ سعيد في الجنوب وتبلغ مساحتها حوالي 22000 كيلو متر مربع،[37] وهكذا تحولت الامارة المعزولة خلف الجبال إلى دولة ذات سواحل بحرية مهمة.

    ولكن بينما كان الجيش اليمني يكافح في تهامة، وكانت عملية تصفية الامارة الادريسية التي لم تكن سوى تابع للانجليز تسير على قدم وساق، لم يكن البريطانيون بلا نشاط، وقد حاولوا تحريك ابن سعود للوقوف دون ان يواصل الجيش اليمني زحفه، لوضع حد للعملية التاريخية، عملية تصفية الامارة الادريسية التابعة. وللمساعدة في انهاء النزاع المستمر على العرش بين الأمير علي وبين عمه الحسن، على ان يكون هنا الحل لصالح الأخير.

    في هذا الوقت كان عبد العزيز ال سعود قد أصبح حاكم الحجاز، ذلك انه تمكن بموافقة البريطانيين خلال عامي 1924 ـ 1925 من تجريد الشريف حسين، ونجله علي بن الحسين من عرش الحجاز، ومن طردهما من المنطقة نهائياً.[38]

    وكان ابن سعود قد أصبح سيد كل الشواطئ الشمالية لعسير، ذلك انه في ديسمبر 1924 انتزع من يد الشريف الحسين الميناءين اليمنيين الاستراتيجيين في عسير، الليث، والقنفذة،[39] ولم يبق امام طموحات الحاكم الوهابي التوسعية سوى خط واحد مفتوح في اتجاه الجنوب، عبر امارة الادارسة نحو المناطق الساحلية لليمن، وقد اخذ ضغط ابن سعود من الشمال والشرق يشتد ويعنف على هذا الشريط الارضي، وأخذ يعد العدة لقطع السير على الجيش اليمني الزاحف نحو عسير.

    والمفاوضات التي اجراها المبعوث اليمني حسين عبد القادر حاكم الحديدة مع الوهابيين في الرياض كانت بدون نتيجة[40].

    وفي مبدأ الأمر قد تركزت جهود البريطانيين وعبد العزيز ال سعود في شيء واحد، هو العمل اولاً على خلع الأمير علي، وتنصيب الحسن بن علي مكانه من أجل توجيه ضربة معاكسة، حاسمة ضد الجيش اليمني المهاجم بقوة، وللحيلولة بذلك دون التصفية النهائية للامارة الادريسية، وبدفع من ابن سعود، وبناء على دعوة قائد الجيش الادريسي جمال باشا الفزي رئيس الاركان العام التركي السابق وصل إلى صبيا حوالي ديسمبر 1925 قادماً من مكة أحمد شريف السنوسي زعيم الطريقة السنوسية، ومعلم الحسن الديني، ليسهم اولاً عن طريق نفوذه الديني في خلع الأمير علي، وفي تنظيم اتباع الادارسة في عسير تهامة لمقاومة الجيش اليمني الزاحف،[41]وفي نفس الوقت ارسل ابن سعود وفداً رسمياً برئاسة محمد بن دليم إلى الامارة الادريسية[42]. بقصد معاضدة الحسن في اسقاط الأمير علي.

    ولم تكلف عملية اسقاط الأمير خسائر كبيرة على أي حال، حيث انه فقط بواسطة عبيدة حاول مهاجمة صبيا، من حيث كان الحسن يصد الزحف تجاه مقر الأمير في جيزان، وكان اتباع الادراسة منشغلين بالحرب، وفوق ذلك فانه لم يعد يهمهم من يحكم الآن ذلك ان كل شيء في الامارة كان يتمزق، والامارة نفسها بدت آيلة للغروب، هكذا تقدمت مجاميع انصار الحسن على جيزان، وضربوا العبيد الذين كانوا مكلفين بالدفاع عنها امام المدينة. كما ضربوا المحاربين القليلين الذين كانوا هناك من أبو عريش، حوالي نهاية ديسمبر 1925 اخذت جيزان بدون مقاومة، بينما هرب علي الادريسي في سفينته الشراعية إلى جزيرة فرسان، وفي مطلع 1926 دعي الحسن اماماً وتمت مبايعته[43].

    وكان على علي وقد فقد العرش ان يعود إلى صبيا، وان يبايع عمه الحسن، ومن ثم توجه إلى كمران فعدن، وبعد اقامة استمرت شهراً سافر إلى الحجاز، حيث امضى بقية حياته[44].

    وخلال هذه النزاعات المحتدمة على العرش الادريسي اشتدت وطأة الحرب بين الجيش اليمني الرافع للواء التوحيد، وبين بعض قبائل عسير تهامة، والى جانب هذا الجيش العامل من أجل اعادة وحدة الوطن اليمني، والذي كان ما يزال في حالة هجوم. انتقل عدد من المحاربين من بعض قبائل عسير تهامة، وبالذات من بني حمد، وشبيل، وبعض الشخصيات التي كانت قبل ذلك في المنفى مثل القائد السابق واللامع لجيش الادراسة للجبهة الجنوبية محمد طاهر رضوا، وكذلك علي بن أحمد الحازمي وآخرين ممن عادوا إلى اليمن، واعلنوا تضامنهم مع جيش التحرير والتوحيد اليمني،[45] وبعد الاستيلاء على ميدي مباشرة تقدمت فصائل هذا الجيش الباسل إلى الامام، واخذت (صامطة) مفتاح أبو عريش، وبدون توقف واصلت زحفها نحو أبو عريش.[46] وكان ما تبقى من امارة الادراسة مهدداً على نحو جدي بالسقوط في يد جيش التحرير والتوحيد اليمني، غير الاستعماريين البريطانيين سارعوا إلى الحركة، ودفعوا صديقهم ابن سعود إلى العمل، وكما كتب فايسل: "الآن تدخل الانجليز، لقد تواروا خلف ابن سعود، الذي هدد بالزحف نحو عسير، ان واصل اليمنيون تقدمهم، واتبع القول بالعمل، واحتل الميناء الشمالي لعسير، "البرك"[47] والامام الحسن الذي اعاد ترتيب علاقات الامارة الادريسية مع انجلترا وابن سعود[48]، فور صعوده إلى العرش لم يهتم باحتلال السلطان الوهابي لجزء من امارته. لقد حاول بدلاً عن ذلك ومن خلال الاعتماد على الدولة السعودية القوية ان يسند بناء امارته المتهاوي.

    وفي يناير 1926 رجا ابن سعود العون، وعلى الفور بدأت التحركات العسكرية تجاه الامارة الادريسية. ولمناقشة شروط هذا الدعم ارسل الحسن في النصف الأول لشهر فبراير 1926 وفداً إلى سلطان نجد، كن عبد العزيز قد فهم جيداً ان الفرصة ملائمة الآن لوضع ما تبقى من امارة الادارسة ضمن دائرة نفوذه، ولذلك فانه وعد الوفد الذي كان تحت رئاسة محمد هادي النعمي بالتدخل في الحرب، وتقديم المساعدة، والدفاع عن الامارة، والشروط التي وضعها للوفد حتمت التعاون بين الادريسي وبينه، وشقت له الطريق ليصبح حاكم عسير تهامة،[49] كما أصبح حاكم عسير السراة من قبل، وليحقق طموحاته التوسعية في عسير كلها.

    في النصف الأول لشهر فبراير 1926 وصلت فصائل سعودية إلى صبيا وجيزان، بقصد قطع الطريق على الجيش اليمني، كما ارسلت في نفس الوقت فصائل أخرى إلى الجبهة، في اتجاه أبو عريش، حيث كان القتال محتدم الاوار[50] وحوالي شهر مارس 1926 اشتدت الأعمال القتالية بين جيش التحرير والتوحيد اليمني من قبيلة المسارحة والقوات السعودية من جهة اخرى، ولقد اتيح للجيش الادريسي ـ السعودي الموحد ان يخترق الجبهة اليمنية، وان يضطر الجيش اليمني إلى التقهقر، ومن قلعة صامطة اتخذ موقعاً دفاعياً له، ومن حرض ارسلت إليه قوة نجدة، غير انه خلال مسيرته تعرض للضرب، ولم تستطيع الفصائل اليمنية الثبات طويلاً امام القوة المتفوقة والمهاجمة للجنود والمحاربين الوهابيين والادارسة، ولذلك فأنها كانت مرغمة على اخلاص صامطة.

    والانسحاب إلى حرض[51].

    هكذا اتيح للامام الحسن بدعم من ابن سعود ان يتجنب النهاية التي كانت متوقعة لامارته، وان يكسر اندفاع جيش التحرير والتوحيد اليمني، وفي نفس الوقت حاول الادراسة ـ رغبة منهم في استغلال هذا النجاح ـ ان يثيروا الجزء الجنوبي من تهامة الذي انتزعه الجيش اليمني منهم، وان يدفعوه إلى التمرد على السلطة المركزية في صنعاء، على امل استعادته منه، ولقد حدثت بالفعل هبات في ميدي، بنى مروان، عبس ، ولكنه تم القضاء عليها بعد قتال دائم خاضه الجيش المركزي معها[52].

    وبعد أخذ تهامة الجنوبية، واحتلال البرك وما حوله اصبحت حدود الامارة الادريسية مضغوطة في التالي: "من تعشر في الجنوب ـ حوالي 10 كيلو متر شمال ميدي ـ إلى منتصف الطريق بين الوسم والبرك في الشمال، والامتداد الارضي (الداخلي) لها كان يبلغ الحدود الشمالية، إلى رجال المع، على منتصف الطريق نحو ابها، ومن هناك في خط موازي إلى الساحل مروراً بأبو حشيش، ـ 30 كيلو متر نحو الجنوب من أبو عريش، وكانت مساحة البلاد كلها في اعلا تقدير 14000 كيلو متر مربع، وعدد سكانها على اقصى حالة 150000 مواطن"[53].

    دفعت بريطانيا العظمى الادريسي للانتقال من مركز الدفاع إلى مركز الهجوم، وشن الحرب ضد الامام يحيى، من أجل استعادة الاراضي المفقودة، ووعدته لهذا الغرض بالمساعدة والدعم، ولكن شن الحرب يستلزم نقوداً، لانه لم يحدث ولو مرة واحدة ان اهدت انجلترا حلفاءها نقوداً فقط قام الادريسي ببيع امتياز للتنقيب عن البترول في جزيرة فرسان الواقعة في مواجهة جيزان، لشركة البترول الاسيوية، "وبيد كومباندور كراوفورد"[54] غير ان جماعة مالية بريطانية أخرى دخلت في منافسة حول الامتياز البترولي، ووعدت الحسن الادريسي بمبلغ نقدي اكبر، ولقيت دعم الحكومة البريطانية، وكما كتب فايسل: "دفعة واحدة ظهر المستر كوبر ـ حاملاً في الجيب رسالة طلب من وزارة الخارجية البريطانية ـ لدى السيد مصطفى في الاقصر، وابدى اهتمام بالتهاب بترول جزيرة فرسان، فهم مصطفى وارسل برقية إلى الحسن الجنرال جمال باشا فهم، وسافر على الفور نحو عدن إلى المقيم البريطانيين، والغى برقيا الامتياز الذي كان قد منح لشركة البترول الاسيوية، المستمر كوبر فهم أيضاً، وجاء إلى جيزان مع بقشيش في الجيب، واربع عربات فيات منقولة كهدية للامام الحسن، امام عسير..، واشترى الامتياز مقابل مبلغ كلي قدره 10000 جنيه، زائدا 3000 جنيه قسط ايجار عن السنة الأولى، زائداً قرضاً صغيراً ظريفاً لشراء اسلحة، اضطلعت بتدبيرها بكل ود شركة بترول سارون، نعم كانت تملك في حوزتها ـ غير ذلك ـ اسلحة للدفاع عن حقول البترول ضد سمك القرش المعطش للدماء، ولكن اتضح مؤخراً ان سمك القرش لا يخرج إلى البر، حينئذ سلم هذه المادة الحربية إلى الادريسي أيضاً.. وفيما يتعلق بثمنها "الاسلحة" فقط تكفلت بذلك حصة الخمسة والعشرين في المائة التي ينبغي ان تحصل عليها عسير من استغلال البترول، والتي تستخدمها في شراء اسلحة، ينبغي ان تكافح بها عدو انجلترا" أي الامام يحيى، وحركة التوحيد اليمنية. واضاف المؤلف ان "شركة خاصة ـ هي الشركة الاخت لشركة البترول الانجليزية ـ المصرية اشترت … إحدى مجوعة الجزر الاستراتيجية الهامة في البحر الأحمر ، التي وجد عليها ـ لدهشة الجميع الكبرى ـ بترول بالفعل…"[55]

    وعن طريق الامتياز البترولي جاءت نقود من البريطانيين إلى خزانة الامارة، وفي نفس الوقت احضرت البواخر من عدن اسلحة وذخيرة إلى جيزان،[56] و"منح الادريسي نقوداً واسلحة إلى آخرين، وعقد مع الجوف[57] 0في السهل الشرقي لليمن) ومع الزرانيق، ومع نجران، وتهامة احلافاً سرية" موجهة ضد الامام، بقصد ايقاف عملية توحيد اليمن، وارباك السلطة المركزية في صنعاء بمشاكل داخلية تقعدها عن الحركة في اتجاه تحقيق هذه العملية التاريخية.

    وكانت فصائل ابن سعود قد اتخذت مواقعها في امارة الادارسة، وفي هذا الوقت الذي كانت لوح فيه في الأفق حرب انتقامية ضد حاكم صنعاء، شكلت بعثة في القاهرة في مطلع يونيه 1926 من أحمد زكي باشا (مصر) ونبيه بك العظم) فلسطين) مهمتها السفر نحو اليمن والحجاز، للصلح بين الامام يحيى وابن سعود، وبعد اقامة استمرت 56 يوماً في اليمن تلقت البعثة اقتراحات الامام وتوجهت إلى ابن سعود، الذي قدم اقتراحاته إلى البعثة لارسالها إلى الامام، ولم تنته مهمتها على أي حال إلى نتيجة[58]

    على ان حملة الادريسي وحلفائه لم يجرؤوا على اعلان الحرب ضد اليمن،واوقف الامام من جانبه حملته الهجومية، حاول الايطاليون الذين كانوا في هذا الوقت قد انشأوا علاقات وثيقة مع يحيى حميد الدين اقناع الامام الحسن بالتفاهم مع الامام يحيى حول سلمي، إذ لم يعجب الايطاليين ان تقع امارة الادارسة تحت نفوذ ابن سعود حليف البريطانيين، والافضل ان تضع ضمن دائرة نفوذ الامام يحيى الذي كان قد اكتسب الايطاليون تعاطفه، والذي من خلاله ربما استطاعوا تحقيق مطامعهم في اليمن، ولذلك قدم الايطاليون سيارة فيات هدية للامام الحسن، وارسلوا إليه مندوبين عدة، كان من بينهم كافلير سكنيتي، غير انه اتيح لمصطفى الادريسي الذي قدم للتو من مصر، والذي كان معروفاً بأنه الصديق الأكبر للبريطانيين، والذي شكل بالتعاون مع السنوسي الكبير أحمد شريف، ومع رئيس الوزراء وقائد الجيش جمال باشا مجلساً ثلاثياً للحكم، اتيح له ولاحمد الشريف العدو اللدود للايطاليين ان يشلا المفاوضات الجارية مع الحسن وان يفشلاها.[59]

    جرت مفاوضات كذلك بين الامام يحيى والامام الحسن الادريسي، وتباحث جمال باشا مع عبد الله الوزير، ومع بلاط الامام يحيى حول السلام، وخلال هذه المفاوضات بدا لو ان الادراسة موافقون على الاعتراف بسيادة الامام يحيى على ما تبقى من امارتهم، تحت شرط ان يسمح لهم بالحكم المباشر في امارتهم، وينبغي ان يكون ابن حميد الدين في حالة انتظار مجيء وفد ادريسي للاتفاق على ذلك، عندما تلقى فجأة برقية من أبن سعود، يعلمه فيها ان الامارة الادريسية تقع الآن تحت حمايته.[60]

    أكان ذلك واقعاً مفاجئاً وغير متوقع؟ في الحقيقة لا. كان ابن سعود الذي كانت تقف وراءه بريطانيا العظمى قد فرض نفسه من خلال وجود قواته في امارة الادارسة بعسير تهامة،، وكان بلاط الامارة الادريسية قد تحول مرة أخرى منذ التطويح بعلي الادريسي إلى منطقة نفوذ بريطانية.

    ومن ناحية أخرى ينبغي ان يكون الادارسة قد خشوا من تملك الامام يحيى لامارتهم حتى ولو وصلوا معه إلى اتفاق، وبقوا في امارتهم مجرد تابعين له فقط، كان الادارسة يريدون تجنب الخضوع لابن حميد الدين، ولم يكونوا قط مقتنعين بفكرة الوحدة اليمنية، هكذا كرر الحسن بن علي الادريسي في عسير تهامة نفس الغلطة التي ارتكبها قبل ذلك الحسن بن علي بن عائض في عسير السراة، ولكن غلطة الحسن الادريسي جاءت أكثر خطورة فكلاهما لم يكن يريد الامام يحيى، ولقد اعطى ذلك ابن سعود فرصة ملائمة، لوضعهما في الوقت الملائم تحت جناح سلطانه، وكلاهما كانا ضد قيام دولة مركزية يمنية، وكان كل منهما يريد اقامة امارة اقطاعية خاصة به، ولكن هذه الطموحات الاقطاعية الصغيرة لم تفد سوى سلطان نجد الذي كان مشروعه التوسعي يقوم على قضم اليمن من اطرافها.

    لقد سافر إذن أحمد شريف إلى مكة، حيث عقد مع عبد العزيز آل سعود في 21 ـ 10 ـ 1926 ما اسمي بمعاهدة الحماية، التي وقعت من ناحية من قبل الملك عبد العزيز، ومن قبل أحمد شريف السنوسي والامام الحسن الادريسي من ناحية أخرى، وطبقاً للمعاهدة وضعت الامارة الادريسية تحت حماية الحاكم الوهابي، وفي معاهدة الحماية هذه التزم الحسن الادريسي امام عسير تهامة بعدم اقامة اية علاقات سياسية مع أي قوة كانت، وبعدم منح أي امتيازات اقتصادية، الا بعد الموافقة على ذلك من ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها، والتزم الامام الحسن فوق ذلك بأنه ـ بدون موافقة ابن سعود ـ لن يعلن حرباً، أو يعقد سلما، أو يتنازل عن جزء من اراضي عسير، ومقابل ذلك اعترف الملك السعودي بالامام الحسن كحاكم على عسير تهامة بحدودها القائمة والتابعة له طيلة حياته، وبمن يخلفه على كرسي الامارة ممن يتفق عليه الادارسة، واهل الحل والعقد التابعين لامامته، واعطى الملك الوهابي الحق للامام الحسن في الاضطلاع بادارة بلاد عسير الداخلية، والنظر في شؤون عشائرها من نصب وعزل، وغير ذلك من الشؤون الداخلية، على ان يكون كل ذلك وفق احكام الشريعة، وتعهد ابن سعود للامير الادريسي بالحماية ضد أي تعد داخلي أو خارجي.[61]

    ارسل سلطان نجد وملحقاتها ـ وقد حقق مطامحه التوسعية في عسير تهامة، بعد ان حققها في عسير السراة ـ أرسل نسخة من المعاهدة المكية إلى الامام يحيى، وطالبه باحترام الوضع الجديد في عسير تهامة[62] بذلك بدأت مرحلة جديدة في العلاقات بين امام صنعاء، وامام الرياض، ومنذئذ واجهت امارة الادارسة مستقبلاً مظلماً، وواجهت حركة التوحيد اليمنية مصاعب جديدة.

    ما هي النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا الفصل؟

    لقد طمحت اليمن ـ التي قامت على ارضها في المراحل المبكرة للتاريخ دول مركزية، والتي انفصلت عن الخلافة الإسلامية، واعادت انشاء دولها الخاصة على اقليمها ـ طمحت في القرن العشرين إلى ان تقيم دولتها الحديثة الموحدة المركزية، لقد تمزقت آخر دولة يمنية مركزية ـ دولة الائمة القاسميين ـ في القرن الثامن عشر إلى عدة امارات، وانهارت في القرن التاسع عشر تحت ضربات الاحتلال السعودي الأول لعسير، ولتهامة الجنوبية، ونتيجة استيلاء جيش محمد علي حاكم مصر على الجزء الأكبر لشمال اليمن وعلى غربها، وبفعل الغزو الاستعماري للامبريالية البريطانية لجنوبها، ثم في آخر الأمر بسبب تملك الاتراك العثمانيين لليمن الشمالية كلها. وعلى انقاض الحكم التركي، والامارات العديدة، وفي الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وضد المطامح التوسعية الجديدة للوهابيين كان يمكن وكان يجب ان تؤسس دولة اليمن الحديثة الموحدة المركزية. غير انه لم يكن هناك أمير أو حاكم يمني في هذا الوقت على وعي بهذه الضرورة التاريخية، أو طامحاً للتقدم نحو هذه المهمة الوطنية العظمى، ونحو النهوض بهذا الواجب التاريخي. لقد كانوا ضعفاء جداً، ومتحالفين مع الاستعمار البريطاني، أو مع أي قوة اخرى ذات تطلعات توسعية ازاء اليمن. ان ذلك ينطبق بصورة خاصة على اكابر امراء اليمن بعد الحرب العالمية الاولى، امثال محمد علي الادريسي،الحسن بن علي بن عائض وسلطان لحج سيد عبد الكريم فضل.

    فقط يحيى حميد الدين الذي كان متحرراً من النفوذ الاجنبي، والذي كان استمراراً حتى من الناحية العائلية لآخر امامة بسطت سلطانها على اليمن كلها ـ كان مدركاً لضرورة اقامة واحياء دولة اليمن المركزية الموحدة، وكان على وعي بهذه المهمة التاريخية، لذلك فأنه رفع شعار "اليمن لليمنيين" وكان يحيى قوياً نسبياً مقارناً بأمراء اليمن الآخرين نتيجة استناده إلى طائفة دينية قوية متماسكة، وكان شديد الطموح نحو تأسيس هذه الدولة اليمنية المركزية الموحدة. ومن هنا كافحه النشيط ضد الأمراء اليمنيين الموالين لانجلترا، وضد بريطانيا العظمى التي كانت تحتل حوالي ثلثي اليمن، وضد ابن سعود الذي كان يعمل على التهام اجزاء أخرى منها في الشمال والغرب. لم يحاول يحيى الذي لم يكن يبالغ في تقدير قوته نظراً لتفوق قوة خصومه الآنفي الذكر، لم يحاول ان يدخل في أي حرب، كان ينتظر الفرصة المواتية ثم يوجه ضربته، ولقد قدمت له النزاعات على العرش بين الادارسة والتمزق الداخلي في الامارة الادريسية مثل هذه الفرصة، حينئذ بادر إلى انتزاع الجزء الأكبر من تهامة، وبذلك لم تحقق مملكته امتدادها الضروري والطبيعي والجغرافي في اتجاه البحر الأحمر فحسب، وانما أيضاً اكتسبت الدولة اليمنية الحديثة منذئذ كيانها وطابعها الدولي، وحجمها وشكلها الإقليمي الحالي في شمال اليمن، ولقد كان تمزيق الامارة الادريسية، وضم الجزء الأكبر منها إلى الدولة اليمنية، وضربة صائبة وشديدة للبريطانيين أيضاً، ذلك ان هذه الامارة كانت منذ البداية، ومنذ تأسيسها إداة فقط في يد الاستعمار البريطاني لتحقيق مصالحه الاقتصادية، والسياسية الاستراتيجية في الشواطئ الغربية الهامة من اليمن على البحر الأحمر، ولمنع قيام دولة يمنية موحدة متحررة، ومعادية للبريطانيين.

    ولذلك فقد تدخل البريطانيون بشكل مباشر (بصورة خاصة عن طريق اعاقة زحف الجيش اليمني المحرر والموحد عن المضي في اتجاه تصفية نفوذ الاستعمار البريطاني فيما اسمى بالمحميات) وبشكل غير مباشر (عن طريق الوقوف إلى جانب اماراتهم الادريسية التابعة، وتشجيع تطلعات ابن سعود التوسعية تجاه الاراضي اليمنية) ولقد ارادوا بتدخلهم هذا ايقاف عملية تصفية الامارة الادريسية، ـ اضافة إلى الحفاظ على هيمنتهم الاستعمارية على جنوب البلاد وضرب حركة التوحيد التاريخية اليمنية، التي كانت جنوب البلاد وضرب حركة التوحيد التاريخية اليمنية التي كانت تنطوي موضوعياً ـ على الملامح الأولى والمبكرة لحركة التحرير اليمنية. ولهذا الغرض فقد استخدم الاستعمار البريطاني اداته الرئيسية ابن سعود الذي كان يمارس أيضاً تجاه اليمن سياسة عدوان وتوسع، وأيد ـ لذا السبب ـ الادارسة بشكل قوي.

    والادارسة الذين قامت امارتهم من خلال الدعم الذي قدمه الاستعمار الايطالي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، ومن خلال المساعدة التي قدمها الاستعمار البريطاني منذ هذا الوقت، هؤلاء الادارسة لم يستطيعوا ازاء الاضطرابات الداخلية ان يحموا امارتهم وللحفاظ على عرشهم الاقطاعي الخاص، فانهم قد اضروا باليمن ضرراً بليغاً، واصابوه حتى النخاع. فمحمد علي الادريسي تنازل عن عسير السراة لابن سعود، واخوه الحسن بن علي الادريسي وضع ما تبقى من امارته في عسير تهامة تحت حماية الملك الوهابي.ان هذه السياسة الجاهلة والعمياء والمدمرة سوف تقود ـ كما سيتضح فيما بعد ـ إلى مزيد من الكوارث، حيث سيلحق ابن سعود عسير تهامة بمصير عسير السراة، وينتقص اليمن بذلك من اطرافها، ويقتطع اللحم السمين والثمين من جسمها، ويعترض مسيرتها التاريخية نحو اقامة دولتها المركزية الموحدة.

    لقد سجل عاما 1925 ـ 1926 اعظم الانتصارات التي حققتها حركة التحرير والتوحيد اليمنية، حيث تم خلال هذه الفترة الاستيلاء على تهامة في مواجهة كل اعداء اليمن، ورغم كل مؤامراتهم ومكائدهم.

    ولكن عام 1926 سجل أيضاً اعظم الهزائم التي منى بها حتى الآن الامام يحيى الذي كان يتزعم هذه الحركة التوحيدية اليمنية، ففي هذا العام، ونتيجة قصف سلاح الجو البريطاني انسحبت فصائل الجيش النظامي من بعض الامارات في جنوب اليمن، وأوقف الامام منذئذ والى الابد كل خطه الهجومي ضد الاحتلال البريطاني وفي هذا العام كان جيش التوحيد اليمني مضطراً ازاء التدخل غير المباشر لبريطانيا العظمى، وامام هجمات الجيش الموحد الادريسي ـ السعودي لأن ينسحب من أبو عريش في الشمال، بينما ادخلت بقية الامارة الادريسية في حماية سلطان نجد وملحقاتها، وبينما اوقف يحيى حميد الدين هجومه ضد الادارسة وضد ابن سعود إلى عام 1931. ومن عام 1926 إلى عام 1931 عمل ابن سعود على ترسيخ اقدامه في الامارة الادريسية محققاً بذلك مطامحه التوسعية في عسير تهامة، بعد عسير السراة، ومعترضاً بذلك خط حركة التوحيد اليمنية.

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-26
  3. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    شكرا أبو نبيل على هذه المعلومات التاريخية القيمة ، والجهد المبذول
    لكنك لم تذكر المصدر ، أو المصادر التي استقيت منها ..
    لأن هناك اختلاف بسيط في علاقات الأدارسة بآل حميد الدين من جهة ، وبآل سعود من جهة أخرى ، كما إن نفوذ الإنجليز كان أكبر مما ذكر ، بل إن مساعدتهم لآل سعود كان العامل الحاسم فيما آلت إليه الأمور فيما بعد ..
    هل كانت منطقة عسير وجيزان يمنيه ؟
    أظن أنه كان من الممكن أن يكونا كذلك ، لولا ما حصل من ظروف
    لك تحياتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-11-26
  5. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    عزيزي ابو لقمان
    المصادر كثيرة
    وشكرآ لك على أبداء رأيك في الموضوع وهذه تكمله للموضوع
    --------------------------------------------
    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] قارن فايسل حمر ص 270 ـ 271، وتويف ص 122.

    [2] قارن الريحاني ص 302، فايسل ص 250، وتويف ص 122 ـ 123.

    [3] قارن الريحاني ص 302 والعقيلي ص 245 ـ 246، والمقطم عدد 13783، في 22 ـ 5 ـ 1934(مقال لامين سعيد).

    [4] قان العقيلي ص246 ـ 247.

    [5] قارن "المقتطف" الجزء 78، في 1 ـ 3 ـ 1931، (من مقال للكاتب الاسترالي فريديريكروبرتس)

    [6] قارن العقيلي ص 246 ـ 247.

    [7] قارن فايسل ص 210، 212.

    [8] د. فخري ص 168.

    [9] قارن الريحاني ص 219، و"البلاغ" عدد 3506 في 17 ـ 6 ـ 1934.

    [10] قارن المقطم. عدد 11347، في 25 ـ 6 ـ 1926.

    [11] قارن العقيلي ص 247 ـ 248.

    [12] العقيلي ص 248 ـ 250.

    [13] تويف ص 122 ـ 123.

    [14] المصدر السابق و"المقطم" عدد 11210، في 14 ـ 1 ـ 1926.

    [15] قارن العقيلي ص 250 ـ 254، و"المقطم" السابق.

    [16]

    [17] فايسل ص 271.

    [18] قارن: خمسون عاماً في جزيرة العرب، حافظ وهبة، القاهرة 1960 ص77.

    [19] اقرأ نص مشروع المعاهدة وما يتعلق بها لدى حافظ وهبة المصدر السابق ص 78 ـ 83.

    [20] قارن العقيلي ص 271.

    [21] المصدر السابق ص 257.

    [22] قارن فايسل ص 250، وتويف ص 123، والعقيلي ص 258.

    [23] قارن العقيلي ص 259 ـ 260، والمقطم عدد 11210، في 14 ـ 1 ـ 1926.

    [24] قارن تويف ص 23 أو فايسل ص 250، والعقيلي ص 260، والمقطم عدد 11210 في 1 ـ 1 ـ 1926 اشار العقيلي في ص 272 إلى ان الاستيلاء على الحديدة من قبل اتباع الأمير علي لم يتم الا في رجب 1343هـ (حوالي 24 فبراير 1925) غير ان ذلك لا يتطابق مع الواقع، ويتناقض مع مجرى الاحداث، فالاستيلاء على الحديدة يجب ان يكون قد حدث عندما هرب مصطفى الادريسي.

    [25] قارن العقلي ص 260 ـ 261، والمقطم عدد 11210، في 14 ـ 1 ـ 1926، وفايسل ص 250.

    [26] قارن العقيلي ص 261 ـ 266، وفايسل ص 271.

    [27] قارن الوحدة العربية بين 1916 ـ 1945، القاهرة 1959 تأليف أحمد طوربين، ص 161 والكرملي ص 94 أشار ستيوارت وليمامز إلى انه تم الاستيلاء على باجل في مطلع 1924 (وليمامز، بريطانيا والدول العربية، القاهرة، ص 202) ولكني اميل إلى الرأي بأن ذلك لم يحدث الا بعد فشل انتفاضة مصطفى الادريسي، أي في نهاية 1924 تقريباً، وذلك ما يمكن فهمه أيضاً من عرض العقيلي، انظر ص 273.

    [28] قارن العظم ص 51.

    [29] قارن العقيلي ص 273.

    [30] قارن العقيلي ص 274، وتويف ص 173، والجرافي ص 233، و"الاستعمار البريطاني في جنوب الجزيرة العربية" محمد كمال عبد الحميد، القاهرة ص 190.

    [31] قارن العقيلي ص 250، وتويف ص 123، والعظم ص 37، وعبد الحميد ص 190،والعقيلي ص 273 وكتب العقيلي في نفس الصفحة ان الاستيلاء على الحديدة من قبل جيش الامام حدث بعد ان امضى الحاكم الادريسي عبد المطلب ستة أشهر ونصف في الحديدة، أي وفق حسابه من نهاية رجب 1343هـ إلى منتصف صفر 1344هـ (حوالي 24 ت 2 ـ 1925 ـ مطلع يونيه 1925) ولكن ذلك غير صحيح، ويتناقض مع المعلومات التالية التي اوردها المؤلف نفسه: فقط كتب في ص 273 ـ 274 ان عبد الله الوزير اخذ الحديدة بدون مقاومة، بعد ان كان عبد المطلب قد غادرها قبل ذلك بثلاثة أيام، وليس مستبعداً ان يكون الحاكم الادريسي قد غادر الحديدة في هذا الوقت بعد ان أدرك انه غير قادر على المقاومة، ولقد استندت إلى العظم في انه رغم ذلك قد حدثت اشتباكات بالقرب من مدرسة الصناعات في ظاهر مدينة الحدية بين جيش الامام وجنود الادارسة حتى دكت بعض معالمها دكاً، وذكر العظم انه شاهد بنفسه انقاض المدرسة (العظم نفس المصدر والصفحة).

    [32] قارن تويف ص 123، والعقيلي ص 275، والكرملي ص 94.

    [33] قارن العقيلي ص 274 ـ 275.

    [34] قارن المقطم عدد 12720، في 19 ـ 12 ـ 1930.

    [35] قارن بريموند ص92.

    [36] قارن العقيلي ص 276 ـ 280، وفايسل ص 256، كتب الأخير في ص 210 ان احتلال ميدي قد تم في سبتمبر 1925 غير اني اميل إلى رأي العقيلي الذي يعدم من قبل ريجة المقطم، ذلك ان مراسل الجريدة ارسل لأول مرة من عدن في 6 ـ 1 ـ 1926 نبأه احتلال ميدي من قبل الجيش اليمني، (المقطم، عدد 11209 في 13 ـ 1 ـ 1926).

    [37] قارن فايسل ص 191 ـ 192.

    [38] قارن قوانراد ص 45 فيما بعد ـ كتب فايسل في ص 209 عن موقف الامام يحيى ازاء ابن سعود والشريف حسين أثناء احتلال الحجاز الاتي: "بقي الامام يحيى محايداً، وبالذات عندما دعاه الحسين عام 1924 لمساعدته ضد ابن سعود،ولكنه لم يفهم كيف يستغل الوضع الفريد فبدلاً من مهاجمة ابن سعود من الظهر، وبدلاً من ان يملي على الفريقين معاً ـ القائد الوهابي وشريف مكة ـ شروط الصلح، ظل يحسب في عمى غير قابل للفهم: "سوف يطوح ابن سعود بالملك حسين ولكنه هو بالذات كوهابي سوف يكره ويخشى من قبل كل المحمديين في العالم، إلى حد انه لا يمكن ان يصبح ملكاً لمكة، حينئذ سأكون الحاكم العربي الوحيد المنحدر من عسيرة النبي ـ إذ ان ابن سعود لا يعدو ان يكون بدوياً ـ ومكة سوف تسقط في يدي بدون أي جهد."

    من الجائز ان يكون لدى الامام يحيى مثل هذا التصور، ولكني لا اشاطر المؤلف رأيه في انه كان في امكان الامام في هذا الوقت ان يضرب الفريقين، اولاً لانه في ذات الوقت الذي بدأ فيه ابن سعود في احتلال الحجاز، مع نهاية 1924، كان يحيى حميد الدين يحاول تصفية الامارة الادريسية في تهامة. وكان يمكن ان يرتكب مغامرة عسكرية وسياسية، لو انه تحرك في هذا الوقت ضد الفريقين، أو ضد ابن سعود، ولم يتم الاستيلاء على الحجاز من قبل عبد العزيز بدون موافقة بريطانيا العظمى، وذلك ما ادركه يحيى أيضاً.

    وفي هذا الصدد كتب امين سعيد بان ابن حميد الدين سأل شخصية قادمة من مكة عن حال الشريف، وعما إذا كان لديه علم عن عملية التعبئة التي قام بها ابن سعود من أجل احتلال الحجاز، وقد ردت هذه الشخصية بالنفي، واخرج الامام رسالة من تحت مخدته كان قد استلمها من الذين يرصدون له الاحداث في الحجاز، واخبره عن هذه الحملة المعدة لاخذ الحجاز، عن اسلحتها، قادتها، عددها، وغير ذلك. (قارن: ملوك المسلمين المعاصرين ودولهم، امين سعيد، القاهرة 1933 ص 191)

    لقد اراد يحيى من ناحية تركيز قواه لكسر الامارة الادريسية. وكان من ناحية أخرى مهتماً بوضع اليمن كلها تحت سلطانه، قبل ان يقود سياسة توسعية، وفوق ذلك فأن ابن حميد الدين لم يبق محايداً، عندما غدا الحجاز مهدداً بالسقوط في يد ابن سعود، ففي 3 ـ 4 ـ 1344هـ (21 ـ 10 ـ 1925) ارسل خطاباً إلى الملك علي في الحجاز والى ابن سعود طالبهما فيه بقبول جهوده السلمية لانهاء الحرب وعقد تصالح بينهما، ولهذا الغرض فأنه ابلغهما بأنه سيرسل على الفور وفداً خاصاً، وقد وافق الملك علي واجاب عبد العزيز بأنه موافق على ارسال الوفد للاشتراك في المؤتمر الإسلامي المعلن عنه، والذي ينبغي ان يبحث امكانية إيجاد ادارة دولية للحجاز، (قارن الخطيب المصدر الاسبق، ص 111، ونص خطاب الامام لدى امين سعيد في المصدر السابق ص19).

    وقد بادر الامام يحيى الذي كان مهتماً بألا يمد ابن سعود سلطاته الى الحجاز إلى ارسال مبعوثه ـ حسين عبد القادر حاكم الحديدة ـ إلى الحجاز، (قارن المقطم، عدد 11363، في 10 ـ 7 ـ 1926).

    ولكن عبثاُ، ذلك ان جدة استسلمت في 23ديسمبر 1925،وذهب علي صوب العراق إلى اخيه فيصل، وفي 25 ـ 12 ـ 1925 اعلنت عبد العزيز انتهاء الحرب، ولاعطاء احتلاله للحجاز صبغة شرعية، فأنه اعلنت نفسه في 8 يناير 1926 ملكاً للحجاز، وبذلك سقطت فكرة عقد المؤتمر الإسلامي ) انظر قونراد ص 61).

    واهتم الوفد اليمني من ثم، ببحث المشاكل الخاصة بين البلدين مع الوهابيين.

    [39] قارن: قلب جزيرة العرب فؤاد حمزة القاهرة 1933 ص 391 كان طموح ابن سعود نحو بناء دولة عربية مركزية من الناحية الموضوعية ملية تقدمية، غير ان الحاكم الاقطاعي لنجد استند لتحقيق هذه المهمة بمقاييس متصاعدة على بريطانيا العظمى، وفي هذا التطلع السياسي نحو الخارج.

    [40] قارن القطم عدد 11363، في 10 ـ 7 ـ 1926 إلى العدو الرئيسي للشعب العربي، يكمن الاختلاف بين سياسة ابن سعود وسياسة الامام يحيى، وبينما اصطدمت اجراءات الامام لتوسيع دائرة حكمه بالمقاومة المريرة للاستعماريين البريطانيين، فقد لقيت مطامح ابن سعود التوسعية تجاه اليمن الدعم المكشوف من قبل الامبريالية الانجليزية.

    <span lang=AR
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-11-26
  7. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    مشكور وما قصرت أخي أبو نبيل .. جهد عظيم يستحق التقدير ..
    الفقرة رقم (40) ، هي الزبدة ، والجواب الشافي لتساؤلك
    بل هي السبب إلى ما آلت إليه الأمورفيما بعد ، ولا يجب أن نغفل أن الإمام يحي لم يكن يملك من الطموح ما يملكه ابن سعود بالرغم من الفرص التي أتيحت له ..
    لك تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة