كيف عامل الرسول الأطفال؟

الكاتب : أبوسلطان1   المشاهدات : 612   الردود : 3    ‏2007-10-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-10-09
  1. أبوسلطان1

    أبوسلطان1 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-30
    المشاركات:
    118
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    هذا للموضوع للدكتور: الحبر يوسف نور الدائم
    أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الخرطوم


    من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة ونعمة مسداة ومنحة تفضل بها الله سبحانه وتعالى العالمين قال تعالي ( وما أرسالناك إلا رحمة للعالمين ). ولقد امتدت رحمته وشفقته وحنانه ليشمل كل ذات كبد رطب فقد رأى بعيراً لحق بطنه بظهره من الهزال فرقّ له وقال إن الله قد كتب لكم هذه البهائم فكلوها طيبة واركبوها طيبة وكانوا إذا نزلوا في سفر أمرهم الا يصلوا حتى يريحوا الراوحل. فماذا يتوقع من قلب كبير كقلبه صلوات الله وسلامه عليه في تربية الأطفال ومعاملتهم ، إنه قلب الذي يفيض رحمة وحنانا ، ويفيض شفقة ورفقا ، ويسكب ودا ومحبة ، كان الصحابة رضوان عليهم اذا ولد لهم مولود أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم التماسا للبركة والخير والتزكية . ولولا أنهم كانوا يعلمون عنه رحمته بالصغار وبره بهم لما اثقلوا عليه بخطهم لهم في حجره صلوات الله وسلامه عليه. روى الشيخان عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة ودفعه إلى.


    وكان صلى الله عليه وسلم لا يألوا جهداً في إكرام الصغير ، والعناية به ، وحسن المصانعة له ، واللطف به . كان يقول فيما رواه البخاري رضي الله عنه ( مع الغلام عقيقة فاهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى ).


    وكان يغير الأسماء القبيحة حتي لا يشب الوليد وفي نفسه حسرة وفي قلبه عقدة مما يجره عليه الاسم القبيح من تأثير .


    وبلغ من سماحته وتلطفه وسجاحته أنه كان يكني الصغار إكباراً لهم وتوقيراً، وإشعاره لهم أنهم ليسوا بأقل منزلة من الكبار حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال كانت لهم شخصياتهم المتفردة، وذاتياتهم المتميزة.



    أكنيه حين أناديه لأكرمه =ولا ألقبه والسوأة اللقب

    1 أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوأة iiاللقب




    قال أنس بن مالك ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يلعب بنغير له فإذا جاء قال له ( يا أبا عمير ما فعل النغير ).


    وكانت مداعباته صلوات الله عليه وسلامه عليه مما يحفر علي ظهور القلوب الغضة وصفحات الذواكر الناضرة فتبقي مابقي أصحابها ..... يفني الدهر ولا تفنى، ويشيب الرأس ولا تشيب، قال رافع بن خديج رضي الله عنه ( عقلت وأنا ابن خمس مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه في وجهي ) أرايت سماحة أبر وأوفى لم يستكف صلوات الله وسلامه عليه وهو سيد الخلق، وخاتم الأنبياء من أن يلاطف هذا الصبي ويداعبه فضرب بذلك مثلاً باذخا علي الخلق العظيم، والسماحة المتناهية ، والتواضع الجم ، وحفظها له الصبي وذكرها وقد أشتد عوده واستوى.


    وكان الغلمان أكثر شيء تعلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما يجدونه عنده من بر واسع ورحمة فضفاضة... كان إذا أقبل من سفر استقبله الصبيان فحمل بعضهم بين يديه ، وبعضهم خلفه وكان يأمر أصحابه أن يفعلوا مثله ، كان يقبل ويضم ويشم ، ولقد أنكر عليه بعض الأعراب ذلك وكانوا حفاة جفاة غلاظ، غلب الرقاب، فلم يلتفت النبي ولم يأبه ، قال أحدهم ( أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أو أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ) وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قبل رسول الله الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع: ( إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم لا يُرحم ) .


    ولقد شوهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ... يبكي لغلام يفارق الحياة غضا طريا فأستعظموا ذلك وقالوا حتى أنت يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( أنها رحمة جعلها في قلوب من يشاء من عباده ).


    ولم تكن معاملته صلى الله عليه وسلم للصبيان عند ذلك الحد من ملاعبة وملاطفة، وشم وتقبيل بل تجاوزت ذلك الي التربية النافعة، والتوجيه السديد، فلا يكفي أن نظهر لاولادنا عاطفة حانية، ورحمة متدفقة، وبراً مسكوباً بل لا بد أن يكون ذلك مشفوعا بالكلمة الموجهة، والإشارة المؤدبة، روى الشيخان عن عمر بن أبى سلمة قال: ( كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك. وأردف غلاما فقال له ( يا غلام اسمع مني كلمات أعلمهن؛ أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك وأعلم لو أن الأمة اجتمعت علي أن ينفعوك بشئ لا ينفعوك الا بشيء قد كتبه لك ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه عليك ). وقد أثمرت هذه التربية الفضلى، والتوجيه الحكيم ثمارا يانعات، وقطوفا دانيات. وذلك إذ أشرقت الأرض بنور ربها وولدت أفرادا ممتازين كل واحد منهم أمة بذاتها ، وقبيلة برأسها ... أفراد بشر أسوياء يمشون علي الأرض مطمئنين وأبصارهم إلي السماء علو همة ، ورفعة شأن . ورحم الله نابغة بني جعده إذ يقول :



    بلغنا السماء مجدنا وسناءنا =وإنا لنرجو فوق ذاك ظهورا

    1 بلغنا السماء مجدنا iiوسناءنا وإنا لنرجو فوق ذاك ظهورا




    فقال الرسو ل صلى الله عليه وسلم إلي أين يا أبا ليلى فقال إلى الجنة بك يا رسول الله، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا فض الله فوك ).


    وهكذا عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم للأطفال قدرهم، وحفظ لهم قدرهم في العطف والحنان ، والرعاية والتوجيه . وبلغ ذلك أنه كان يستأذنهم إذا كان في المجلس من هو أسن منهم فأن أبوا لم يحملهم علي شئ يكرهونه . روي الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام لا والله لا اؤثر بنصيبي منك احد ) فتله رسوله صلى الله عليه وسلم في يده(1)


    هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم رفقا وأناة، وبرا وكرما، وتوجيها وتاديبا. ثم توالت الايام وتعاقبت الأجيال، ونجمت من الناس قرون . ونظر المسلمون الأوائل في تاريخهم نظرة متأنية فاحصة, وبحثوا ما عندهم من عقيدة وعلم وتراث ، فأكبروا ما تحت أيديهم من ثروة باذخة مضياف فأقبلوا عليها إقبال نهم مقرور فأصدرتهم جميعا ... فكان فيها مندوحة وسعة وشبع وري ، وكفاية وغناء ، وذلك أنها علمتهم أن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها فأبواب العلم مفتوحة ونوافذه مشرعة ولا تضييق ولا تعنت ولا تحنيط وما عندهم من كئوس دهاق وجفان مترعات لا تضيق ذرعا بالزيادة النافعة ، والإضافة المفيدة فالنصوص متناهية والحوادث متجددة ، والتجارب في اضطراد لا يقف ، وتقدم لا يقطف(2)، فكانت لهم في تربية الأولاد آراء مبدعات ، ونظرات ثواقب . منها ما يقدمه لنا ابن سينا(3) في كتابه القانون وذلك إذ يقول : يجب أن تكون العناية مصروفه الي مراعاة أخلاق الصبي ، وذلك بأن يحفظ كيلا يعرض له غضب شديد أو خوف شديد أو غم أو سهر ، وذلك بتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه فيقرب إليه ، وما الذي يكرهه فينحى عن وجهه لا استجابة لأمره ولكن تيسيرا للحياة عليه وفي ذلك منفعتان : أحدهما لنفسه ، والثانية لبدنه إذ ينشأ من طفولته حسن الأخلاق تبعا لحسن مزاجه ، فالأخلاق الحسنة تابعة لصفاء المزاج والأخلاق الرديئة تابعة لسؤ المزاج ، وحسن الأخلاق يحفظ الصحة للنفس والبدن جميعا . إذا انتبه الصبي من نومه فالأحرى أن يستحم ثم يخلى بينه وبين اللعب ساعة ثم يطعم شيئا يسيرا ثم يطلق له اللعب وقتا أطول ثم يستحم ثم يغذى، وإذا بلغ ست سنوات فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم ويدرج أيضا في ذلك فلا يحمل ملازمة الكتاب كرة واحدة ، وبتقدم السن ينقص من أحجامهم ويزاد في تعبهم(4)


    ولي علي هذا النص ملاحظات منها أن ابن سينا يهتم بالصحة النفسية والبدنية للأطفال ، وأما الآن فالعناية موجهة الي البدن وفي هذا الاتجاه ما فيه من خطر وخطل فقد ثبت أن المرض النفسي متعلق بالضرورة بالمرض العضوي ثم ما فائدة بدن صحيح ونفس معتلة إن سلمنا أن ذلك مما يقع ؟ أفلا يكون الجسد القوي مع النفس المعلولة سببا للجريمة والانحراف ؟


    ثم هذا الاهتمام باللعب من ابن سينا أنما يدل علي خبرة وتجربة وحنكة في ميدان التربية . ولقد أباح صلوات وسلامه عليه اللعب واللهو البرئ حتى للكبار لتعلم يهود أن في ديننا فسحة وذلك إذ أخذ الحبشة يلعبون برماحهم في ساحة المسجد فشجعهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: ( دونكم بني أرفدة، دونكم بني ارفدة)(5).


    وما روى الشيخان أيضا أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى عائشة تلعب في ساحة المسجد وكان يقول ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ), ولم يعد اللعب ترفا في مجال التربية وأنما هو ضرورة ملحاح(6).


    وأخيراً هذا الاهتمام المبكر بالطفل فقد ثبت أن السنوات الاولي في حياة الطفل سنوات ذات قيمة كبرى في مستقبل حياته. وأن حقائق الحياة أو الخبرة الحسية تتفاعل مع عقل الإنسان حين تكوينه فيبدأ الأسئلة في محاولة لحل الألغاز التي تواجه في سن مبكرة جدا ( دون الثالثة والخامسة )(7)


    وأذا تجاوزنا ابن سينا بيسير طالعنا الأمام الغزالي الذي كان ـ رحمه الله ـ يرى أن الطريق في رياضة الأطفال من أهم الأمور وأوكدها وأن الطفل أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُود الخير ونشأ عليه سعد في الدنيا والآخرة وشاركه الصواب أبواه وكل معلم له.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-10-09
  3. أبوسلطان1

    أبوسلطان1 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-30
    المشاركات:
    118
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    هذا للموضوع للدكتور: الحبر يوسف نور الدائم
    أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الخرطوم


    من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة ونعمة مسداة ومنحة تفضل بها الله سبحانه وتعالى العالمين قال تعالي ( وما أرسالناك إلا رحمة للعالمين ). ولقد امتدت رحمته وشفقته وحنانه ليشمل كل ذات كبد رطب فقد رأى بعيراً لحق بطنه بظهره من الهزال فرقّ له وقال إن الله قد كتب لكم هذه البهائم فكلوها طيبة واركبوها طيبة وكانوا إذا نزلوا في سفر أمرهم الا يصلوا حتى يريحوا الراوحل. فماذا يتوقع من قلب كبير كقلبه صلوات الله وسلامه عليه في تربية الأطفال ومعاملتهم ، إنه قلب الذي يفيض رحمة وحنانا ، ويفيض شفقة ورفقا ، ويسكب ودا ومحبة ، كان الصحابة رضوان عليهم اذا ولد لهم مولود أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم التماسا للبركة والخير والتزكية . ولولا أنهم كانوا يعلمون عنه رحمته بالصغار وبره بهم لما اثقلوا عليه بخطهم لهم في حجره صلوات الله وسلامه عليه. روى الشيخان عن أبي موسى قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة ودفعه إلى.


    وكان صلى الله عليه وسلم لا يألوا جهداً في إكرام الصغير ، والعناية به ، وحسن المصانعة له ، واللطف به . كان يقول فيما رواه البخاري رضي الله عنه ( مع الغلام عقيقة فاهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى ).


    وكان يغير الأسماء القبيحة حتي لا يشب الوليد وفي نفسه حسرة وفي قلبه عقدة مما يجره عليه الاسم القبيح من تأثير .


    وبلغ من سماحته وتلطفه وسجاحته أنه كان يكني الصغار إكباراً لهم وتوقيراً، وإشعاره لهم أنهم ليسوا بأقل منزلة من الكبار حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال كانت لهم شخصياتهم المتفردة، وذاتياتهم المتميزة.



    أكنيه حين أناديه لأكرمه =ولا ألقبه والسوأة اللقب

    1 أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوأة iiاللقب




    قال أنس بن مالك ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يلعب بنغير له فإذا جاء قال له ( يا أبا عمير ما فعل النغير ).


    وكانت مداعباته صلوات الله عليه وسلامه عليه مما يحفر علي ظهور القلوب الغضة وصفحات الذواكر الناضرة فتبقي مابقي أصحابها ..... يفني الدهر ولا تفنى، ويشيب الرأس ولا تشيب، قال رافع بن خديج رضي الله عنه ( عقلت وأنا ابن خمس مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه في وجهي ) أرايت سماحة أبر وأوفى لم يستكف صلوات الله وسلامه عليه وهو سيد الخلق، وخاتم الأنبياء من أن يلاطف هذا الصبي ويداعبه فضرب بذلك مثلاً باذخا علي الخلق العظيم، والسماحة المتناهية ، والتواضع الجم ، وحفظها له الصبي وذكرها وقد أشتد عوده واستوى.


    وكان الغلمان أكثر شيء تعلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما يجدونه عنده من بر واسع ورحمة فضفاضة... كان إذا أقبل من سفر استقبله الصبيان فحمل بعضهم بين يديه ، وبعضهم خلفه وكان يأمر أصحابه أن يفعلوا مثله ، كان يقبل ويضم ويشم ، ولقد أنكر عليه بعض الأعراب ذلك وكانوا حفاة جفاة غلاظ، غلب الرقاب، فلم يلتفت النبي ولم يأبه ، قال أحدهم ( أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أو أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ) وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قبل رسول الله الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع: ( إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم لا يُرحم ) .


    ولقد شوهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ... يبكي لغلام يفارق الحياة غضا طريا فأستعظموا ذلك وقالوا حتى أنت يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( أنها رحمة جعلها في قلوب من يشاء من عباده ).


    ولم تكن معاملته صلى الله عليه وسلم للصبيان عند ذلك الحد من ملاعبة وملاطفة، وشم وتقبيل بل تجاوزت ذلك الي التربية النافعة، والتوجيه السديد، فلا يكفي أن نظهر لاولادنا عاطفة حانية، ورحمة متدفقة، وبراً مسكوباً بل لا بد أن يكون ذلك مشفوعا بالكلمة الموجهة، والإشارة المؤدبة، روى الشيخان عن عمر بن أبى سلمة قال: ( كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك. وأردف غلاما فقال له ( يا غلام اسمع مني كلمات أعلمهن؛ أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك وأعلم لو أن الأمة اجتمعت علي أن ينفعوك بشئ لا ينفعوك الا بشيء قد كتبه لك ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه عليك ). وقد أثمرت هذه التربية الفضلى، والتوجيه الحكيم ثمارا يانعات، وقطوفا دانيات. وذلك إذ أشرقت الأرض بنور ربها وولدت أفرادا ممتازين كل واحد منهم أمة بذاتها ، وقبيلة برأسها ... أفراد بشر أسوياء يمشون علي الأرض مطمئنين وأبصارهم إلي السماء علو همة ، ورفعة شأن . ورحم الله نابغة بني جعده إذ يقول :



    بلغنا السماء مجدنا وسناءنا =وإنا لنرجو فوق ذاك ظهورا

    1 بلغنا السماء مجدنا iiوسناءنا وإنا لنرجو فوق ذاك ظهورا




    فقال الرسو ل صلى الله عليه وسلم إلي أين يا أبا ليلى فقال إلى الجنة بك يا رسول الله، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا فض الله فوك ).


    وهكذا عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم للأطفال قدرهم، وحفظ لهم قدرهم في العطف والحنان ، والرعاية والتوجيه . وبلغ ذلك أنه كان يستأذنهم إذا كان في المجلس من هو أسن منهم فأن أبوا لم يحملهم علي شئ يكرهونه . روي الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال الغلام لا والله لا اؤثر بنصيبي منك احد ) فتله رسوله صلى الله عليه وسلم في يده(1)


    هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم رفقا وأناة، وبرا وكرما، وتوجيها وتاديبا. ثم توالت الايام وتعاقبت الأجيال، ونجمت من الناس قرون . ونظر المسلمون الأوائل في تاريخهم نظرة متأنية فاحصة, وبحثوا ما عندهم من عقيدة وعلم وتراث ، فأكبروا ما تحت أيديهم من ثروة باذخة مضياف فأقبلوا عليها إقبال نهم مقرور فأصدرتهم جميعا ... فكان فيها مندوحة وسعة وشبع وري ، وكفاية وغناء ، وذلك أنها علمتهم أن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها فأبواب العلم مفتوحة ونوافذه مشرعة ولا تضييق ولا تعنت ولا تحنيط وما عندهم من كئوس دهاق وجفان مترعات لا تضيق ذرعا بالزيادة النافعة ، والإضافة المفيدة فالنصوص متناهية والحوادث متجددة ، والتجارب في اضطراد لا يقف ، وتقدم لا يقطف(2)، فكانت لهم في تربية الأولاد آراء مبدعات ، ونظرات ثواقب . منها ما يقدمه لنا ابن سينا(3) في كتابه القانون وذلك إذ يقول : يجب أن تكون العناية مصروفه الي مراعاة أخلاق الصبي ، وذلك بأن يحفظ كيلا يعرض له غضب شديد أو خوف شديد أو غم أو سهر ، وذلك بتأمل كل وقت ما الذي يشتهيه فيقرب إليه ، وما الذي يكرهه فينحى عن وجهه لا استجابة لأمره ولكن تيسيرا للحياة عليه وفي ذلك منفعتان : أحدهما لنفسه ، والثانية لبدنه إذ ينشأ من طفولته حسن الأخلاق تبعا لحسن مزاجه ، فالأخلاق الحسنة تابعة لصفاء المزاج والأخلاق الرديئة تابعة لسؤ المزاج ، وحسن الأخلاق يحفظ الصحة للنفس والبدن جميعا . إذا انتبه الصبي من نومه فالأحرى أن يستحم ثم يخلى بينه وبين اللعب ساعة ثم يطعم شيئا يسيرا ثم يطلق له اللعب وقتا أطول ثم يستحم ثم يغذى، وإذا بلغ ست سنوات فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم ويدرج أيضا في ذلك فلا يحمل ملازمة الكتاب كرة واحدة ، وبتقدم السن ينقص من أحجامهم ويزاد في تعبهم(4)


    ولي علي هذا النص ملاحظات منها أن ابن سينا يهتم بالصحة النفسية والبدنية للأطفال ، وأما الآن فالعناية موجهة الي البدن وفي هذا الاتجاه ما فيه من خطر وخطل فقد ثبت أن المرض النفسي متعلق بالضرورة بالمرض العضوي ثم ما فائدة بدن صحيح ونفس معتلة إن سلمنا أن ذلك مما يقع ؟ أفلا يكون الجسد القوي مع النفس المعلولة سببا للجريمة والانحراف ؟


    ثم هذا الاهتمام باللعب من ابن سينا أنما يدل علي خبرة وتجربة وحنكة في ميدان التربية . ولقد أباح صلوات وسلامه عليه اللعب واللهو البرئ حتى للكبار لتعلم يهود أن في ديننا فسحة وذلك إذ أخذ الحبشة يلعبون برماحهم في ساحة المسجد فشجعهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: ( دونكم بني أرفدة، دونكم بني ارفدة)(5).


    وما روى الشيخان أيضا أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى عائشة تلعب في ساحة المسجد وكان يقول ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ), ولم يعد اللعب ترفا في مجال التربية وأنما هو ضرورة ملحاح(6).


    وأخيراً هذا الاهتمام المبكر بالطفل فقد ثبت أن السنوات الاولي في حياة الطفل سنوات ذات قيمة كبرى في مستقبل حياته. وأن حقائق الحياة أو الخبرة الحسية تتفاعل مع عقل الإنسان حين تكوينه فيبدأ الأسئلة في محاولة لحل الألغاز التي تواجه في سن مبكرة جدا ( دون الثالثة والخامسة )(7)


    وأذا تجاوزنا ابن سينا بيسير طالعنا الأمام الغزالي الذي كان ـ رحمه الله ـ يرى أن الطريق في رياضة الأطفال من أهم الأمور وأوكدها وأن الطفل أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُود الخير ونشأ عليه سعد في الدنيا والآخرة وشاركه الصواب أبواه وكل معلم له.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-10-09
  5. سالم بن سميدع

    سالم بن سميدع قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-03-20
    المشاركات:
    27,619
    الإعجاب :
    2
    ما دامه زول

    اكيد رح يكون موضوعه رائع

    مثل ما نقلته اناملع الرائعه

    :)
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-10-09
  7. سالم بن سميدع

    سالم بن سميدع قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-03-20
    المشاركات:
    27,619
    الإعجاب :
    2
    ما دامه زول

    اكيد رح يكون موضوعه رائع

    مثل ما نقلته اناملع الرائعه

    :)
     

مشاركة هذه الصفحة