حالتنا الشعرية : تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام (قول لماركس)

الكاتب : آناستازيا   المشاهدات : 771   الردود : 0    ‏2007-10-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-10-08
  1. آناستازيا

    آناستازيا عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-25
    المشاركات:
    245
    الإعجاب :
    0

    حالتنا الشعرية : تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام (قول لماركس)

    نبيل عودة
    كثرت الاجتهادات الشعرية في الأداب العالمية لتفسير معنى الشعر , أو لأعطاء مقاربة تكشف المضمون الحقيقي للشعر . ولو اني لست من المهتمين بهذة التفسيرات وأرى فيها انشغالاً غير مجد , الا أن بعض التفسيرات تظهر المستوى المتدني للوعي الشعري , وللأسف اصحابها يرفلون بملابس أدبية ونقدية أوسع كثيراً من حجم اجسامهم وأكثر امتداداً من ارتفاع قاماتهم , والاساسي في الموضوع , أن ما يطرحونه من تفسيرات , سطحي ومتيبس فكراً , ويعتمد احياناً على دلالات تراثية , جميلة بحد ذاتها , ولكنها لا تخرج عن كونها صيغة جمالية , بعيدة عن التفسير الحضاري لمفهوم الشعر ومضمونه , وهذا يؤكد سطحية التفكير ورعونته , والابتذال في الفهم الجمالي , الأمر الذي يحط من القيم الروحية للأنسان , ويهبط الى مستويات من الفهم المحدود , السوقي الضيق .

    إن الابتذال في الفهم الأدبي , هو من أخطر الأجتهادات الثقافية , ويقود الى التستر بالأقوال الطنانة المنمقة على الغالب, أو التستر بالحكمة الكاذبة , ويجيئني قول لكارل ماركس عن الاجتهادات الثقافية المماثلة التي عملياً لم تتوقف منذ بدأ العقل البشري مسيرته الفكرية , إذ وصف ماركس الابتذال في التفكير بـ تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام وهذا ما يفسر الكثير من مجريات حياتنا الثقافية اليوم ابداعاً ونقداً.

    مثلاً وصف احدهم الشعر بأنه يعبر عن احاسيس الإنسان الداخلية

    المفهوم العلمي للأحاسيس , أنها صيغة أخلاقية تتعلق بالجانب الإنفعالي العاطفي للأنسان وهي تمثل الجانب الذاتي للفرد (الاندفدوال) , أي انها ليست ظاهرة متشابهة في نتائجها لدى جميع البشر . إذن النقطة الأولى , لو كان مفهوم الشعر هو فقط التعبير عن أحاسيس الإنسان الداخلية ..


    لأصبحنا كلنا شعراء . الأحاسيس لها قيمة ذاتية قد تضيف لجمالية التعبير , ولكن من المبتذل إعتماد هذه الصيغة لتفسير ظاهرة ادبية هامة مثل الشعر ... لأن الأحاسيس يكتسبها الأنسان غريزياً , ولا يمكن للغرائز أن تصبح التفسير المعتمد الواعي لمفهوم الشعر , حسب ما قرر البعض انطلاقاً من ذاتيتة وقصور وعيه ,والكثيرون يذهبون للاستشهاد ببيت شعر لمحمد الفراتي الذي يقول فيه :

    ما الشعر الا شعور المرء يرسله

    عفو البديهة عن صدق وإيمان


    لو استعرضنا الشعر الذي يكتب في هذه الايام , لما وجدنا حتى شعور أنما كتابة من خارج الذاتية الفردية والأنسانية , ومن خارج المشاعر , أي بغياب لأبسط شروط الأبداع , أي أبدع كان وليس الشعر تحديداً ورأيت من المفيد في هذه المداخلة , القابلة للنقاش الفكري والتطوير , أن أطرح ما قاله احد شعراء العربية الكبار , الذين أجزم أنه لا خلاف على , شاعريتهم ومكانتهم الشعرية في الثقافة العربية المعاصرة , وأقصد الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري . صاحب دواوين شعرية لا تنسى عاشق من أفريقيا وأغاني افريقيا وأحزان افريقيا ومنذ فترة غير بعيدة أصدر ديوانه الشعري الجديد.

    يقول الفيتوري :نحن كشعراء في هذا العصر , فقدنا أنفسنا وفقدنا علاقتنا بالواقع الاجتماعي , وفقدنا قيمنا الانسانية , ولم نعد نمثل شيئاً على الأطلاق , لذلك يزعم بعض المدعين انهم شعراء . أنهم مجرد ضباب ومجرد فراغ , يسيرون في الهواء الطلق بدون ماض , وبدون مستقبل لو قرأت هذا التقييم بدون اسم الفيتوري , لظننت ان كاتبه اديب محلي يقلقه ما يدور في ثقافتنا العربية داخل اسرائيل , وخاصة في شعرنا

    الفيتوري يتحدث عن الواقع الشعري العربي , وهو بالتأكيد أفضل مئات المرات من الواقع الشعري والفوضوي العربي المحلي (داخل اسرائيل) الشعر الذي ينشر هو شعر بالتشبية الشكلي فقط , حتى لو اجتهد المجتهدون في الصاقة بالشعر , ورفع شأن أصحابه والكتابه الساذجة ( النقدية ؟ ), والأطناب والتوسل والتسول من القراء للحصول على بعض المصداقية في الافتراء الممارس . هل بالصدفة ان الفيتوري يعلن بقوة ساقطون نحن الشعراء كلنا لأنه في هذا الزمن الساقط يسقط كل شيء حتى الشعراء ؟

    أرجو أن يفهم القراء مواقف الفيتوري ومواقفي بالمفاهيم النسبية , أي ان الموقف ليس موقفاً مطلقاً إنما موقف يدعي غياب الشعر عن الأكثرية المطلقة لما ينشر عنوة تحت هذ ا الباب.

    يقول الفيتوري الشعر لا بد أن يكون له قضية , الشعر لا ينبع من الفراغ والشعر لا ينبع من الأرض فقط , بل ينبع من الأنسان والتصاقة بالأرض والتراب , والشعر في هذا التصور ينبع من البحث في الشكل الشعري عملياً يضع الفيتوري الوعي الانساني سابقاً لكل احساس غريزي ويقول كلنا ساقطون بنسب متفاوته في هذا العصر ويعطي نموذجاً هاماً عن الشعر الذي يبقى على مدى العصور , من المتنبي حتى عصر أحمد شوقي الى عصر شعراء المهجر جبران ونعيمة ونسيب عريضة وأبو ماضي , ويقول : عندما نقرأ هؤلاء الشعراء نجد أنهم لا يغادرون مجتماعتهم ... ليس بالجسد , لكن بالفكر ... وليس بالروح ولكن بالواقع , كانوا دائماً ضمن حركة المجتمع الأنساني والمجتمع العربي والمجتمع الفكري , لذلك وجدوا في التاريخ واستطاعوا أن يغيروا ويقول : كشعراء اصبحنا مثل المغنين في هذا العصر ,مثل راقصات هذا العصر , مثل جماعات ال فيديو كليب يعتمدون على ايقاعات , على سيقان وعلى أفخاذ ثم لا شيء , إلا ابتسامات باهته ورؤوس محنطة وافكار ساقطة ورؤى مضمحلة وتوجهات نحو عصر خاو من الابداع , من الروعة , من الجمال ومن القيم الحقيقية للأنسان لن أعط نماذج محلية , حتى لا أواجه بالشتم والقذف والتهجمات من بعض صعاليق النقد والشعر , رغم اني لست ممن يجفلون من الحثالات الادبية , ولكن باستطاعته القارىء أن يجبر نفسه على قراءة ما ينشر تحت صيغة الشعر ويقارنه ، ليس بما يقوله نبيل عودة أنما بما يقوله محمد الفيتوري أكبر شعراء عصرنا .

    إذن الاكتفاء بالجملة المسكينة ان الشعر عبارة عن مجرد احاسيس هي تسطيح للشعر وتسخيف للأبداع وليس غرابة في هذا العصر الساقط , سياسياً واجتماعياً وادبيا ودينياً , أن يسقط الشعر والشعراء ايضاً . وان لا يبقى الا بعض التافهين يتصارعون على السلطة في روما قبل سقوط الإمبراطورية النهائي.
     

مشاركة هذه الصفحة