التعددية الحزبية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، وأنظمة الحكم المعاصرة

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 3,030   الردود : 1    ‏2007-09-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-30
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    وكنت قد نقلت منه مقاطع في نقاشي مع بعض الاخوة في المجلس الاسلامي وانا الان اورد الموضوع بكامله وانقله من موقعه الاصلي هنا للفائدة والاطلاع
    وهذا رابطه :http://www.palestine-info.info/arabic/books/2006/musheer/mush10.htm

    التعددية الحزبية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، وأنظمة الحكم المعاصرة



    ويتكون من خمسة مطالب:



    المطلب الأول: مفهـوم الحزبيـة

    المطلب الثاني: الأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي

    المطلب الثالث: حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية

    المطلب الرابع: حكم التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة

    المطلب الخامس: الموقف من الأحزاب غير الإسلامية





    المطلب الأول

    مفهـوم الحزبيـة، ووظائفها

    أولاً: مفهوم الحزبية:

    الحزب في اللغة:

    الحِزْبُ: جماعة الناس؛ وحِزْبُ الرجل: أصحابه وجنده الذين مع رأيه؛ والجمع: أحزاب؛ والأحزاب: جنود الكفار، تألبوا وتظاهرا على حزب النبي r، وفي الحديث: " اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْهُمْ "([1]).

    والحِزْبُ: الصنف من الناس، قال ابن الأعرابي: الحزب الجماعة، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم، فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضاً([2]).

    والحِزْبُ أيضا: الطائفة من الناس، وتَحَزَّبُوا: تجمعوا وصاروا أحزاباً، وفي حديث ابن الزبير رضي الله عنهما: " يُرِيدُ أَنْ يُحَزِّبَهُمْ "([3])، أي يقويهم ويشد منهم، ويجعلهم في حزبه، أو يجعلهم أحزاباً([4]).

    الحزب السياسي في الاصطلاح:

    تعددت تعريفات الحزب السياسي بين المفكرين، وكان من أهمها ما يلي:

    1. ما عرفه فرنسوا غوغيل وهو: " مجموعة منظمة للمشاركة في الحياة السياسية، بهدف السيطرة كلياً أو جزئياً على السلطة، دفاعاً عن أفكار ومصالح محازبيها "([5]).

    2. ويرى أندريه هوريد أنه: " تنظيم دائم يتحرك على مستوى وطني، ومحلي، من أجل الحصول على الدعم الشعبي، ويبغي الوصول إلى ممارسة السلطة، بغية تحقيق سياسة معينة "([6]).

    3. وعرفه سليمان الطماوي: " بأنه مجموعة متحدة من الأفراد، تعمل بمختلف الوسائل الديمقراطية للفوز بالحكم، بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين "([7]).

    ويتضح من التعريفات السابقة أن الحزب السياسي يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

    1. تنظيم سياسي له هيكل معين.

    2. أعضاء من الشعب ينتمون إلى هذا التنظيم، والدفاع عن مبادئه.

    3. هدف يتمثل في الوصول إلى الحكم، وممارسة السلطة، لتحقيق مبادئ الحزب، وتنفيذ برنامجه السياسي([8]).

    ونحن لا نختلف مع هذه التعاريف في حقيقة الحزب وتكوينه، إلا أنه لا يمكن استصحاب هذه التعاريف إلى الفكر السياسي الإسلامي، وذلك لاشتمالها على بعض الحقائق التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية الغراء، ومنها:

    1. إن الحزب في المفهوم الإسلامي له أهداف، وتطلعات شرعية وسياسية مغايرة لما تبغيها الأحزاب الديمقراطية، فهو يسعى لتحكيم شريعة الله، وإرساء معالم الإسلام.

    2. إن الوصول إلى الحكم، وممارسة السلطة لا يمثل هدفاً لقيام الحزب في الإسلام، وإنما هو وسيلة ضرورية من وسائل تحقيق أهدافه.

    3. إن الحزب في الإسلام يعتمد وسائل مشروعـة في طريق تنفيـذ برنامجه

    السياسي، بخلاف غيره من الأحزاب التي تسلك الوسائل الديمقراطية، حيث يخالف بعضها منهج الإسلام، والغاية لا تبرر الوسيلة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " وأما رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله r من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم"([9]).

    وفي ضوء ما تقدم بات واضحاً مفهوم الحزب السياسي إلا أنه يحتاج إلى تقييده بقيود تضبط مقاصده ووسائله بضوابط الإسلام.

    وعليه فالحزب السياسي في الإسلام هو: " مجموعة منظمة اجتمعت على ما أمر الله به ورسوله، للمشاركة في الحياة السياسية، بهدف إقامة الحق والعدل، ورعاية مصالح الأمة".

    وهناك عدة وظائف وأغراض يهدف إليها نظام الأحزاب، أحاول إبرازها فيما يلي:

    ثانياً: وظائف الأحزاب السياسية:

    إن تعدد الأحزاب السياسية أمر ضروري، وأساسي لأداء عدة وظائف ومهام سياسية، يصعب تحقيقها في غياب تعدد الأحزاب، بخاصة في ظل ظروف العصر الحديث([10])، ومن أهم هذه الوظائف:

    1. إلقاء الضوء على المسائل الهامة التي تواجه المجتمع، والقيام بدور تنويري وترشيدي للمجتمع، لإعانته على تحديد موقفه من القضايا المطروحة عليه، وهي بذلك تأخذ بيد الجماهير نحو دمجها في العملية السياسية، وزيادة مشاركتها فيها.

    2. تقوم الأحزاب عادة بمراقبة أعمال الحكومة، ومحاسبتها بالوسائل القانونية المشروعة، وتسعى لفضح مساوئ سياسات الحكـومة أمام المجتمع، للضغط عليها

    كي تتراجع عنها، فتدرأ عن المجتمع كثيراً من المشكلات.

    3. تنظيم وسائل التعبير، وتوفير منابر للأفراد والفئات، وضبطها حتى لا تتحول الاختلافات إلى صدامات عنيفة تودي بوحدة المجتمع.

    4. إعداد القادة، وتقديم الأشخاص المرشحين للانتخابات، وكذلك البرامج السياسية التي تحدد سياسات الأحزاب والحكومات المقبلة، التي تشكلها هذه الأحزاب في حالة النجاح، وباختيار الأحزاب للمرشحين، يخرج المرشح من دائرة الحرج إذا قام بطلب الولاية وتزكية نفسه بذلك.

    5. ويعد مبدأ تعدد الأحزاب السياسية من أهم الضمانات والوسائل الحديثة في خدمة أي نظام سياسي حر حسن النية، في سعيه لتحقيق الديمقراطية الشرعية، وحرصه على منع الاستبداد([11]).

    6. إيجاد مناخ صالح لنمو نظريات متنوعة في السياسة والاجتماع وازدهارها، وتقوم بدورها بعرض هذه النظريات على المجتمع لمناقشتها، حتى يتم الوصول إلى ما هو أصلح، وتفتح باباً لتبادل الآراء، لاتخاذ المواقف الصحيحة حول الأوضاع الراهنة، والحوادث المستجدة([12]).

    7. تنظيم الاحتجاجات ضد الهيئة الحاكمة، وكفها عن العدوان والطغيان في ممارسة السلطة، وإعطاء الشعب فرصة اختيار البديل، وفي نفس الوقت توفير الفرصة لمن يتطلعون إلى الحكم والسلطة أن يرشحوا أنفسهم أو ممثلهم([13]).




    المطلب الثاني

    الأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي

    كان للأحداث الأليمة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما عقبها من حادثة التحكيم، دورٌ بارزٌ في نشوء التعددية الحزبية ببن أوساط المجتمع الإسلامي، فقد أضحى كل حزب يتبنى رأياً، ويتفانى في سبيله.

    ونحن إذا نظرنا إلى نشأة هذه الأحزاب بالمفهوم الحديث للحزبية، لقلنا: إنها مسألة سياسية خالصة، فالصراع بين المسلمين كان صراعاً سياسياً حول منصب الخلافة، وحول أحقية كل طرف من أطراف النزاع في هذا المنصب، ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو في ذلك العصر، بل إن هذه الأحزاب السياسية قد اصطبغت بصبغة دينية قوية، نظراً لما كان للدين من أثر ومكانة في النفوس في ذلك العصر.

    وهكذا كان الخلاف السياسي سبباً من أسباب الخلاف الديني، وسبباً في نشوء العقائد والفرق من الأحزاب([14]).

    وأشهر هذه الأحزاب الشيعة، والخوارج، وأهل السنة:

    الفرع الأول: الشيعة:

    الشيعة: هم الذين شايعوا علياً t، وهم يقدمونه على سائر أصحاب رسول الله و([15])، وهم أيضاً القائلون بإمامته نصاً ووصية، إما جلياً، وإما خفياً([16]).

    وترجع نشأة هذا الحزب إلى الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي r أن أهل بيته أولى أن يخلفوه، وأولى أهل البيت علي بن أبي طالب ([17]).

    وكان الاختلاف في الإمامة أول اختلاف بين المسلمين بعد نبيهم r لما قبضه الله U، إذ اجتمعت الأنصار y في سقيفة بني ساعدة، وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة t، وقد بلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فأعلمهم أبو بكر t أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم بقوله r: " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشَ "([18])، فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا y إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار y: " مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ "([19])، ثم بايعوا أبا بكر t، واجتمعوا على إمامته([20]).

    واستمر الأمر على ذلك، ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر t وأيام عمر t، إلى أن ولي عثمان بن عفان t، وفي خلافته ظهر المذهب الشيعي([21]).

    وتعتبر الشيعة من أقدم الفرق الإسلامية، حيث ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان t، ونما وترعرع في عهد علي t؛ إذ إنه كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه وعلمه، فاستغل دعاة فكرة التشيع هذا الإعجاب، وأخذوا ينشرون نحلتهم بين الناس.

    ولما جاء العصر الأموي، ووقعت المظالم على آل البيت، واشتد نزول أذى الأمويين بهم، ظهرت دفائن المحبة لهم، والشفقة عليهم، ورأى الناس في علي وأولاده y شهداء هذا الظلم، فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره([22]).

    والتاريخ السياسي للشيعة كان عبارة عن ثورات متعددة، فقد جسدت الشيعة الرفض السياسي لبقاء السلطة خارج أهل البيت([23]).

    آراؤهم:

    اختلف أصحاب المذهب الشيعي إلى فرق عدة، وأساس اختلافهم يرجع إلى الاختلاف في المبادئ والآراء، ومن أهم آرائهم:

    1. أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر([24]).

    فالإمامة أهم مسألة يدور فيها الخلاف بين أهل السنة الذين يقولون: إن الإمامة طريقها الشورى والاختيار، والبيعة من الأمة، وليست شأناً دينياً سماوياً، سبيلها النص والوصية، والتعيين كما تقول الشيعة([25]).

    2. الإمام عند الإمامية في عصمته، وصفاته، وعلمه منذ صغره، وفي كبره هو معصوم من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، عمداً أو سهواً، لذا يجب أن يكون أفضل الناس وأحلمهم، وأشجعهم وأعلمهم([26]).

    يقول الخميني في ذلك: " ونحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء، لا يزال محفوظاً؛ لأن الأئمة لا يتصور فيهم السهو أو الغفلة، نعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة المسلمين "([27]).

    بل وتَعتبِر الإمامية أن منزلة الأئمة لا تدانيها منزلة الملائكة والنبيين، يقول الخميني: " وإن من ضروريات مذهبنا: أن لأئمتنا مكاناً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل "([28]).

    3. إن الإمامية يجوزون أن تجري خوارق العادة على يد الإمام لتثبيت إمامته، ويسمون الخارق للعادة الذي يجري على يديه معجزة، كما يسمى الخارق الذي يجري على أيدي أنبياء الله معجزة([29]).

    4. من الشيعة من غالوا في تقدير علي وبنيه y، حتى رفعوا علياً t إلى مرتبة الألوهية، ومنهم المعتدلون المقتصدون الذين اقتصروا على تفضيله على كل الصحابة y من غير تكفير أحد، ولا تقديس له([30]).

    فرق الشيعة:

    1. السبئية: وهم أتباع عبد الله بن سبأ، كان يهودياً من أهل الحيرة أظهر الإسلام، وكانت تنادي هذه الفرقة بألوهية علي ([31]).

    2. الغرابية: وهذه الفرقة أوجبت النبوة بعد النبي r، وسميت بذلك لقولهم: إن محمـداً r كان أشبه بعلي t من الغراب بالغـراب، وقالوا: إن الله بعث جبريـل u بالوحي إلى علي t، فغلط جبريل بمحمد ([32]).

    3. الكيسانية: وكانت تعتقد في إمامة محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، المعروف بابن الحنفية، وتنسب هذه الفرقة إلى كيسان مولى أمير المؤمنين علي t، وكان على رأس الفرقة المختار بن أبي عبيدة الثقفي([33]).

    4. الزيدية: وهم أصحاب زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي y، وهم أقرب الفرق الشيعية إلى جماعة المسلمين؛ لميلهم إلى القصد والاعتدال في الإمامة، وهي أهم نقطة خلافية بين السنة والشيعة([34]).

    5. الإمامية (الإثنا عشرية): وهذه الفرقة يدخل في عمومها أكثر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي، في إيران والعراق ولبنان والهند، وغيرها من البلاد الإسلامية، وعقيدتهم هي إيمانهم المطلق بإمامة علي بن أبي طالب t إيماناً ظاهراً كاملاً، ووصفه بالوصي، وانتقال الوصايا إلى أبنائه من بعده([35]).

    6. الإمامية (الإسماعيلية): وهم ينتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء كان لهم دولة، فالفاطميون في مصر والشام منهم، والقرامطة الذين سيطروا وقتاً على عدة أقاليم إسلامية منهم([36]).

    7. الحاكمية والدروز: الدروز فرقة إسماعيلية اتسمت بطابع الباطنية، حيث أخفوا عقيدتهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية، وقد نشأوا في إبان العصر الفاطمي، وظلوا منطوين على أنفسهم وقتاً، وقد كانت هذه السرية ـ التي تعد طريقة هذه الفرقة ـ سبباً في أن وجد الحاكمية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي ادعى أن الإله قد حل فيه، ودعا إلى عبادته([37]).

    8. النصيرية: وهؤلاء كانوا مع الإثنا عشرية، أو هم يدعون الانتساب إليهم، ويعتقدون أن آل البيت أوتوا المعرفة المطلقة، وأن علياً t لم يمت، وأنه إله قريب من الإله([38]). تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.




    الفرع الثاني: الخوارج:

    الخوارج: جمع خارجة، أي طائفة، وهم قوم مبتدعون، سموا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم عن خيار المسلمين([39]).

    ويعتبر الخوارج أول حزب سياسي نشأ في الإسلام، وظهر كقوة سياسية معارضة على الأرض، وتزامن ذلك مع ظهور الشيعة، إلا أن الشيعة أسبق في فكرتها.

    ومبدأ نشأة هذا الحزب فور إعلان نتيجة التحكيم بين أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، بعد موقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، إذ تعالت الهتافات من معسكر علي t: كَفَر الحكمان، لا حكم إلا لله، وانقلب المؤيدون أعداء، وأصبحوا أكثر خطراً على علي t من جيش معاوية ([40]).

    وكان موقف علي t منهم أول الأمر ألا يحاربهم حتى يبدأوه بالحرب، فلما عمدوا إلى استعمال العنف، وقتلوا عبد الله بن خباب وفي عنقه المصحف، ومعه امرأته، ولما ركبوا رؤوسهم، ولم يحاولوا أن يستجيبوا لدعوة علي t، خرج إليهم في يوم النهروان، وأوقع بهم، وقتل منهم عدداً كبيراً، وقتل زعيمهم ابن وهب، وقد كان يمكن لعلي t أن يقضي على الخوارج قضاء مبرماً، ولكنهم ما لبثوا أن تربصوا به، وأرسلوا إليه واحداً منهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فقتله في المسجد، وبعد مقتل علي t اتسع نشاط الخوارج، وخاضوا كثيراً من المعامع في عهد معاوية ([41]).

    وفي زمن العباسيين حاربوهم في قوة وصلابة وجَلَدٍ، كالذي في العصر الأموي، وكثرت ثوراتهم في كثير من البلدان، إلا أن العباسيين انتصروا عليهم، وكانت هذه الهزائم المتوالية سبباً في ضعف أمرهم، وقلة شأنهم، فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير([42]).

    وتعد فرقة الخوارج أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشدها تهوراً واندفاعاً، وقد استرعت ألبابها كلمة لا حكم إلا لله، فاتخذوها ديناً ينادون به، وقد استهوتهم أيضاً فكرة البراءة من سيدنا عثمان t، والإمام علي t، والحكام الظالمين من بني أمية، وكانوا يمتازون بالتمسك بظواهر الألفاظ، وحب الفداء، والحماسة، والرغبـة فـي الموت والاستهداف للمخاطر([43]).

    آراؤهم:

    هناك آراء ومبادئ عامة قررها الخوارج، والتقوا حولها، ومن أهم الآراء التي اعتنقها معظم الخوارج ما يلي:

    1. إن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم، ويستمر خليفة ما دام قائماً بالعدل، مقيماً للشرع، مبتعداً عن الخطأ والزيغ، فإن حاد وجب عزله وقتله([44]).

    2. إن الإمامة تجوز في غير قريش، وكل مَن ينصبونه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور، كان إماماً([45]).

    3. إن النجدات من الخوارج يرون أن لا حاجة إلى إمام إذا أمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن التناصف لا يتم إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز، فإقامة الإمام في نظرهم ليست واجبة بإيجاب الشرع، بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجة([46]).

    4. أجمع الخوارج على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات فلم يقولوا بذلك، وأجمعوا على أن الله يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً([47]).

    فرق الخوارج:

    كان الاختلاف في الرأي بين الخوارج سبباً قوياً لاختلافهم وتفرقهم إلى فرق عديدة، بلغت عشرين فرقة، ومن أشهرها:

    1. الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي، المكنى بأبي راشد، وهم أكثر فرق الخوارج عدداً، وأشدهم شوكة([48]).

    2. النجدات: وهم أتباع نجدة بن عويمر من بني حذيفة، وقد خالفوا الأزارقة في تكفيـر قعدة الخوارج، واستحلال قتل الأطفال، ويرون أن إقامة الإمام واجب وجوباً مصلحياً وليس شرعياً، ويقولون بمبدأ التقية([49]).

    3. الصفرية: وهم أتباع زياد بن الأصفر، وكانوا أميل إلى المسالمة من الأزارقة، كما كانوا أقرب إلى الاعتدال، وأبعد عن التطرف في أحكامهم([50]).

    4. العجاردة: هم أتباع عبد الكريم بن عجرد أحد أتباع عطية بن الأسود الحنفي الذي خرج على نجدة([51]).

    5. الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن أباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالاً، وأقربهم

    إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، وهم أشهر فرق الخوارج على الإطلاق؛ لأنهم لا يزالون إلى يومنا هذا في عُمَان، وزنجبار، وشمال أفريقيا([52]).




    الفرع الثالث: أهل السنة:

    وبعد هذا الاستعراض السريع لحزبين أساسيين في تاريخ الأمة الإسلامية، كان لهما شوكة وتأثير عظيم على مجريات الأحداث، يتساءل المرء: أين الدور السياسي لأهل السنة في كل هذه المراحل الخطيرة التي عاشتها الجماعة المسلمة؟.

    يمكن القول: إن أهل السنة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله r وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، فأهل السنة هم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه([53]).

    وقد سأل رجل الإمام مالكاً ـ رحمه الله ـ عن تعريف أهل السنة؟، فقال: " الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري "([54]).

    وأهل السنة على العكس من الجماعات التي انشقت عنهم، ظلوا على عهدهم محافظين، وبعرى الجماعة موثقين، وذلك منذ وفاة الرسول r، وفي ظل خلافة الشيخين رضي الله عنهما، فلا نسمع أصواتاً معارضة ذات بال، فالإجماع منعقد وتام، ثم انفرط عقد الجمع، واهتز في السنوات الأخيرة من سني عثمان ([55])، حيث ظهرت بعض الأفكار المتطرفة، أو الاعتقادات المذهبية الغالية([56]).

    وقتها كان أهل السنة ـ والذين كانوا يعرفون باسم أهل الحديث، أو التابعين، أو العلماء، أو القراء ـ مشتغلين بعلوم الحديث والفقه، وكانت عنايتهم موجهة إلى البحث في مسائل الفقه، أو يتجهون إلى مسائل العقائد والكلام.

    ولم يكن لأهل السنة آراء سياسية رغم تفرقهم، ويستنتج من ذلك أنهم كانوا راضين تماماً عن سياسة الحكم التي كانت تساس بها الأمة من قِبل الأمويين والعباسيين، لا بل إنهم اجتنبوا المسائل السياسية بعدم الخوض فيها، لتجنب الفتن والوقوع في سفك الدماء.

    ومن علماء السنة المتفرقين الذين اشتهروا: الإمام الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير في عصر بني أمية، وأبو حنيفة ومالك وأحمد في عهد بني العباس، وهؤلاء كانوا معارضين لسياسة الحكام والأمراء في عصورهم المختلفة، بل غير مقرين لنظم الحكم أنفسها التي بمقتضاها وصل هؤلاء إلى مرتبة الأمر والنهي، وما سكتوا إلا حرصاً على وحدة الجماعة([57]).

    إلا أن علماءنا ـ رحمهم الله ـ سجلوا مواقف سياسية بطولية في مقاومة الحكام الظلمة، فهذا سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ امتنع عن الخوض في حق الصحابة y كما كانت الشيعة، وقد جاهر برأيه أمام الحجاج الثقفي دون خوف أو وجل، عندما سأله الحجاج ما تقول في عثمان وعلي رضي الله عنهما؟، فأجابه: قول من هو خير مني عند من هو شر منك، قال فرعون: ما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي، فلم يعجب الحجاج، ولكن الرد ألجمه، فلم يجد مفراً من الاعتراف: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد([58]).

    وهذا أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ تتعاقب فتاويه ضد الحكم القائم، فيحبسه أبو جعفر المنصور، ويعذبه عذاباً قاسياً حتى أشرف على الهلاك، فأخرجه، ومات بعدها بقليل كما يموت الصديقون والشهداء([59]).

    وهذا ابن تيمية ـ رحمه الله ـ امتشق السيف للجهاد ضد التتار، وهو يوجه المسلمين إلى عزتهم، وبعدها نزل به البلاء بسبب آرائه الجريئة، فمات t في الحبس([60]).




    المطلب الثالث

    حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية

    توطئة:

    لم يتعرض فقهاؤنا القدامى ـ رحمهم الله ـ([61]) لموضوع التعددية السياسية بالمفهوم الواسع، وبالشكل المطروح حالياً؛ إذ لم تكن الصورة المعاصرة للتعددية السياسية مطروحة على بساط الفقه قديماً، فهي صورة وحالة مستحدثة، فقد تطورت الحزبية بشكلها ومضمونها عما كان عليه الأمر قديماً، فهي تجد سندها في الحرية السياسية التي كان يحظى بها المؤمنون في زمن النبي r، ومن بعده، من جواز إبداء الرأي المخالف، ولو كان يتعلق بالحاكم.

    فهذا الحباب بن المنذر t يسأل النبي r في غزوة بدر ـ وقد نزل r بعسكره قريباً من ماء بدر ـ: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! فأجابه رسول الله r بأنه الرأي والحرب والمكيدة([62]). وهذا يمثل رأياً سياسياً، مخالفاً للقائد الأعلى.

    وفي غزوة الأحزاب عندما وضع النبي r حلاً سياسياً لتفكيك وحدة الأحزاب، ففاوض على ثلث ثمار المدينة مقابل خروج غطفان وأهل نجد من حلف قريش، واستشار السعدين سعد بن معاذ t سيد الأوس، وسعد بن عبادة t سيد الخزرج، ولما علما أنه ما هو إلا شيء صنعه النبي r لهم، وليس من أمر الله قالا: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم([63])؛ وما ذلك إلا رأي سياسي.

    وهكذا مضى المسلمون يبدون آراءهم في حرية تامة، ويعيشون قاعدة الشورى التي تمثل أساساً وسنداً للتعددية السياسية.

    وفي وقتنا المعاصر مَسَّت الحاجة إلى تطور مفهوم الحزبية، بعد سقوط الخلافة الراشدة في أوائل القرن العشرين، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم، مما حدا بالعلماء والقادة والمخلصين إلى تشكيل الأحزاب السياسية؛ للعمل على إعادة صرح الخلافة الراشدة، واستئناف الحياة الإسلامية، وانتشال الأمة من براثن الاستبداد.

    فكان من أبرز الجماعات الإسلامية التي اهتمت بالبعد السياسي جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ، وأول حزب: حزب التحرير، الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ وحينها أثيرت القضية، وثار الخلاف بين الفقهاء والمفكريـن المسلميـن فـي شرعية قيام هذه الأحزاب والجماعات الإسلامية.

    موقف الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ من التعددية الحزبية:

    أنكر الإمام الشهيد الحزبية وتعدد الأحزاب في الإسلام، فقال: " إن الإسلام هو دين الوحدة في كل شيء، لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه، ولا يوافق عليه "([64]).

    ويقول أيضاً: " وأعتقد أن هذه الأحزاب المصرية الحالية مصنوعة أكثر منها حقيقية، وأن العامل في وجودها شخصي أكثر منه وطني، وأن المهمة والحوادث التي كونت هذه الأحزاب قد انتهت، ويجب أن ينتهي هذا النظام بانتهائها "([65]).

    ولا بأس أن يخالف رأيي رأي الإمام الشهيد، فهو لم يفرض ذلك على أحد، فقد استهل حديثه عن الحزبية بقوله: " وإن لي في الحزبية السياسية آراء هي لي خاصة، ولا أحب أن أفرضها على الناس، فإن ذلك ليس لي ولا لأحد "([66]).

    ويقول أيضاً في موضع آخر: " إن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان، فهي لا تجوز في كلها، وهي لا تجوز في مصر أبداً، وبخاصة في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهداً جديداً، ونريد أن نبني أمتنا بناء قوياً"([67]).

    وهذا الكلام إن دل فإنما يدل على أن رأيه مبني على السياسة الشرعية، وهذا مما لا تثريب فيه، لاسيما وأنه كان يستبشر ـ رحمه الله ـ بقرب استئناف الخلافة الإسلامية، وإعادة هيبتها، فيكون موقف الإمام الرافض ظرفياً خاصاً بحالة مصر آنذاك.

    يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " ولعله لو عاش الإمام إلى اليوم لرأى ما رأينا من جواز التعددية السياسية، خصوصاً وقد تغيرت الظروف، وتطورت الأوضاع والأفكار، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، ولاسيما في أمور السياسة الكثيرة التغيير "([68]).

    ومن جهة أخرى لا أرى حديث الإمام في تحريم الحزبية يشمل الأحزاب الإسلامية، إذ أنها لا تبعث على الفرقة، وإنما كان حديثه يدور على ظاهرة مَرَضِيَّة تعيشها مصر بوجود أحزاب غير إسلامية، ليس من مهامها استئناف الحياة الإسلامية.

    هذا وقد استطردنا في الحديث عن موقف الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ في مسألة الحزبية، وخصصناه بذلك لما يحتله من مكانة سامية، ودرجة عالية في ريادة الحركة الإسلامية المعاصرة وتأسيسها، ولكشف الغموض واللبس في موقفه من الحزبية الذي أشكل على الكثير من أبناء الصحوة.

    موقف الحركات والأحزاب الإسلامية من الحزبية:

    سارت الحركات والأحزاب الإسلامية في عملها وهي تؤمن بالتعددية السياسية، واعتبارها فريضة شرعية، أو ضرورة يفرضها الواقع، وقد عبر قادتها عن هذا الموقف، فقال فضيلة الشيخ عمر التلمساني ـ المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين ـ رحمه الله ـ: " إذا لم يكن من قيام الحزب بد؛ فمن العجز الفكري أن نقف حائرين، بل نسلك كل طريق مشروع يُمَكِّننا من نشر دعوتنا في كل الأوساط "([69]).

    وعندما جاء المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين الشيخ محمد حامد أبو النصر ـ رحمه الله ـ أكد هذا التوجه، فقال: " عندما أصبح الإخوان عنصراً فاعلاً في الساحة السياسية والاجتماعية، كان لا بد من إيجاد قناة قانونية للممارسة، ولذلك قرر الإخوان تكوين حزب سياسي "([70]).

    ويبين الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ موقف حزب التحرير من التعددية السياسية، وأنه فرض كفاية على الأمة، استناداً إلى قوله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([71]).

    فيقول: " أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية، فذلك آت من كون الآية عنيت على عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر "([72]).

    فالحركات والأحزاب تؤمن بالتعددية، وما تكوينهم الأحزاب السياسية ودخولهم في المجالس النيابية إلا إقرار بهذه التعددية، والعمل في حقل الدعوة من خلالها، ومثال ذلك مثل تشكيل الإخوان المسلمين في الأردن لجبهة العمل الإسلامي، ودخولهم البرلمان من خلالها، وكذلك الإخوان المسلمين في فلسطين، وتشكيلهم لحزب الخلاص الوطني الإسلامي، وكذلك في السودان واليمن والجزائر وغيرها.

    هذا وقد اختلف العلماء والمفكرون المعاصرون في حكم التعددية السياسية، إلى قولين:

    القول الأول: إن التعددية السياسية حرام، وإليه ذهب بعض العلماء منهم: الدكتور بكر أبو زيد، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري، والدكتور فتحي يكن، والشيخ وحيد الدين خان([73]).

    القول الثاني: إن التعددية السياسية جائزة، وإليه ذهب من العلماء: الدكتور أحمد الفنجري، الشيخ تقي الدين النبهاني، الشيخ راشد الغنوشي، الدكتور صالح سميع، الدكتور صادق أمين، الدكتور صلاح الصاوي، الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والدكتور عبد الله النفيسي، والدكتور عبد الوهاب الديلمي، والدكتور عدنان النحوي، والدكتور محمد أبو فارس، والدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد العوا، والأستاذ محمد العوضي، والدكتور يوسف القرضاوي([74]).

    الأدلة:

    أدلة القول الأول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ {([75]).

    2. قال الله تعالى: } وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {([76]).

    وجه الدلالة: هاتان الآيتان صريحتان في النهي عن الفرقة، وأنها ليست من صفات المؤمنين، بل هي من صفات المشركين، وأن رسول الله r بريء من المقترفين لها، ولا علاقة له بهم أبداً.

    والاختلاف والافتراق في الآيتين يراد به الاختلاف في العقيدة والشريعة، وكذلك افتراق الأمة إلى جماعات وأحزاب سياسية، وهذا الذي تقتضيه النصوص، فقد نهى الله تعالى عن مطلق التنازع، وجعله سبباً لضعف المسلمين وذهاب شوكتهم: } وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ {([77])، وبهذا تكون الأحزاب السياسية محرمة؛ لأن نتيجتها التفرق والاختلاف([78]).

    3. قال الله تعالى: } إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً {([79]).

    وجه الدلالة: إن الانقسام إلى أحزاب يؤدي إلى فقدان القوة، مما يؤدي بدوره إلى تعريض الناس للاستعباد، وهذه السنة استغلها فرعون في تفريق قومه إلى شيع

    حتى يتسنى له استعبادهم وإذلالهم([80]).

    4. قال الله تعالى: } وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُـمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَـا حُفْرَةٍ مِنَ النَّـارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا {([81]).

    5. وقال الله تعالى: } وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {([82]).

    وجه الدلالة: أوجب الله على المسلمين لزوم الجماعة، واجتناب كل ما يؤدي إلى الافتراق؛ والحزبية مظنة الفرقة، بل مئنة لها، وللبغضاء بين أهل الإسلام، فتكون محرمة([83]).

    6. قال الله تعالى: } قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ {([84]).

    وجه الدلالة: إن التفرق إلى شيع وما يؤدي إليه ذلك من اقتتال وردة، وإن ما يؤدي إليه الانشقاق، يعتبر عذاباً يوازي ما ورد في الآية من أشكال العذاب، وأن واجبنا أن نتجنب أي خطوة في هذا الطريق، مهما كان الجهد الذي نبذله في سبيل ذلك، وأن نتواصى بذلك، وندعو إليه([85]).

    ثانياً: السنة:

    1. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: " مَنْ خَـرَجَ مَـن الطَّـاعَةِ،

    وَفَارَقَ الجَمَاعَةِ، فَمَاتَ .. مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيِّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبِةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِةً، فَقُتِلَ .. فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ "([86]).

    2. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : " مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبْراً .. إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "([87]).

    3. عن الحارث الأشعري t أن رسول الله r قال: " ... أَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالجَمَاعَةِ، وَبالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالهِجْرَةِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِن الجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمْ ". قال: قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ... "([88]).

    4. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطبنا عمر t بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله r فينا، فقال: " ... عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، فَلْيَلْزَم الجَمَاعَةِ "([89]).

    وجه الدلالة: في هذه الأحاديث أمر صريح بلزوم الجماعة، وتوعد صريح للمفارق للجماعة، ووصف ميتته بالجاهلية، وذم العصبية والدعوة إليها ونصرتها، والتوعد والذم لا يكون إلا على فعل محرم، أو ترك واجب، فتكون الأحزاب السياسية محرمة؛ لأنها تقوم على أساس العصبية ومفارقة الجماعة([90]).

    5. عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله r: " اسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ، وَإِنْ اسْتُعْمِـلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ "([91]).

    6. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: " مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "(ن).

    وجه الدلالة: أوجب رسول الله r على المسلمين طاعة أميرهم، ولو على كره وغضاضة، ولم يسمح لهم بمعصيته إلا إذا أمر بمعصية الله([93])، فقد قال r: " إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ"([94])؛ ومن المعلوم أن التعددية السياسية قائمة على التنافس في طلب الولاية، فالسعي إلى الحكم هو مفرق الطرق بين الأحزاب السياسيـة، وبين غيرهـا من التكتـلات البشرية الأخرى، فأنى تتحقق المشروعية لهذا النظام مع قيامه ابتداءاً على مناقضة هذه النصوص([95]).

    7. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كان الناس يسألون رسول الله r عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلت يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: " نَعَمْ "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ " قلت: وما دخنه؟ قال: " قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ " فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا " فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: " نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا" قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ " قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ "([96]).

    وجه الدلالة: السياق واضح أن الحوار الذي جرى بين الرسول r وبين حذيفة t كان حول الاجتماع والافتراق في مجال السياسة، والسؤال الأخير ينطبق تماماً على الظروف التي استجدت على ساحة العالم الإسلامي في أواخر الخلافة العثمانية، وبعد إلغائها، والجواب يوجب الالتزام بطاعة الأمير والانضمام إلى رايته، فإذا وصل الحال إلى انتهاء الإمارة بلا أمير، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالواجب الابتعاد عن جميع الجماعات والفرق التي تتناطح للحصول على الإمارة والسلطة، وكل هدفها هو السلطة وليس لها عقيدة واضحة، أما إذا ظهر إمام مسلم عادل، فالواجب السير خلفه([97]).

    ثالثاً: المعقول:

    1. إن قضية الأحزاب السياسية متولدة من النظام الجمهوري أو الديمقراطي، الذي ساد العالم في ظل العلمانية، فهي جزء من ذلك النظام وفرع من فروعه، ولا يجوز اعتماده ولا تطبيقه في دولة الإسلام([98]).

    2. إن هدف الأحزاب السياسية الوصول إلى السلطة أو استخدامها([99])، وقد فشلت التجارب الحزبية المعاصرة في أغلب البلاد الإسلامية، ودلت التجارب على أن هذه الأحزاب حينما دخلت إلى السلطة أفدحت المصائب، وكانت في الجملة وبالاً على الأمة وجرثومة تنخر في كيانها، فسامت المواطنين المسلمين سـوء العـذاب،

    وتاجرت بالبلاد في وقاحة تامة([100]).

    3. لم يسبق في تاريخ الإسلام على مدى القرون المتطاولة من خلافة رسالة الإسلام سابقة واحدة من هذا القبيل، فكان ذلك كالإجماع من الأمة على تركه، وإن انشقاق الفرق عن جماعة المسلمين هي ظواهر مرضية اعترت الجسم الإسلامي في فترة من الفترات، فارق بها أصحابها سبيل المؤمنين بما تحزبوا عليه من الأصول البدعية، أو شقوا عصاهم بما أحدثوه في الأمة من منازعة الأئمة، والخروج عليهم، وكلا الموقفين ممقوت ومردود([101]).

    4. جعل الإسلام الأخوة الإسلامية هي أساس الولاء والبراء، فالمسلم ولي المسلم سواء أعرفه أم لم يعرفه، وهذا يعني أن الإسلام لا يتحمل في داخله تنظيماً آخر بحيث تكون أسس ذلك التنظيم وقواعده أساساً للولاء؛ لأن هذا النوع من التنظيم يقتضي أن من انتظم فيه يستحق العون والنصرة والإخاء وغيرها من الحقوق، ومن لا ينتظم فيه لا يستحق تلك الحقوق، مع أن الإسلام أعطى المسلم جميع هذه الحقوق لمجرد كونه مسلماً لا لسبب آخر([102]).

    5. إن التعددية الحزبية تقتضي التزام الفرد برأي الحزب المنتمي إليه، سواء أكان ذلك الرأي خطأ أم صواباً؛ لأن الأحزاب قائمة بطبيعتها على التشيع والتمسك بشعار: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وإن لم تعترف صراحة بهذا الشعار([103]).

    أدلة القول الثاني:

    استدل القائلون بجواز التعددية: بالقرآن، والسنة، وقواعد الشريعة ومقاصدها، وكذلك بالمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([104]).

    وجه الدلالة: يأمر الله تعالى جماعة من المسلمين أن تكون متصدية لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر الرباني يفيد الوجوب في قوله: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ { وأمة يقصد بها جماعة، وفي هذا دلالة على مشروعية العمل الجماعي، والناس بطبيعتهم يختلفون في الأفكار والسياسات لتحقيق أهدافهم، فتتشكل الأحزاب السياسية كوسيلة شرعية للقيام بهذه الفريضة.

    والأمة ليست مجموعة أفراد ولا مجرد جماعة، جاء في تفسير المنار: " والصواب أن الأمة أخص من الجماعة، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل، هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة، وعمل في إيجادها وإسعادها، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة "([105]).

    2. قال الله تعالى: } وَتَعَاوَنُواْ عَلَى لْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{([106]).

    وجه الدلالة: أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، فإذا اجتمع أفراد وأنشأوا حزباً، أو جماعة مسلمة على أساس من البر والتقوى، فلا يجوز منعهم من ذلك؛ لأن في منعهم إبطال لعمل خير لا ضرر فيه، ونهي عن المعروف، والنهي عن المعروف إثم وعدوان، فلا يجوز، فيكون النهي عن تشكيل أحزاب سياسية مسلمة غير جائز([107]).

    جاء في تفسير القرطبي: " ومن وجوه التعاون على البر والتقوى أن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة "([108]).

    وأي حزب ينشأ فهو مأمور بالتصرف على نحو لا يضر بغيره، فرداً كان أو جماعة، ومنهي عن كل تصرف يقصد به الإضرار بالآخرين([109]).

    3. قال الله تعالى: } وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي لدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ{([110]).

    وجه الدلالة: في هذه الآية إشارة واضحة إلى أنه ليس بطاقة المؤمنين أن ينفروا كافة لحمل الأعباء العامة، وفي المقابل إشارة إلى وجوب ذلك على كل مستعد، لتتحقق المصلحة العامة للأمة، فتتكون طائفة مستعدة لتتولى هذه المهام، إذ أنها أساساً مهام جماعية، وبذلك تكون الأمة مكلفة بتشكيل الأحزاب السياسية التي تسعى إلى تحقيق ذلك.

    4. قال الله تعالى: } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ {([111]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الآية على التكليف الجماعي في أداء الأمانات إلى أهلها، ومن أهم الأمانات وأعظمها أن يتبوأ مقاليد الحكم أصحابه، فلا يجوز أن يُمكَّن من هو ليس بأهل له، وهذه التكاليف تحتاج إلى جماعة تنوب فيها عن الأمة، فلربما يصل إلى السلطة من هو دونها، ويجور ويظلم، فتتولى الجماعة رد الحق إلى أهله، فيكون إقامة الأحزاب السياسية لازماً " إذ الأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به "([112]).

    ثانياً: السنة:

    1. عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي r قال: " مَثَلُ القَـائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُواْ عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن المَاءِ مَرُّواْ عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُواْ: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقَاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُواْ هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً "([113]).

    وجه الدلالة: في هذا المثل الذي أورده الحديث أدق تصوير للمسئولية الفردية والجماعية، ولعقبى التفريط فيها، فالشخص الأخرق لو ترك يصنع ما يحلو له، فسيقود المجتمع كله خطوه في طريق البوار، فإذا كثر هؤلاء الخرقاء، وتعددت الخروق التي يصنعونها، فالمجتمع خارق لا محالة([114]).

    ومما لا ريب فيه أن المعارضة الفردية في وضع كهذا الوضع الذي ورد في الحديث الشريف، لا تكون مجدية، وأن المعارضة الجماعية هي الوسيلة الفعالة لاتقاء الكوارث السياسية بكل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية ...، وحتى تكون هذه المعارضة الجماعية فعالة ومجدية، فلا بد أن تكون منظمة، وقد أثبت الفكر السياسي في تطوره الحديث أن الأحزاب السياسية هي الأطر الأكثر صلاحاً لتنظيم وإعداد المعارضة الجماعية([115]).

    2. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي r قال: " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ، فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ "([116]).

    3. عن عبد الله بن مسعود t أن رسول الله r قال: " مَا مـِنْ نَبِيٍ بَعَثَهُ اللهُ

    فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِن الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ "([117]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الأحاديث على التكليف الجماعي للقيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن تنكل أو تلكؤ الجماعة في القيام بهذه المهمات الأساسية، والواجبات العليا للتغيير والإصلاح، يفضي إلى عقاب يعمهم من عند الله تعالى.

    ثالثاً: القواعد الشرعية:

    1. الأصل في الأشياء الإباحة، واستصحاب الحِل: والتعددية السياسية تفي بمتطلبات الأمة وحاجاتها، وتقيها من شر الاستبداد بالحكم، كما أنها تقوي وحدة المجتمع من خلال التنظيم الذي يجمع في إطاره من تبنى أفكاره؛ ولا يوجد في الشريعة الغراء ما يمنع من هذه التعددية، ويحول بينها وبين إقامتها، فتكون التعددية السياسية مباحة في أدنى درجاتها.

    2. قاعدة الذرائع والنظر إلى المآلات: يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك "([118]).

    فإذا استصحبنا هذه القاعدة في قضية التعددية السياسية، فإنها تقودنا إلى القول بمشروعية هذه التعددية رغم ما قد يشوبها من بعض التجاوزات التي يمكن أن تغتفر اعتباراً لقاعدة اعتبار المآل، وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    فالتعددية ذريعة إلى منع الاستبداد من ناحية، وإلى منع الاضطرابات، والثورات المسلحة من ناحية أخرى بما تشيعه من الاستقرار النسبي في الأوضاع السياسية، وبما تتيحه للمعارضة من المشاركة في السلطة لإنقاذ برامجها، واختياراتها السياسية.

    والوسائل والذرائع تأخذ حكم المقاصد أو الغايات حِلاً وحرمة، يقول القرافي ـ رحمه الله ـ: " الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة ([119])"([120]).

    رابعاً: مقاصد الشريعة " السياسة الشرعية ":

    السياسة الشرعية كما عرفها ابن عقيل ـ رحمه الله ـ فيما نقله عنه ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " السياسة ما كان فعلاً يكون منه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول r ولا نزل به وحي، ولكنه يوافق الشرع، ولا يخالفه، كحرق علي بن أبي طالب t للزنادقة وتحريق عثمان t للمصاحف ونفي عمر t لنصر بن حجاج "([121]).

    1. إن أحداً لا ينكر أن للتعددية مثالبها، كما أن لحكم الفرد مثالبه كذلك، ولكن المفاسد التي تنجم عن حكم الفرد من القهر والتسلط ومصادرة الحريات، وما قد يترتب عن ذلك من الثورات والانقلابات، أضعاف المفاسد التي تترتب على التعددية، فإذا علمنا أن مبنى الشريعة على تحقيق أكمل المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين، وأنها قد تحتمل للمفسدة المرجوحة من أجل تحقيق المصلحة الراجحة، علمنا أن القول بمشروعية التعددية هو الأليق بمقاصد الشريعة، والأرجى تحقيقاً لمصالح الأمة، وصيانة حقوقها وحرياتها العامة([122]).

    2. أقر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t وجود حزب مخالف له في سياسته ومنهجه، وهم الخوارج، وقال لهم: " ولكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله، ولا نحرمكم من الفيء ما دامت أيديكم في أيدينـا، ولا نبدأكم بقتـال "([123])، مع أنهم يمثلون المعارضـة المسلحة، والقوة التي بلغت بها الشجاعة حد التهور([124]).

    خامساً: المعقول:

    1. إن التعدد الحاصل في الجماعات الإسلامية هو تعدد تنوع وتخصص، تتكامل به الجهود، ويتكاتف به الناس في أداء الفروض الكفائية، مع التوادد والتناصح، والتنسيق والتعاون([125])؛ وهو تعدد قامت عليه الجماعات، وهي متفقة مع الأصول مختلفة في الفـروع، أي أنها اتفقت في الأهم، واختلفت في الفروع، وهي أقل أهمية([126]).

    وهذا هو مدلول ما يؤكده الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ: " فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه "([127]).

    2. هناك فرق بين الجماعة العامة، والجماعة الخاصة، فالجماعة العامة واحدة، أما الجماعات الخاصة، فيجوز تعددها بما يكفل سد الثغرات، والقيام بفروض الكفايات، وعندئذ لا يجب على كل مسلم مبايعة هذه الجماعة الخاصة، بل من استحسن أمرها جاز له الالتزام بها([128]).

    3. لا خوف على الإسلام في ظل تعدد الأحزاب، إنما الخوف على ضياعه في ظل نظام الحزب الواحد، فتعدد الأحزاب السياسية إحدى الضمانات الأساسية لحماية الحرية السياسية، وتحقيق الاستقرار السياسي، وإحدى الضمانات الأساسية لضمان فاعلية وجدوى الفصل بين السلطات([129]).

    4. يقول أبو الفتح البيانوني: " إلا أن إيجابيات التعدد تزداد وتغلب على السلبيات ومنها:

    ‌أ. استيعاب أكبر عدد من المسلمين في نطاق العمل الإسلامي، فلا يمكن لجماعة واحدة مهما بلغ شأنها، وعلا كعبها أن تستوعب الناس جميعاً على مختلف مذاهبهم ومشاربهم واجتهاداتهم.

    ‌ب. التعاون على تحقيق الأهداف الكبرى.

    ‌ج. فسح المجال لأكثر من تجربة عملية في نطاق الدعوة الإسلامية.

    ‌د. بروز روح التجديد والتطوير للعمل الإسلامي.

    ‌ه. شيوع روح التنافس والتسابق إلى الكمال.

    ‌و. ضمان استمرارية العمل الإسلامي في حالات المحن والمصائب، فلو قدر لجماعة أن تمتحن قبل غيرها، استمر العمل من قبل الجماعات الأخرى([130]).




    المناقشة:

    مناقشة القائلين بتحريم التعددية الحزبية في الإسلام:

    أولاً: مناقشة استدلالهم بالقرآن الكريم:

    1. إن كلمة " شيعة " التي وردت في الآيات، تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة حزب، أو طائفة، أو فرقة، ولكن استخدام هذه الكلمات لا تصل بنا إلى نتيجة قطعية؛ لأنه كما استخدمت هذه المصطلحات في مقام الذم في الآيات التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، فقد استخدمت في مقام المدح في آيات أخرى، وتدل على الفئة الراشدة المهدية منها: قال الله تعالى: } فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ {([131])، وقال سبحانه: } وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ {([132]).

    فجاءت في الموقع الأول تشير إلى شيعة موسى، وفي الثاني إلى أن إبراهيم كان من شيعة نوح.

    وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة حزب، فقد جاءت تشير إلى حزب الله: } وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {([133]).

    ويصدق الأمر ذاته على الكلمتين الأخريين.

    2. رغم أن القرآن الكريم قد حرم تفرقة الدين وما يؤول إليه من الانقسام إلى شيع، فقد توقع إمكانية تواجد الخلاف الذي قد يؤدي إلى الاقتتال، وذلك في قوله تعالى: } وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا {([134])، ومع هذا الخلاف الذي وصل إلى درجة الاقتتال، فقد أشار القرآن إلى الطوائف الثلاث ـ الطائفتان المقتتلتان، والطائفة الساعية إلى الصلح بينهما ـ باعتبارها من المؤمنين.

    3. إن الاختلاف في الرأي أمر حتمي بين البشر، وهو سنة اجتماعيـة قررهـا القرآن الكريم في قوله تعالى: } وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين {([135])([136]).

    4. بالنسبة للأدلة القرآنية التي تنهى عن التفرق إلى شيع وفرق وأحزاب، وتحض على الاجتماع والاعتصام، فهذه تحمل على أساس الافتراق والاختلاف في الأصول الكلية.

    وهذا التفرق محظور شرعاً؛ لأنه يفضي إلى زعزعة أركان ومقومات الدولة المسلمة، أما الاختلاف الذي يكون في المسائل الاجتهادية، أو في الوسائل والسياسات، أو يكون على أساس المنافسة في أعمال الخير، فهذا لا ضير ولا تثريب فيه، ولا يتعارض وأحكام الشريعة الغراء، لاسيما أن الاختلاف في الفروع وقع بين صحابة رسول الله r حتى وقع بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

    قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " إنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن جعل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم، بحيث لا يصلح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدوداً من أهل الاختلاف ولو بوجه ما، لم يصح إطلاق القول في حقه إنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة، وبذلك فقد وسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم } مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ {([137])، فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله "([138]).

    وها هي المذاهب الفقهية المختلفة قد تلقتها الأمة بالقبول، ووصفـت أصحـابها

    بالإمامة في الدين، ولم تعتبر خلافها من جنس التفرق في الدين أو الخلاف المذموم الذي ينفي عن أهله وصف الجماعة، ويحشرهم في دائرة أهل التفرق الذي حذرت منه النصوص، وتوعدت أهله بالفشل وذهاب الريح([139]).

    ومن أجمل ما قيل في هذا الشأن قول الدكتور يوسف القرضاوي t: " الأحزاب مذاهب في السياسة، والمذاهب أحزاب في الفقه "([140]).

    ثانياً: مناقشة استدلالهم بالسنة النبوية:

    1. الأحاديث التي استدلوا بها في تحريم الأحزاب السياسية في الإسلام، وما شابهها مما لم يُذكر، غاية ما فيها الأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن مفارقتها، وذم العصبية، وتحريم الدعوة إليها، والقتال عليها، والأحزاب السياسية الإسلامية من أهم أهدافها تحقيق معاني الجماعة، ومقاومة الفرقة والاختلاف، ومحاربة العصبية، وتعميق معاني الأخوة بين المسلمين، ولو اتضح لدى المعترضين حقيقة عمل الأحزاب السياسية، وحدوده، والإطار الذي تعمل داخله تلك الأحزاب، لما حكموا بتحريمها، فإن حقيقة عمل الأحزاب السياسية المسلمة، وحدوده، والإطار الذي تعمل بداخله ـ وهو العقيدة الإسلامية الصحيحة، والشريعة المنبثقة عنها ـ يتميز تماماً عن حقيقة عمل الأحزاب السياسية غير المسلمة، وحدوده، والإطار الذي تعمل فيه تلك الأحزاب غير المسلمة([141]).

    2. إن الذي يورث التفرق والاختلاف في الحياة الحزبية هو التعصب المقيت، واعتقاد أهلها أنهم على حق محض، وما دونهم باطل محض، وهذا الاختلاف لا يكون إلا على أساس عقائدي، وبالتالي فالأحزاب الإسلامية هي دون ذلك([142])، فتعددها مشروع؛ لأنه تعدد في الوسائل والسياسيات، فيكون لا فرقة فيه ولا اختلاف.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " وأما رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله r من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك، ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله "([143]).

    3. بالنسبة للأدلة التي تنهى عن منازعة الإمام والتزام الطاعة له، فلا خلاف فيه طالما أن الحاكم يحكم بشريعة السماء، وبذلك تكون الأدلة خارجة عن محل النزاع، فالأحزاب الإسلامية لا تشق عصا الطاعة عن الحاكم المسلم، بل إنها تعضد وتقوي بيعته، ويتمثل دورها في طرح البرامج السياسية وغيرها، والسعي في طريق تنفيذها، كما أن قيام الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية لا يكون إلا بإذن الإمام، إلا إذا كان الإمام جائراً فتقضي الضرورة تشكيل معارضة سياسية، تقوم بفريضة التغيير، ولا تحتاج وقتها إلى إذن الإمام لقوله r: " إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ "([144]).

    4. أما حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، فإن الفرق المأمور باعتزالها بقوله: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا " هي فرق الضلال والكفر، ولا يصح حمل الأمر " فَاعْتَزِلْ " في الحديث على الفرق والأحزاب جميعها، فالحديث لا يأمر باعتزال الأحزاب السياسية المسلمة، وإلا لتناقض مع حديث الرسول r: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ "([145])؛ ولزوم حزب أو جماعة مسلمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر لا يتناقض ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فإذا أعملنا الحديثين فاعتزلنا فرق الضلال والكفر جميعها، وأنشأنا حزباً سياسياً مسلماً صرفاً يأخذ على عاتقه نصح الخليفة المسلم، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ونصرته، وحض الأمة على طاعته بالمعروف، والاستقامة إليه ما استقام لها، فعندئذ يتحقق في الأمة قول الله تعالى: } كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ{([146])...([147]).

    ثالثاً: مناقشة استدلالهم بالمعقول:

    1. بالنسبة لبعض الأحزاب السياسية أنها نشأت تحت مظلة العلمانية، وهي متولدة من النظام الديمقراطي، ولا يجوز إطلاق اعتمادها في دولة الإسلام؛ لا نسلم أن مسألة الأحزاب السياسية لا سند لها في كتب فقهائنا، فهم قد تحدثوا ـ كما بينا سابقاً([148]) ـ عن مراقبة الإمام، ومحاسبته، بل وعزله إن اقتضى الأمر، وهذه المفاهيم لها ارتباط عميق بمفهوم الأحزاب السياسية، لاسيما وأن الدولة لا ترتقي إلى هذه الدرجة من المراقبة والمحاسبة والعزل إلا بالجماعة؛ حتى لو تجاوزنا ذلك فإن مفهوم الرفض المطلق لكل ما جاء من النظام الديمقراطي سواء أكان ملائماً وموافقاً للشريعة الغراء، أم مخالفاً لها ليس صحيحاً؛ فتلك أحزاب غير إسلامية نشأت في ظل أنظمة جمهورية أو ديمقراطية، ونحن نتحدث عن أحزاب إسلامية نشأت تحت مظلة إسلامية.

    2. بالنسبة للقول بأن السلطة هي هدف الأحزاب السياسية، وأن التجارب قد فشلت، وأن ما وصل منها إلى الحكم صنعت الويلات؛ فنقول: إن المنصف يستثني الأحزاب الإسلامية من هذا الحرص على السلطة؛ لأن الأمر أضحى معلوماً أن ذلك سمة الأحزاب غير الإسلامية التي تسعى لذات السلطة.

    أما الأحزاب الإسلامية فمقصدها([149]) ليس كمقصد الآخرين، فهي لم تأت طمعاً في زينة الدنيا، إنما قامت لتنشئ مجتمعاً مسلماً يقيم سلطة مسلمة، وهي لا تنازع السلطة أصحابها، وإنما تعينهم على تحكيم شرع الله.

    ومن جهة أخرى ليس في الإسلام ما يمنع الأحزاب الإسلامية التي تمتلك الكفاءة أن تسعى للمناصب التي تحقق من خلالها مصلحة الإسلام والمسلمين، أخذاً بمبدأ يوسف عليه السلام:} اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {([150]).

    قال الألوسي ـ رحمه الله ـ: " يجوز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعيناً لذلك "([151]).

    وأما عن فشل التجارب الحزبية المعاصرة، فهو مردود، فالأحزاب التي وصلت إلى سدة الحكم في وقتنا المعاصر أحزاب علمانية، وهي التي أفدحت المصائب، وكانت وبالاً على الأمة، بل ولاحقت العاملين للإسلام حتى سامتهم سوء العذاب؛ وللحق: إن الأحزاب الإسلامية لم تخض التجربة إلا في السودان، فقد تسلمت الجبهة القومية الإسلامية زمام الحكم في عام 1989 م، وبدأت خطاها وفق شريعة الله، ولم تتجبر أو تظلم ـ مع بعض التحفظات على سياستها ـ ومن يومها نشأت قوى الشر في طعنها ومحاربتها، ناهيك عن الحرب الإعلامية العالمية الموجهة ضدها؛ أما باقي التجارب فما أن وصلت الأحزاب الإسلامية إلى الحكم بمبايعة وانتخاب الجماهير لها، حتى قامت الحرب عليها، وقمعت وسحقت، كما هو الشأن في الجزائر عندما فازت جبهة الإنقاذ بقيادة عباس مدني.

    3. أما الاحتجاج بانعدام السوابق التاريخية، فهنا لا بد من ضرورة التفريق بين الثوابت والمتغيرات في هذا الباب، فمن الثوابت سيادة الشريعة، وسلطة الأمة، والشورى، والحسبة، ونحوه وهذه من الأصول الثابتة التي لا يحل التفريط بها طرفة عين([152])، فالإسلام وضع أسساً عامة لنظام الحكم، وترك التفصيلات للمسلمين، كما أن النبي r توفي ولم يعين، ولم يشر إلى أسلوب معين لتحديد رئيس الدولة مثلاً، مما جعل النظام السياسي مرناً يتعاطى مع المتغيرات([153]).

    ولهذا فإن الأصل في هذه الوسائل أنها من مسائل السياسة الشرعية، التي تتقرر شرعيتها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتتغير فيها الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، ولا يعتبر ترك أهل عصر لها حجة على بطلانها، ولا إتيان أهل عصر آخر بها حجة على وجوبها([154]).

    ومن جهة أخرى فإن المتتبع لحياة بعض الأعلام من سلفنا الصالح، يجدهم قد جاهدوا ومارسوا دعوتهم إلى الله في إطار جماعة خاصة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كان قائد جماعة تلتزم بأمره، وتعمل بمشورته، وتصدر عن رأيه، وتعيش في سرائه وضرائه، وتأخذها الظلمة بما ينقمون على الشيخ، وتحارب تحت لوائه، وتتواصل معه بكل أنواع الصلات([155]).

    وإليك بعض رسائله التي كتبها في سجن الإسكندرية إلى جماعته ويقول فيها: " } وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ {([156]) والذي أعرف به الجماعة ـ أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة، وأتم عليهم نعمه الظاهرة والباطنة ـ والله العظيم الذي لا إله إلا هو في نعمة من الله ما رأيت مثلها قط في عمري كله ... " ويستمر الشيخ فيقول: " وأنا في هذا المكان أعظم قدراً، وأكثر عدداً ما لم يمكن حصره، وأكثر ما ينغص عليَّ الجماعة، فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم ... " ثم يواصل قائلاً لجماعته: " والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله، وإن لم يكن خدمه الجماعة باللقاء، فأنا داع لهم بالليل والنهار قياماً ببعض الواجب في حقهم، وتقرباً إلى الله تعالى في معاملته فيهم ... " ثم يوجه لهم أوامره: " والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله، ويعمل لله مستعيناً بالله مجاهداً في سبيل الله ... "أ.هـ([157]).

    وأما الاستدلال التاريخي بالفرق السياسية التي انشقت عن جماعة المسلمين، من الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، واعتبارها ظواهر مرضية لاختلافها في أمور عقدية، فهو استدلال غير موفق، لما فيه من التعميم، فهناك بعض الأحزاب انطلقت كمحاولة جادة لترتيب الوضع الإسلامي، وعلى الجملة، فلا تعد هذه الأحزاب النموذج المنشود للتعددية الحزبية في الدولة الإسلامية.

    4. مضمون الدليل الذي يقرر أن الأحزاب تجعل أساس الولاء والنصرة والإخاء، الانتظام في الحزب، وهذا لا يقبله الإسلام، فيحرم إنشاء الأحزاب على هذا الأساس. فنقول: إن الإسلام لا يرتضي غير الدخول فيه أساساً للولاء والبراء، وأي حزب سياسي مسلم يجعل الانتظام فيه أساس الولاء والبراء، ولا يعتبر سائر المسلمين ممن هم خارج الحزب إخواناً لأعضاء الحزب يجب لهم من المودة والمحبة والنصرة ما لأعضاء الحزب، فإنه حزب مذموم لا يجوز ولاؤه ولا نصرته، بل إن مجرد وجوده يعتبر منكراً تجب إزالته، ولكن لا يلزم من وجود مثل هذا الحزب تحريم إقامة أحزاب سياسية مسلمة صرفة، تجعل أساس الولاء والبراء فيها الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد r نبياً رسولاً([158]).

    5. حول القول بأن عمل الأحزاب يقوم على أساس شعار: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وأن التعددية الحزبية تقتضي التزام الفرد بكل ما تمليه عليه القيادة؛ فنقول: لا شك أن هذه ظاهرة مرضية تحياها الأحزاب السياسية، وأن طبيعة العمل الحزبي هو إلزام أفراده برأيه، وتقييدهم تحت مظلته، إلا أن هذه الظاهرة لا تجد لها مكاناً في العمل الإسلامي، فمفهومه يختلف كلياً؛ لأن القائمين على الأحزاب الإسلامية يفترض أنهم قد رسخوا في علوم الشريعة، وارتقوا ورعاً وتقوى، والعضو قد تشرب العقيدة والمفاهيم الإسلامية الصحيحة، فيلتزم برأي حزبه وفق هذه القيادة، ويفهم إسلامه الذي يدعوه ألا يساند الظالم في ظلمه، وأن يكون مع الحق ضمن شعار الإسلام الصحيح " انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً " فقالوا: يا رسول الله! فكيف ينصره ظالماً؟ قال: " تَأْخُذُ فَوْقَ يَدِهِ "([159]).

    والتعددية الحزبية التي أباحها الإسلام تحرم على الجماعات الإسلامية أن تربي أبناءها على معاداة ما دونهم من المسلمين، فليحذروا من أن يقعوا في هذا الإيذاء: } وَالذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَد احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً{([160])، فكل حزب يدعو أبناءه إلى الالتزام برأيه مطلقاً، يكون قد خالف الصواب، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " ومن حالف شخصاً على أن يوالي من والاه، ويعادي من عاداه،... كان من جنس المجاهدين في سبيل الشيطان "([161]).

    فيتجلى لنا أن الاحتجاج ليس في محل النزاع؛ لأن الشريعة هي الأساس والقاعدة التي تبنى عليها الأحزاب الإسلامية.

    الترجيح:

    من خلال عرض أدلة الفريقين، ومناقشة القائلين بتحريم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية، يظهر جلياً مناصرتنا للفريق الثاني القاضي بمشروعية التعددية السياسية، وذلك للاعتبارات التالية:

    1. قوة الأدلة التي استند إليها الفريق الثاني، والتي تحمل النزعة الجماعية في وجوب التغيير.

    2. إن أدلة الفريق الأول التي بنو عليها رأيهم، والتي تدعو إلى عدم الافتراق والاختلاف تحمل على الاختلاف في الأصول الكلية العامة للشريعة، والتعددية السياسية في الدولة الإسلامية تعددها هو تعدد تنوع وتخصص، واختلافها في الفروع والسياسات، وهذا مما لا تثريب فيه طالما أن الشريعة هي القاعدة الصلبة للجميع، وأنهم متفقون على أسس عامة، ومنطلقات معتبرة، وضوابط محددة.

    لذا ينبغي التحرر من فكرة القائلين ببدعية الأحزاب السياسية، إذ أن ذلك هو الذي يورث الفرقة والاختلاف، ويشرذم الصف المسلم، ويؤثر على مسيرة العمل الإسلامي، وكذلك التحرر من النظرة السطحية والقديمة لفكرة الأحزاب على أنها شر محض، وتبعث الفرقة والتباغض، وأن تتحول هذه النظرة وتتغير إلى ما يتوافق وشرعنا الحنيف، لاسيما وأن الأحزاب المؤطرة بالإسلام أضحت مصدر خير وفأل حرية واستقرار.




    المطلب الرابع

    حكم التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة

    سبق وأن بينا حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية، والقضية تطرح هنا بخلافها الفقهي السابق في تحريم التعددية وجوازها.

    وكنا قد ذهبنا إلى القول بمشروعيتها، وإذا كانت التعددية السياسية الملتزمة بسيادة الشرع مشروعة في حال قيام الدولة الإسلامية ووجود إمامها، فمن باب أولى أن تكون مشروعة في مرحلة بنائها والسعي إلى قيامها؛ وهذا هو واقع التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.

    فالعمل الإسلامي في غيبة الدولة الإسلامية التي لا تحكم بما أنزل الله، يجب أن يكون هدفه تغييرياً، أي تغيير الواقع بالإسلام، وليس وعظياً يتعايش مع الواقع، ويصبح جزءاً منه؛ والتغيير الإسلامي للواقع الجاهلي لأفكاره ومعتقداته، لنظمه وتشريعاته، لسلوكه وعاداته، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التنظيم والتنظيم الدقيق([162]).

    يقول الشيخ يوسف القرضاوي: إن تحقيق الحل الإسلامي المنشود الذي يتمثل في بناء مجتمع إسلامي سليم، وقيام حكم إسلامي رشيد، واستئناف حياة إسلامية صحيحة، لا يمكن أن يتم بالقرارات الحكومية الآلية، ولا بالانقلابات العسكرية الثورية، ولا بالوعظ والإرشاد وحده، ولا بالخدمات الاجتماعية الجزئية؛ إن الحل المنشود لا بد أن تسبقه حركة إسلامية، حركة واعية شاملة، تمهد له، وتدعو إليه، وتعد له رجاله وأنصاره([163]).

    لذلك فإن قيام الأحزاب الإسلامية في ظل وقتنا المعاصر، يعد فريضة شرعية، وضرورة سياسية، وذلك للحقائق الشرعية والسياسيـة التاليـة، التي تـوجب على

    المسلمين العمل في جماعة:

    1. القرآن الكريم يطالبنا بالجماعة:

    يقول الله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([164]).

    والصواب أن الأمة أخص من الجماعة، كما جاء في تفسير المنار ـ كما مر آنفاً([165]) ـ فالله تعالى يأمر بتكوين جماعة إسلامية تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتتحمل أعباء الدعوة.

    ثم إن العمل ضمن جماعة أقدر على مواجهة الجاهلية التي تحارب الإسلام ضمن تجمع حركي، مصداقاً للآية: } وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ {([166])، فوجه الله هذه الأمة المسلمة إلى واجبها تجاه هذا التجمع والولاء بقوله: } إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ{([167])...([168]).

    2. السنة النبوية حرصت على الجماعة، وحضت عليها في أدنى صورها، فقال r: " إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُواْ أَحَدَهُمْ "([169])، وهذا تأكيد على وجوب العمل الجماعي فيما هو أعظم من ذلك، لاسيما إذا ما تعلق الأمر بسياسة الدولة التي أقصت الشريعة عن الحكم، وباستنهاض النفوس لإعادة الخلافة الراشدة إلى الأمة من جديد.

    3. السنة تأمر بإيجاد طائفة في قوله r: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْـرُ اللهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى

    النَّاسِ "([170])، وهو يثير سؤالاً مهماً: من هم، وما صفتهم؟.

    فقيل في الجواب: هم أهل الحديث؛ وقيل: هم أهل الجهاد؛ وقيل: النهاة عن المنكر. وكل ذلك صواب، وأصوب منه: أنهم كل أولئك.

    وقد لخص ابن حجر ـ رحمه الله ـ قولاً جامعاً للنووي ـ رحمه الله ـ يدل على ثاقب البصر فقال: " يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد؛ ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في مكان واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض "([171]).

    ويكون دور الدعوة الإسلامية المعاصرة: في أنها حققت وجود هذه الطائفة في عالم الواقع بشمول بالغ المدى، وسعة وفيرة العدد بحمد الله ([172]).

    4. القاعدة الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:

    إن الاحتكام إلى شريعة الله تعالى وإقامة المجتمع الإسلامي الذي تحكمه عقيدة الإسلام أمر واجب، ولا يتصور أن يؤدي المسلم واجبه كاملاً نحو الإسلام بصورة فردية، فيكون لا سبيل إلى تحقيق هذا الواجب إلا بجماعة إسلامية، وحركة جهادية([173]).

    5. التواطؤ الدولي على الإسلام: يفرض بالتالي وحدة المواجهة والتصدي، وإن القوى المعادية للإسلام على اختلاف أسمائها، وأهدافها ووسائلها، أصبحت تجمعها اليوم جبهات وأحزاب وتكتلات على امتداد العالم الإسلامي، ولا يقبل في ميزان الشرع ولا العقل أن يقابل الجهد الجماعي المنظم بجهود فردية، وإنما يقابل الإسلام هذه الأحزاب والمنظمات بمثلها، أو بأقوى منها، كما قال أبو بكر لخالد رضي الله عنهما: حَارِبْهُمْ بِمِثْلِ مَا يُحَارِبُونَكَ بِهْ: السَّيْفُ بِالسَّيْفِ، وَالرُّمْحُ بِالرُّمْحِ، وَالنِّبْلُ بِالنِّبْلِ([174]).

    6. السياسة الشرعية:

    إذا كانت السياسة الشرعية كما يقول الفقهاء: هي تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية([175])؛ فإن التعددية السياسية تُعد من قبيل السياسة الشرعية، وبخاصة إذا ضعف الوازع الديني لدى الحاكم، والذي كان يمثل رقابة داخلية في ضميره، ويوجهه إلى ما فيه مصلحة الأمة؛ وبذلك فقد دعت الحاجة الشرعية والضرورة السياسية في وقتنا المعاصر إلى إيجاد نوع من الرقابة الشعبية ترد الحاكم إلى الجادة، وتدفعه إلى تحقيق المصالح العليا للأمة؛ وهذه الرقابة لا يمكن أن تكون بحالة فردية، بل تمارسها أحزاب سياسية تقدم البرامج والحلول للنهوض بالأمة، وتقاوم الطغيان، وتقف حائلاً دون التسلط والاستبداد بالحكم.

    7. إن التغيير الإسلامي المنشود، وإعادة الأستاذية للأمة من جديد، وبناء العز المستقبلي، والسعي في طريق الإصلاح التدريجي، لا يمكن أن يكون بجهود فردية مهما امتلكت من قوة في التأثير، وطاقة في العمل؛ لأنها تبقى جهود مبعثرة.

    وعملية التغيير والإصلاح كبرى، تحتاج إلى عمل إسلامي على مستواه، والعمل الجماعي هو المرشح والمطلوب، إذ أنه يحقق أهدافه، ويؤتي أكله؛ ولا يفل الحديد إلا الحديد، وهذا العمل جهاد شرعه الإسلام، وأملته الضرورة السياسية.

    8. الإسلام يأمرنا بالاعتصام والتعاون على البر والتقوى:

    وإن التعاون على العمل لإعادة صرح الإسلام، واستئناف حياته الربانية، هو من أخص أعمال البر والتقوى وأعظمها، وفيه تقوى شوكة المسلمين في مواجهة أعدائهم، ويعد وسيلة لا يتم واجب الدعوة إلا بها.

    والعاملون في حقل الدعوة في واقعنا المعاصر بناءون يتعاونون على تشييد صرح الإسلام، وكل عمل إسلامي إضافة إلى هذا البناء.

    وهذا ما تقتضيه ضرورة الواقع، أن تعمل كل جماعة من موقعها، وفي طريقها، وأن يتعاون الجميع لتحقيق الهدف المنشود.

    9. إن العمل الجماعي في هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وتحرير الأرض، والذود عن حياض الأمة ومقدساتها، يعد فريضة شرعية يفرضها واجب الجهاد، وضرورة سياسية يمليها الواقع؛ فيكون إيجاد الأحزاب السياسية واجب على الأمة قال تعالى: } إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ{([176]).

    10. البديل المعاصر عن التعددية السياسية لا يكون إلا نظام الحزب الواحد، الذي يسوم الناس سوء العذاب، ويذل الأمة، ويسعى لحرفها عن منهج الله، ولا يتوانى تدبير المؤامرات والكيد لأبناء الدعوة الإسلامية؛ يحدث كل ذلك دون مراقبة أو محاسبة، لانعدام التكتلات السياسية التي تناط بها هذه المسئوليات.

    وأخيراً أدعوك إلى مقارنة بين منهجَي المجيزين لإقامة الأحزاب الإسلامية، والمانعين، بيَّنها المفكر الإسلامي الكبير الشيخ محمد أحمد الراشد بقوله:

    أدعوك أن تلاحظ معي أن من لا يرون وجوب العمل الجماعي ينتهون إلى تهوين أمر العمل، والإكثار من الإشارة إلى إمكانية تركه، وهم يدندنون أصلاً حول هذه المسألة لتسويغ التعدد، بينما النظرة الشرعية المنطلقة من معاني التقوى تذهب إلى الحث على التمسك به، حتى ولو كان مجرد فضيلة واحدة وليس عدة فضائل، فإن المسلم مطالب بإتيان الفضائل الإيمانية، والتحلي بالمحاسن الأخلاقية، والأصل فيه حيازته لهما إلا لعذر.

    وليس الأصل التملص، فانتبه إلى الفارق بين النظرتين والمنهجين، والتخالف بين المنطلقين والمنطقين([177]).

    ويؤكد الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق على هذا الأمر فيقول: وللأسف أن الذين يفتون اليوم بعدم جواز الأحزاب السياسية الإسلامية، يقدمون خدمة جليلة لأعداء الدين من حيث لا يدرون؛ لأنهم بذلك يجعلون الدعوة إلى الله محصورة في إطار رسائل ضعيفة، يظهرونها دائماً بمظهر الخارج على الشرعية والقانون، ويجعلونها تسلك الطرق الجانبية الخفية السرية، ويدعون الطريق الواسع اللاحب لأعداء الدين، ليقودوا الأمة كما يريدون، ويوجهونها إلى حيث يشاءون([178]).

    ويحسن بي أن أنقل فتاوى هامة، وأسجل رأياً فقهياً في هذا الموضوع لشيخ له وزنه، وهو مفتي الديار السعودية سابقاً فضيلة الشيخ العالم عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى ـ فقد وُجه إليه سؤال في الذي يقول بأن الجماعات الإسلامية من الفرق التي أمر النبي r باعتزالها، هل فهمه غير صحيح؟.

    فأجاب فضيلته: الذي يدعو إلى كتاب الله، وسنة رسوله r ليس من الفرق الضالة، بل هو من الفرق الناجية المذكورة فيما روى عوف بن مالك t عن النبي r أنه قال: " افْتَرَقَت اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَافْتَرَقَت النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةً " فقيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: " مِثْلُ مِا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي"، وفي لفظ: " هِيَ الجَمَاعَةُ "([179]).

    فالضابط هو استقامتهم على الحق، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله، وسنة رسوله r وتدعو إلى توحيد الله، واتباع شريعته، فهؤلاء هم الجماعة، وهم من الفرقة الناجية، وأما من دعا إلى غير كتاب الله، أو إلى غير سنة الرسول r فهذا ليس من الجماعة، بل من الفرق الضالة الهالكة، وإنما الفرقة الناجية دعاة الكتاب والسنة، وإن كانت منهم جماعة هنا وجماعة هناك، ما دام الهدف والعقيدة واحد، فلا يضر كون هذه تسمى أنصار السنة، وهذه تسمى الإخوان المسلمين، وهذه تسمى كذا، المهم عقيدتهم وعملهم، فإذا استقاموا على الحق، وعلى توحيد الله والإخلاص له، واتباع رسول الله r قولاً وعملاً وعقيدة، فالأسماء لا تضرهم، وإذا أخطأت الجماعة في شيء، فالواجب على أهل العلم تنبيهها، وإرشادها إلى الحق إذا اتضح دليله([180]).

    وسئل فضيلته أيضاً: في الساحة من يقول: إن الفرق التي ورد الأمر باعتزالها في حديث حذيفة ([181]) هي الجماعات الإسلامية كالسلفيين والإخوان والتبليغيين؟

    فأجاب: هذا الحديث العظيم يبين لنا أن الواجب على المسلم لزوم جماعة المسلمين، والتعاون معهم في أي مكان، فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق ساعدهم، وصار منهم، وأعانهم، وشجعهم، وثبتهم على الحق والبصيرة، فإذا لم يجد جماعة بالكلية، فإنه يلزم الحق، وهو الجماعة ولو كان واحداً، كما قال ابن مسعود t لعمرو بن ميمون: " الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك "([182]).

    وفي زماننا هذا والحمد لله توجد الجماعات الكثيرة الداعية إلى الحق، فعلى المسلم الطالب للحق في أي مكان أن يبحث عن هذه الجماعات، فإذا وجد جماعة، أو مركزاً، أو جمعية تدعو إلى كتاب الله U وسنة رسوله r تبعها ولزمها([183]).

    وأنقل أيضاً سؤالين وجها إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

    أولاً: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب، وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟

    فأجيب: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله، وأن لا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداها الأخريات، وتنتصح بها، وتنصح لها، وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله r.

    ثانياً: في هذا الزمان عديد من الجماعات والتفريعات، وكل منها يدعي الانضواء تحت الفرقة الناجية، ولا ندري أيها على حق فنتبعه، ونرجو من سيادتكم أن تدلونا على أفضل هذه الجماعات وأخيرها، فنتبع الحق فيها مع إبراز الأدلة.

    فأجيب: كل هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية، إلا من أتى منهم بكفر يخرج من أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق، وعملهم بـه، وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً، فاعرف وجهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق، وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين أخوتهم في الإسلام، فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان، ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوه الدليل من الكتاب و السنة هي الفيصل بين الحق والباطل([184]).




    المطلب الخامس

    الموقف من الأحزاب غير الإسلامية

    اختلف الفقهاء والمفكرون المعاصرون في تحديد الموقف الشرعي تجاه الأحزاب غير الإسلامية، وذلك إلى قولين:

    القول الأول: التعددية السياسية مباحة بإطلاق، وبالتالي تشمل الأحزاب الشيوعية والعلمانية وغيرها، ومن أبرز المنادين بالتعددية على هذا النحو من الحركات الإسلامية في واقعنا المعاصر، حركة الاتجاه الإسلامي بتونس وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي([185])، وإليه ذهب الدكتور جابر قميحة، والدكتور سيف عبد الفتاح، والدكتور فهمي هويدي([186]).

    القول الثاني: التعددية السياسية لا تقبل إلا في الإطار الإسلامي، وبالتالي لا تشمل إلا الأحزاب الإسلامية الملتزمة بسيادة الشريعة، وإليه ذهب الدكتور أحمد الفنجري، الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمد أبو فارس، والشيخ مصطفى مشهور([187]).

    أدلة القول الأول:

    1. إن المذهبية الإسلامية التي استوعبت في داخلها اليهود والنصارى، لهي من المرونة بحيث تستوعب داخل إطارها الشيوعيين والعلمانيين، إذ لن يكونوا أكفر من اليهود والنصارى، وفي الصحيفة التي عقدها رسول الله r مع أهل المدينة من المسلمين واليهود ومن دخل في عهدهم، عبرة ومنهاج وسابقة لها دلالتها الحضارية التي تشهد بمدى مرونة الإطار السياسي في الدولة الإسلامية([188]).

    2. بماذا يمكن تبرير الازدواج في موقف الإسلاميين، إذا ما تحالفوا اليوم مع علمانيين من أجل إقرار الحرية للجميع، وبين مصادرة حقهم غداً إذا حصل الإسلاميون على الأغلبية، فأقاموا حكم الإسلام، أليست القاعدة: كما تدين تدان؟([189]).

    أدلة القول الثاني:

    استدلوا لمذهبهم بالقرآن الكريم والسنة والإجماع والمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {([190]).

    2. قال الله تعالى: } ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {([191]).

    وجه الدلالة: يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: " وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلك الذين لا يعلمون، أو تقصد منهجهم "([192]).

    وفي هذا دلالة على عدم جواز تمكين حزب غير إسلامي يسلك مسلك الشيوعية والعلمانية، ويقصد منهج الكفر.

    3. قال الله تعالى: } وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً {([193]).

    وجه الدلالة: يبين الله تعالى أنه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سلطاناً تاماً بالاستئصال، أو سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم([194]).

    والتعددية السياسية المطلقة التي تكون على أساس عقائدي، تسمح بأن يكون هناك سبلاً للأحزاب غير الإسلامية على المسلمين، فلا تجوز.

    4. قال الله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ{([195]).

    وجه الدلالة: تدل الآية على أن من شروط تولي الولايات العامة ـ وبخاصة الإمامة الكبرى ـ الإيمان لقوله تعالى: } وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ { أي مؤمناً من المؤمنين، وقيام حزب سياسي كفري يتوصل أن يحكم المسلمين كفر، والكفر مناقض للقرآن والسنة، فليس مقبولاً أن نسمح أن يتولى الحكم بسائر ولاياته حزب كافر، يدعو الناس إلى الكفر([196]).

    ثانياً: السنة:

    عن عبادة بن الصامت t قال: دعانا النبي r فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: " أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرِةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِن اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"([197]).

    وجه الدلالة: الحديث صريح في وجوب استخدام القوة لعزل الحاكم المسلم، الذي ارتكب الكفر، وارتد عن دين الله، فكيف نقبل بالأحزاب غير الإسلامية التي تغيب شريعة الله، وتحكم بالكفر، بل وتحض الناس على ذلك.

    ثالثاً: الإجماع:

    أجمع الفقهاء على أن الإسلام شرط في الإمامة، وأن الحاكم إذا ارتد، أو حكم بغير الإسلام، استحق العزل، واستوجب الخلع.

    قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: " أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل "([198]).

    وقال ابن المنذر ـ رحمه الله ـ: " أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على المسلم بحال "([199]).

    وقال الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ: " ومن المسائل المجمع عليها قولاً واعتقاداً أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود، وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة "([200]).

    وجه الدلالة: إن واقع الأحزاب غير الإسلامية، التي تتخذ المناهج الوضعية وسيلة للوصول إلى الحكم، هو واقع ردة؛ لأنها تحل حراماً، وتحرم حلالاً، وتجعل الحاكمية لغيـر الله تعالى، فلا يجوز أن تمكن لتكون لها ولاية على المسلمين.

    رابعاً: المعقول:

    1. إن الدولة الإسلامية قد نص دستورها على أن الوظيفة الأولى للحاكم، والحكومة هي حراسة الدين وسياسة الدنيا به، والأحزاب السياسية الكافرة، والمشركة، والملحدة لا تقوم بحراسة الدين، بل ليست مؤهلة لذلك؛ لأنها كافرة به، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بالذي فيه([201]).

    2. ليس من العدل أو المنطق أن نسمح في ظل الإسلام بدعوة أخرى ضده، تعمل على هدمه، وتنادي بغير تعاليمه، وتطالب بإزالته تحت اسم الحرية، وليس في منع هذا النوع من الحزبية اعتداء على الحرية السياسية أو الشخصية، فالدول الشيوعية تمنع الدعوات الدينية، والدول الرأسمالية تمنع الدعوات الشيوعية([202]).

    المناقشة:

    مناقشة أدلة القائلين بإباحة التعددية السياسية المطلقة:

    1. الاستدلال بصحيفة المدينة خارج عن محل النزاع؛ لأنها كانت أشبه ما يكون بالنسبة لليهود بعقد الذمة، التي تجعلهم يأمنون على أنفسهم في إقامتهم بين المسلمين، ولكن السيادة للشريعة والتحاكم إلى الله ورسوله r، جاء هذا جلياً في صلب الصحيفة في نص لا يحتمل التأول أو التمحل " وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد "([203]).

    فهل كانت هذه الصحيفة تجيز لليهود أن يكونوا حكاماً على المسلمين في المدينة، أو أقرت منهجاً يمكن أن ينتهي بهم إلى شيء من ذلك في مستقبل الأيام؟([204]).

    كما أنه ينبغي التفريق بين سماحة الإسلام مع الآخرين في التعايش وحسن المعاملة حتى يتسنى للجميع أن يعيشوا في أمن وسلام، وبين السماح لهم بنفوذ يوصلهم إلى سدة الحكم، ومن ثم تُقْصي الشريعة عن واقع الحياة، ويعيش الناس في اضطراب، وبعد عن تحكيم شريعة الله، فتصبح مهمة الإصلاح إفسادية، وهذا مما لا يُقْبَلُ، قال تعالى: } ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله

    هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ {([205]).

    2. بالنسبة للازدواج في الموقف: فنقول إن الفلسفة الإسلامية العامة تفضي إلى تحكيم شريعة الله تعالى في كل شئون الحياة، ورفض كل ما يخالفها من مبادئ وقوانين، وبالتالي تقييد الجميع بهذه الفلسفة.

    فالتعددية المطلقة لا وجود لها في الواقع لا في الدولة الإسلامية، ولا في الدول العلمانية؛ لأنه ما من دولة من الدول إلا وتقيد الحريات السياسية وغيرها، بما يسمى بالنظام العام والآداب، أو المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع ونحوه، وقد تضيق دائرة هذه القيود، وقد تتسع، وقد تتفاوت من دولة إلى أخرى، إلا أن القدر المحكم لدى الجميع هو وجود إطار يجب أن تتقيد به هذه التعددية، وأن تدور في فلكه([206]).

    ومن هنا فليس ثمة تناقض في الموقف بين قبول الإسلاميين للمخالفين في مرحلة وعدمه في أخرى، إذا ما اعتبرنا أن قبولهم لغيرهم وتحالفهم معهم في مرحلة الاستضعاف قائم على السياسة الشرعية التي تؤول إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا لا يمثل قانوناً شرعياً يجب أن يأخذوا به في كل الأحوال، إنما بحسب ما تقتضيه المصلحة.

    أما في مرحلة التمكين، فمنع المخالفين من نشر فكر أحزابهم، العلماني أو الشيوعي، وحض الناس عليه يمثل قضية أساسية في الشريعة الإسلامية، إذ أنها توصل أصحابها ومن حمل فكرها إلى الانحراف عن منهج الله، والإيمان بمناهج أرضية، قد تسيرهم للخروج والردة عن الإسلام، فتكون الدولة الإسلامية هي التي هيأت الناس للوصول إلى هذه الدرجة من الانحراف، وهذا مما لا يقبل شرعاً ولا عقلاً.

    يقول فضيلة الشيخ مصطفى مشهور ـ رحمه الله ـ: " الأمر يحتاج إلى تفرقة بين مرحلة الدعوة، حيث هناك أوضاع مفروضة ولا خيار للإسلاميين فيها، وبيـن

    نموذج الدولة التي يتصدرها الإسلاميون، وأنا لا أرى محلاً في الواقع الإسلامي لفتح الأبواب أمام المخالفين للإسلام للدعوة لمبادئهم، سواء كان هؤلاء من العلمانيين أو الشيوعيين، وهذا الموقف هو من قبيل الوقاية التي ينبغي التماسها لتأمين المجتمع، والدفاع عن قيمه الإسلامية وعافيته الإيمانية "([207]).

    الترجيح:

    مما لا شك فيه أن لكل أمة فلسفة خاصة، يتقيد بها الأفراد والجماعات، وعبر تاريخ الأمة الإسلامية، تقيدت الأمة بفلسفة الإسلام، والعمل الإسلامي يسعى جاهداً لعودة الأمة إلى هذه الفلسفة، حيث أن خروجها عن إطارها حالة مرضية يجب أن تنتهي، وعليه فإن الأمة إذا عادت إلى حالتها الصحية، فإننا سنجد الأمر من الناحية الواقعية يختلف كثيراً عن البعد النظري، التي نوقشت المسألة من خلاله.

    والمؤمن إذا مُكِّن لدينه يجب أن يكون على يقين بولاء الناس لدين الحق والعدل، بعد وقوفهم عليه، وكذلك أن يكون لديه سعة صدر لقبول الآخرين، والتعاطي معهم حتى وصول الحق إليهم.

    ومن هذا المنطلق نشايع القول الثاني، في رأيه القاضي بعدم جواز التعددية السياسية المطلقة، التي تشمل الأحزاب غير الإسلامية، وذلك لعدم مناهضة أدلة القول الأول له، ولكن القضية تبقى خاضعة لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، فقد تقتضي المصلحة في بعض الأحوال قبول التعددية السياسية المطلقة، وهذا رأي وجيه يستند إلى السياسة الشرعية، أشار إليه الدكتور يوسف القرضاوي ـ الذي أجاز قيام أحزاب غير إسلامية ـ بعد أن بين فضيلته رفض الإسلام لقيامها ابتداء، فقال: " لا يقبل قيام أحزاب شيوعية في بلاد إسلامية؛ لأنها مرفوضة من جمهور المسلمين؛ قد يمكن القول بأنه يجوز لأهل الحل والعقد أن ينظروا في بعض البلاد، وفي بعض الأحيان في السماح للشيوعيين بالعمل، وتكوين حزب أحياناً ليعملوا علناً بدلاً من أن يعملوا تحت الأرض؛ لأن العمل السري قد يغري بعض الناس بأحلام البطولة، والجري وراء الشيء الغامض، والشيء المستور هذا قد يضلل بعض الشباب، ويغري بعض الأغرار والبسطاء والمخدوعين، ويظنون أن تحت القبة شيخاً، ويلهثون وراء هؤلاء، فقد يكون من المفيد أن نغري هؤلاء وندعهم يعملون، ولن يجدوا أحداً يستمع لهم، هذا أمر يدخل في يد السياسة الشرعية "([208]).





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة 3/1072 ح 2775).

    ([2]) ابن منظور: لسان العرب (1/308- 309)، مادة: حزب.

    ([3]) انظر: ابن حجر: فتح الباري (3/445).

    ([4]) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث (1/376)، ابن منظور: لسان العرب (1/309)، الرازي: مختار الصحاح (1/56).

    ([5]) شكر: القانون الدستوري والمؤسسات (ص: 132).

    ([6]) الوحيدي: الفقه السياسي الدستوري في الإسلام (ص: 80).

    ([7]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 538).

    ([8]) عبد الله: النظم السياسية والقانون الدستوري (ص: 538)، عدوان: جذور علم السياسة (ص: 85)، الوحيدي: الفقه السياسي الدستوري في الإسلام (ص: 80).

    ([9]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (11/92).

    ([10]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 126)، عدوان: جذور علم السياسة (ص: 86- 88)

    ([11]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 126).

    ([12]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 13).

    ([13]) السابق (ص: 13- 14).

    ([14]) أمين: ضحى الإسلام (3/4).

    ([15]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 65).

    ([16]) الشهرستاني: الملل والنحل (1/117).

    ([17]) أمين: فجر الإسلام (ص: 266)، عيسى: الحزبية السياسية منذ قيام الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية (ص: 152).

    ([18]) أخرجه أحمد: المسند (مسند أنس بن مالك 3/129 ح 12332)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح الجامع (1/535 ح 2758).

    ([19]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي r: لو كنت متخذاً خليلاً 3/1341 ح 3467).

    ([20]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 39 - 41).

    ([21]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 47 - 49).

    ([22]) أبو زهرة: تاريخ الجدل (ص: 119).

    ([23]) جمعة: الاتجاهات الحزبية في الإسلام منذ عهد الرسول r حتى عصر بني أمية (ص: 143).

    ([24]) ابن خلدون: المقدمة (ص: 196).

    ([25]) أمين: ضحى الإسلام (3/213)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 142)، عثمان: من أصول الفكر السياسي الإسلامي (ص: 366)، عمارة: الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية (ص: 78).

    ([26]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/121)، بخيت: الفرق القديمة والمعاصرة في التاريخ الإسلامي (ص: 37).

    ([27]) الخميني: الحكومة الإسلامية (ص: 91).

    ([28]) السابق: (ص: 54).

    ([29]) أبو زهرة : تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 52).

    ([30]) السابق: (ص: 34 – 38).

    ([31]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 38)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 175).

    ([32]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 40)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 146).

    ([33]) الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 175)، عثمان: من أصول الفكر السياسي الإسلامي (ص: 366).

    ([34]) أمين: فجر الإسلام (ص: 272)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 225 - 233).

    ([35]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 48)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 189).

    ([36]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 54).

    ([37]) السابق (ص: 57)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 259).

    ([38]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 58).

    ([39]) ابن حجر: فتح الباري (12/283)، الشوكاني: نيل الأوطار (7/339).

    ([40]) أمين: فجر الإسلام (ص: 256)، حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 154)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 175).

    ([41]) الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 122).

    ([42]) أمين: ضحى الإسلام (3/337 – 340).

    ([43]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 60 – 61).

    ([44]) المرجع السابق (ص: 65)، أمين: فجر الإسلام (ص: 258).

    ([45]) أمين: فجر الإسلام (ص: 258)، الشهرستاني: الملل والنحل (1/124)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 179).

    ([46]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 65).

    ([47]) الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/168).

    ([48]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 73)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 186)، البغدادي: الفرق بين الفِرَق (ص: 82- 83).

    ([49]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 74)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 189).

    ([50]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 76)، حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 159)، الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 174).

    ([51]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 77)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 192).

    ([52]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 78)، الشكعة: إسلام بلا مذهب (ص: 135).

    ([53]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 289 – 292).

    ([54]) أبو زهرة: الإمام مالك (ص: 145).

    ([55]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 289).

    ([56]) الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 405).

    ([57]) الريس: النظريات السياسية الإسلامية (ص: 81 – 83).

    ([58]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 298).

    ([59]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 372 – 374).

    ([60]) السابق (ص: 648).

    ([61]) إن صورة الحزبية السياسية التي عاشها فقهاؤنا القدامى ـ رحمهم الله ـ كانت صورة مقيتة، وصفحة مظلمة، ولم تمثل أحزاباً سياسية بناءة، فقد جاءت في إطار فتنة، وكان لها من الانحرافات الكثيرة التي جعلت العلماء ينظرون إليها انطلاقاً من هذا الواقع.

    ([62]) ابن هشام: السيرة النبوية (3/168).

    ([63]) السابق (4/180)، الطبري: التاريخ (2/94).

    ([64]) البنا: مجموعة الرسائل (ص: 168).

    ([65]) السابق (ص: 167).

    ([66]) السابق (ص: 166).

    ([67]) البنا: مجموعة الرسائل (ص: 166).

    ([68]) القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 157).

    ([69])التلمساني: ذكريات لا مذكرات (ص: 186).

    ([70]) عدوان: التحول إلى التعددية الحزبية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر (ص: 98)، بحث منشور في مجلة جامعة النجاح للأبحاث ب " العلوم الإنسانية " المجلد (16)، العدد الأول، حزيران (2002)، نقلاً عن جريدة الأحرار (ص: 4، 8/8/1988م).

    ([71]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([72]) النبهاني: نظام الحكم في الإسلام (ص: 248).

    ([73]) أبو زيد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية (ص: 65)، المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 35)، يكن: أبجديات التصور الإسلامي (ص: 74)، خان: الإسلام والعصر الحديث (ص: 45).

    ([74]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 29)، أمين: الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية (ص: 38)، حوى: جند الله تخطيطاً (ص: 18)، الديلمي: العمل الجماعي: محاسنه وجوانب النقص فيه (ص: 22)، سميع: أزمة الحرية السياسية (ص: 321)، الصاوي: مدى شرعية الانتماء (ص: 50)، عبد الخالق: مشروعية الجهاد الجماعي (ص: 15)، عمارة: الإسلام والتعددية (ص: 165)، العوا: الفقه الإسلامي في طريق التجديد (ص: 59)، العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 72)، الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية (ص: 249)، الفنجري: التعددية السياسية (ص: 267)، القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 147)، النبهاني: نظام الحكم في الإسلام (ص: 248)، النحوي: الصحوة الإسلامية إلى أين (ص: 96)، النفيسي: عندما يحكم الإسلام (ص: 8).

    ([75]) سورة الأنعام: الآية (159).

    ([76]) سورة الروم: من الآية (31)، والآية (32).

    ([77]) سورة الأنفال: من الآية (46).

    ([78]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 35)، يكن: أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي (ص: 74).

    ([79]) سورة القصص: من الآية (4).

    ([80]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية (ص: 38)، بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر (السنة 11 العدد 44 لسنة 1405 – 1985 ترجمه إلى العربية محمد رفقي عيسى).

    ([81]) سورة آل عمران: من الآية (103).

    ([82]) سورة آل عمران: الآية (105).

    ([83]) أبو زيد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، (ص: 143)، المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 38).

    ([84]) سورة الأنعام: من الآية (65).

    ([85]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية (ص: 37 – 38).

    ([86]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1476ح1848).

    ([87]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1477ح1849).

    ([88]) أخرجه أحمد: المسند (مسند الشاميين، حديث حارث الأشعري 4/202 ح 17953)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح سنن الترمذي (5/148 ح 2863).

    ([89]) أخرجه الترمذي: السنن (كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة 4/465 ح 2165)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح وضعيف الترمذي (ص: 489 ح 2165).

    ([90]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 43)، العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 28)، المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 39 – 41).

    ([91]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الأحكام، باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية 6/2612 ح 6723).

    ([92]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة 3/1478 ح 1851).

    ([93]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 56).

    ([94]) سبق تخريجه (ص: 37)، وهو صحيح.

    ([95]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 46).

    ([96]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام 3/1319 ح 3411)، مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1475 ح 1847)، واللفظ له.

    ([97]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 84).

    ([98]) المرجع السابق (ص: 83).

    ([99]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 84).

    ([100]) المرجع السابق (ص: 28، 29)، الصاوي: التعددية السياسية (ص: 48).

    ([101]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 47).

    ([102]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 45).

    ([103]) سميع: أزمة الحرية السياسية في الوطن العربي (ص: 315).

    ([104]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([105]) رضا: تفسير المنار (4/36).

    ([106]) سورة المائدة: من الآية (2).

    ([107]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 74).

    ([108]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (6/47).

    ([109]) الدريني: الحق ومدى سطان الدولة في تقييده (ص: 225).

    ([110]) سورة التوبة: الآية (122).

    ([111]) سورة النساء: من الآية (58).

    ([112]) الرازي: المحصول (2/317)، الغزالي: المنخول (1/117).

    ([113]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الشركة باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه 2/882 ح 2361)

    ([114]) الغزالي: الإسلام والاستبداد السياسي (ص: 148).

    ([115]) سميع: أزمة الحرية السياسية (ص: 318).

    ([116])أخرجه الترمذي: السنن (كتاب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 4/468 ح 2169)، وحسنه الألباني في المصدر نفسه..

    ([117]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان 1/69 ح 50).

    ([118]) الشاطبي: الموافقات 4/194- 195).

    ([119]) القرافي: الفروق (2/61).

    ([120]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 82- 85).

    ([121]) ابن القيم: الطرق الحكمية (ص: 17- 18).

    ([122]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 84- 85).

    ([123]) ابن عبد البر: التمهيد (23/338)، الطبري: التاريخ (3/114).

    ([124]) القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 157).

    ([125]) الصاوي: مدى شرعية الانتماء (ص: 113).

    ([126]) الشنتوت: التربية السياسية (ص: 104).

    ([127]) يقول الدكتور يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم (ص:159):" هذه القاعدة الذهبية صاغها العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله، وكان الإمام حسن البنا رحمه الله حفياً بهذه القاعدة حريصاً على الالتزام بها فكراً وعملاً، حتى حسب كثير من تلامذته وأتباعه أنه واضعها ".

    ([128]) عبد الخالق: مشروعية الجهاد الجماعي (ص: 15).

    ([129]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 133 – 136).

    ([130]) الشنتوت: التربية السياسية (ص: 104)، نقلاً عن البيانوني: وحدة العمل الإسلامي (ص: 65).

    ([131]) سورة القصص: من الآية (15).

    ([132]) سورة الصافات: الآية (83).

    ([133]) سورة المائدة: الآية (56).

    ([134]) سورة الحجرات: من الآية (9).

    ([135]) سورة هود: الآية (118).

    ([136]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية ص: (38- 40).

    ([137]) سورة هود: من الآية (119).

    ([138]) الشاطبي: الاعتصام (2/166- 171).

    ([139]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 52).

    ([140]) القرضاوي: فقه الدولة (ص: 151- 152).

    ([141]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 37- 38).

    ([142]) لا ننكر وجود تعصب عند بعض الجماعات الإسلامية، أو قل عند بعض الأفراد من الجماعات، وأعتقد أن مرد ذلك ضعف الجانب التربوي والتوجيه الصحيح عندها، وقد أشار الأستاذ عمر عبيد حسنة: نظرات في مسيرة العمل الإسلامي (ص: 40) إلى مثل هذا فقال: " من الخطأ العقيدي والتاريخي الاعتقاد بأن الإسلام حكر على جماعة بعينها إلى درجة تعلن منها أنها جماعة المسلمين، أو أنها تمتلك الحق المحض، وغيرها يعيش على الباطل المحض، ومن هنا يبدأ الانحراف وتتسع زاويته، ويبدأ التعسف في إصدار الأحكام على الناس إلى درجة قد تصل إلى تكفير من لا يسلك في طريقها ولا يرى رأيها ".

    ([143]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (11/92).

    ([144]) سبق تخريجه (ص: 37)، وهو صحيح.

    ([145]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة، باب قوله r لا تزال طائفة من أمتي 3/1524 ح 1923).

    ([146]) سورة آل عمران: من الآية (110).

    ([147]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 38- 39).

    ([148]) راجع ما كتبناه في الحرية السياسية (ص: 43).

    ([149]) مقصد المسلم هو ما قاله ربعي بن عامر t: " إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " الطبري: التاريخ (2/401).

    ([150]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([151]) الألوسي: روح المعاني (13/5).

    ([152]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 67).

    ([153]) هنيه: حكم الحزبية في الإسلام، لقاء صحفي مع جريدة صوت الجامعة العدد (49) (ص: 13) (1423هـ ـ 2003م).

    ([154]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 68)، عبد الخالق: مشروعية العمل الجماعي (ص: 9- 11).

    ([155]) راجع في ذلك عبد الخالق: شيخ الإسلام ابن تيمية والعمل الجماعي (ص: 2- 7)، وقد كتبه رداً على القائلين بأن الإسلام لم يسبق أن مارس العمل في جماعة.

    ([156]) سورة الضحى: الآية (11).

    ([157]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/30- 46).

    ([158]) العوضي: حكم المعارضة والأحزاب السياسية (ص: 62).

    ([159]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً 2/863 ح 2312).

    ([160]) سورة الأحزاب: الآية (58).

    ([161]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/20).

    ([162]) يكن: أبجديات التصور الحركي (ص: 20- 21).

    ([163]) القرضاوي: الحل الإسلامي فريضة وضرورة (ص: 224).

    ([164]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([165]) انظر: (ص: 81).

    ([166]) سورة الأنفال: من الآية (73).

    ([167]) سورة الأنفال: من الآية (73).

    ([168]) عزام: حكم العمل في جماعة (ص: 7).

    ([169]) سبق تخريجه (ص: 32)، وهو حسن صحيح.

    ([170]) سبق تخريجه (ص: 133)، وهو صحيح.

    ([171]) ابن حجر: فتح الباري (13/255).

    ([172]) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (3/40).

    ([173]) أمين: الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية (ص: 38)، عبد الرحمن: البيعة في النظام السياسي الإسلامي (ص: 230)، القرضاوي: الحل الإسلامي (ص: 225)، مشهور: طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف (ص: 34).

    ([174]) الديملي: العمل الجماعي محاسنه وجوانب النقص فيه (ص: 22)، القرضاوي: الحل الإسلامي (ص: 255)، يكن: أبجديات التصور الإسلامي (ص: 76).

    ([175]) خلاف: السياسة الشرعية (ص: 17).

    ([176]) سورة الصف: الآية (4).

    ([177]) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (3/38).

    ([178]) عبد الخالق: المسلمون والعمل السياسي (ص: 20).

    ([179]) أخرجه ابن ماجه: السنن (كتاب الفتن، باب افتراق الأمم 2/1322 ح 2993)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح سنن ابن ماجه (2/1322 ح 2993).

    ([180]) ابن باز: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/181- 183).

    ([181]) سبق تخريجه (ص: 102)، وهو صحيح.

    ([182]) المزي: تهذيب الكمال (22/265).

    ([183]) المرجع السابق (8/179- 181).

    ([184]) موقع اللجنة الدائم على الإنترنت.

    ([185]) فقد جاء في البيان التأسيسي لهذه الحركة: أن من وسائل الحركة لتحقيق المهام المنوطة بها ما يلي: " رفض مبدأ الانفراد بالسلطة ـ الأحادية ـ لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان، وتعطيل لطاقات الشعب، ودفع البلاد في طريق العنف، وفي المقابل إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع، وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية " الغنوشي: محاور إسلامية (ص: 159). وعندما سئل رئيس الحركة في الندوة الصحفية المنعقدة في يونيو 1981م عن رأيه في التعددية السياسية والتنسيق مع المعارضة أجاب ما يلي: ... نحن لا نعارض ألبته أن يقوم في البلاد أي اتجاه من الاتجاهات، ولا نعارض ألبته قيام أي حركة سياسية وإن اختلفت معنا اختلافاً أساسياً جذرياً بما في ذلك الحزب الشيوعي، فنحن حين نقدم أطروحتنا نقدمها ونحن نؤمن بأن الشعب هو الذي رفعنا إلى السلطة ليس إلا، ولذلك ليس لنا الحق أن نمنع أي طرف من أن يقدم برنامجه، وهذا الموقف هو منطق مبدئي إسلامي أصولي شرعي" الصاوي: التعددية السياسية (ص: 100- 101) نقلاً عن الهاشمي: أشواق الحرية (ص: 88- 89).

    ([186]) قميحة: المعارضة في الإسلام (ص: 149)، هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 82- 84).

    ([187]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 34)، الصاوي: التعددية السياسية (ص: 101)، الفنجري: الحرية السياسية في الإسلام (ص: 266)، هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 84).

    ([188]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 101)، انظر إلى نص الصحيفة التي عقدها النبي r مع أهل المدينة عند ابن هشام: السيرة النبوية (3/31- 35).

    ([189]) الغنوشي: الحريات العامة في الإسلام (ص: 260).

    ([190]) سورة المائدة: الآية (49).

    ([191]) سورة الجاثية: الآية (18).

    ([192]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (4/150).

    ([193]) سورة النساء: من الآية (141).

    ([194]) الألوسي: روح المعاني (5/175)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (5/420).

    ([195]) سورة النساء: من الآية (59).

    ([196]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 39).

    ([197]) سبق تخريجه (ص: 78)، وهو صحيح.

    ([198]) النووي: شرح صحيح مسلم (12/229).

    ([199]) ابن القيم: أحكام أهل الذمة (2/787).

    ([200]) رضا: تفسير المنار (6/367).

    ([201]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 36).

    ([202]) الفنجري: الحرية السياسية (ص: 266).

    ([203]) ابن هشام: السيرة النبوية (3/34).

    ([204]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 107).

    ([205]) سورة لقمان: الآية (30).

    ([206]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 108).

    ([207]) هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 84).

    ([208]) القرضاوي: هموم المسلم المعاصر (ص: 81).
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-09-30
  3. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    وكنت قد نقلت منه مقاطع في نقاشي مع بعض الاخوة في المجلس الاسلامي وانا الان اورد الموضوع بكامله وانقله من موقعه الاصلي هنا للفائدة والاطلاع
    وهذا رابطه :http://www.palestine-info.info/arabic/books/2006/musheer/mush10.htm

    التعددية الحزبية السياسية في ظل الدولة الإسلامية، وأنظمة الحكم المعاصرة



    ويتكون من خمسة مطالب:



    المطلب الأول: مفهـوم الحزبيـة

    المطلب الثاني: الأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي

    المطلب الثالث: حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية

    المطلب الرابع: حكم التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة

    المطلب الخامس: الموقف من الأحزاب غير الإسلامية





    المطلب الأول

    مفهـوم الحزبيـة، ووظائفها

    أولاً: مفهوم الحزبية:

    الحزب في اللغة:

    الحِزْبُ: جماعة الناس؛ وحِزْبُ الرجل: أصحابه وجنده الذين مع رأيه؛ والجمع: أحزاب؛ والأحزاب: جنود الكفار، تألبوا وتظاهرا على حزب النبي r، وفي الحديث: " اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِم الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْهُمْ "([1]).

    والحِزْبُ: الصنف من الناس، قال ابن الأعرابي: الحزب الجماعة، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم، فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضاً([2]).

    والحِزْبُ أيضا: الطائفة من الناس، وتَحَزَّبُوا: تجمعوا وصاروا أحزاباً، وفي حديث ابن الزبير رضي الله عنهما: " يُرِيدُ أَنْ يُحَزِّبَهُمْ "([3])، أي يقويهم ويشد منهم، ويجعلهم في حزبه، أو يجعلهم أحزاباً([4]).

    الحزب السياسي في الاصطلاح:

    تعددت تعريفات الحزب السياسي بين المفكرين، وكان من أهمها ما يلي:

    1. ما عرفه فرنسوا غوغيل وهو: " مجموعة منظمة للمشاركة في الحياة السياسية، بهدف السيطرة كلياً أو جزئياً على السلطة، دفاعاً عن أفكار ومصالح محازبيها "([5]).

    2. ويرى أندريه هوريد أنه: " تنظيم دائم يتحرك على مستوى وطني، ومحلي، من أجل الحصول على الدعم الشعبي، ويبغي الوصول إلى ممارسة السلطة، بغية تحقيق سياسة معينة "([6]).

    3. وعرفه سليمان الطماوي: " بأنه مجموعة متحدة من الأفراد، تعمل بمختلف الوسائل الديمقراطية للفوز بالحكم، بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين "([7]).

    ويتضح من التعريفات السابقة أن الحزب السياسي يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

    1. تنظيم سياسي له هيكل معين.

    2. أعضاء من الشعب ينتمون إلى هذا التنظيم، والدفاع عن مبادئه.

    3. هدف يتمثل في الوصول إلى الحكم، وممارسة السلطة، لتحقيق مبادئ الحزب، وتنفيذ برنامجه السياسي([8]).

    ونحن لا نختلف مع هذه التعاريف في حقيقة الحزب وتكوينه، إلا أنه لا يمكن استصحاب هذه التعاريف إلى الفكر السياسي الإسلامي، وذلك لاشتمالها على بعض الحقائق التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية الغراء، ومنها:

    1. إن الحزب في المفهوم الإسلامي له أهداف، وتطلعات شرعية وسياسية مغايرة لما تبغيها الأحزاب الديمقراطية، فهو يسعى لتحكيم شريعة الله، وإرساء معالم الإسلام.

    2. إن الوصول إلى الحكم، وممارسة السلطة لا يمثل هدفاً لقيام الحزب في الإسلام، وإنما هو وسيلة ضرورية من وسائل تحقيق أهدافه.

    3. إن الحزب في الإسلام يعتمد وسائل مشروعـة في طريق تنفيـذ برنامجه

    السياسي، بخلاف غيره من الأحزاب التي تسلك الوسائل الديمقراطية، حيث يخالف بعضها منهج الإسلام، والغاية لا تبرر الوسيلة.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " وأما رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله r من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم"([9]).

    وفي ضوء ما تقدم بات واضحاً مفهوم الحزب السياسي إلا أنه يحتاج إلى تقييده بقيود تضبط مقاصده ووسائله بضوابط الإسلام.

    وعليه فالحزب السياسي في الإسلام هو: " مجموعة منظمة اجتمعت على ما أمر الله به ورسوله، للمشاركة في الحياة السياسية، بهدف إقامة الحق والعدل، ورعاية مصالح الأمة".

    وهناك عدة وظائف وأغراض يهدف إليها نظام الأحزاب، أحاول إبرازها فيما يلي:

    ثانياً: وظائف الأحزاب السياسية:

    إن تعدد الأحزاب السياسية أمر ضروري، وأساسي لأداء عدة وظائف ومهام سياسية، يصعب تحقيقها في غياب تعدد الأحزاب، بخاصة في ظل ظروف العصر الحديث([10])، ومن أهم هذه الوظائف:

    1. إلقاء الضوء على المسائل الهامة التي تواجه المجتمع، والقيام بدور تنويري وترشيدي للمجتمع، لإعانته على تحديد موقفه من القضايا المطروحة عليه، وهي بذلك تأخذ بيد الجماهير نحو دمجها في العملية السياسية، وزيادة مشاركتها فيها.

    2. تقوم الأحزاب عادة بمراقبة أعمال الحكومة، ومحاسبتها بالوسائل القانونية المشروعة، وتسعى لفضح مساوئ سياسات الحكـومة أمام المجتمع، للضغط عليها

    كي تتراجع عنها، فتدرأ عن المجتمع كثيراً من المشكلات.

    3. تنظيم وسائل التعبير، وتوفير منابر للأفراد والفئات، وضبطها حتى لا تتحول الاختلافات إلى صدامات عنيفة تودي بوحدة المجتمع.

    4. إعداد القادة، وتقديم الأشخاص المرشحين للانتخابات، وكذلك البرامج السياسية التي تحدد سياسات الأحزاب والحكومات المقبلة، التي تشكلها هذه الأحزاب في حالة النجاح، وباختيار الأحزاب للمرشحين، يخرج المرشح من دائرة الحرج إذا قام بطلب الولاية وتزكية نفسه بذلك.

    5. ويعد مبدأ تعدد الأحزاب السياسية من أهم الضمانات والوسائل الحديثة في خدمة أي نظام سياسي حر حسن النية، في سعيه لتحقيق الديمقراطية الشرعية، وحرصه على منع الاستبداد([11]).

    6. إيجاد مناخ صالح لنمو نظريات متنوعة في السياسة والاجتماع وازدهارها، وتقوم بدورها بعرض هذه النظريات على المجتمع لمناقشتها، حتى يتم الوصول إلى ما هو أصلح، وتفتح باباً لتبادل الآراء، لاتخاذ المواقف الصحيحة حول الأوضاع الراهنة، والحوادث المستجدة([12]).

    7. تنظيم الاحتجاجات ضد الهيئة الحاكمة، وكفها عن العدوان والطغيان في ممارسة السلطة، وإعطاء الشعب فرصة اختيار البديل، وفي نفس الوقت توفير الفرصة لمن يتطلعون إلى الحكم والسلطة أن يرشحوا أنفسهم أو ممثلهم([13]).




    المطلب الثاني

    الأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي

    كان للأحداث الأليمة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما عقبها من حادثة التحكيم، دورٌ بارزٌ في نشوء التعددية الحزبية ببن أوساط المجتمع الإسلامي، فقد أضحى كل حزب يتبنى رأياً، ويتفانى في سبيله.

    ونحن إذا نظرنا إلى نشأة هذه الأحزاب بالمفهوم الحديث للحزبية، لقلنا: إنها مسألة سياسية خالصة، فالصراع بين المسلمين كان صراعاً سياسياً حول منصب الخلافة، وحول أحقية كل طرف من أطراف النزاع في هذا المنصب، ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو في ذلك العصر، بل إن هذه الأحزاب السياسية قد اصطبغت بصبغة دينية قوية، نظراً لما كان للدين من أثر ومكانة في النفوس في ذلك العصر.

    وهكذا كان الخلاف السياسي سبباً من أسباب الخلاف الديني، وسبباً في نشوء العقائد والفرق من الأحزاب([14]).

    وأشهر هذه الأحزاب الشيعة، والخوارج، وأهل السنة:

    الفرع الأول: الشيعة:

    الشيعة: هم الذين شايعوا علياً t، وهم يقدمونه على سائر أصحاب رسول الله و([15])، وهم أيضاً القائلون بإمامته نصاً ووصية، إما جلياً، وإما خفياً([16]).

    وترجع نشأة هذا الحزب إلى الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي r أن أهل بيته أولى أن يخلفوه، وأولى أهل البيت علي بن أبي طالب ([17]).

    وكان الاختلاف في الإمامة أول اختلاف بين المسلمين بعد نبيهم r لما قبضه الله U، إذ اجتمعت الأنصار y في سقيفة بني ساعدة، وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة t، وقد بلغ ذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فأعلمهم أبو بكر t أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم بقوله r: " الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشَ "([18])، فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا y إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار y: " مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ "([19])، ثم بايعوا أبا بكر t، واجتمعوا على إمامته([20]).

    واستمر الأمر على ذلك، ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر t وأيام عمر t، إلى أن ولي عثمان بن عفان t، وفي خلافته ظهر المذهب الشيعي([21]).

    وتعتبر الشيعة من أقدم الفرق الإسلامية، حيث ظهروا بمذهبهم السياسي في آخر عصر عثمان t، ونما وترعرع في عهد علي t؛ إذ إنه كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه وعلمه، فاستغل دعاة فكرة التشيع هذا الإعجاب، وأخذوا ينشرون نحلتهم بين الناس.

    ولما جاء العصر الأموي، ووقعت المظالم على آل البيت، واشتد نزول أذى الأمويين بهم، ظهرت دفائن المحبة لهم، والشفقة عليهم، ورأى الناس في علي وأولاده y شهداء هذا الظلم، فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره([22]).

    والتاريخ السياسي للشيعة كان عبارة عن ثورات متعددة، فقد جسدت الشيعة الرفض السياسي لبقاء السلطة خارج أهل البيت([23]).

    آراؤهم:

    اختلف أصحاب المذهب الشيعي إلى فرق عدة، وأساس اختلافهم يرجع إلى الاختلاف في المبادئ والآراء، ومن أهم آرائهم:

    1. أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، ولا تفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر([24]).

    فالإمامة أهم مسألة يدور فيها الخلاف بين أهل السنة الذين يقولون: إن الإمامة طريقها الشورى والاختيار، والبيعة من الأمة، وليست شأناً دينياً سماوياً، سبيلها النص والوصية، والتعيين كما تقول الشيعة([25]).

    2. الإمام عند الإمامية في عصمته، وصفاته، وعلمه منذ صغره، وفي كبره هو معصوم من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، عمداً أو سهواً، لذا يجب أن يكون أفضل الناس وأحلمهم، وأشجعهم وأعلمهم([26]).

    يقول الخميني في ذلك: " ونحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة للفقهاء، لا يزال محفوظاً؛ لأن الأئمة لا يتصور فيهم السهو أو الغفلة، نعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة المسلمين "([27]).

    بل وتَعتبِر الإمامية أن منزلة الأئمة لا تدانيها منزلة الملائكة والنبيين، يقول الخميني: " وإن من ضروريات مذهبنا: أن لأئمتنا مكاناً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل "([28]).

    3. إن الإمامية يجوزون أن تجري خوارق العادة على يد الإمام لتثبيت إمامته، ويسمون الخارق للعادة الذي يجري على يديه معجزة، كما يسمى الخارق الذي يجري على أيدي أنبياء الله معجزة([29]).

    4. من الشيعة من غالوا في تقدير علي وبنيه y، حتى رفعوا علياً t إلى مرتبة الألوهية، ومنهم المعتدلون المقتصدون الذين اقتصروا على تفضيله على كل الصحابة y من غير تكفير أحد، ولا تقديس له([30]).

    فرق الشيعة:

    1. السبئية: وهم أتباع عبد الله بن سبأ، كان يهودياً من أهل الحيرة أظهر الإسلام، وكانت تنادي هذه الفرقة بألوهية علي ([31]).

    2. الغرابية: وهذه الفرقة أوجبت النبوة بعد النبي r، وسميت بذلك لقولهم: إن محمـداً r كان أشبه بعلي t من الغراب بالغـراب، وقالوا: إن الله بعث جبريـل u بالوحي إلى علي t، فغلط جبريل بمحمد ([32]).

    3. الكيسانية: وكانت تعتقد في إمامة محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، المعروف بابن الحنفية، وتنسب هذه الفرقة إلى كيسان مولى أمير المؤمنين علي t، وكان على رأس الفرقة المختار بن أبي عبيدة الثقفي([33]).

    4. الزيدية: وهم أصحاب زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي y، وهم أقرب الفرق الشيعية إلى جماعة المسلمين؛ لميلهم إلى القصد والاعتدال في الإمامة، وهي أهم نقطة خلافية بين السنة والشيعة([34]).

    5. الإمامية (الإثنا عشرية): وهذه الفرقة يدخل في عمومها أكثر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي، في إيران والعراق ولبنان والهند، وغيرها من البلاد الإسلامية، وعقيدتهم هي إيمانهم المطلق بإمامة علي بن أبي طالب t إيماناً ظاهراً كاملاً، ووصفه بالوصي، وانتقال الوصايا إلى أبنائه من بعده([35]).

    6. الإمامية (الإسماعيلية): وهم ينتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء كان لهم دولة، فالفاطميون في مصر والشام منهم، والقرامطة الذين سيطروا وقتاً على عدة أقاليم إسلامية منهم([36]).

    7. الحاكمية والدروز: الدروز فرقة إسماعيلية اتسمت بطابع الباطنية، حيث أخفوا عقيدتهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية، وقد نشأوا في إبان العصر الفاطمي، وظلوا منطوين على أنفسهم وقتاً، وقد كانت هذه السرية ـ التي تعد طريقة هذه الفرقة ـ سبباً في أن وجد الحاكمية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي ادعى أن الإله قد حل فيه، ودعا إلى عبادته([37]).

    8. النصيرية: وهؤلاء كانوا مع الإثنا عشرية، أو هم يدعون الانتساب إليهم، ويعتقدون أن آل البيت أوتوا المعرفة المطلقة، وأن علياً t لم يمت، وأنه إله قريب من الإله([38]). تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.




    الفرع الثاني: الخوارج:

    الخوارج: جمع خارجة، أي طائفة، وهم قوم مبتدعون، سموا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم عن خيار المسلمين([39]).

    ويعتبر الخوارج أول حزب سياسي نشأ في الإسلام، وظهر كقوة سياسية معارضة على الأرض، وتزامن ذلك مع ظهور الشيعة، إلا أن الشيعة أسبق في فكرتها.

    ومبدأ نشأة هذا الحزب فور إعلان نتيجة التحكيم بين أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، بعد موقعة صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، إذ تعالت الهتافات من معسكر علي t: كَفَر الحكمان، لا حكم إلا لله، وانقلب المؤيدون أعداء، وأصبحوا أكثر خطراً على علي t من جيش معاوية ([40]).

    وكان موقف علي t منهم أول الأمر ألا يحاربهم حتى يبدأوه بالحرب، فلما عمدوا إلى استعمال العنف، وقتلوا عبد الله بن خباب وفي عنقه المصحف، ومعه امرأته، ولما ركبوا رؤوسهم، ولم يحاولوا أن يستجيبوا لدعوة علي t، خرج إليهم في يوم النهروان، وأوقع بهم، وقتل منهم عدداً كبيراً، وقتل زعيمهم ابن وهب، وقد كان يمكن لعلي t أن يقضي على الخوارج قضاء مبرماً، ولكنهم ما لبثوا أن تربصوا به، وأرسلوا إليه واحداً منهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فقتله في المسجد، وبعد مقتل علي t اتسع نشاط الخوارج، وخاضوا كثيراً من المعامع في عهد معاوية ([41]).

    وفي زمن العباسيين حاربوهم في قوة وصلابة وجَلَدٍ، كالذي في العصر الأموي، وكثرت ثوراتهم في كثير من البلدان، إلا أن العباسيين انتصروا عليهم، وكانت هذه الهزائم المتوالية سبباً في ضعف أمرهم، وقلة شأنهم، فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير([42]).

    وتعد فرقة الخوارج أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشدها تهوراً واندفاعاً، وقد استرعت ألبابها كلمة لا حكم إلا لله، فاتخذوها ديناً ينادون به، وقد استهوتهم أيضاً فكرة البراءة من سيدنا عثمان t، والإمام علي t، والحكام الظالمين من بني أمية، وكانوا يمتازون بالتمسك بظواهر الألفاظ، وحب الفداء، والحماسة، والرغبـة فـي الموت والاستهداف للمخاطر([43]).

    آراؤهم:

    هناك آراء ومبادئ عامة قررها الخوارج، والتقوا حولها، ومن أهم الآراء التي اعتنقها معظم الخوارج ما يلي:

    1. إن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم، ويستمر خليفة ما دام قائماً بالعدل، مقيماً للشرع، مبتعداً عن الخطأ والزيغ، فإن حاد وجب عزله وقتله([44]).

    2. إن الإمامة تجوز في غير قريش، وكل مَن ينصبونه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور، كان إماماً([45]).

    3. إن النجدات من الخوارج يرون أن لا حاجة إلى إمام إذا أمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن التناصف لا يتم إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز، فإقامة الإمام في نظرهم ليست واجبة بإيجاب الشرع، بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجة([46]).

    4. أجمع الخوارج على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات فلم يقولوا بذلك، وأجمعوا على أن الله يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً([47]).

    فرق الخوارج:

    كان الاختلاف في الرأي بين الخوارج سبباً قوياً لاختلافهم وتفرقهم إلى فرق عديدة، بلغت عشرين فرقة، ومن أشهرها:

    1. الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي، المكنى بأبي راشد، وهم أكثر فرق الخوارج عدداً، وأشدهم شوكة([48]).

    2. النجدات: وهم أتباع نجدة بن عويمر من بني حذيفة، وقد خالفوا الأزارقة في تكفيـر قعدة الخوارج، واستحلال قتل الأطفال، ويرون أن إقامة الإمام واجب وجوباً مصلحياً وليس شرعياً، ويقولون بمبدأ التقية([49]).

    3. الصفرية: وهم أتباع زياد بن الأصفر، وكانوا أميل إلى المسالمة من الأزارقة، كما كانوا أقرب إلى الاعتدال، وأبعد عن التطرف في أحكامهم([50]).

    4. العجاردة: هم أتباع عبد الكريم بن عجرد أحد أتباع عطية بن الأسود الحنفي الذي خرج على نجدة([51]).

    5. الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن أباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالاً، وأقربهم

    إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، وهم أشهر فرق الخوارج على الإطلاق؛ لأنهم لا يزالون إلى يومنا هذا في عُمَان، وزنجبار، وشمال أفريقيا([52]).




    الفرع الثالث: أهل السنة:

    وبعد هذا الاستعراض السريع لحزبين أساسيين في تاريخ الأمة الإسلامية، كان لهما شوكة وتأثير عظيم على مجريات الأحداث، يتساءل المرء: أين الدور السياسي لأهل السنة في كل هذه المراحل الخطيرة التي عاشتها الجماعة المسلمة؟.

    يمكن القول: إن أهل السنة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله r وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، فأهل السنة هم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه([53]).

    وقد سأل رجل الإمام مالكاً ـ رحمه الله ـ عن تعريف أهل السنة؟، فقال: " الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري "([54]).

    وأهل السنة على العكس من الجماعات التي انشقت عنهم، ظلوا على عهدهم محافظين، وبعرى الجماعة موثقين، وذلك منذ وفاة الرسول r، وفي ظل خلافة الشيخين رضي الله عنهما، فلا نسمع أصواتاً معارضة ذات بال، فالإجماع منعقد وتام، ثم انفرط عقد الجمع، واهتز في السنوات الأخيرة من سني عثمان ([55])، حيث ظهرت بعض الأفكار المتطرفة، أو الاعتقادات المذهبية الغالية([56]).

    وقتها كان أهل السنة ـ والذين كانوا يعرفون باسم أهل الحديث، أو التابعين، أو العلماء، أو القراء ـ مشتغلين بعلوم الحديث والفقه، وكانت عنايتهم موجهة إلى البحث في مسائل الفقه، أو يتجهون إلى مسائل العقائد والكلام.

    ولم يكن لأهل السنة آراء سياسية رغم تفرقهم، ويستنتج من ذلك أنهم كانوا راضين تماماً عن سياسة الحكم التي كانت تساس بها الأمة من قِبل الأمويين والعباسيين، لا بل إنهم اجتنبوا المسائل السياسية بعدم الخوض فيها، لتجنب الفتن والوقوع في سفك الدماء.

    ومن علماء السنة المتفرقين الذين اشتهروا: الإمام الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير في عصر بني أمية، وأبو حنيفة ومالك وأحمد في عهد بني العباس، وهؤلاء كانوا معارضين لسياسة الحكام والأمراء في عصورهم المختلفة، بل غير مقرين لنظم الحكم أنفسها التي بمقتضاها وصل هؤلاء إلى مرتبة الأمر والنهي، وما سكتوا إلا حرصاً على وحدة الجماعة([57]).

    إلا أن علماءنا ـ رحمهم الله ـ سجلوا مواقف سياسية بطولية في مقاومة الحكام الظلمة، فهذا سعيد بن المسيب ـ رحمه الله ـ امتنع عن الخوض في حق الصحابة y كما كانت الشيعة، وقد جاهر برأيه أمام الحجاج الثقفي دون خوف أو وجل، عندما سأله الحجاج ما تقول في عثمان وعلي رضي الله عنهما؟، فأجابه: قول من هو خير مني عند من هو شر منك، قال فرعون: ما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي، فلم يعجب الحجاج، ولكن الرد ألجمه، فلم يجد مفراً من الاعتراف: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد([58]).

    وهذا أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ تتعاقب فتاويه ضد الحكم القائم، فيحبسه أبو جعفر المنصور، ويعذبه عذاباً قاسياً حتى أشرف على الهلاك، فأخرجه، ومات بعدها بقليل كما يموت الصديقون والشهداء([59]).

    وهذا ابن تيمية ـ رحمه الله ـ امتشق السيف للجهاد ضد التتار، وهو يوجه المسلمين إلى عزتهم، وبعدها نزل به البلاء بسبب آرائه الجريئة، فمات t في الحبس([60]).




    المطلب الثالث

    حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية

    توطئة:

    لم يتعرض فقهاؤنا القدامى ـ رحمهم الله ـ([61]) لموضوع التعددية السياسية بالمفهوم الواسع، وبالشكل المطروح حالياً؛ إذ لم تكن الصورة المعاصرة للتعددية السياسية مطروحة على بساط الفقه قديماً، فهي صورة وحالة مستحدثة، فقد تطورت الحزبية بشكلها ومضمونها عما كان عليه الأمر قديماً، فهي تجد سندها في الحرية السياسية التي كان يحظى بها المؤمنون في زمن النبي r، ومن بعده، من جواز إبداء الرأي المخالف، ولو كان يتعلق بالحاكم.

    فهذا الحباب بن المنذر t يسأل النبي r في غزوة بدر ـ وقد نزل r بعسكره قريباً من ماء بدر ـ: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! فأجابه رسول الله r بأنه الرأي والحرب والمكيدة([62]). وهذا يمثل رأياً سياسياً، مخالفاً للقائد الأعلى.

    وفي غزوة الأحزاب عندما وضع النبي r حلاً سياسياً لتفكيك وحدة الأحزاب، ففاوض على ثلث ثمار المدينة مقابل خروج غطفان وأهل نجد من حلف قريش، واستشار السعدين سعد بن معاذ t سيد الأوس، وسعد بن عبادة t سيد الخزرج، ولما علما أنه ما هو إلا شيء صنعه النبي r لهم، وليس من أمر الله قالا: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم([63])؛ وما ذلك إلا رأي سياسي.

    وهكذا مضى المسلمون يبدون آراءهم في حرية تامة، ويعيشون قاعدة الشورى التي تمثل أساساً وسنداً للتعددية السياسية.

    وفي وقتنا المعاصر مَسَّت الحاجة إلى تطور مفهوم الحزبية، بعد سقوط الخلافة الراشدة في أوائل القرن العشرين، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم، مما حدا بالعلماء والقادة والمخلصين إلى تشكيل الأحزاب السياسية؛ للعمل على إعادة صرح الخلافة الراشدة، واستئناف الحياة الإسلامية، وانتشال الأمة من براثن الاستبداد.

    فكان من أبرز الجماعات الإسلامية التي اهتمت بالبعد السياسي جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ، وأول حزب: حزب التحرير، الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ وحينها أثيرت القضية، وثار الخلاف بين الفقهاء والمفكريـن المسلميـن فـي شرعية قيام هذه الأحزاب والجماعات الإسلامية.

    موقف الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ من التعددية الحزبية:

    أنكر الإمام الشهيد الحزبية وتعدد الأحزاب في الإسلام، فقال: " إن الإسلام هو دين الوحدة في كل شيء، لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه، ولا يوافق عليه "([64]).

    ويقول أيضاً: " وأعتقد أن هذه الأحزاب المصرية الحالية مصنوعة أكثر منها حقيقية، وأن العامل في وجودها شخصي أكثر منه وطني، وأن المهمة والحوادث التي كونت هذه الأحزاب قد انتهت، ويجب أن ينتهي هذا النظام بانتهائها "([65]).

    ولا بأس أن يخالف رأيي رأي الإمام الشهيد، فهو لم يفرض ذلك على أحد، فقد استهل حديثه عن الحزبية بقوله: " وإن لي في الحزبية السياسية آراء هي لي خاصة، ولا أحب أن أفرضها على الناس، فإن ذلك ليس لي ولا لأحد "([66]).

    ويقول أيضاً في موضع آخر: " إن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان، فهي لا تجوز في كلها، وهي لا تجوز في مصر أبداً، وبخاصة في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهداً جديداً، ونريد أن نبني أمتنا بناء قوياً"([67]).

    وهذا الكلام إن دل فإنما يدل على أن رأيه مبني على السياسة الشرعية، وهذا مما لا تثريب فيه، لاسيما وأنه كان يستبشر ـ رحمه الله ـ بقرب استئناف الخلافة الإسلامية، وإعادة هيبتها، فيكون موقف الإمام الرافض ظرفياً خاصاً بحالة مصر آنذاك.

    يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " ولعله لو عاش الإمام إلى اليوم لرأى ما رأينا من جواز التعددية السياسية، خصوصاً وقد تغيرت الظروف، وتطورت الأوضاع والأفكار، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، ولاسيما في أمور السياسة الكثيرة التغيير "([68]).

    ومن جهة أخرى لا أرى حديث الإمام في تحريم الحزبية يشمل الأحزاب الإسلامية، إذ أنها لا تبعث على الفرقة، وإنما كان حديثه يدور على ظاهرة مَرَضِيَّة تعيشها مصر بوجود أحزاب غير إسلامية، ليس من مهامها استئناف الحياة الإسلامية.

    هذا وقد استطردنا في الحديث عن موقف الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ في مسألة الحزبية، وخصصناه بذلك لما يحتله من مكانة سامية، ودرجة عالية في ريادة الحركة الإسلامية المعاصرة وتأسيسها، ولكشف الغموض واللبس في موقفه من الحزبية الذي أشكل على الكثير من أبناء الصحوة.

    موقف الحركات والأحزاب الإسلامية من الحزبية:

    سارت الحركات والأحزاب الإسلامية في عملها وهي تؤمن بالتعددية السياسية، واعتبارها فريضة شرعية، أو ضرورة يفرضها الواقع، وقد عبر قادتها عن هذا الموقف، فقال فضيلة الشيخ عمر التلمساني ـ المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين ـ رحمه الله ـ: " إذا لم يكن من قيام الحزب بد؛ فمن العجز الفكري أن نقف حائرين، بل نسلك كل طريق مشروع يُمَكِّننا من نشر دعوتنا في كل الأوساط "([69]).

    وعندما جاء المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين الشيخ محمد حامد أبو النصر ـ رحمه الله ـ أكد هذا التوجه، فقال: " عندما أصبح الإخوان عنصراً فاعلاً في الساحة السياسية والاجتماعية، كان لا بد من إيجاد قناة قانونية للممارسة، ولذلك قرر الإخوان تكوين حزب سياسي "([70]).

    ويبين الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ موقف حزب التحرير من التعددية السياسية، وأنه فرض كفاية على الأمة، استناداً إلى قوله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([71]).

    فيقول: " أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية، فذلك آت من كون الآية عنيت على عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر "([72]).

    فالحركات والأحزاب تؤمن بالتعددية، وما تكوينهم الأحزاب السياسية ودخولهم في المجالس النيابية إلا إقرار بهذه التعددية، والعمل في حقل الدعوة من خلالها، ومثال ذلك مثل تشكيل الإخوان المسلمين في الأردن لجبهة العمل الإسلامي، ودخولهم البرلمان من خلالها، وكذلك الإخوان المسلمين في فلسطين، وتشكيلهم لحزب الخلاص الوطني الإسلامي، وكذلك في السودان واليمن والجزائر وغيرها.

    هذا وقد اختلف العلماء والمفكرون المعاصرون في حكم التعددية السياسية، إلى قولين:

    القول الأول: إن التعددية السياسية حرام، وإليه ذهب بعض العلماء منهم: الدكتور بكر أبو زيد، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري، والدكتور فتحي يكن، والشيخ وحيد الدين خان([73]).

    القول الثاني: إن التعددية السياسية جائزة، وإليه ذهب من العلماء: الدكتور أحمد الفنجري، الشيخ تقي الدين النبهاني، الشيخ راشد الغنوشي، الدكتور صالح سميع، الدكتور صادق أمين، الدكتور صلاح الصاوي، الدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والدكتور عبد الله النفيسي، والدكتور عبد الوهاب الديلمي، والدكتور عدنان النحوي، والدكتور محمد أبو فارس، والدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد العوا، والأستاذ محمد العوضي، والدكتور يوسف القرضاوي([74]).

    الأدلة:

    أدلة القول الأول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ {([75]).

    2. قال الله تعالى: } وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {([76]).

    وجه الدلالة: هاتان الآيتان صريحتان في النهي عن الفرقة، وأنها ليست من صفات المؤمنين، بل هي من صفات المشركين، وأن رسول الله r بريء من المقترفين لها، ولا علاقة له بهم أبداً.

    والاختلاف والافتراق في الآيتين يراد به الاختلاف في العقيدة والشريعة، وكذلك افتراق الأمة إلى جماعات وأحزاب سياسية، وهذا الذي تقتضيه النصوص، فقد نهى الله تعالى عن مطلق التنازع، وجعله سبباً لضعف المسلمين وذهاب شوكتهم: } وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ {([77])، وبهذا تكون الأحزاب السياسية محرمة؛ لأن نتيجتها التفرق والاختلاف([78]).

    3. قال الله تعالى: } إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً {([79]).

    وجه الدلالة: إن الانقسام إلى أحزاب يؤدي إلى فقدان القوة، مما يؤدي بدوره إلى تعريض الناس للاستعباد، وهذه السنة استغلها فرعون في تفريق قومه إلى شيع

    حتى يتسنى له استعبادهم وإذلالهم([80]).

    4. قال الله تعالى: } وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُـمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَـا حُفْرَةٍ مِنَ النَّـارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا {([81]).

    5. وقال الله تعالى: } وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {([82]).

    وجه الدلالة: أوجب الله على المسلمين لزوم الجماعة، واجتناب كل ما يؤدي إلى الافتراق؛ والحزبية مظنة الفرقة، بل مئنة لها، وللبغضاء بين أهل الإسلام، فتكون محرمة([83]).

    6. قال الله تعالى: } قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ {([84]).

    وجه الدلالة: إن التفرق إلى شيع وما يؤدي إليه ذلك من اقتتال وردة، وإن ما يؤدي إليه الانشقاق، يعتبر عذاباً يوازي ما ورد في الآية من أشكال العذاب، وأن واجبنا أن نتجنب أي خطوة في هذا الطريق، مهما كان الجهد الذي نبذله في سبيل ذلك، وأن نتواصى بذلك، وندعو إليه([85]).

    ثانياً: السنة:

    1. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: " مَنْ خَـرَجَ مَـن الطَّـاعَةِ،

    وَفَارَقَ الجَمَاعَةِ، فَمَاتَ .. مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيِّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبِةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِةً، فَقُتِلَ .. فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ "([86]).

    2. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : " مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبْراً .. إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "([87]).

    3. عن الحارث الأشعري t أن رسول الله r قال: " ... أَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالجَمَاعَةِ، وَبالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالهِجْرَةِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِن الجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمْ ". قال: قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟! قال: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ... "([88]).

    4. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطبنا عمر t بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله r فينا، فقال: " ... عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ، فَلْيَلْزَم الجَمَاعَةِ "([89]).

    وجه الدلالة: في هذه الأحاديث أمر صريح بلزوم الجماعة، وتوعد صريح للمفارق للجماعة، ووصف ميتته بالجاهلية، وذم العصبية والدعوة إليها ونصرتها، والتوعد والذم لا يكون إلا على فعل محرم، أو ترك واجب، فتكون الأحزاب السياسية محرمة؛ لأنها تقوم على أساس العصبية ومفارقة الجماعة([90]).

    5. عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله r: " اسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ، وَإِنْ اسْتُعْمِـلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ "([91]).

    6. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: " مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً "(ن).

    وجه الدلالة: أوجب رسول الله r على المسلمين طاعة أميرهم، ولو على كره وغضاضة، ولم يسمح لهم بمعصيته إلا إذا أمر بمعصية الله([93])، فقد قال r: " إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ"([94])؛ ومن المعلوم أن التعددية السياسية قائمة على التنافس في طلب الولاية، فالسعي إلى الحكم هو مفرق الطرق بين الأحزاب السياسيـة، وبين غيرهـا من التكتـلات البشرية الأخرى، فأنى تتحقق المشروعية لهذا النظام مع قيامه ابتداءاً على مناقضة هذه النصوص([95]).

    7. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: كان الناس يسألون رسول الله r عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلت يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: " نَعَمْ "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ " قلت: وما دخنه؟ قال: " قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ " فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا " فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: " نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا" قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ " قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ "([96]).

    وجه الدلالة: السياق واضح أن الحوار الذي جرى بين الرسول r وبين حذيفة t كان حول الاجتماع والافتراق في مجال السياسة، والسؤال الأخير ينطبق تماماً على الظروف التي استجدت على ساحة العالم الإسلامي في أواخر الخلافة العثمانية، وبعد إلغائها، والجواب يوجب الالتزام بطاعة الأمير والانضمام إلى رايته، فإذا وصل الحال إلى انتهاء الإمارة بلا أمير، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالواجب الابتعاد عن جميع الجماعات والفرق التي تتناطح للحصول على الإمارة والسلطة، وكل هدفها هو السلطة وليس لها عقيدة واضحة، أما إذا ظهر إمام مسلم عادل، فالواجب السير خلفه([97]).

    ثالثاً: المعقول:

    1. إن قضية الأحزاب السياسية متولدة من النظام الجمهوري أو الديمقراطي، الذي ساد العالم في ظل العلمانية، فهي جزء من ذلك النظام وفرع من فروعه، ولا يجوز اعتماده ولا تطبيقه في دولة الإسلام([98]).

    2. إن هدف الأحزاب السياسية الوصول إلى السلطة أو استخدامها([99])، وقد فشلت التجارب الحزبية المعاصرة في أغلب البلاد الإسلامية، ودلت التجارب على أن هذه الأحزاب حينما دخلت إلى السلطة أفدحت المصائب، وكانت في الجملة وبالاً على الأمة وجرثومة تنخر في كيانها، فسامت المواطنين المسلمين سـوء العـذاب،

    وتاجرت بالبلاد في وقاحة تامة([100]).

    3. لم يسبق في تاريخ الإسلام على مدى القرون المتطاولة من خلافة رسالة الإسلام سابقة واحدة من هذا القبيل، فكان ذلك كالإجماع من الأمة على تركه، وإن انشقاق الفرق عن جماعة المسلمين هي ظواهر مرضية اعترت الجسم الإسلامي في فترة من الفترات، فارق بها أصحابها سبيل المؤمنين بما تحزبوا عليه من الأصول البدعية، أو شقوا عصاهم بما أحدثوه في الأمة من منازعة الأئمة، والخروج عليهم، وكلا الموقفين ممقوت ومردود([101]).

    4. جعل الإسلام الأخوة الإسلامية هي أساس الولاء والبراء، فالمسلم ولي المسلم سواء أعرفه أم لم يعرفه، وهذا يعني أن الإسلام لا يتحمل في داخله تنظيماً آخر بحيث تكون أسس ذلك التنظيم وقواعده أساساً للولاء؛ لأن هذا النوع من التنظيم يقتضي أن من انتظم فيه يستحق العون والنصرة والإخاء وغيرها من الحقوق، ومن لا ينتظم فيه لا يستحق تلك الحقوق، مع أن الإسلام أعطى المسلم جميع هذه الحقوق لمجرد كونه مسلماً لا لسبب آخر([102]).

    5. إن التعددية الحزبية تقتضي التزام الفرد برأي الحزب المنتمي إليه، سواء أكان ذلك الرأي خطأ أم صواباً؛ لأن الأحزاب قائمة بطبيعتها على التشيع والتمسك بشعار: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وإن لم تعترف صراحة بهذا الشعار([103]).

    أدلة القول الثاني:

    استدل القائلون بجواز التعددية: بالقرآن، والسنة، وقواعد الشريعة ومقاصدها، وكذلك بالمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([104]).

    وجه الدلالة: يأمر الله تعالى جماعة من المسلمين أن تكون متصدية لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر الرباني يفيد الوجوب في قوله: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ { وأمة يقصد بها جماعة، وفي هذا دلالة على مشروعية العمل الجماعي، والناس بطبيعتهم يختلفون في الأفكار والسياسات لتحقيق أهدافهم، فتتشكل الأحزاب السياسية كوسيلة شرعية للقيام بهذه الفريضة.

    والأمة ليست مجموعة أفراد ولا مجرد جماعة، جاء في تفسير المنار: " والصواب أن الأمة أخص من الجماعة، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل، هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة، وعمل في إيجادها وإسعادها، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة "([105]).

    2. قال الله تعالى: } وَتَعَاوَنُواْ عَلَى لْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{([106]).

    وجه الدلالة: أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، فإذا اجتمع أفراد وأنشأوا حزباً، أو جماعة مسلمة على أساس من البر والتقوى، فلا يجوز منعهم من ذلك؛ لأن في منعهم إبطال لعمل خير لا ضرر فيه، ونهي عن المعروف، والنهي عن المعروف إثم وعدوان، فلا يجوز، فيكون النهي عن تشكيل أحزاب سياسية مسلمة غير جائز([107]).

    جاء في تفسير القرطبي: " ومن وجوه التعاون على البر والتقوى أن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة "([108]).

    وأي حزب ينشأ فهو مأمور بالتصرف على نحو لا يضر بغيره، فرداً كان أو جماعة، ومنهي عن كل تصرف يقصد به الإضرار بالآخرين([109]).

    3. قال الله تعالى: } وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي لدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ{([110]).

    وجه الدلالة: في هذه الآية إشارة واضحة إلى أنه ليس بطاقة المؤمنين أن ينفروا كافة لحمل الأعباء العامة، وفي المقابل إشارة إلى وجوب ذلك على كل مستعد، لتتحقق المصلحة العامة للأمة، فتتكون طائفة مستعدة لتتولى هذه المهام، إذ أنها أساساً مهام جماعية، وبذلك تكون الأمة مكلفة بتشكيل الأحزاب السياسية التي تسعى إلى تحقيق ذلك.

    4. قال الله تعالى: } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ {([111]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الآية على التكليف الجماعي في أداء الأمانات إلى أهلها، ومن أهم الأمانات وأعظمها أن يتبوأ مقاليد الحكم أصحابه، فلا يجوز أن يُمكَّن من هو ليس بأهل له، وهذه التكاليف تحتاج إلى جماعة تنوب فيها عن الأمة، فلربما يصل إلى السلطة من هو دونها، ويجور ويظلم، فتتولى الجماعة رد الحق إلى أهله، فيكون إقامة الأحزاب السياسية لازماً " إذ الأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به "([112]).

    ثانياً: السنة:

    1. عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي r قال: " مَثَلُ القَـائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُواْ عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن المَاءِ مَرُّواْ عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُواْ: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقَاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُواْ هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً "([113]).

    وجه الدلالة: في هذا المثل الذي أورده الحديث أدق تصوير للمسئولية الفردية والجماعية، ولعقبى التفريط فيها، فالشخص الأخرق لو ترك يصنع ما يحلو له، فسيقود المجتمع كله خطوه في طريق البوار، فإذا كثر هؤلاء الخرقاء، وتعددت الخروق التي يصنعونها، فالمجتمع خارق لا محالة([114]).

    ومما لا ريب فيه أن المعارضة الفردية في وضع كهذا الوضع الذي ورد في الحديث الشريف، لا تكون مجدية، وأن المعارضة الجماعية هي الوسيلة الفعالة لاتقاء الكوارث السياسية بكل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية ...، وحتى تكون هذه المعارضة الجماعية فعالة ومجدية، فلا بد أن تكون منظمة، وقد أثبت الفكر السياسي في تطوره الحديث أن الأحزاب السياسية هي الأطر الأكثر صلاحاً لتنظيم وإعداد المعارضة الجماعية([115]).

    2. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي r قال: " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ، فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ "([116]).

    3. عن عبد الله بن مسعود t أن رسول الله r قال: " مَا مـِنْ نَبِيٍ بَعَثَهُ اللهُ

    فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِن الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ "([117]).

    وجه الدلالة: تدل هذه الأحاديث على التكليف الجماعي للقيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن تنكل أو تلكؤ الجماعة في القيام بهذه المهمات الأساسية، والواجبات العليا للتغيير والإصلاح، يفضي إلى عقاب يعمهم من عند الله تعالى.

    ثالثاً: القواعد الشرعية:

    1. الأصل في الأشياء الإباحة، واستصحاب الحِل: والتعددية السياسية تفي بمتطلبات الأمة وحاجاتها، وتقيها من شر الاستبداد بالحكم، كما أنها تقوي وحدة المجتمع من خلال التنظيم الذي يجمع في إطاره من تبنى أفكاره؛ ولا يوجد في الشريعة الغراء ما يمنع من هذه التعددية، ويحول بينها وبين إقامتها، فتكون التعددية السياسية مباحة في أدنى درجاتها.

    2. قاعدة الذرائع والنظر إلى المآلات: يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك "([118]).

    فإذا استصحبنا هذه القاعدة في قضية التعددية السياسية، فإنها تقودنا إلى القول بمشروعية هذه التعددية رغم ما قد يشوبها من بعض التجاوزات التي يمكن أن تغتفر اعتباراً لقاعدة اعتبار المآل، وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

    فالتعددية ذريعة إلى منع الاستبداد من ناحية، وإلى منع الاضطرابات، والثورات المسلحة من ناحية أخرى بما تشيعه من الاستقرار النسبي في الأوضاع السياسية، وبما تتيحه للمعارضة من المشاركة في السلطة لإنقاذ برامجها، واختياراتها السياسية.

    والوسائل والذرائع تأخذ حكم المقاصد أو الغايات حِلاً وحرمة، يقول القرافي ـ رحمه الله ـ: " الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة ([119])"([120]).

    رابعاً: مقاصد الشريعة " السياسة الشرعية ":

    السياسة الشرعية كما عرفها ابن عقيل ـ رحمه الله ـ فيما نقله عنه ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " السياسة ما كان فعلاً يكون منه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول r ولا نزل به وحي، ولكنه يوافق الشرع، ولا يخالفه، كحرق علي بن أبي طالب t للزنادقة وتحريق عثمان t للمصاحف ونفي عمر t لنصر بن حجاج "([121]).

    1. إن أحداً لا ينكر أن للتعددية مثالبها، كما أن لحكم الفرد مثالبه كذلك، ولكن المفاسد التي تنجم عن حكم الفرد من القهر والتسلط ومصادرة الحريات، وما قد يترتب عن ذلك من الثورات والانقلابات، أضعاف المفاسد التي تترتب على التعددية، فإذا علمنا أن مبنى الشريعة على تحقيق أكمل المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين، وأنها قد تحتمل للمفسدة المرجوحة من أجل تحقيق المصلحة الراجحة، علمنا أن القول بمشروعية التعددية هو الأليق بمقاصد الشريعة، والأرجى تحقيقاً لمصالح الأمة، وصيانة حقوقها وحرياتها العامة([122]).

    2. أقر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t وجود حزب مخالف له في سياسته ومنهجه، وهم الخوارج، وقال لهم: " ولكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله، ولا نحرمكم من الفيء ما دامت أيديكم في أيدينـا، ولا نبدأكم بقتـال "([123])، مع أنهم يمثلون المعارضـة المسلحة، والقوة التي بلغت بها الشجاعة حد التهور([124]).

    خامساً: المعقول:

    1. إن التعدد الحاصل في الجماعات الإسلامية هو تعدد تنوع وتخصص، تتكامل به الجهود، ويتكاتف به الناس في أداء الفروض الكفائية، مع التوادد والتناصح، والتنسيق والتعاون([125])؛ وهو تعدد قامت عليه الجماعات، وهي متفقة مع الأصول مختلفة في الفـروع، أي أنها اتفقت في الأهم، واختلفت في الفروع، وهي أقل أهمية([126]).

    وهذا هو مدلول ما يؤكده الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ: " فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه "([127]).

    2. هناك فرق بين الجماعة العامة، والجماعة الخاصة، فالجماعة العامة واحدة، أما الجماعات الخاصة، فيجوز تعددها بما يكفل سد الثغرات، والقيام بفروض الكفايات، وعندئذ لا يجب على كل مسلم مبايعة هذه الجماعة الخاصة، بل من استحسن أمرها جاز له الالتزام بها([128]).

    3. لا خوف على الإسلام في ظل تعدد الأحزاب، إنما الخوف على ضياعه في ظل نظام الحزب الواحد، فتعدد الأحزاب السياسية إحدى الضمانات الأساسية لحماية الحرية السياسية، وتحقيق الاستقرار السياسي، وإحدى الضمانات الأساسية لضمان فاعلية وجدوى الفصل بين السلطات([129]).

    4. يقول أبو الفتح البيانوني: " إلا أن إيجابيات التعدد تزداد وتغلب على السلبيات ومنها:

    ‌أ. استيعاب أكبر عدد من المسلمين في نطاق العمل الإسلامي، فلا يمكن لجماعة واحدة مهما بلغ شأنها، وعلا كعبها أن تستوعب الناس جميعاً على مختلف مذاهبهم ومشاربهم واجتهاداتهم.

    ‌ب. التعاون على تحقيق الأهداف الكبرى.

    ‌ج. فسح المجال لأكثر من تجربة عملية في نطاق الدعوة الإسلامية.

    ‌د. بروز روح التجديد والتطوير للعمل الإسلامي.

    ‌ه. شيوع روح التنافس والتسابق إلى الكمال.

    ‌و. ضمان استمرارية العمل الإسلامي في حالات المحن والمصائب، فلو قدر لجماعة أن تمتحن قبل غيرها، استمر العمل من قبل الجماعات الأخرى([130]).




    المناقشة:

    مناقشة القائلين بتحريم التعددية الحزبية في الإسلام:

    أولاً: مناقشة استدلالهم بالقرآن الكريم:

    1. إن كلمة " شيعة " التي وردت في الآيات، تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة حزب، أو طائفة، أو فرقة، ولكن استخدام هذه الكلمات لا تصل بنا إلى نتيجة قطعية؛ لأنه كما استخدمت هذه المصطلحات في مقام الذم في الآيات التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، فقد استخدمت في مقام المدح في آيات أخرى، وتدل على الفئة الراشدة المهدية منها: قال الله تعالى: } فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ {([131])، وقال سبحانه: } وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ {([132]).

    فجاءت في الموقع الأول تشير إلى شيعة موسى، وفي الثاني إلى أن إبراهيم كان من شيعة نوح.

    وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة حزب، فقد جاءت تشير إلى حزب الله: } وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ {([133]).

    ويصدق الأمر ذاته على الكلمتين الأخريين.

    2. رغم أن القرآن الكريم قد حرم تفرقة الدين وما يؤول إليه من الانقسام إلى شيع، فقد توقع إمكانية تواجد الخلاف الذي قد يؤدي إلى الاقتتال، وذلك في قوله تعالى: } وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا {([134])، ومع هذا الخلاف الذي وصل إلى درجة الاقتتال، فقد أشار القرآن إلى الطوائف الثلاث ـ الطائفتان المقتتلتان، والطائفة الساعية إلى الصلح بينهما ـ باعتبارها من المؤمنين.

    3. إن الاختلاف في الرأي أمر حتمي بين البشر، وهو سنة اجتماعيـة قررهـا القرآن الكريم في قوله تعالى: } وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين {([135])([136]).

    4. بالنسبة للأدلة القرآنية التي تنهى عن التفرق إلى شيع وفرق وأحزاب، وتحض على الاجتماع والاعتصام، فهذه تحمل على أساس الافتراق والاختلاف في الأصول الكلية.

    وهذا التفرق محظور شرعاً؛ لأنه يفضي إلى زعزعة أركان ومقومات الدولة المسلمة، أما الاختلاف الذي يكون في المسائل الاجتهادية، أو في الوسائل والسياسات، أو يكون على أساس المنافسة في أعمال الخير، فهذا لا ضير ولا تثريب فيه، ولا يتعارض وأحكام الشريعة الغراء، لاسيما أن الاختلاف في الفروع وقع بين صحابة رسول الله r حتى وقع بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

    قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: " إنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن جعل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم، بحيث لا يصلح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدوداً من أهل الاختلاف ولو بوجه ما، لم يصح إطلاق القول في حقه إنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة، وبذلك فقد وسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم } مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ {([137])، فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله "([138]).

    وها هي المذاهب الفقهية المختلفة قد تلقتها الأمة بالقبول، ووصفـت أصحـابها

    بالإمامة في الدين، ولم تعتبر خلافها من جنس التفرق في الدين أو الخلاف المذموم الذي ينفي عن أهله وصف الجماعة، ويحشرهم في دائرة أهل التفرق الذي حذرت منه النصوص، وتوعدت أهله بالفشل وذهاب الريح([139]).

    ومن أجمل ما قيل في هذا الشأن قول الدكتور يوسف القرضاوي t: " الأحزاب مذاهب في السياسة، والمذاهب أحزاب في الفقه "([140]).

    ثانياً: مناقشة استدلالهم بالسنة النبوية:

    1. الأحاديث التي استدلوا بها في تحريم الأحزاب السياسية في الإسلام، وما شابهها مما لم يُذكر، غاية ما فيها الأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن مفارقتها، وذم العصبية، وتحريم الدعوة إليها، والقتال عليها، والأحزاب السياسية الإسلامية من أهم أهدافها تحقيق معاني الجماعة، ومقاومة الفرقة والاختلاف، ومحاربة العصبية، وتعميق معاني الأخوة بين المسلمين، ولو اتضح لدى المعترضين حقيقة عمل الأحزاب السياسية، وحدوده، والإطار الذي تعمل داخله تلك الأحزاب، لما حكموا بتحريمها، فإن حقيقة عمل الأحزاب السياسية المسلمة، وحدوده، والإطار الذي تعمل بداخله ـ وهو العقيدة الإسلامية الصحيحة، والشريعة المنبثقة عنها ـ يتميز تماماً عن حقيقة عمل الأحزاب السياسية غير المسلمة، وحدوده، والإطار الذي تعمل فيه تلك الأحزاب غير المسلمة([141]).

    2. إن الذي يورث التفرق والاختلاف في الحياة الحزبية هو التعصب المقيت، واعتقاد أهلها أنهم على حق محض، وما دونهم باطل محض، وهذا الاختلاف لا يكون إلا على أساس عقائدي، وبالتالي فالأحزاب الإسلامية هي دون ذلك([142])، فتعددها مشروع؛ لأنه تعدد في الوسائل والسياسيات، فيكون لا فرقة فيه ولا اختلاف.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " وأما رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله r من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك، ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله "([143]).

    3. بالنسبة للأدلة التي تنهى عن منازعة الإمام والتزام الطاعة له، فلا خلاف فيه طالما أن الحاكم يحكم بشريعة السماء، وبذلك تكون الأدلة خارجة عن محل النزاع، فالأحزاب الإسلامية لا تشق عصا الطاعة عن الحاكم المسلم، بل إنها تعضد وتقوي بيعته، ويتمثل دورها في طرح البرامج السياسية وغيرها، والسعي في طريق تنفيذها، كما أن قيام الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية لا يكون إلا بإذن الإمام، إلا إذا كان الإمام جائراً فتقضي الضرورة تشكيل معارضة سياسية، تقوم بفريضة التغيير، ولا تحتاج وقتها إلى إذن الإمام لقوله r: " إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ "([144]).

    4. أما حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، فإن الفرق المأمور باعتزالها بقوله: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا " هي فرق الضلال والكفر، ولا يصح حمل الأمر " فَاعْتَزِلْ " في الحديث على الفرق والأحزاب جميعها، فالحديث لا يأمر باعتزال الأحزاب السياسية المسلمة، وإلا لتناقض مع حديث الرسول r: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ "([145])؛ ولزوم حزب أو جماعة مسلمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر لا يتناقض ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فإذا أعملنا الحديثين فاعتزلنا فرق الضلال والكفر جميعها، وأنشأنا حزباً سياسياً مسلماً صرفاً يأخذ على عاتقه نصح الخليفة المسلم، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ونصرته، وحض الأمة على طاعته بالمعروف، والاستقامة إليه ما استقام لها، فعندئذ يتحقق في الأمة قول الله تعالى: } كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ{([146])...([147]).

    ثالثاً: مناقشة استدلالهم بالمعقول:

    1. بالنسبة لبعض الأحزاب السياسية أنها نشأت تحت مظلة العلمانية، وهي متولدة من النظام الديمقراطي، ولا يجوز إطلاق اعتمادها في دولة الإسلام؛ لا نسلم أن مسألة الأحزاب السياسية لا سند لها في كتب فقهائنا، فهم قد تحدثوا ـ كما بينا سابقاً([148]) ـ عن مراقبة الإمام، ومحاسبته، بل وعزله إن اقتضى الأمر، وهذه المفاهيم لها ارتباط عميق بمفهوم الأحزاب السياسية، لاسيما وأن الدولة لا ترتقي إلى هذه الدرجة من المراقبة والمحاسبة والعزل إلا بالجماعة؛ حتى لو تجاوزنا ذلك فإن مفهوم الرفض المطلق لكل ما جاء من النظام الديمقراطي سواء أكان ملائماً وموافقاً للشريعة الغراء، أم مخالفاً لها ليس صحيحاً؛ فتلك أحزاب غير إسلامية نشأت في ظل أنظمة جمهورية أو ديمقراطية، ونحن نتحدث عن أحزاب إسلامية نشأت تحت مظلة إسلامية.

    2. بالنسبة للقول بأن السلطة هي هدف الأحزاب السياسية، وأن التجارب قد فشلت، وأن ما وصل منها إلى الحكم صنعت الويلات؛ فنقول: إن المنصف يستثني الأحزاب الإسلامية من هذا الحرص على السلطة؛ لأن الأمر أضحى معلوماً أن ذلك سمة الأحزاب غير الإسلامية التي تسعى لذات السلطة.

    أما الأحزاب الإسلامية فمقصدها([149]) ليس كمقصد الآخرين، فهي لم تأت طمعاً في زينة الدنيا، إنما قامت لتنشئ مجتمعاً مسلماً يقيم سلطة مسلمة، وهي لا تنازع السلطة أصحابها، وإنما تعينهم على تحكيم شرع الله.

    ومن جهة أخرى ليس في الإسلام ما يمنع الأحزاب الإسلامية التي تمتلك الكفاءة أن تسعى للمناصب التي تحقق من خلالها مصلحة الإسلام والمسلمين، أخذاً بمبدأ يوسف عليه السلام:} اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ {([150]).

    قال الألوسي ـ رحمه الله ـ: " يجوز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً، وكان متعيناً لذلك "([151]).

    وأما عن فشل التجارب الحزبية المعاصرة، فهو مردود، فالأحزاب التي وصلت إلى سدة الحكم في وقتنا المعاصر أحزاب علمانية، وهي التي أفدحت المصائب، وكانت وبالاً على الأمة، بل ولاحقت العاملين للإسلام حتى سامتهم سوء العذاب؛ وللحق: إن الأحزاب الإسلامية لم تخض التجربة إلا في السودان، فقد تسلمت الجبهة القومية الإسلامية زمام الحكم في عام 1989 م، وبدأت خطاها وفق شريعة الله، ولم تتجبر أو تظلم ـ مع بعض التحفظات على سياستها ـ ومن يومها نشأت قوى الشر في طعنها ومحاربتها، ناهيك عن الحرب الإعلامية العالمية الموجهة ضدها؛ أما باقي التجارب فما أن وصلت الأحزاب الإسلامية إلى الحكم بمبايعة وانتخاب الجماهير لها، حتى قامت الحرب عليها، وقمعت وسحقت، كما هو الشأن في الجزائر عندما فازت جبهة الإنقاذ بقيادة عباس مدني.

    3. أما الاحتجاج بانعدام السوابق التاريخية، فهنا لا بد من ضرورة التفريق بين الثوابت والمتغيرات في هذا الباب، فمن الثوابت سيادة الشريعة، وسلطة الأمة، والشورى، والحسبة، ونحوه وهذه من الأصول الثابتة التي لا يحل التفريط بها طرفة عين([152])، فالإسلام وضع أسساً عامة لنظام الحكم، وترك التفصيلات للمسلمين، كما أن النبي r توفي ولم يعين، ولم يشر إلى أسلوب معين لتحديد رئيس الدولة مثلاً، مما جعل النظام السياسي مرناً يتعاطى مع المتغيرات([153]).

    ولهذا فإن الأصل في هذه الوسائل أنها من مسائل السياسة الشرعية، التي تتقرر شرعيتها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتتغير فيها الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال، ولا يعتبر ترك أهل عصر لها حجة على بطلانها، ولا إتيان أهل عصر آخر بها حجة على وجوبها([154]).

    ومن جهة أخرى فإن المتتبع لحياة بعض الأعلام من سلفنا الصالح، يجدهم قد جاهدوا ومارسوا دعوتهم إلى الله في إطار جماعة خاصة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كان قائد جماعة تلتزم بأمره، وتعمل بمشورته، وتصدر عن رأيه، وتعيش في سرائه وضرائه، وتأخذها الظلمة بما ينقمون على الشيخ، وتحارب تحت لوائه، وتتواصل معه بكل أنواع الصلات([155]).

    وإليك بعض رسائله التي كتبها في سجن الإسكندرية إلى جماعته ويقول فيها: " } وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ {([156]) والذي أعرف به الجماعة ـ أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة، وأتم عليهم نعمه الظاهرة والباطنة ـ والله العظيم الذي لا إله إلا هو في نعمة من الله ما رأيت مثلها قط في عمري كله ... " ويستمر الشيخ فيقول: " وأنا في هذا المكان أعظم قدراً، وأكثر عدداً ما لم يمكن حصره، وأكثر ما ينغص عليَّ الجماعة، فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم ... " ثم يواصل قائلاً لجماعته: " والمقصود إخبار الجماعة بأن نعم الله علينا فوق ما كانت بكثير كثير، ونحن بحمد الله في زيادة من نعم الله، وإن لم يكن خدمه الجماعة باللقاء، فأنا داع لهم بالليل والنهار قياماً ببعض الواجب في حقهم، وتقرباً إلى الله تعالى في معاملته فيهم ... " ثم يوجه لهم أوامره: " والذي آمر به كل شخص منهم أن يتقي الله، ويعمل لله مستعيناً بالله مجاهداً في سبيل الله ... "أ.هـ([157]).

    وأما الاستدلال التاريخي بالفرق السياسية التي انشقت عن جماعة المسلمين، من الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، واعتبارها ظواهر مرضية لاختلافها في أمور عقدية، فهو استدلال غير موفق، لما فيه من التعميم، فهناك بعض الأحزاب انطلقت كمحاولة جادة لترتيب الوضع الإسلامي، وعلى الجملة، فلا تعد هذه الأحزاب النموذج المنشود للتعددية الحزبية في الدولة الإسلامية.

    4. مضمون الدليل الذي يقرر أن الأحزاب تجعل أساس الولاء والنصرة والإخاء، الانتظام في الحزب، وهذا لا يقبله الإسلام، فيحرم إنشاء الأحزاب على هذا الأساس. فنقول: إن الإسلام لا يرتضي غير الدخول فيه أساساً للولاء والبراء، وأي حزب سياسي مسلم يجعل الانتظام فيه أساس الولاء والبراء، ولا يعتبر سائر المسلمين ممن هم خارج الحزب إخواناً لأعضاء الحزب يجب لهم من المودة والمحبة والنصرة ما لأعضاء الحزب، فإنه حزب مذموم لا يجوز ولاؤه ولا نصرته، بل إن مجرد وجوده يعتبر منكراً تجب إزالته، ولكن لا يلزم من وجود مثل هذا الحزب تحريم إقامة أحزاب سياسية مسلمة صرفة، تجعل أساس الولاء والبراء فيها الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد r نبياً رسولاً([158]).

    5. حول القول بأن عمل الأحزاب يقوم على أساس شعار: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وأن التعددية الحزبية تقتضي التزام الفرد بكل ما تمليه عليه القيادة؛ فنقول: لا شك أن هذه ظاهرة مرضية تحياها الأحزاب السياسية، وأن طبيعة العمل الحزبي هو إلزام أفراده برأيه، وتقييدهم تحت مظلته، إلا أن هذه الظاهرة لا تجد لها مكاناً في العمل الإسلامي، فمفهومه يختلف كلياً؛ لأن القائمين على الأحزاب الإسلامية يفترض أنهم قد رسخوا في علوم الشريعة، وارتقوا ورعاً وتقوى، والعضو قد تشرب العقيدة والمفاهيم الإسلامية الصحيحة، فيلتزم برأي حزبه وفق هذه القيادة، ويفهم إسلامه الذي يدعوه ألا يساند الظالم في ظلمه، وأن يكون مع الحق ضمن شعار الإسلام الصحيح " انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً " فقالوا: يا رسول الله! فكيف ينصره ظالماً؟ قال: " تَأْخُذُ فَوْقَ يَدِهِ "([159]).

    والتعددية الحزبية التي أباحها الإسلام تحرم على الجماعات الإسلامية أن تربي أبناءها على معاداة ما دونهم من المسلمين، فليحذروا من أن يقعوا في هذا الإيذاء: } وَالذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَد احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً{([160])، فكل حزب يدعو أبناءه إلى الالتزام برأيه مطلقاً، يكون قد خالف الصواب، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " ومن حالف شخصاً على أن يوالي من والاه، ويعادي من عاداه،... كان من جنس المجاهدين في سبيل الشيطان "([161]).

    فيتجلى لنا أن الاحتجاج ليس في محل النزاع؛ لأن الشريعة هي الأساس والقاعدة التي تبنى عليها الأحزاب الإسلامية.

    الترجيح:

    من خلال عرض أدلة الفريقين، ومناقشة القائلين بتحريم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية، يظهر جلياً مناصرتنا للفريق الثاني القاضي بمشروعية التعددية السياسية، وذلك للاعتبارات التالية:

    1. قوة الأدلة التي استند إليها الفريق الثاني، والتي تحمل النزعة الجماعية في وجوب التغيير.

    2. إن أدلة الفريق الأول التي بنو عليها رأيهم، والتي تدعو إلى عدم الافتراق والاختلاف تحمل على الاختلاف في الأصول الكلية العامة للشريعة، والتعددية السياسية في الدولة الإسلامية تعددها هو تعدد تنوع وتخصص، واختلافها في الفروع والسياسات، وهذا مما لا تثريب فيه طالما أن الشريعة هي القاعدة الصلبة للجميع، وأنهم متفقون على أسس عامة، ومنطلقات معتبرة، وضوابط محددة.

    لذا ينبغي التحرر من فكرة القائلين ببدعية الأحزاب السياسية، إذ أن ذلك هو الذي يورث الفرقة والاختلاف، ويشرذم الصف المسلم، ويؤثر على مسيرة العمل الإسلامي، وكذلك التحرر من النظرة السطحية والقديمة لفكرة الأحزاب على أنها شر محض، وتبعث الفرقة والتباغض، وأن تتحول هذه النظرة وتتغير إلى ما يتوافق وشرعنا الحنيف، لاسيما وأن الأحزاب المؤطرة بالإسلام أضحت مصدر خير وفأل حرية واستقرار.




    المطلب الرابع

    حكم التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة

    سبق وأن بينا حكم التعددية السياسية في الدولة الإسلامية، والقضية تطرح هنا بخلافها الفقهي السابق في تحريم التعددية وجوازها.

    وكنا قد ذهبنا إلى القول بمشروعيتها، وإذا كانت التعددية السياسية الملتزمة بسيادة الشرع مشروعة في حال قيام الدولة الإسلامية ووجود إمامها، فمن باب أولى أن تكون مشروعة في مرحلة بنائها والسعي إلى قيامها؛ وهذا هو واقع التعددية السياسية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.

    فالعمل الإسلامي في غيبة الدولة الإسلامية التي لا تحكم بما أنزل الله، يجب أن يكون هدفه تغييرياً، أي تغيير الواقع بالإسلام، وليس وعظياً يتعايش مع الواقع، ويصبح جزءاً منه؛ والتغيير الإسلامي للواقع الجاهلي لأفكاره ومعتقداته، لنظمه وتشريعاته، لسلوكه وعاداته، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التنظيم والتنظيم الدقيق([162]).

    يقول الشيخ يوسف القرضاوي: إن تحقيق الحل الإسلامي المنشود الذي يتمثل في بناء مجتمع إسلامي سليم، وقيام حكم إسلامي رشيد، واستئناف حياة إسلامية صحيحة، لا يمكن أن يتم بالقرارات الحكومية الآلية، ولا بالانقلابات العسكرية الثورية، ولا بالوعظ والإرشاد وحده، ولا بالخدمات الاجتماعية الجزئية؛ إن الحل المنشود لا بد أن تسبقه حركة إسلامية، حركة واعية شاملة، تمهد له، وتدعو إليه، وتعد له رجاله وأنصاره([163]).

    لذلك فإن قيام الأحزاب الإسلامية في ظل وقتنا المعاصر، يعد فريضة شرعية، وضرورة سياسية، وذلك للحقائق الشرعية والسياسيـة التاليـة، التي تـوجب على

    المسلمين العمل في جماعة:

    1. القرآن الكريم يطالبنا بالجماعة:

    يقول الله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([164]).

    والصواب أن الأمة أخص من الجماعة، كما جاء في تفسير المنار ـ كما مر آنفاً([165]) ـ فالله تعالى يأمر بتكوين جماعة إسلامية تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتتحمل أعباء الدعوة.

    ثم إن العمل ضمن جماعة أقدر على مواجهة الجاهلية التي تحارب الإسلام ضمن تجمع حركي، مصداقاً للآية: } وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ {([166])، فوجه الله هذه الأمة المسلمة إلى واجبها تجاه هذا التجمع والولاء بقوله: } إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ{([167])...([168]).

    2. السنة النبوية حرصت على الجماعة، وحضت عليها في أدنى صورها، فقال r: " إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُواْ أَحَدَهُمْ "([169])، وهذا تأكيد على وجوب العمل الجماعي فيما هو أعظم من ذلك، لاسيما إذا ما تعلق الأمر بسياسة الدولة التي أقصت الشريعة عن الحكم، وباستنهاض النفوس لإعادة الخلافة الراشدة إلى الأمة من جديد.

    3. السنة تأمر بإيجاد طائفة في قوله r: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْـرُ اللهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى

    النَّاسِ "([170])، وهو يثير سؤالاً مهماً: من هم، وما صفتهم؟.

    فقيل في الجواب: هم أهل الحديث؛ وقيل: هم أهل الجهاد؛ وقيل: النهاة عن المنكر. وكل ذلك صواب، وأصوب منه: أنهم كل أولئك.

    وقد لخص ابن حجر ـ رحمه الله ـ قولاً جامعاً للنووي ـ رحمه الله ـ يدل على ثاقب البصر فقال: " يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد؛ ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في مكان واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض منه دون بعض "([171]).

    ويكون دور الدعوة الإسلامية المعاصرة: في أنها حققت وجود هذه الطائفة في عالم الواقع بشمول بالغ المدى، وسعة وفيرة العدد بحمد الله ([172]).

    4. القاعدة الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:

    إن الاحتكام إلى شريعة الله تعالى وإقامة المجتمع الإسلامي الذي تحكمه عقيدة الإسلام أمر واجب، ولا يتصور أن يؤدي المسلم واجبه كاملاً نحو الإسلام بصورة فردية، فيكون لا سبيل إلى تحقيق هذا الواجب إلا بجماعة إسلامية، وحركة جهادية([173]).

    5. التواطؤ الدولي على الإسلام: يفرض بالتالي وحدة المواجهة والتصدي، وإن القوى المعادية للإسلام على اختلاف أسمائها، وأهدافها ووسائلها، أصبحت تجمعها اليوم جبهات وأحزاب وتكتلات على امتداد العالم الإسلامي، ولا يقبل في ميزان الشرع ولا العقل أن يقابل الجهد الجماعي المنظم بجهود فردية، وإنما يقابل الإسلام هذه الأحزاب والمنظمات بمثلها، أو بأقوى منها، كما قال أبو بكر لخالد رضي الله عنهما: حَارِبْهُمْ بِمِثْلِ مَا يُحَارِبُونَكَ بِهْ: السَّيْفُ بِالسَّيْفِ، وَالرُّمْحُ بِالرُّمْحِ، وَالنِّبْلُ بِالنِّبْلِ([174]).

    6. السياسة الشرعية:

    إذا كانت السياسة الشرعية كما يقول الفقهاء: هي تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية([175])؛ فإن التعددية السياسية تُعد من قبيل السياسة الشرعية، وبخاصة إذا ضعف الوازع الديني لدى الحاكم، والذي كان يمثل رقابة داخلية في ضميره، ويوجهه إلى ما فيه مصلحة الأمة؛ وبذلك فقد دعت الحاجة الشرعية والضرورة السياسية في وقتنا المعاصر إلى إيجاد نوع من الرقابة الشعبية ترد الحاكم إلى الجادة، وتدفعه إلى تحقيق المصالح العليا للأمة؛ وهذه الرقابة لا يمكن أن تكون بحالة فردية، بل تمارسها أحزاب سياسية تقدم البرامج والحلول للنهوض بالأمة، وتقاوم الطغيان، وتقف حائلاً دون التسلط والاستبداد بالحكم.

    7. إن التغيير الإسلامي المنشود، وإعادة الأستاذية للأمة من جديد، وبناء العز المستقبلي، والسعي في طريق الإصلاح التدريجي، لا يمكن أن يكون بجهود فردية مهما امتلكت من قوة في التأثير، وطاقة في العمل؛ لأنها تبقى جهود مبعثرة.

    وعملية التغيير والإصلاح كبرى، تحتاج إلى عمل إسلامي على مستواه، والعمل الجماعي هو المرشح والمطلوب، إذ أنه يحقق أهدافه، ويؤتي أكله؛ ولا يفل الحديد إلا الحديد، وهذا العمل جهاد شرعه الإسلام، وأملته الضرورة السياسية.

    8. الإسلام يأمرنا بالاعتصام والتعاون على البر والتقوى:

    وإن التعاون على العمل لإعادة صرح الإسلام، واستئناف حياته الربانية، هو من أخص أعمال البر والتقوى وأعظمها، وفيه تقوى شوكة المسلمين في مواجهة أعدائهم، ويعد وسيلة لا يتم واجب الدعوة إلا بها.

    والعاملون في حقل الدعوة في واقعنا المعاصر بناءون يتعاونون على تشييد صرح الإسلام، وكل عمل إسلامي إضافة إلى هذا البناء.

    وهذا ما تقتضيه ضرورة الواقع، أن تعمل كل جماعة من موقعها، وفي طريقها، وأن يتعاون الجميع لتحقيق الهدف المنشود.

    9. إن العمل الجماعي في هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وتحرير الأرض، والذود عن حياض الأمة ومقدساتها، يعد فريضة شرعية يفرضها واجب الجهاد، وضرورة سياسية يمليها الواقع؛ فيكون إيجاد الأحزاب السياسية واجب على الأمة قال تعالى: } إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ{([176]).

    10. البديل المعاصر عن التعددية السياسية لا يكون إلا نظام الحزب الواحد، الذي يسوم الناس سوء العذاب، ويذل الأمة، ويسعى لحرفها عن منهج الله، ولا يتوانى تدبير المؤامرات والكيد لأبناء الدعوة الإسلامية؛ يحدث كل ذلك دون مراقبة أو محاسبة، لانعدام التكتلات السياسية التي تناط بها هذه المسئوليات.

    وأخيراً أدعوك إلى مقارنة بين منهجَي المجيزين لإقامة الأحزاب الإسلامية، والمانعين، بيَّنها المفكر الإسلامي الكبير الشيخ محمد أحمد الراشد بقوله:

    أدعوك أن تلاحظ معي أن من لا يرون وجوب العمل الجماعي ينتهون إلى تهوين أمر العمل، والإكثار من الإشارة إلى إمكانية تركه، وهم يدندنون أصلاً حول هذه المسألة لتسويغ التعدد، بينما النظرة الشرعية المنطلقة من معاني التقوى تذهب إلى الحث على التمسك به، حتى ولو كان مجرد فضيلة واحدة وليس عدة فضائل، فإن المسلم مطالب بإتيان الفضائل الإيمانية، والتحلي بالمحاسن الأخلاقية، والأصل فيه حيازته لهما إلا لعذر.

    وليس الأصل التملص، فانتبه إلى الفارق بين النظرتين والمنهجين، والتخالف بين المنطلقين والمنطقين([177]).

    ويؤكد الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق على هذا الأمر فيقول: وللأسف أن الذين يفتون اليوم بعدم جواز الأحزاب السياسية الإسلامية، يقدمون خدمة جليلة لأعداء الدين من حيث لا يدرون؛ لأنهم بذلك يجعلون الدعوة إلى الله محصورة في إطار رسائل ضعيفة، يظهرونها دائماً بمظهر الخارج على الشرعية والقانون، ويجعلونها تسلك الطرق الجانبية الخفية السرية، ويدعون الطريق الواسع اللاحب لأعداء الدين، ليقودوا الأمة كما يريدون، ويوجهونها إلى حيث يشاءون([178]).

    ويحسن بي أن أنقل فتاوى هامة، وأسجل رأياً فقهياً في هذا الموضوع لشيخ له وزنه، وهو مفتي الديار السعودية سابقاً فضيلة الشيخ العالم عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى ـ فقد وُجه إليه سؤال في الذي يقول بأن الجماعات الإسلامية من الفرق التي أمر النبي r باعتزالها، هل فهمه غير صحيح؟.

    فأجاب فضيلته: الذي يدعو إلى كتاب الله، وسنة رسوله r ليس من الفرق الضالة، بل هو من الفرق الناجية المذكورة فيما روى عوف بن مالك t عن النبي r أنه قال: " افْتَرَقَت اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَافْتَرَقَت النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةً " فقيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: " مِثْلُ مِا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصْحَابِي"، وفي لفظ: " هِيَ الجَمَاعَةُ "([179]).

    فالضابط هو استقامتهم على الحق، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله، وسنة رسوله r وتدعو إلى توحيد الله، واتباع شريعته، فهؤلاء هم الجماعة، وهم من الفرقة الناجية، وأما من دعا إلى غير كتاب الله، أو إلى غير سنة الرسول r فهذا ليس من الجماعة، بل من الفرق الضالة الهالكة، وإنما الفرقة الناجية دعاة الكتاب والسنة، وإن كانت منهم جماعة هنا وجماعة هناك، ما دام الهدف والعقيدة واحد، فلا يضر كون هذه تسمى أنصار السنة، وهذه تسمى الإخوان المسلمين، وهذه تسمى كذا، المهم عقيدتهم وعملهم، فإذا استقاموا على الحق، وعلى توحيد الله والإخلاص له، واتباع رسول الله r قولاً وعملاً وعقيدة، فالأسماء لا تضرهم، وإذا أخطأت الجماعة في شيء، فالواجب على أهل العلم تنبيهها، وإرشادها إلى الحق إذا اتضح دليله([180]).

    وسئل فضيلته أيضاً: في الساحة من يقول: إن الفرق التي ورد الأمر باعتزالها في حديث حذيفة ([181]) هي الجماعات الإسلامية كالسلفيين والإخوان والتبليغيين؟

    فأجاب: هذا الحديث العظيم يبين لنا أن الواجب على المسلم لزوم جماعة المسلمين، والتعاون معهم في أي مكان، فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق ساعدهم، وصار منهم، وأعانهم، وشجعهم، وثبتهم على الحق والبصيرة، فإذا لم يجد جماعة بالكلية، فإنه يلزم الحق، وهو الجماعة ولو كان واحداً، كما قال ابن مسعود t لعمرو بن ميمون: " الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك "([182]).

    وفي زماننا هذا والحمد لله توجد الجماعات الكثيرة الداعية إلى الحق، فعلى المسلم الطالب للحق في أي مكان أن يبحث عن هذه الجماعات، فإذا وجد جماعة، أو مركزاً، أو جمعية تدعو إلى كتاب الله U وسنة رسوله r تبعها ولزمها([183]).

    وأنقل أيضاً سؤالين وجها إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

    أولاً: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب، وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟

    فأجيب: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله، وأن لا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداها الأخريات، وتنتصح بها، وتنصح لها، وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله r.

    ثانياً: في هذا الزمان عديد من الجماعات والتفريعات، وكل منها يدعي الانضواء تحت الفرقة الناجية، ولا ندري أيها على حق فنتبعه، ونرجو من سيادتكم أن تدلونا على أفضل هذه الجماعات وأخيرها، فنتبع الحق فيها مع إبراز الأدلة.

    فأجيب: كل هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية، إلا من أتى منهم بكفر يخرج من أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق، وعملهم بـه، وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً، فاعرف وجهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق، وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين أخوتهم في الإسلام، فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان، ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوه الدليل من الكتاب و السنة هي الفيصل بين الحق والباطل([184]).




    المطلب الخامس

    الموقف من الأحزاب غير الإسلامية

    اختلف الفقهاء والمفكرون المعاصرون في تحديد الموقف الشرعي تجاه الأحزاب غير الإسلامية، وذلك إلى قولين:

    القول الأول: التعددية السياسية مباحة بإطلاق، وبالتالي تشمل الأحزاب الشيوعية والعلمانية وغيرها، ومن أبرز المنادين بالتعددية على هذا النحو من الحركات الإسلامية في واقعنا المعاصر، حركة الاتجاه الإسلامي بتونس وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي([185])، وإليه ذهب الدكتور جابر قميحة، والدكتور سيف عبد الفتاح، والدكتور فهمي هويدي([186]).

    القول الثاني: التعددية السياسية لا تقبل إلا في الإطار الإسلامي، وبالتالي لا تشمل إلا الأحزاب الإسلامية الملتزمة بسيادة الشريعة، وإليه ذهب الدكتور أحمد الفنجري، الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمد أبو فارس، والشيخ مصطفى مشهور([187]).

    أدلة القول الأول:

    1. إن المذهبية الإسلامية التي استوعبت في داخلها اليهود والنصارى، لهي من المرونة بحيث تستوعب داخل إطارها الشيوعيين والعلمانيين، إذ لن يكونوا أكفر من اليهود والنصارى، وفي الصحيفة التي عقدها رسول الله r مع أهل المدينة من المسلمين واليهود ومن دخل في عهدهم، عبرة ومنهاج وسابقة لها دلالتها الحضارية التي تشهد بمدى مرونة الإطار السياسي في الدولة الإسلامية([188]).

    2. بماذا يمكن تبرير الازدواج في موقف الإسلاميين، إذا ما تحالفوا اليوم مع علمانيين من أجل إقرار الحرية للجميع، وبين مصادرة حقهم غداً إذا حصل الإسلاميون على الأغلبية، فأقاموا حكم الإسلام، أليست القاعدة: كما تدين تدان؟([189]).

    أدلة القول الثاني:

    استدلوا لمذهبهم بالقرآن الكريم والسنة والإجماع والمعقول:

    أولاً: القرآن الكريم:

    1. قال الله تعالى: } وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ {([190]).

    2. قال الله تعالى: } ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {([191]).

    وجه الدلالة: يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: " وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلك الذين لا يعلمون، أو تقصد منهجهم "([192]).

    وفي هذا دلالة على عدم جواز تمكين حزب غير إسلامي يسلك مسلك الشيوعية والعلمانية، ويقصد منهج الكفر.

    3. قال الله تعالى: } وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً {([193]).

    وجه الدلالة: يبين الله تعالى أنه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سلطاناً تاماً بالاستئصال، أو سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم([194]).

    والتعددية السياسية المطلقة التي تكون على أساس عقائدي، تسمح بأن يكون هناك سبلاً للأحزاب غير الإسلامية على المسلمين، فلا تجوز.

    4. قال الله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ{([195]).

    وجه الدلالة: تدل الآية على أن من شروط تولي الولايات العامة ـ وبخاصة الإمامة الكبرى ـ الإيمان لقوله تعالى: } وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ { أي مؤمناً من المؤمنين، وقيام حزب سياسي كفري يتوصل أن يحكم المسلمين كفر، والكفر مناقض للقرآن والسنة، فليس مقبولاً أن نسمح أن يتولى الحكم بسائر ولاياته حزب كافر، يدعو الناس إلى الكفر([196]).

    ثانياً: السنة:

    عن عبادة بن الصامت t قال: دعانا النبي r فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: " أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرِةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِن اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"([197]).

    وجه الدلالة: الحديث صريح في وجوب استخدام القوة لعزل الحاكم المسلم، الذي ارتكب الكفر، وارتد عن دين الله، فكيف نقبل بالأحزاب غير الإسلامية التي تغيب شريعة الله، وتحكم بالكفر، بل وتحض الناس على ذلك.

    ثالثاً: الإجماع:

    أجمع الفقهاء على أن الإسلام شرط في الإمامة، وأن الحاكم إذا ارتد، أو حكم بغير الإسلام، استحق العزل، واستوجب الخلع.

    قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: " أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل "([198]).

    وقال ابن المنذر ـ رحمه الله ـ: " أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على المسلم بحال "([199]).

    وقال الشيخ محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ: " ومن المسائل المجمع عليها قولاً واعتقاداً أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود، وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة "([200]).

    وجه الدلالة: إن واقع الأحزاب غير الإسلامية، التي تتخذ المناهج الوضعية وسيلة للوصول إلى الحكم، هو واقع ردة؛ لأنها تحل حراماً، وتحرم حلالاً، وتجعل الحاكمية لغيـر الله تعالى، فلا يجوز أن تمكن لتكون لها ولاية على المسلمين.

    رابعاً: المعقول:

    1. إن الدولة الإسلامية قد نص دستورها على أن الوظيفة الأولى للحاكم، والحكومة هي حراسة الدين وسياسة الدنيا به، والأحزاب السياسية الكافرة، والمشركة، والملحدة لا تقوم بحراسة الدين، بل ليست مؤهلة لذلك؛ لأنها كافرة به، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بالذي فيه([201]).

    2. ليس من العدل أو المنطق أن نسمح في ظل الإسلام بدعوة أخرى ضده، تعمل على هدمه، وتنادي بغير تعاليمه، وتطالب بإزالته تحت اسم الحرية، وليس في منع هذا النوع من الحزبية اعتداء على الحرية السياسية أو الشخصية، فالدول الشيوعية تمنع الدعوات الدينية، والدول الرأسمالية تمنع الدعوات الشيوعية([202]).

    المناقشة:

    مناقشة أدلة القائلين بإباحة التعددية السياسية المطلقة:

    1. الاستدلال بصحيفة المدينة خارج عن محل النزاع؛ لأنها كانت أشبه ما يكون بالنسبة لليهود بعقد الذمة، التي تجعلهم يأمنون على أنفسهم في إقامتهم بين المسلمين، ولكن السيادة للشريعة والتحاكم إلى الله ورسوله r، جاء هذا جلياً في صلب الصحيفة في نص لا يحتمل التأول أو التمحل " وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد "([203]).

    فهل كانت هذه الصحيفة تجيز لليهود أن يكونوا حكاماً على المسلمين في المدينة، أو أقرت منهجاً يمكن أن ينتهي بهم إلى شيء من ذلك في مستقبل الأيام؟([204]).

    كما أنه ينبغي التفريق بين سماحة الإسلام مع الآخرين في التعايش وحسن المعاملة حتى يتسنى للجميع أن يعيشوا في أمن وسلام، وبين السماح لهم بنفوذ يوصلهم إلى سدة الحكم، ومن ثم تُقْصي الشريعة عن واقع الحياة، ويعيش الناس في اضطراب، وبعد عن تحكيم شريعة الله، فتصبح مهمة الإصلاح إفسادية، وهذا مما لا يُقْبَلُ، قال تعالى: } ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله

    هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ {([205]).

    2. بالنسبة للازدواج في الموقف: فنقول إن الفلسفة الإسلامية العامة تفضي إلى تحكيم شريعة الله تعالى في كل شئون الحياة، ورفض كل ما يخالفها من مبادئ وقوانين، وبالتالي تقييد الجميع بهذه الفلسفة.

    فالتعددية المطلقة لا وجود لها في الواقع لا في الدولة الإسلامية، ولا في الدول العلمانية؛ لأنه ما من دولة من الدول إلا وتقيد الحريات السياسية وغيرها، بما يسمى بالنظام العام والآداب، أو المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع ونحوه، وقد تضيق دائرة هذه القيود، وقد تتسع، وقد تتفاوت من دولة إلى أخرى، إلا أن القدر المحكم لدى الجميع هو وجود إطار يجب أن تتقيد به هذه التعددية، وأن تدور في فلكه([206]).

    ومن هنا فليس ثمة تناقض في الموقف بين قبول الإسلاميين للمخالفين في مرحلة وعدمه في أخرى، إذا ما اعتبرنا أن قبولهم لغيرهم وتحالفهم معهم في مرحلة الاستضعاف قائم على السياسة الشرعية التي تؤول إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا لا يمثل قانوناً شرعياً يجب أن يأخذوا به في كل الأحوال، إنما بحسب ما تقتضيه المصلحة.

    أما في مرحلة التمكين، فمنع المخالفين من نشر فكر أحزابهم، العلماني أو الشيوعي، وحض الناس عليه يمثل قضية أساسية في الشريعة الإسلامية، إذ أنها توصل أصحابها ومن حمل فكرها إلى الانحراف عن منهج الله، والإيمان بمناهج أرضية، قد تسيرهم للخروج والردة عن الإسلام، فتكون الدولة الإسلامية هي التي هيأت الناس للوصول إلى هذه الدرجة من الانحراف، وهذا مما لا يقبل شرعاً ولا عقلاً.

    يقول فضيلة الشيخ مصطفى مشهور ـ رحمه الله ـ: " الأمر يحتاج إلى تفرقة بين مرحلة الدعوة، حيث هناك أوضاع مفروضة ولا خيار للإسلاميين فيها، وبيـن

    نموذج الدولة التي يتصدرها الإسلاميون، وأنا لا أرى محلاً في الواقع الإسلامي لفتح الأبواب أمام المخالفين للإسلام للدعوة لمبادئهم، سواء كان هؤلاء من العلمانيين أو الشيوعيين، وهذا الموقف هو من قبيل الوقاية التي ينبغي التماسها لتأمين المجتمع، والدفاع عن قيمه الإسلامية وعافيته الإيمانية "([207]).

    الترجيح:

    مما لا شك فيه أن لكل أمة فلسفة خاصة، يتقيد بها الأفراد والجماعات، وعبر تاريخ الأمة الإسلامية، تقيدت الأمة بفلسفة الإسلام، والعمل الإسلامي يسعى جاهداً لعودة الأمة إلى هذه الفلسفة، حيث أن خروجها عن إطارها حالة مرضية يجب أن تنتهي، وعليه فإن الأمة إذا عادت إلى حالتها الصحية، فإننا سنجد الأمر من الناحية الواقعية يختلف كثيراً عن البعد النظري، التي نوقشت المسألة من خلاله.

    والمؤمن إذا مُكِّن لدينه يجب أن يكون على يقين بولاء الناس لدين الحق والعدل، بعد وقوفهم عليه، وكذلك أن يكون لديه سعة صدر لقبول الآخرين، والتعاطي معهم حتى وصول الحق إليهم.

    ومن هذا المنطلق نشايع القول الثاني، في رأيه القاضي بعدم جواز التعددية السياسية المطلقة، التي تشمل الأحزاب غير الإسلامية، وذلك لعدم مناهضة أدلة القول الأول له، ولكن القضية تبقى خاضعة لفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، فقد تقتضي المصلحة في بعض الأحوال قبول التعددية السياسية المطلقة، وهذا رأي وجيه يستند إلى السياسة الشرعية، أشار إليه الدكتور يوسف القرضاوي ـ الذي أجاز قيام أحزاب غير إسلامية ـ بعد أن بين فضيلته رفض الإسلام لقيامها ابتداء، فقال: " لا يقبل قيام أحزاب شيوعية في بلاد إسلامية؛ لأنها مرفوضة من جمهور المسلمين؛ قد يمكن القول بأنه يجوز لأهل الحل والعقد أن ينظروا في بعض البلاد، وفي بعض الأحيان في السماح للشيوعيين بالعمل، وتكوين حزب أحياناً ليعملوا علناً بدلاً من أن يعملوا تحت الأرض؛ لأن العمل السري قد يغري بعض الناس بأحلام البطولة، والجري وراء الشيء الغامض، والشيء المستور هذا قد يضلل بعض الشباب، ويغري بعض الأغرار والبسطاء والمخدوعين، ويظنون أن تحت القبة شيخاً، ويلهثون وراء هؤلاء، فقد يكون من المفيد أن نغري هؤلاء وندعهم يعملون، ولن يجدوا أحداً يستمع لهم، هذا أمر يدخل في يد السياسة الشرعية "([208]).





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة 3/1072 ح 2775).

    ([2]) ابن منظور: لسان العرب (1/308- 309)، مادة: حزب.

    ([3]) انظر: ابن حجر: فتح الباري (3/445).

    ([4]) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث (1/376)، ابن منظور: لسان العرب (1/309)، الرازي: مختار الصحاح (1/56).

    ([5]) شكر: القانون الدستوري والمؤسسات (ص: 132).

    ([6]) الوحيدي: الفقه السياسي الدستوري في الإسلام (ص: 80).

    ([7]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 538).

    ([8]) عبد الله: النظم السياسية والقانون الدستوري (ص: 538)، عدوان: جذور علم السياسة (ص: 85)، الوحيدي: الفقه السياسي الدستوري في الإسلام (ص: 80).

    ([9]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (11/92).

    ([10]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 126)، عدوان: جذور علم السياسة (ص: 86- 88)

    ([11]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 126).

    ([12]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 13).

    ([13]) السابق (ص: 13- 14).

    ([14]) أمين: ضحى الإسلام (3/4).

    ([15]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 65).

    ([16]) الشهرستاني: الملل والنحل (1/117).

    ([17]) أمين: فجر الإسلام (ص: 266)، عيسى: الحزبية السياسية منذ قيام الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية (ص: 152).

    ([18]) أخرجه أحمد: المسند (مسند أنس بن مالك 3/129 ح 12332)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح الجامع (1/535 ح 2758).

    ([19]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي r: لو كنت متخذاً خليلاً 3/1341 ح 3467).

    ([20]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 39 - 41).

    ([21]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص: 47 - 49).

    ([22]) أبو زهرة: تاريخ الجدل (ص: 119).

    ([23]) جمعة: الاتجاهات الحزبية في الإسلام منذ عهد الرسول r حتى عصر بني أمية (ص: 143).

    ([24]) ابن خلدون: المقدمة (ص: 196).

    ([25]) أمين: ضحى الإسلام (3/213)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 142)، عثمان: من أصول الفكر السياسي الإسلامي (ص: 366)، عمارة: الوسيط في المذاهب والمصطلحات الإسلامية (ص: 78).

    ([26]) الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/121)، بخيت: الفرق القديمة والمعاصرة في التاريخ الإسلامي (ص: 37).

    ([27]) الخميني: الحكومة الإسلامية (ص: 91).

    ([28]) السابق: (ص: 54).

    ([29]) أبو زهرة : تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 52).

    ([30]) السابق: (ص: 34 – 38).

    ([31]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 38)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 175).

    ([32]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 40)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 146).

    ([33]) الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 175)، عثمان: من أصول الفكر السياسي الإسلامي (ص: 366).

    ([34]) أمين: فجر الإسلام (ص: 272)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 225 - 233).

    ([35]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 48)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 189).

    ([36]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 54).

    ([37]) السابق (ص: 57)، الشكعة: الإسلام بلا مذاهب (ص: 259).

    ([38]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 58).

    ([39]) ابن حجر: فتح الباري (12/283)، الشوكاني: نيل الأوطار (7/339).

    ([40]) أمين: فجر الإسلام (ص: 256)، حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 154)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 175).

    ([41]) الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 122).

    ([42]) أمين: ضحى الإسلام (3/337 – 340).

    ([43]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 60 – 61).

    ([44]) المرجع السابق (ص: 65)، أمين: فجر الإسلام (ص: 258).

    ([45]) أمين: فجر الإسلام (ص: 258)، الشهرستاني: الملل والنحل (1/124)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 179).

    ([46]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 65).

    ([47]) الأشعري: مقالات الإسلاميين (1/168).

    ([48]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 73)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 186)، البغدادي: الفرق بين الفِرَق (ص: 82- 83).

    ([49]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 74)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 189).

    ([50]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 76)، حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 159)، الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 174).

    ([51]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 77)، المغربي: الفرق الكلامية الإسلامية (ص: 192).

    ([52]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 78)، الشكعة: إسلام بلا مذهب (ص: 135).

    ([53]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 289 – 292).

    ([54]) أبو زهرة: الإمام مالك (ص: 145).

    ([55]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 289).

    ([56]) الشكعة: إسلام بلا مذاهب (ص: 405).

    ([57]) الريس: النظريات السياسية الإسلامية (ص: 81 – 83).

    ([58]) حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي (ص: 298).

    ([59]) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص: 372 – 374).

    ([60]) السابق (ص: 648).

    ([61]) إن صورة الحزبية السياسية التي عاشها فقهاؤنا القدامى ـ رحمهم الله ـ كانت صورة مقيتة، وصفحة مظلمة، ولم تمثل أحزاباً سياسية بناءة، فقد جاءت في إطار فتنة، وكان لها من الانحرافات الكثيرة التي جعلت العلماء ينظرون إليها انطلاقاً من هذا الواقع.

    ([62]) ابن هشام: السيرة النبوية (3/168).

    ([63]) السابق (4/180)، الطبري: التاريخ (2/94).

    ([64]) البنا: مجموعة الرسائل (ص: 168).

    ([65]) السابق (ص: 167).

    ([66]) السابق (ص: 166).

    ([67]) البنا: مجموعة الرسائل (ص: 166).

    ([68]) القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 157).

    ([69])التلمساني: ذكريات لا مذكرات (ص: 186).

    ([70]) عدوان: التحول إلى التعددية الحزبية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر (ص: 98)، بحث منشور في مجلة جامعة النجاح للأبحاث ب " العلوم الإنسانية " المجلد (16)، العدد الأول، حزيران (2002)، نقلاً عن جريدة الأحرار (ص: 4، 8/8/1988م).

    ([71]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([72]) النبهاني: نظام الحكم في الإسلام (ص: 248).

    ([73]) أبو زيد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية (ص: 65)، المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 35)، يكن: أبجديات التصور الإسلامي (ص: 74)، خان: الإسلام والعصر الحديث (ص: 45).

    ([74]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 29)، أمين: الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية (ص: 38)، حوى: جند الله تخطيطاً (ص: 18)، الديلمي: العمل الجماعي: محاسنه وجوانب النقص فيه (ص: 22)، سميع: أزمة الحرية السياسية (ص: 321)، الصاوي: مدى شرعية الانتماء (ص: 50)، عبد الخالق: مشروعية الجهاد الجماعي (ص: 15)، عمارة: الإسلام والتعددية (ص: 165)، العوا: الفقه الإسلامي في طريق التجديد (ص: 59)، العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 72)، الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية (ص: 249)، الفنجري: التعددية السياسية (ص: 267)، القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 147)، النبهاني: نظام الحكم في الإسلام (ص: 248)، النحوي: الصحوة الإسلامية إلى أين (ص: 96)، النفيسي: عندما يحكم الإسلام (ص: 8).

    ([75]) سورة الأنعام: الآية (159).

    ([76]) سورة الروم: من الآية (31)، والآية (32).

    ([77]) سورة الأنفال: من الآية (46).

    ([78]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 35)، يكن: أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي (ص: 74).

    ([79]) سورة القصص: من الآية (4).

    ([80]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية (ص: 38)، بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر (السنة 11 العدد 44 لسنة 1405 – 1985 ترجمه إلى العربية محمد رفقي عيسى).

    ([81]) سورة آل عمران: من الآية (103).

    ([82]) سورة آل عمران: الآية (105).

    ([83]) أبو زيد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، (ص: 143)، المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 38).

    ([84]) سورة الأنعام: من الآية (65).

    ([85]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية (ص: 37 – 38).

    ([86]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1476ح1848).

    ([87]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1477ح1849).

    ([88]) أخرجه أحمد: المسند (مسند الشاميين، حديث حارث الأشعري 4/202 ح 17953)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح سنن الترمذي (5/148 ح 2863).

    ([89]) أخرجه الترمذي: السنن (كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة 4/465 ح 2165)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح وضعيف الترمذي (ص: 489 ح 2165).

    ([90]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 43)، العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 28)، المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 39 – 41).

    ([91]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الأحكام، باب الطاعة للإمام ما لم تكن معصية 6/2612 ح 6723).

    ([92]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة 3/1478 ح 1851).

    ([93]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 56).

    ([94]) سبق تخريجه (ص: 37)، وهو صحيح.

    ([95]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 46).

    ([96]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام 3/1319 ح 3411)، مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن 3/1475 ح 1847)، واللفظ له.

    ([97]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 84).

    ([98]) المرجع السابق (ص: 83).

    ([99]) المباركفوري: الأحزاب السياسية في الإسلام (ص: 84).

    ([100]) المرجع السابق (ص: 28، 29)، الصاوي: التعددية السياسية (ص: 48).

    ([101]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 47).

    ([102]) المباركفوري: الأحزاب السياسية (ص: 45).

    ([103]) سميع: أزمة الحرية السياسية في الوطن العربي (ص: 315).

    ([104]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([105]) رضا: تفسير المنار (4/36).

    ([106]) سورة المائدة: من الآية (2).

    ([107]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 74).

    ([108]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (6/47).

    ([109]) الدريني: الحق ومدى سطان الدولة في تقييده (ص: 225).

    ([110]) سورة التوبة: الآية (122).

    ([111]) سورة النساء: من الآية (58).

    ([112]) الرازي: المحصول (2/317)، الغزالي: المنخول (1/117).

    ([113]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الشركة باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه 2/882 ح 2361)

    ([114]) الغزالي: الإسلام والاستبداد السياسي (ص: 148).

    ([115]) سميع: أزمة الحرية السياسية (ص: 318).

    ([116])أخرجه الترمذي: السنن (كتاب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 4/468 ح 2169)، وحسنه الألباني في المصدر نفسه..

    ([117]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان 1/69 ح 50).

    ([118]) الشاطبي: الموافقات 4/194- 195).

    ([119]) القرافي: الفروق (2/61).

    ([120]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 82- 85).

    ([121]) ابن القيم: الطرق الحكمية (ص: 17- 18).

    ([122]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 84- 85).

    ([123]) ابن عبد البر: التمهيد (23/338)، الطبري: التاريخ (3/114).

    ([124]) القرضاوي: من فقه الدولة (ص: 157).

    ([125]) الصاوي: مدى شرعية الانتماء (ص: 113).

    ([126]) الشنتوت: التربية السياسية (ص: 104).

    ([127]) يقول الدكتور يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم (ص:159):" هذه القاعدة الذهبية صاغها العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله، وكان الإمام حسن البنا رحمه الله حفياً بهذه القاعدة حريصاً على الالتزام بها فكراً وعملاً، حتى حسب كثير من تلامذته وأتباعه أنه واضعها ".

    ([128]) عبد الخالق: مشروعية الجهاد الجماعي (ص: 15).

    ([129]) عبد السلام: أزمة الحكم في العالم الإسلامي (ص: 133 – 136).

    ([130]) الشنتوت: التربية السياسية (ص: 104)، نقلاً عن البيانوني: وحدة العمل الإسلامي (ص: 65).

    ([131]) سورة القصص: من الآية (15).

    ([132]) سورة الصافات: الآية (83).

    ([133]) سورة المائدة: الآية (56).

    ([134]) سورة الحجرات: من الآية (9).

    ([135]) سورة هود: الآية (118).

    ([136]) إسحاق: الأحزاب السياسية ونمط القيادة في الدولة الإسلامية ص: (38- 40).

    ([137]) سورة هود: من الآية (119).

    ([138]) الشاطبي: الاعتصام (2/166- 171).

    ([139]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 52).

    ([140]) القرضاوي: فقه الدولة (ص: 151- 152).

    ([141]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 37- 38).

    ([142]) لا ننكر وجود تعصب عند بعض الجماعات الإسلامية، أو قل عند بعض الأفراد من الجماعات، وأعتقد أن مرد ذلك ضعف الجانب التربوي والتوجيه الصحيح عندها، وقد أشار الأستاذ عمر عبيد حسنة: نظرات في مسيرة العمل الإسلامي (ص: 40) إلى مثل هذا فقال: " من الخطأ العقيدي والتاريخي الاعتقاد بأن الإسلام حكر على جماعة بعينها إلى درجة تعلن منها أنها جماعة المسلمين، أو أنها تمتلك الحق المحض، وغيرها يعيش على الباطل المحض، ومن هنا يبدأ الانحراف وتتسع زاويته، ويبدأ التعسف في إصدار الأحكام على الناس إلى درجة قد تصل إلى تكفير من لا يسلك في طريقها ولا يرى رأيها ".

    ([143]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (11/92).

    ([144]) سبق تخريجه (ص: 37)، وهو صحيح.

    ([145]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة، باب قوله r لا تزال طائفة من أمتي 3/1524 ح 1923).

    ([146]) سورة آل عمران: من الآية (110).

    ([147]) العوضي: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب (ص: 38- 39).

    ([148]) راجع ما كتبناه في الحرية السياسية (ص: 43).

    ([149]) مقصد المسلم هو ما قاله ربعي بن عامر t: " إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " الطبري: التاريخ (2/401).

    ([150]) سورة يوسف: من الآية (55).

    ([151]) الألوسي: روح المعاني (13/5).

    ([152]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 67).

    ([153]) هنيه: حكم الحزبية في الإسلام، لقاء صحفي مع جريدة صوت الجامعة العدد (49) (ص: 13) (1423هـ ـ 2003م).

    ([154]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 68)، عبد الخالق: مشروعية العمل الجماعي (ص: 9- 11).

    ([155]) راجع في ذلك عبد الخالق: شيخ الإسلام ابن تيمية والعمل الجماعي (ص: 2- 7)، وقد كتبه رداً على القائلين بأن الإسلام لم يسبق أن مارس العمل في جماعة.

    ([156]) سورة الضحى: الآية (11).

    ([157]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/30- 46).

    ([158]) العوضي: حكم المعارضة والأحزاب السياسية (ص: 62).

    ([159]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً 2/863 ح 2312).

    ([160]) سورة الأحزاب: الآية (58).

    ([161]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/20).

    ([162]) يكن: أبجديات التصور الحركي (ص: 20- 21).

    ([163]) القرضاوي: الحل الإسلامي فريضة وضرورة (ص: 224).

    ([164]) سورة آل عمران: الآية (104).

    ([165]) انظر: (ص: 81).

    ([166]) سورة الأنفال: من الآية (73).

    ([167]) سورة الأنفال: من الآية (73).

    ([168]) عزام: حكم العمل في جماعة (ص: 7).

    ([169]) سبق تخريجه (ص: 32)، وهو حسن صحيح.

    ([170]) سبق تخريجه (ص: 133)، وهو صحيح.

    ([171]) ابن حجر: فتح الباري (13/255).

    ([172]) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (3/40).

    ([173]) أمين: الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية (ص: 38)، عبد الرحمن: البيعة في النظام السياسي الإسلامي (ص: 230)، القرضاوي: الحل الإسلامي (ص: 225)، مشهور: طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف (ص: 34).

    ([174]) الديملي: العمل الجماعي محاسنه وجوانب النقص فيه (ص: 22)، القرضاوي: الحل الإسلامي (ص: 255)، يكن: أبجديات التصور الإسلامي (ص: 76).

    ([175]) خلاف: السياسة الشرعية (ص: 17).

    ([176]) سورة الصف: الآية (4).

    ([177]) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (3/38).

    ([178]) عبد الخالق: المسلمون والعمل السياسي (ص: 20).

    ([179]) أخرجه ابن ماجه: السنن (كتاب الفتن، باب افتراق الأمم 2/1322 ح 2993)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح سنن ابن ماجه (2/1322 ح 2993).

    ([180]) ابن باز: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (8/181- 183).

    ([181]) سبق تخريجه (ص: 102)، وهو صحيح.

    ([182]) المزي: تهذيب الكمال (22/265).

    ([183]) المرجع السابق (8/179- 181).

    ([184]) موقع اللجنة الدائم على الإنترنت.

    ([185]) فقد جاء في البيان التأسيسي لهذه الحركة: أن من وسائل الحركة لتحقيق المهام المنوطة بها ما يلي: " رفض مبدأ الانفراد بالسلطة ـ الأحادية ـ لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان، وتعطيل لطاقات الشعب، ودفع البلاد في طريق العنف، وفي المقابل إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع، وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية " الغنوشي: محاور إسلامية (ص: 159). وعندما سئل رئيس الحركة في الندوة الصحفية المنعقدة في يونيو 1981م عن رأيه في التعددية السياسية والتنسيق مع المعارضة أجاب ما يلي: ... نحن لا نعارض ألبته أن يقوم في البلاد أي اتجاه من الاتجاهات، ولا نعارض ألبته قيام أي حركة سياسية وإن اختلفت معنا اختلافاً أساسياً جذرياً بما في ذلك الحزب الشيوعي، فنحن حين نقدم أطروحتنا نقدمها ونحن نؤمن بأن الشعب هو الذي رفعنا إلى السلطة ليس إلا، ولذلك ليس لنا الحق أن نمنع أي طرف من أن يقدم برنامجه، وهذا الموقف هو منطق مبدئي إسلامي أصولي شرعي" الصاوي: التعددية السياسية (ص: 100- 101) نقلاً عن الهاشمي: أشواق الحرية (ص: 88- 89).

    ([186]) قميحة: المعارضة في الإسلام (ص: 149)، هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 82- 84).

    ([187]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 34)، الصاوي: التعددية السياسية (ص: 101)، الفنجري: الحرية السياسية في الإسلام (ص: 266)، هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 84).

    ([188]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 101)، انظر إلى نص الصحيفة التي عقدها النبي r مع أهل المدينة عند ابن هشام: السيرة النبوية (3/31- 35).

    ([189]) الغنوشي: الحريات العامة في الإسلام (ص: 260).

    ([190]) سورة المائدة: الآية (49).

    ([191]) سورة الجاثية: الآية (18).

    ([192]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (4/150).

    ([193]) سورة النساء: من الآية (141).

    ([194]) الألوسي: روح المعاني (5/175)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (5/420).

    ([195]) سورة النساء: من الآية (59).

    ([196]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 39).

    ([197]) سبق تخريجه (ص: 78)، وهو صحيح.

    ([198]) النووي: شرح صحيح مسلم (12/229).

    ([199]) ابن القيم: أحكام أهل الذمة (2/787).

    ([200]) رضا: تفسير المنار (6/367).

    ([201]) أبو فارس: التعددية السياسية (ص: 36).

    ([202]) الفنجري: الحرية السياسية (ص: 266).

    ([203]) ابن هشام: السيرة النبوية (3/34).

    ([204]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 107).

    ([205]) سورة لقمان: الآية (30).

    ([206]) الصاوي: التعددية السياسية (ص: 108).

    ([207]) هويدي: الإسلام والديمقراطية (ص: 84).

    ([208]) القرضاوي: هموم المسلم المعاصر (ص: 81).
     

مشاركة هذه الصفحة