غلاء الأسعار والمخرج الشرعي! / د. يوسف القاسم

الكاتب : مستغرب   المشاهدات : 581   الردود : 0    ‏2007-09-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-28
  1. مستغرب

    مستغرب عضو

    التسجيل :
    ‏2007-07-15
    المشاركات:
    169
    الإعجاب :
    0
    غلاء الأسعار والمخرج الشرعي! / د. يوسف القاسم


    الإسلام اليوم / قبل حلول شهر رمضان المبارك ضيفاً عزيزاً، حلّ علينا التضخم ضيفاً ثقيلا، وعلى العديد من الدول العربية والعالمية، وفي ظل حلول هذا الضيف ثقيل الظل، تُستنفر طاقات بعض الحكومات لعلاج هذه الظاهرة، ويحرص الكثير من الاقتصاديين والمهتمين لعرض الكثير من الحلول التي تساهم في علاج هذا الداء أو الحد منه، ولكن دون جدوى! ولهذا نجد أن التضخم (غلاء الأسعار) لا يزال يزحف عكس التيار الحكومي الذي يسعى لمواجهته بشتى الحلول، بل نرى هذا التضخم الزاحف يتحول إلى متسارع، ومنه إلى مفرط أو جامح، كما يُسمّى في مفردات علم الاقتصاد المعاصر، حتى إن بعض الحلول لهذا المرض الخطير أنتجت أمراضاً أخطر منه، وعلى سبيل المثال – لا الحصر- حين أرادت الولايات المتحدة الأمريكية قبل مدة زمنية قصيرة أن تعالج داء التضخم الذي لحق بأسعار العقارات بسبب زيادة الطلب عليها، إثر توسيع عملية الائتمان لبعض من ليس له سجل ائتماني يعتد به، حين أرادت أن تعالج هذا الداء رفعت من سعر الفائدة من أجل الضغط على معدل التضخم الذي لحق بالعقار، مما كان سبباً في تزايد أعداد المقترضين غير القادرين على السداد، مما اضطر الكثير منهم لتسليم العقار للجهة المقرضة، وبالتالي حدوث فجوة بين العرض والطلب، أدت إلى انخفاض حاد في أسعار العقارات، مما حدا بالبنك الفيدرالي الأمريكي إلى تخفيض سعر الفائدة-بعد أن قام أولاً برفعها – ولو أدى ذلك إلى ارتفاع معدل التضخم مجدداً؛ وذلك لعلاج أزمة الرهن العقاري التي كادت تعصف بالاقتصاد الأمريكي عبر أسواقها المالية، بل كادت تعصف بالعديد من الأسواق المالية في بعض الدول الأوروبية والآسيوية!! وهكذا يتأرجح الاقتصاد الأمريكي بين رفع الفائدة وخفضها!! وبالمنطق الشرعي الواقعي: متى كان الربا حلاً للأزمات؟ بل هو- كما نطق الواقع هنا- ساهم في إيجاد الأزمة، بدلاً من أن يكون طرفاً في حلها، وصدق الباري عز وجل: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات).
    وهنا يتساءل كثيرون: هل وضع ديننا الإسلامي الحنيف حلاً لأزمة التضخم؟ وللجواب عن هذا السؤال الكبير أقول: إن الشريعة الإسلامية قبل أن تضع الحلول، فإنها قد شرعت العديد من الأحكام التي تقي من الوقوع في مثل هذه الأزمة، والوقاية– كما قيل خير من العلاج- والتزام أحكام الشريعة الإسلامية ذات الصلة لا يعني العصمة من هذا الداء؛ لأن الكثير من أسباب التضخم تُصدّر إلينا من الخارج، وعلى سبيل المثال: فإن ارتفاع أسعار السلع المستوردة سببه خارجي وليس من الداخل، وهكذا.. ومع هذا فإن ديننا الحنيف قد شرع العديد من الأحكام التي تقي من هذا الداء مما كان مصدره من الداخل، ووضع العديد من الحلول التي من شأنها أن تخفف من لهيب التضخم المصدر إلينا من الخارج، وعلى سبيل المثال – لا الحصر- أذكر من هذه التشريعات ما يلي:
    1- معلوم أن من أكبر أسباب التضخم وفرة السيولة في أيدي الناس، ولهذا تسعى العديد من الدول إلى امتصاص هذه السيولة؛ ليقل النقد، فيقل الطلب الذي يساهم ارتفاعه بشكل مباشر في غلاء الأسعار، والأسلوب التقليدي لدى أغلب الدول المعاصرة، هو امتصاص هذه السيولة عبر رفع سعر الفائدة، وهو ما ينادي به بعض رجال الاقتصاد منا وللأسف! وقد ألمحت إلى الأثر السلبي الكبير لهذا الأسلوب على الاقتصاد الأمريكي، وحال من يعالج بهذا الداء كمن يقطع شرياناً من شرايين القلب ليعالج به عرقاً من عروق القدم!! وبالنظر إلى الأسلوب الإسلامي في الحد من هذه الظاهرة، نجد أن ديننا الحنيف قد قنن امتصاص هذه السيولة عبر أساليب كثيرة، ومنها: امتصاصها عبر الزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، والوقف، والوصية... والتي من شأنها أن تساهم في امتصاص السيولة من مرتفعي ومتوسطي الدخل لتضعها في يد محدودي الدخل من الفقراء والمساكين ونحوهم، ومعلوم أن الزكاة تجب في المال الزكوي الذي تم نصابه، وحال عليه الحول، فتمتص الزكاة من سيولة هذا المال2.5% وأحياناً أكثر من ذلك، وتمتص الصدقة من المال الفاضل عن الحاجة ما تجود به نفس المسلم، وكلما زاد امتصاص السيولة من مال الصدقة زاد الأجر والثواب من الله تعالى، ولذا جاء في الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً"، بل جاء في الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك" رواه مسلم. ولنتأمل هذا اللفظ النبوي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى: "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك" والخيرية – كما نرى هنا- مطلقة، أي: خير لك في دنياك وأخراك، وصدق الحبيب المصطفى، فهي خير لك في دنياك من وجوه كثيرة، منها: أن هذا البذل وهذا المعروف يساعد على امتصاص السيولة التي لو كثرت في أيدي الناس لغلت الأسعار، وعاد أثرها السلبي على كل الممسكين عن الصدقة!! إذاً: يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك! ويبقى السؤال الكبير هنا: وهو: هل قام الأغنياء وكل من وجبت عليه الزكاة ببذل زكاتهم الواجبة؟ وهل ينشط الناس اليوم لإخراج صدقاتهم للمحتاجين في طول العالم وعرضه؟ وكم تشكل الأوقاف الجارية والوصايا من نسبة أموال الأغنياء؟ إن رمضان فرصة سانحة لاستنهاض الهمم نحو القيام بهذه التوجيهات الربانية.
    2- معلوم أن من أهم أسباب التضخم وغلاء الأسعار تلاعب التجار بأسعار السلع، ولاسيما الرئيسية، التي تُعدّ شرياناً من شرايين الحياة، وذلك من خلال استغلالهم لرفع الرواتب أو لما تمر به الدولة من انتعاش اقتصادي، فيرفعون الأسعار بأرقام فلكية تلتهم مدخرات الناس، وربما تعرضهم للحاجة والسؤال، وهنا يوجه الحبيب صلى الله عليه وسلم رسالة حانية إلى كل تاجر يغالي في الأسعار، ويستغل الطفرة الاقتصادية بالبلد، بقوله: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى"، وإذا وقف التاجر المسلم أمام هذا الحديث وقفة إكبار وإجلال، فهل سيجرؤ على رفع أسعار بعض المنتجات المحلية الخالصة، والتي لا تتأثر بالأسعار الدولية؟ كلا، بل إنه سيساهم ببيع المنتجات المستوردة والتي لحقها التضخم بأقل سعر ممكن؛ ليظفر برحمة الخالق سبحانه. وإذا انحسرت ثقافة السماحة في نفوس الباعة، وحل محلها الجشع والاستغلال، فللحاكم حينئذ بقوة الشرع وداعي المصلحة العامة أن يخطم هذا الجشع والاستغلال بخطام التسعير، وتحديداً في السلع الرئيسة.
    3- لا يخفى على كل مطلع أن من أسباب التضخم كثرة الطلب على السلع، وتهافت الناس على الشراء بأي سعر كان، وهنا نجد أن الإسلام قد حث في الحالات العادية على الاقتصاد في المعيشة، والتوسّط في النفقة، وهذا من شأنه أن يقلل الطلب، فتنخفض الأسعار، كما من شأنه أن يقلّل الطلب على السلع الباهظة الثمن، وذلك بالشراء من المنتجات البديلة التي تُباع بالأثمان المعقولة، وإذا كان هذا في الحالات العادية فما الظن في حالات غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وفي الحث على الاقتصاد والتوسّط في النفقة يقول الباري جل وعز: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا) وإذا كان هذا في الشهور العادية، ففي شهر الصبر والإمساك أولى وأحرى، ومن الاقتصاد منع الإسراف في المأكل والمشرب، كما قال تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وهكذا يكون شهر الصوم عاملاً مساعداً على علاج التضخم، فهل نقف عند توجيه الخالق، الأعلم بمصالح عباده، ونساعد أنفسنا ومجتمعنا على انتشاله من هذا الداء العضال؟ الواقع أن ما نشرته جريدة (الاقتصادية) في عددها(5085) الصادر يوم الخميس الماضي، يخالف هذا، وقد جاء فيها الخبر الآتي: "توقع مستثمرون في القطاع الخاص أن حجم الحركة التجارية في المملكة خلال شهر رمضان للعام الجاري نحو (60) مليار ريال، في الوقت الذي تبلغ فيه القوة الشرائية في الشهر نفسه أكثر من 30% من إجمالي الحركة التجارية في باقي الأشهر. وقدّر مستثمرون تحدثوا لـ (الاقتصادية) حجم إنفاق الفرد خلال هذا الشهر بما يقارب ألف ريال، أما متوسط حجم إنفاق الأسرة فيصل إلى نحو (6500) ريال، مضيفين أن الحركة الاقتصادية في المملكة خلال شهر رمضان تشهد نمواً في قطاعات عدة منها المواد الغذائية، والنقل، والأسواق المركزية!!" وأظن هذا الواقع ينسجم مع واقع كثير من الدول المجاورة.
    4- من الحلول الشرعية أيضاً تعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل المجالات، والذي من شأنه أن يعالج التضخم المصدّر إلينا من الخارج، وقد تحدثت عن هذا الموضوع عبر مقال بعنوان: "بيع بالجملة وشراء بالمفرق".
    5- ومن الحلول الشرعية أيضاً: دعم السلع، وهو من التدخل الحكومي الذي تفرضه المصلحة العامة، وقد تحدثت عن هذا الموضوع عبر مقال بعنوان: "دعم السلع..نظرة شرعية".
    علماً بأن هذه الحلول الشرعية ما هي إلاّ إلماحة لبعض الحلول الممكنة، وهذا لا يعني تجاهل أي حلول اقتصادية أخرى ما دام أنها تسير في رحاب المصلحة المرسلة، وتدور في فلك الضوابط الشرعية.
    والله تعالى أعلم.
     

مشاركة هذه الصفحة