الرحيل

الكاتب : فيصل الزوايدي   المشاهدات : 540   الردود : 7    ‏2007-09-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-27
  1. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    الرحـيــلُ ..

    يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذَاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
    من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
    ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
    يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
    تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.

    فيــــصل الزوايـــــــدي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-09-27
  3. اوراق الثريا

    اوراق الثريا عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-07-06
    المشاركات:
    584
    الإعجاب :
    0
    اختنقت من هذا النص
    ربما اعود واعلق عليه بعد رواسم دفني
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-09-27
  5. آناستازيا

    آناستازيا عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-25
    المشاركات:
    245
    الإعجاب :
    0
    هناك ملاحظة في الأدبي تنص على عدم جواز نزول موضوعين
    في أسبوع وإن كان مثل هذا الموضوع يستحق التثبيت وبجدارة

    هذا للتنبيه فقط حتى لا تموت حيوية الموضوع
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-09-28
  7. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخت اوراق الثريا سلامتك من كل سوء ان شاء الله و سأبقى في انتظار عودتك
    دمت في خير
    مع المودة
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-09-29
  9. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخت آناستازيا شكرا لهذا التدخل و لاطرائك على نصي و المعذرة ان تداخل الزمن علي فقد فقدتُ التمييز بسبب فيض الود الذي لقيته من قبلكم ..
    دمت في خير
    مع مودتي
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-10-13
  11. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخت اوراق الثريا مازلتُ في انتظار عودتك الى النص ..
    مع المودة
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-10-13
  13. اوراق الثريا

    اوراق الثريا عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-07-06
    المشاركات:
    584
    الإعجاب :
    0
    الرحيل هو
    قمم الآلام..نرتكز عليها بصلابةولكن تخذلنا دمعة تهز كل ما كان من شموخ وارتكاز
    قمم من الالآم تفاجئنا دون ميعاد فنصمدلها ثم نصمد ثم.....................؟
    ولكن ستبقى قمـة الألم ان نرضى في توديع اشخاص نعلم اننا لن نراهم ابـــداً.


    ((للامـــانة هذه ليست من كتاباتي إنما نقلتها لكم وللأسف أجهل كاتبها))


    اخي فيصل

    في واقعنا المرير
    اشياء نعاني منها

    نشعـــر بالظلــم و نعــجز عن الانتـصار
    اخي فيصل
    اتابعك في كل الاماكن لك ورود الشمال
    ردي ومودتي معك ومع اوجاع الحروف
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-10-14
  15. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخت اوراق الثريا اسعدتني بهذه العودة و بهذه المتابعة التي افتخر بها .. و ارجو ان تتواصل
    مع المودة و التقدير
     

مشاركة هذه الصفحة