التحرر من متطلبات القهر

الكاتب : كعكي   المشاهدات : 335   الردود : 0    ‏2007-09-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-25
  1. كعكي

    كعكي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-17
    المشاركات:
    148
    الإعجاب :
    0
    مقاله رائعه للكاتب عدنان العديني
    منقول من الصحوه نت



    الصيام في السجن كان اثباتاً على استقامتي الإنسانية في الأيام والأحداث التي كان فيها كل شيء يهدد استقامتي."علي عزت بيجوفيتش".

    ليس هناك دليل على الإنسانية المستقيمة أكثر من اتحاد الظاهر والباطن, فالصوم إصرار على الخصوصية والذاتية والأنا الإيجابية, الخصوصية شرط للحرية إذ بدونها يتحول الجميع إلى معلبات متماثلة في مصنع لاشيء فيه سوى حركة الآلة الصماء، والصوم استقامة الحر الرافض لهيمنة الجسد الآلة والدولة المكينيكية والحياة الشاخصة بقوة المادة والجوفاء روحا، وشعوراً.

    ومن آثار تجربة الحرية الإنسانية يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدد أعظم الأعمال لسائله: (قل آمنت بالله ثم استقم) والاستقامة كما هي عند أبو القاسم القشيري الخروج على المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات التي لا تعبر عن الإنسان المستقيم وليس ذلك سوى النضال من أجل أن تكون الحياة التزاماًَ بإرادة الإنسان وخياره.

    إننا اليوم نبذل ونناضل ونضحي من أجل أي شيء؟ من أجل أن تكون الحياة، الدولة, النظام, السياسة, تعبيراً عن الإنسان فرداً ومجتمعاً.

    وبالقدر الذي يتوجه نضالناً نحو توليد الاستقامة الداخلية بما هي خصوصية وحرية بالقدر نفسه يسهل علينا النضال من أجل وضع عام يساعدنا على الاستقامة حين يصبح معبر عن ذاتنا الجماعية، فالسيادة الجماعية مربوطة بالسيادة الشخصية التي ليس الصيام سوى تجربة وتمرين على إنتاجها.

    فالصوم استماع متأني لنداء الداخل، الروح ذات المصدر العلوي ومن لا يسمعها فإنه يتحول إلى آلة تحركه الرسوم والعادات التي نبهنا لها القشيري وهنا تختفي الشخصية ويحل محلها الفرد (الأنانية والانتهازية).

    إن الصوم إذا ما تم استيعاب مقصده التحرري للنفس والارتقاء بها فوق سلطات المادة والقوة والبطش فإن مجتمعاً آخر سوف يحل محل مجتمع السلبية والكمون والاستسلام، وذلك لأن ما تئن منه المجتمعات المقهورة من ظلم السلطات ليس سوى نتيجة لغيابها.

    لقد شرع الصوم ليصل بالمسلم إلى مرتبة التقوى (لعلكم تتقون) وهي ليست حالة وإنما حركة تاريخية على الأرض بدافع اليقين الروحي ولذلك جاءت التقوى بجوار الإصلاح في مواجهة حركة العدوان والفساد (يابني آدم إما يأتينك رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

    إن غاية الصوم هو التقوى, وغاية التقوى الإصلاح كحركة على الأرض تواجه الفساد الذي يصيب الحياة بفعل النفوس المعطوبة, ولئن كان هذا في الشأن الخاص فإنه في الشأن العام أوجب.

    والشعوب المقهورة تلجأ عند فقدان دليل الرشاد إلى الانكفاء على الذات ونسيان الواجب وذلك لا يكون إلا عندما تصاب الروح الجماعية بالشلل فتتعطل الحركة الجماعية ويغيب النضال من أجل الحرية وهنا يكون لا معنى للصوم حتى ولو كان من عابد زاهد، فالصوم الذي لا ينهى صاحبه عن قول الزور ليس لله حاجة به, كما يشير الحديث الشريف.

    وهذا في باب السلوك الشخصي فكيف إذا كان قول الزور سلوكاً جماعياً.

    فيا أيها المقهورون والمستضعفون ليس سوى الدين الذي يفضح فيكم ذواتكم ويكرمكم قادر على بعث الحياة لكم من جديد.

    ثنائية الطاعة والاحترام ليست موجود سوى في الإسلام فلأجل أن تطيع رفع الله قدرك وكرمك وإعلى ذكرك، لأنه يريد طاعة من صاحب الخلق القويم والخلق المستقيم الذي لا ينحني ولا يعيش الركوع (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).

    والأمر مرهون بوجود الاستقامة كحالة باطنة تبعث على الاستقامة في الحياة أمام فلسفة الإكراه وحكام القهر.

    مهما قال الناس عن الأخلاقية فإنها ستظل احتفاءات شكلية وتبادل مراسم المجاملات الفارغة مالم تصبح ممارسة واعية لضرورتها ومقصدها والصوم رحلة إدراك للوعي الذي يضيء للممارسة أنوارها عبر درب الحيا’.

    إن الذين يعانون من حكم القوة المادة، النظام الظالم عليهم أن يتحرروا من عناصر سلطانه فيهم, وأن يرتفعوا فوق نقاط ضعفهم التي تستغل من قبل سلطان البغي والعدوان, ويتيحوا أجواء الالتحام الاجتماعي المتجاوز لشارات ونقاط الظلم وشرط ذلك امتلاء الإنسان بنفسه وذاته الواعية بدورها وعلاقتها مع جزئها المودوعة في جزئه الآخر الإنسان التوأم إنه التلاقي الروحي يضعف سلطان الجسد الآلة.إن الصوم تنمية للروح, في مقابل طغيان الجسد وإنتاج للتوازن في السلوك الفردي المعبر عن الإنسان الخليفة لا الإنسان الحيوان.

    وإذا فإنه وبقدر تحقيق الصوم للإنسان الخليفة فإنه أيضاً مدرسة يستفاد منها في إنتاج الروح الجماعية (الاستخلاف الجماعي) الموازنة لطغيان الدولة.

    فعلينا ونحن في زمن النضال من أجل العدالة وضد طغيان الدولة أن نصوم عما يقوي سلطان الدولة لو أحببناه كالتبعية والسخرة والنفاق والمال العام الموزع للاستزلام وشراء الذمم كما يصوم عن مطلوبات الجسد، إنه صوم عن أخلاق العبودية والقابلية للاستعباد الذي تدنى وعينا حتى صار يعتبرها طاعة وعبادة مع أنها مطلوبات للدولة – القهر.
     

مشاركة هذه الصفحة