بيني و بينَــك

الكاتب : فيصل الزوايدي   المشاهدات : 900   الردود : 15    ‏2007-09-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-24
  1. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    بيني و بينكَ ..

    هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
    هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..
    و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردةٍ، أجلــسُ على مقعدٍ قاسية أطرافُه، و تفوحُ رائحةُ الـخَدَرِ ،و أنينٌ حادٌّ بينَ أُذنَـيَّ.. صريرُ خفَقَانِ القلبِ يــطغى على أصواتٍ باهتةٍ تنبعثُ من حيثُ لا أدري.. يسكنُ في النَّفسِ صوتٌ ســألَني يومًا : إلى أين ؟ و هَذي المرافئُ تتجاذَبُني .. و أنا وحيدٌ في زاويةِ الغرفةِ .. يقتربُ رجلٌ في أناقةٍ مبتَذَلَةٍ، ينظرُ إلَـيَّ بعينَينِ ثَقيلَتَيْ الأجفَانِ، و يسألُني بصوتِ حَجَرٍ مُتنَاثِرٍ : أنتَ السَّيد ..؟
    أجبتُ مضطَرِبًـا: أنا هُوَ، لعلِّي أنا ..
    لم يأبَه لاضطِرابي فأَشَارَ إلى مَمَرٍّ مُظلمٍ بعضَ الشَّيء : إنّهم يريدونَ رُؤيتَكَ .. أَزَّ في الرأسِ صوتٌ مُوجِعٌ و اضطربَت دقاتُ القـلبِ بتسارُعِها نحوَ ..آخرِ الـمَمَرِّ.. و تَزاحَـمت الهواجسُ ثقيلةً كالهزيمةِ .. هل وُلَدَ الصبيُّ المنتَظَرُ منذ السِّنين أم ماتَت الأمُّ ؟ كيف اقـترنا تلك اللحظةَ بداخِلي ؟ كيف اقتربَ الموتُ مِنَ الحياةِ ذلك الاقترابَ ؟ هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي ، هَمَمتُ بسُؤالِهِ : ولادةٌ أم موتٌ ؟ لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ .. مــلَّ الرجلُ صمتي فأردفَ بصـوتٍ يكـتمُ ثورةً : إنهم بانتظاركَ ، تَفضل من هُنا .. قَرعُ حِذائي على الأرضِ ينهالُ على رأسي و أنا أتبعُ الرجلَ .. تـحركَت أشباحٌ حَولـي و أحسستُ ببعضِ الصدماتِ و كلماتٌ تُقالُ ، لعلّها اعتذارٌ أو سخطٌ .. مَن يهتم ؟ أيُّ معنى لأيِّ قولٍ أمامَ الولادةِ أو الـموتِ ؟؟ باحتدادٍ حدَّثَــــنا الطبيبُ قبلَ أشــهرٍ و هـو يـحذِّرُنا مِن خَطَرِ الحَملِ .. تُرَى هل أرســلَ القدرُ يومَــها ذاكَ الطبيبَ ينذِرُنا بِـما نَخشاه الآن ؟ هل يـمكِنُ أن يغتالَ ذاك الصـــبيُّ أمَّهُ ؟ هل تنطلقُ حياتُه بـمَوتِها ؟ أم يـموتُ لتَحيا...؟ أحسـستُ أنَّ آخرَ المـمرِّ هو آخر الكَونِ .. و أنا لم أَعُد أعلمُ أَيْـني .. لا أدري كيفَ التــقطت عينَاي الكليلتانِ لافتةً تشيرُ إلى غرفَةِ الوِفَياتِ .. حائطٌ بـناه عاملٌ لا يُدرِكُ مــا يفعلُ .. يفصلُ به بينَ الحياةِ و الموتِ .. و أنا لا أزال أسيرُ ، كأنَّ الطريقَ لا تنتَهي و لكن فجأةً وصلنَا أمام بابٍ مُوارَبٍ قليلا .. أشارَ الرجلُ بلامُبالاةٍ إلى الغرفـةِ و قَالَ : إنهم هُنا .. و لكن هل يمكنُ ذلكَ حقًّا : أن يُوجِّـهَكَ رجلٌ لا تعرفُ حتّى اســــمَهُ و لا يهتم بـمعرِفَتِكَ .. أن يُوَجِّهَــك إلى .. حيثُ الـحياة أو الموت .. وقفتُ برهةً أخـشى الدخولَ .. أصَــختُ السمعَ .. ما الذي أصابَ حواسي لــحظَتَها ؟ يرتَفِعُ الوجــيبُ و أخشى من سُؤالٍ جَديدٍ .. سُرعانَ ما زَعزَعَني : هل تُقدِّمُ الممرضةُ إلـيَّ لـفافةً بيضاءَ و تقولُ بحُنُوٍّ مُصطَنَعٍ : أَبشِر إنَّه الصـبي الذي انتظَرتَه .. ها قد جَاءَ .. أم يُوجِّهُني الطبيبُ بنظراتٍ نحوَ لُفافَةٍ بيضاءَ أيضًا و يقولُ بتعاطفٍ لا أُدركُ صِدقَه مِن زَيفه : لقد حذَّرتُكم قبلَ أشهرٍ ، و لـم نستَطِع فِعلَ شيءٍ لها .. خشيتُ أن أدفعَ البابَ .. بابٌ صَنَعَهُ نَـجَّارٌ و هو يتابعُ بِبَصَرِهِ النَّهِمِ فتياتِ الحَيِّ .. صنَعَهُ يومـًا و لم يُدرِك أبدًا ما الذي يُـمكِنُ أن يُخفي وراءَهُ .. أسـمعُ هَمهَماتٍ مِن داخِلِ الغُرفَةِ .. تداخَلت مَعَ صَرخَاتٍ مِن داخِلي .. هل أقتحمُ الغرفةَ ؟ هل أهربُ ؟ إلـى أين ..؟
    أنينُ النَّفسِ الـمُوجِعُ يُطبِقُ على أنفاسي فـأُحِسُّ ضيقًا هائلا .. الـخوفُ أحيانًا يدفَعُنا إلى نَفسِ الفِعلِ الذي نَقومُ به بدافعِ الشَّجاعةِ .. تَمتدُّ يدي نحوَ قبضةِ البابِ فِضيةِ اللَّونِ، يـخترقُ مَسمَـعي صريرٌ حادٌّ لن أنسَاه .. تتخلّى اليدُ عن تلكَ القبضةِ الـمبتعِدَةِ إلـى داخل الغرفةِ .. ينفَتِحُ البابُ كأنَّ غيري قامَ بِفتحِهِ .. لـم تَقَع عينَاي على أحدٍ .. فقـط ظهرت زاويةُ السَّريرِ الـحديديِّ و الـجزءُ السُّفلي مِن سُترةٍ طِبيةٍ بيضاءَ ..أحسـستُ حركاتٍ فـي الأجسادِ تلتفتُ تستطلع مَنِ القادمُ .. بِبَقيـةٍ مِن قُدرَةٍ و عزمٍ تقــدَّمتُ خُطوتَينِ داخلَ الغرفَةِ و تضخُّمٌ مـخيفٌ بصَدري كأنّـي سأنفجرُ .. توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّ ذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ .

    فيصل الزوايدي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-09-25
  3. ناصر البنا

    ناصر البنا شاعـر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-06-11
    المشاركات:
    7,641
    الإعجاب :
    0
    الأخ العزيز فيصل
    أهلا وسهلا بك الى المجلس اليمني
    والذي يسعد بوجودك فيه ويبتهج

    ويزدان بوشاح حروفك الماسية هذه والرصينة

    ولقد أدهشتني لغتك الراقية وأسلوبك المتناسق سرداً وتصويراً

    رغم قرأتي على عجالة

    وربما تكون لي عودة إليها

    ودمت بخير
    ولك خالص تحاياي

    للتثبيت
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-09-25
  5. نبيله الحكيمي

    نبيله الحكيمي كاتبة صحفية

    التسجيل :
    ‏2004-08-05
    المشاركات:
    1,646
    الإعجاب :
    0
    قلم قصصي رائع
    دمت اخي
    ومرحى بك هنا
    اختك

    نبيله الحكيمي​
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-09-26
  7. جيان

    جيان عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-02-12
    المشاركات:
    1,651
    الإعجاب :
    0
    .


    آه
    أحس بـ التعبِ يكتسح أوردتي, و يملؤها


    لك الشكر
    و أكثر

    .​
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-09-26
  9. اوراق الثريا

    اوراق الثريا عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-07-06
    المشاركات:
    584
    الإعجاب :
    0
    ما أروع ما قرأته منك ..

    بيني و بينكَ
    أتى نابضاً بالروعه ليغسل في أجوافنا عطاء التأمل فلا
    ندرك سوى تلك اللوحه التي رسمتها أناملك
    وجعلتنا نعشق رسمها .. بحق كم هي
    رائعه تلك الخطوط الرقيقه
    في الايقاع والتي تزامنت مع حضور الألق على جسد ورقك
    لتجعلنا نعيش حاله من هذيان المشاعر
    فيصل الزوايدي
    بيني و بينكَ
    رائع الحضور
    تحياتي اليك
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-09-26
  11. عبدالرزاق الجمل

    عبدالرزاق الجمل كاتب صحفي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-04-04
    المشاركات:
    11,560
    الإعجاب :
    0
    مرحبا
    ما معنى (ليغسل في أجوافنـا عطاء التأمل)
    تحياتي
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-09-26
  13. آناستازيا

    آناستازيا عضو

    التسجيل :
    ‏2007-02-25
    المشاركات:
    245
    الإعجاب :
    0
    قد يكون المقصود أن هذا النص يجعل التأمل نقيا لإدراك جمال
    اللوحة الفنية البديعة ولأنه من خلق هذا النقاء فهو جدير بأن
    يستحوذ عليه دون غيره
    آناستازيا
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-09-27
  15. faresalhopishy

    faresalhopishy عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-13
    المشاركات:
    1
    الإعجاب :
    0
    شكر وتقدير

    الف الف شكر حبيبي علا ها المشاركه الحلوه
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-09-27
  17. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخي الشاعر البنا أسعدتني كثيرا هذه الشهادة في قصتي و لكني سأنتظر عودتك مجددا لاعرف رأيك في النص
    دمت في خير
    مع مودتي
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-09-27
  19. فيصل الزوايدي

    فيصل الزوايدي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-09-11
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    أخت نبيلة الحكيمي شكرا لهذا الاطراء و ارجو ان اكون عند حسن ظن قائليه بي
    دمت بخير
    مع مودتي
     

مشاركة هذه الصفحة