احتكار القلة.. والمسئول تاجر-صحيفة الاهالي

الكاتب : المرهب   المشاهدات : 891   الردود : 0    ‏2007-09-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-19
  1. المرهب

    المرهب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-05-17
    المشاركات:
    1,100
    الإعجاب :
    0
    احتكار القلة.. والمسئول تاجر

     بدر قاسم:
    [18/09/2007]


    ويسألونك عن الأسعار
    ما من يوم يمر إلا ويشهد المواطن اليمني زيادات متتالية في أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية والكمالية، وبذلك يمكن القول أن غلاء الأسعار في اليمن أصبحت تمثل أكثر الظواهر ديناميكية في حياة المواطن اليمني، إذ تدور باستمرار وبشكل تصاعدي وكأنها أصبحت تحاكي نظرية مالتس السكانية والمبنية على أساس المتوالية الهندسية وليس العددية كما هو الحال في بقية الظواهر.
    وبناءً على هذا الارتفاع أصبحت قضية الغلاء محور اهتمام المواطن العادي وشغله الدائم، بل ورفيق دربة في عمله ومنزله ومقيله حتى في أحلامه ولا غرابه في ذلك، وإلى جانب المواطن العادي أصبحت قضية الغلاء محور تجاذبات السياسيين ومحط اتهاماتهم لخصومهم وبيان فشلهم وعجزهم، فالحزب الحاكم يرى أن تناول أحزاب المعارضة لقضية الغلاء ما هي إلا دليل على إفلاسهم السياسي والحزبي لأن الغلاء أصبح ظاهرة عالمية لا ناقة لليمن فيها ولا بعير، وأنهم عاجزون عن طرح وإيجاد بديل لحل الأزمة لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فيما ترد أحزاب المعارضة بالقول أن غلاء الأسعار المتواصل ما هو إلا نتيجة لفشل الحكومة في أداء مهامها وانعدام الرؤية الإستراتيجية في قراراتها، كونها حكومة لا تملك صناعة القرار، وإنما هي أداه في أيدي شلة من الفاسدين تتاجر بكل شيء حتى بمعاناة المواطنين وأنينهم.
    وبين هذا وذاك يحتار المواطن اليمني في إيجاد تفسير عقلاني ومنطقي لملازمة الغلاء للبيئة اليمنية وكأنما تجمعهما علاقة حب أبدية وإن كانت غير عذرية، وتختلف التفسيرات من قبل الباحثين وذوي الاختصاص في الشأن الاقتصادي تبعاً للهوى السياسي لهذا الباحث أو ذاك وعلاقته بالحكم أو المعارضة ومدى تأثير تحليلاته على مصالحة الخاصة وآماله المرجوة.
    وبقراءة موضوعية لظاهرة الغلاء وارتفاع الأسعار في اليمن يمكن القول أن هناك قدر من الصواب في أقوال هذا الفريق أو ذاك، بغض النظر عن درجة هذا الصواب وأن هناك توظيف سياسي لمعاناة الناس وآلامهم، في الوقت الذي أحجم فيه الكثير من هؤلاء المتحدثين سواءً من الجانب الحكومي أو المعارض أو حتى الخبراء والأكاديميين عن العمل على إيجاد حلول عملية وجذرية لارتفاع الأسعار وإن كان في الأجل المتوسط والطويل.
    ومع ذلك فالحزب الحاكم وحكومته الذين يبررون الغلاء الحاصل في السوق اليمنية بالغلاء العالمي وصعوبة التأثير على الأسعار العالمية كون الاقتصاد اليمني اقتصاد هامشي في إطار الاقتصاد الدولي وبالتالي التنصل من المسئولية الوطنية والأخلاقية تجاه المواطن اليمني، في الوقت الذي يتغنون فيه بالمنجزات الهشة والمشاريع الفاشلة ليل نهار وأنها من صنع القائد الرمز والقيادة الحكيمة المخلصة المؤمنة الجائعة الساهرة في خدمة الأمة، وكأننا في عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي كان يجوع لتأكل الأمة.
    نعم.. إن مثل هذا التبرير غير صحيح في مجملة وبعيد كل البعد عن الموقف المسئول والأخلاقي للدولة تجاه مواطنيها والذي يضمن لهم توفير حياه كريمة كما نصت على ذلك التشريعات المحلية وعلى رأسها الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تم المصادقة عليها، وفي هذا القول من المغالطات الشيء الكثير، ويمكن توضيح الأسباب الحقيقية لغلاء الأسعار وتزايدها اليومي في اليمن في التالي :
    1. إذا سلمنا وقبلنا أن الغلاء في أسعار المواد الغذائية المستوردة وعلى رأسها القمح ناتج عن ارتفاع أسعارها في السوق الدولية بسبب الجفاف الذي أصاب العديد من الدول المنتجة للقمح.. فما هو التبرير لغلاء الكثير من المواد المنتجة والمصنعة محلياً والتي تعتمد على مواد خام محلية؟ بل ما هو المبرر لغلاء سلعة مثل الأسمنت والتي تصنع في مصانع الحكومة وأصبحت تباع في السوق السوداء بضعف ثمنها الحقيقي الذي يورد إلى خزينة الدولة، بل أحياناً في داخل المؤسسات التسويقية التابعة للحكومة؟ ومن المسئول عن ذلك إذا كانت الحكومة نفسها هي التي تنتج السلعة وتسوقها وتستخدم المواد الأولية من سفوح الجبال التي لا تحتاج إلى مطر أو سقاية، والأمر كذلك في الكثير من السلع؟
    2. ما الفائدة من وجود الدولة إذا لم تتدخل في حالة الأزمات والاختناقات، وإذا لم تسعى إلى إيجاد المعالجات للكوارث والاختناقات التي تواجه البلد؟ وهل من الحكمة والعقل أن تنظر الدولة من يأتي ليحل لها مشاكلها والتحديات التي تواجهها سواءً كانت هذه التحديات داخلية أو خارجية؟ وهل أقتصر دورها على التفرج والانتظار حتى يأتي الله بالفرج وتمطر السماء على الدول المنتجة حتى يعم الخير علينا في اليمن وكأنما تدير البلد وفقاً للمثل الشعبي القائل (ما بدا بدينا عليه)؟
    وفي هذا الجانب يجدر بنا التذكير بالسياسات الخاطئة التي تم اتخاذها في السنوات الماضية ومنها بيع صوامع الغلال الحكومية للمستثمرين بتراب الفلوس وحل العديد من الأجهزة الحكومية التي كانت تعمل إلى جانب القطاع الخاص في عملية الإنتاج والاستيراد بدعوى تحرير الاقتصاد الوطني والسماح لآلية السوق (العرض والطلب) بالعمل، حتى تتم عملية التخصيص الأمثل للموارد وتتحقق الفائدة العظمى للاقتصاد والتي سيجني الأفراد نتائجها الطيبة ويقطفوا ثمارها اليانعة، وتناسوا بل غضوا الطرف عن أن الدول الرأسمالية الكبرى والأمم العظيمة التي تدعوا إلى تحرير اقتصاديات العالم النامي تجعل في يد الدولة من الوسائل اللازمة للتدخل السريع والتأثير على الأسواق الكثير، والأمثلة في ذلك كثيرة ومنها المخزون الإستراتيجي الأمريكي من النفط والذي من خلاله يتم التأثير على سوق النفط في العالم أجمع، فهل عجزت حكومتنا الرشيدة عن توفير مخزون إستراتيجي من المواد الغذائية الأساسية يمكن من خلاله التأثير على السوق المحلي والحد من احتكارات التجار.
    3. من المعروف أن السوق اليمني يعاني من وجود نوع من الاحتكار، سواءً في جانب الإنتاج أو الاستيراد وإن لم يكن احتكاراً مطلقاً وهذا النوع من الاحتكار يسمى في الفكر الاقتصادي احتكار القلة، وصورته واضحة في سيطرة مجموعة من الأفراد على سوق سلعة معينة ومن خلال تواطئهم جميعاً يتم الاتفاق على رفع مستوى الأسعار، والنتيجة ارتفاع أرباحهم ونمو ثرواتهم على حساب تزايد أعداد الفقراء، ويرجع السبب في وجود هذا النوع من الاحتكار إلى الضعف الواضح في الأجهزة المعنية بمراقبة السوق وتوجيهه وعلى رأسها وزارة الصناعة والتجارة والتي دخلت في مرحلة الموت السريري منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي وأصبحت هيكلاً فارغاً من المضمون وبدون أي دور.
    4. من الأسباب الأخرى الهامة في أزمة الأسعار في اليمن وفي أمثالها من الدول الهشة هو الازدواج ومزاوجة الكثير بين وظيفة الحكم والدولة ووظيفة التجارة والبزنس، حيث شهدت الفترة الماضية دخول الكثير من المسئولين سواءً بصورة مباشرة عن طريق أبنائهم أو أقاربهم، أو بصورة غير مباشرة عن طريق المشاركة والحماية للتجار والمستثمرين، وفي هذا الوضع صعوبة بالغة على الموظفين الحكوميين الصغار كونهم لا يستطيعون محاسبة هؤلاء الحيتان أو حتى الاقتراب منهم، ورحم الله الفيلسوف العربي أبن خلدون والذي بوب باباً في مقدمته الشهيرة بعنوان أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية وجاء في هذا الباب ما نصه (إن التجارة من السلطان مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة وقد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة والفلاحة من الأمراء (المسئولين بلغة اليوم) المتغلبين في البلدان أنهم يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها الواردين على بلدهم ويفرضون لذلك من الثمن ما يشاءون ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من ثمن ) وبالتأكيد أنهم يستفيدون من وضعهم الاجتماعي المتنفذ وضمان عدم قدرة الأجهزة الحكومية من كبح جماحهم نحو الربح وتنمية ثرواتهم حتى وإن كانت النتيجة إفقار الشعب وموت معظم أفراده.
    أما بالنسبة لأحزاب المعارضة فنقول أن الاعتصامات والمظاهرات لا تكفي ولا يمكن أن تطعم الفقراء والمطلوب منهم تفعيل دوائرهم الاقتصادية النائمة وتشغيلها في جوانب البحث وطرح الرؤى والحلول بدلاً من التفرج على الناس وهم يغرقون بهدف الشماتة في الحكومة والتغني بفشلها وانتظار سقوطها.
    وفق الله الجميع ولنا لقاء في الأسبوع القادم إن شاء الله.

    http://www.alahale.net/details.asp?id=1564&catid=4
     

مشاركة هذه الصفحة