اني صائم

الكاتب : سالم بن سميدع   المشاهدات : 350   الردود : 0    ‏2007-09-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-15
  1. سالم بن سميدع

    سالم بن سميدع قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-03-20
    المشاركات:
    27,619
    الإعجاب :
    2
    هذا هو المضطرب الصاخب، وذاك هو التكالب المريح، والتطاحن الدائب، فأنزل إليه وساهم فيه، وألق دلوك في الدلاء، وخذ في العلائق، وتعلق بالأسباب: أسباب التشادق الذي خدع الناس؛ واصطنعه بعضهم، وعاش منه وعليه وله..
    هكذا هجست وتلمظت النفس… غير أني وقفت وهي تراودني وتطارحني الهمهمة، وكادت قناتي تلين حين أشارت إلى أناس يعدهم الناس من الأخيار، ويحسبهم الغبي من الأتقياء.
    وكادت قناتي مرة أخرى تهن
    … ثم عدت إلى النفس أتسمع حسيسها ولا أجيب، وتغلي أهواؤها ولا تفور، وجعلت أتصنع الوعي عنها والفهم … وجعلت تؤزّني أزًا وتهزني هزًا، وأخيرًا قلت لها بعد أن قالت لي:
    أيتها النفس: أجملي شغفًا، وهوني عليك. أيتها النفس: "إني صائم"
    - نعم… إني صائم…
    أعرف هذا من حرماني… تمسك عن الطعام والشراب؟
    وضحكت من نفسي وأثخنتها باللوم، وأرهقتها من سخرياتي، ودميت جوانبها، كأنما أحارب عدوًا يشهر سلاحه في وجهي.
    - أيتها النفس: صومك عن الطعام والشراب بعض ما في الصوم من تكليف، أيتها النفس: لا حاجة لله في هذا اللون من الحرمان، أنْ جريت في ميدان خَبَّ فيه غيرك ووضع. - أيتها النفس: لا تذكري الأهواء وأنت صائمة، ولا تجري وراء الخدع وأنت صائمة، ولا تخوضي في حديث اللاهين وأنت صائمة، ولا تمدي عينًا وأنت صائمة، ولا تجهري أو تخافتي بضغينة وأنت صائمة.. ولا ولا..
    وهنا شدهت النفس قائلة: قدْكَ قدْكَ:
    -كنت أحسب الصوم……
    ولم أدعها تهجس بما عندها من باقٍ وما في قراراتها من قول… بل رحت في نشوة المنتصر أغرقها في خضمّ من معاني الروح وصفاء القلب، وأسوق إليها طرائف وطُرَفًا من طيبٍ بالغ في العظة والتذكير، حتى إذا اطمأنت وأخذها صحو الاعتبار كسرت من شوكتها وألقت إليَّ السمع.
    - أيتها النفس: نهاري نهار الناس وليلي ليلهم، ولكنّ وراء الليل والنهار صومٌ تمرَّن عليه في شهر لتذكرَّه في كل شهر ولتعمل به آناء الليل وأطراف النهار.
    ذاك هو الصبر على المكاره، والترفع والإبقاء على نعمة العقل وحسن الرضى وصحة الرأي، وتوثيق العقيدة، والتعلق بحب الله ورسوله، وإفساح الصدر، حتى يطرد منه ضيق الجاهلية، ودعوة الحمقى، وغرور المدعين، وصخب المبطلين.
    - أيتها النفس إني صائم… وأنت…؟
    - إني صائمة…
    - تصومين أيتها النفس؟
    - نعم أصوم النهار وأقوم الليل!
    - يا عجبًا…!
    - ولم العجب…!
    - أعرف النفس أمارة بالمطامع، همَّازة مشَّاءة إلى كل ما يردي…
    - تعرفني ولكن؟
    - ولكن ماذا…؟
    - إنه الصوم، وإنها فطرة طيبة، إذا فُتِّحتْ أبوابُها غُلِّقتْ منافذُ الشيطان وقُطِّعتُ دابرُ الفتنة، واطمأنت الروحُ من غاشيات قاسية قاصمة.
    وصامت النفس أبد الحياة، وحرّمت على صاحبها مسالكَ الطغيان والجور.
    وفي زحمة الانتصار على النفس تنفستُ وتلفتُّ فإذا الحياة جميلة، وإذا طيوب الصوم تلفني، ولا أجدُ في حرمانه غير طِلاوة الهدوء، وسكينة الاطمئنان، وراحة الأمل، وبشرى السلامة من عقاب الله، وفي ظل اللياذ بعفوه ورجاء مثوبته، والطمع في رحمته التي وسعت كل شيء. ,لاق. أيتها النفس: "إني صائم".
    أيها القلب: وأنت طول الدهر صائم، فإلى مائدة الروح. إليها. إليها…
    وأما حاجات النفس، فإلى أطواء الحرمان، حتى نلقى الله الذي يتولى السرائر، ويضع الموازين في ملتقى لا ينفع فيه إلا سلامة القلب، وصوم الدهر عن زيوفٍ زخرفتْها أناملُ الخدع، ورقَّشَتْها ريشةٌ لَوَّن في طلائها، فتانُ الأبالسة، ومُفتنُ الشياطين.

    * * * * *
    أيتها النفس .. هل تلاقينا…؟
    أكبر الظن بل عين اليقين أني وإياك لمختلفان…
    أيتها النفس: هذا حداء الصائم في بيداء الحياة، ولعلك تذكرين غنوة الصحراوي الذي صحب ناقته إلى هدف يحبه، سمع حنين الناقة إلى ما خلفته، فراح يشكو وهي تشكو… وراح يحنّ وهي تحنّ، وكل يغني على ليلاه..
    هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى وإني وإياها لمختلفان
    أيتها النفس هنيئًا لي ولك صومُ شَهْرٍ ومِرانُ دْهَر.. هنيئًا مريئًا غير هاجسات مخامرة أيتها النفس: "إني صائم".


    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة