( الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم )

الكاتب : MUSLEM   المشاهدات : 1,124   الردود : 0    ‏2007-09-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-13
  1. MUSLEM

    MUSLEM عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-01-05
    المشاركات:
    943
    الإعجاب :
    2

    عناصر الموضوع :

    1. موقف المظلوم من الظالم

    2. ما يجب على الظالم

    3. موقف الناس من الظالم والمظلوم



    الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم :

    إذا وقع الظلم فتلك مصيبة تتدارك بحلول وضعها الشرع، وهذه الحلول منها ما هو بيد الظالم، ومنها ما هو بيد المظلوم، وتختلف الحلول في الأجر رتبة ودرجات، وهي مهمة يجب التعرف عليها، وفي هذه المادة تعرف بعض ذلك، فتابعها لعل الله أن ينفعك بها.



    موقف المظلوم من الظالم:

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والحمد لله ولي المتقين، وناصر المظلومين والمستضعفين، ولا عدوان إلا على الظالمين. أيها المسلمون! لقد تحدثنا في الخطبة الماضية عن الظلم وحكمه وشدته، وأثره وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتتمة الموضوع اليوم عن موقفنا من الظلم، ماذا يكون، وكيف ينبغي أن يكون؛ سواء بالنسبة للمظلوم أو بالنسبة للظالم أو بالنسبة لبقية الناس. فاعلموا -رحمكم الله تعالى- أن الله عز وجل قال في كتابه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:40-43]. لقد تضمنت هذه الآيات أمرين: الأمر الأول: الانتصار من الظالم، والثاني: عفو المظلوم. وقد عنون البخاري رحمه الله تعالى بكليهما في صحيحه ، فقال: باب الانتصار من الظالم، لقوله جل ذكره: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النساء:148] وقال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39] قال إبراهيم رحمه الله: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا. أي: أن الله مدح المؤمنين بأن فيهم قوة للانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين؛ بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، ومع هذا إذا قدروا عفوا، كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم؛ فعفا عنهم مع قدرته على البطش بهم ومؤاخذتهم ومقابلتهم بمثل صنيعهم. وكذلك عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به لما اخترط سيفه عليه والنبي صلى الله عليه وسلم نائم، فاستيقظ عليه الصلاة والسلام، فوجد السيف مصلتاً فوق رأسه، فانتهر الرجل، فخاف وهاب وارتعش، فوقع السيف من يده، وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم في يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه. وكذلك عفا صلى الله عليه وسلم عن زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد بن مسلمة رضي الله عنه، والتي سمت الشاة يوم خيبر ، وأكثرت السم في الذراع، فأخبره الذراع عليه الصلاة والسلام أنه مسموم، فدعاها فاعترفت، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما حملك على ذلك؟ قالت: أردت إن كنت نبياً لم يضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك، فأطلقها صلى الله عليه وسلم وعفا عنها). ولكن لما مات بشر بن البراء صاحبه من جراء أكله السم، قتلها به صلى الله عليه وسلم قصاصاً، والآيات والأحاديث في عفو المظلوم عن الظالم كثيرةٌ، ولكنه ندبٌ لمن قدر على رد المظلمة وعن الانتقام أن يعفو، العفو مع القدرة قوةٌ في حسن وحسنات يأخذها الذي عفا من الله يوم القيامة، والله يعطي بلا حساب. وإذا أصر على الانتقام فلا بأس بذلك وهو مباح، ومن عدل الله في البشرية أن أباح لهم القصاص، وأباح لهم أن ينتقموا بمقدار ما ظلموا، فبعد أن ذكر الله تعالى المرتبة الأولى التي هي العفو مع القدرة ذكر المرتبة الثانية وهي جواز الانتقام، فقال عز وجل: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:41] أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم إذا أرادوا الانتقام، ولا حرج عليهم في ذلك، سواء كان الظلم كثيراً أو قليلاً، ولو كان ظلم الضرة لضرتها جاز للزوج أن يمكن المظلومة من أخذ حقها ولو كان كلاماً، كما جاء في سنن النسائي و ابن ماجة من حديث خالد بن سلمة الفأفاء عن عبد الله البهي عن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما علمت حتى دخلت عليّ -أي: فلانة من ضراتها- بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكرٍ درعها، ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دونك فانتصري) فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها ما ترد عليّ شيئاً، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه.



    دعاء المظلوم على ظالمه:

    وأما الدعاء على الظالم فإنه جائز، وهو من باب القصاص والانتصار فلا بأس أن يدعو المظلوم على الظالم، ولكن إذا رأى أن من المصلحة له وللظالم ألا يدعو عليه دعاءً تحصل به كارثةٌ على الظالم دون منفعةٍ للمظلوم. وأرى ألا يدعو عليه وأن يؤخر ذلك إلى الآخرة ليأخذ حقه أو يعفو ويأخذ من الله أجراً عظيماً؛ لأنه هو الأفضل في حقه، وحديث: (من دعا على من ظلمه فقد انتصر) رواه الترمذي وفيه ضعف.



    جواز أخذ المظلوم ما له من الظالم إذا وجده:

    ومن باب انتصار المظلوم أخذ ماله وحقه من الظالم إذا وجده، كما عنون عليه البخاري رحمه الله: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، وقال ابن سيرين : يقاصه وقرأ: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126] وقال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40] لكن يشترط في القصاص واسترجاع الحق واسترداد ما أخذه الظالم أن يكون مماثلاً لما أخذه وألا يعتدي. ولذلك قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40] قال: الظالمون هم المبتدئون بالمعصية أو المجاوزون الحد في الانتقام، كمن زاد في السب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتدِ المظلوم) أي أن إثم ما قالاه جميعاً على البادئ، لأنه هو الذي بدأ إلا إذا اعتدى المظلوم، وزاد في السب، فعند ذلك يكون إثمه عليه، والحديث رواه مسلم رحمه الله في صحيحه. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النساء:148] قال: لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحد إلا المظلوم على الظالم. ولو قال: اللهم انصرني عليه، وخذ لي حقي منه، فهو أحسن من الدعاء عليه بأمورٍ لا يستفيد منها المظلوم، كما إذا دعا عليه بشلل أطرافه ونحو ذلك، إلا إذا كان عدواً للإسلام وظالماً للناس لو قعد أو شُلًَّ لاستراح الناس منه، فهو يدعو عليه لمصلحة المسلمين. أما لحقه الشخصي فإن الأفضل أن يدعو عليه بمثل قوله: اللهم انصرني عليه، وخذ لي حقي منه، فهو أحسن من الدعاء عليه بأمورٍ لا يستفيد منها المظلوم. وكذلك من نزل بمن لم يضيفه، والضيافة واجبة وللضيف حقه، فمن نزل بمن لم يضيفه، فله أن يقول بين الناس: فلانٌ منعني الضيافة، فيكون من جواز الجهر بالسوء من القول، لأنه مُنِعَ حقه، ولذلك فلا بأس أن يُفشيه بين الناس انتصاراً ممن ظلمه بمنعه حقه، وهو الضيافة، ولكن لو سكت فهو أفضل وأحسن.



    المظلوم بين درجة العفو العليا وحقه في الانتقام:

    والآيات الأخيرة التي سنذكرها في آيات الظلم هي الآيات التي ذكرها الله مجتمعةً في سورة الشورى، يقول تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:42] أي: إنما الحرج والعنت على الذين يبدءون بالظلم. وأما عفو المظلوم فإنه مريحٌ لقلبه وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] أي: من صبر على الأذى وستر السيئة، فإنه يكون قد فعل أمراً مشكوراً، وفعلاً حميداً، له عليه ثوابٌ جزيل، وثناءٌ جميل من الله تعالى؛ كما في الكلمات الحكيمة: صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعفُ عمن ظلمك. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي! اعفُ عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر فانتصر؛ لأن بعض الناس لا يحسن الانتصار، بل يظلم ويتجاوز في الانتقام، فيقول الفضيل: أوصه فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وتأخذ حقك فقط فافعل، إن كنت تحسن أن تنتصر فانتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه بابٌ واسع، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل هادئاً مطمئناً لا يخشى أنه تجاوز، ولا يحتاج إلى التفكير في شيء، لأنه لم ينتقم أصلاً، وصاحب الانتصار يُقلب الأمور، ويكون قلقاً، ويقول في نفسه: هل يا تُرى تجاوزت؟! هل يا تُرى اعتديت؟! ونحو ذلك، وهذه المرتبة مرتبة العفو هي التي تليق بالأكابر، وهي التي ينبغي أن تكون مرتبة الدعاة إلى الله والعلماء والقدوات بين الناس كما جاء عند الإمام أحمد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملكٌ يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر ! ثلاثٌ كلهن حقٌ: ما من عبدٍ ظلم بمظلمةٍ فأغضى عنها لله عز وجل إلا أعزه الله بها ونصره، وما فتح رجلٌ باب عطية يريد بها صلةً إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجلٌ باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عز وجل بها قلة). وقد روى هذه القصة الإمام أبو داود أيضاً فقال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وقع رجلٌ بـأبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثانية فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصر أبو بكر ، فقال أبو بكر : أوجدت عليَّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل ملكٌ من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان) والحديث صحيحٌ بطرقه كما في السلسلة الصحيحة . قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى وهو مناسبٌ للصديق رضي الله عنه، لأنه في المقام العالي، فهو الذي لو وزن إيمان الأمة بإيمانه لرجح إيمانه؛ فاللائق به أن يعفو، وألا يرد، وهكذا شأن الكبار.



    ما يجب على الظالم:

    أما ما يجب على الظالم فإنه ينبغي عليه أولاً أن يتقي الله تعالى ويحذر من الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وليس ظلمةً واحدة. الظلم ظلمات يوم القيامة؛ بمعصية الظالم لربه، وظلمه لأخيه، وفتح باب الظلم للناس. الظلم ظلمات لأنه ربما يمرض المظلوم؛ بل قد يموت كمداً وقهراً. فعلى الظالم أن يتقي الله تعالى. انظروا ماذا كان يفعل عمر رضي الله عنه الذي حمى أرضاً للمسلمين من أراضي أهل المدينة ؛ سوَّرها وحماها، وجعلها محمية لأجل مصلحة المسلمين لرعي إبل الصدقة وإبل بيت المال وشياه بيت المال التي تُؤخذ من أصحاب بهيمة الأنعام من الزكوات، وكذلك خيل الجهاد في سبيل الله، وجعل هذه المحمية مصلحة لعموم المسلمين، ومع ذلك كان يخشى رضي الله عنه، فقد روى البخاري رحمه الله عن أسلم مولى عمر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يُدعى هنياً على الحمى فقال: [يا هني ! اضمم جناحك عن المسلمين -انتبه أيها الغلام القائم على المحمية واكفف يدك عن ظلم المسلمين- واتقِ دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة -أي صاحب القطعة القليلة من الإبل وصاحب الغنم القليلة أدخلهما في المرعى المحمي- وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان -خصهما بالذكر لكثرة أموالهما، والنعم الإبل، وكانا من مياسير الصحابة، فقال للغلام: إذا لم يتسع المرعى إلا لأحد الفريقين فأدخل أصحاب الغنم القليلة والإبل القليلة لأنهم أولى- قال عمر : فإنهما -أي: ابن عفان و ابن عوف - إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخلٍ وزرع -عندهما عوض من أموالٍ أخرى- وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين؛ أفتاركهم أنا لا أبا لك -أتظنني أتركه في تلك الحالة- فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق -فربما يكون هناك مصارف أولى للمجاهدين والبعيدين ونحو ذلك- قال عمر : فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم -بعض الناس يرون أني قد ظلمتهم بأرض المحمية- إنها لبلادهم؛ قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله -فهو يحتاج إلى أرض المحمية لخيل الجهاد- ما حميت عليهم من بلادهم شبراً] رواه البخاري رحمه الله. فليتق الله الظالم وليضع نصب عينيه دعوة المظلوم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذاً فقال: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) رواه البخاري . وأخبر في الأحاديث الأخرى أنها ترفع على الغمام، ويقول الله: لأنصرنك ولو بعد حين، ثم على الظالم أن يتحلل من المظلوم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من كانت له مظلمة لأخيه -في عرضه أو شيءٍ غير العرض كالمال وغيره- فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري . وأوضح ذلك رواية مسلم : (المفلس الذي يأتي يوم القيامة بأشياء كبيرة من العبادات والحسنات، ويأتي وقد شتم هذا ظلماً، وقذف هذا ظلماً، وأكل مال هذا -أي: ظلماً- وسفك دم هذا -أي: ظلماً- وضرب هذا -أي: ظلماً- فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاته، فطرحت عليه، ثم طرح في النار).



    على الظالم ردُّ الحق أو مثله إن كان له عوض:

    كيف يتحلل الظالم من المظلوم؟ قال العلامة السفاريني : حق الآدمي إما يكون مما ينجبر بمثله من الأموال والجراحات وقيم المتلفات أولا -أي: إما أن يكون هناك عوض لحق الآدمي المغصوب أو لا يكون له عوض، فإن كان له عوض فلا بد من رده- فإن غصب مالاً رده، وإن تلف رد مثله، وإن غصب شيئاً استعمله رده ورد الفرق، فإن تلف رد مثله.. كمن سرق سيارة واستعملها ونحو ذلك أو غصب بيتاً وسكن فيه رده ورد الفرق مع التوبة إلى الله عز وجل.



    ماذا يفعل الظالم إن كان الحق مما ليس له عوض؟:

    ولكن إذا كان لا ينجبر؟ ليس له مثيل كمن قذف شخصاً، أو فعل الفاحشة غصباً أو اغتاب أو نم، فهذه ليست معوضة بقيمة مادية، فعليه أن يندم ويقلع عن الذنب، فالذي اغتاب عليه أن يستغفر للمغتاب، والذي قذف عليه أن يكذب نفسه، والذي زنا بزوجة غيره عليه أن يحسن إلى ذلك الزوج، وإذا اغتابه استغفر له ودعا له بظهر الغيب، ولا يحتاج إلى إخباره؛ لأنه لو أخبره لربما زادت العداوة، والشريعة لا تأمر بهذا، وربما يسكت الذي اغتيب يوم القيامة إذا رأى في صحيفته استغفار الذي اغتابه، فيسكت عن المطالبة بالحق، ولعل ذلك هو السبب الذي قيل من أجله: إن عليه أن يُكثر من الاستغفار لمن اغتابه ولا يخبره -كما قال ابن المبارك : لا تؤذه مرتين- ويدافع عن عرضه في المجالس التي يُهاجم فيها، فكما أنه هاجمه يدافع عنه. هذا الذي اغتاب، وأما الذي قذف أو زنى بزوجة غيره، فهل يلزمه الاعتراف وطلب التحلل، فالجواب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فإن كان الاعتراف أصفى للقلوب في قضية القذف اعترف له بأنه قذفه وطلب المسامحة، وإن كانت المسألة ستزيد شراً يكتفي بتكذيب نفسه عند من قذفه من الحاضرين والدعاء للذي قذفه. وقال شيخ الإسلام رحمه الله : سُئلت مرةً عن رجلٍ تعرض لامرأة غيره فزنى بها، ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها وحقق معه، فطلب أن يحلف، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموساً، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإن أقر جرى عليه ما يجري عند القاضي، وجرى من الشر أمرٌ عظيم، قال: فأفتيته أن يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار أو الصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون ذاباً إيذاءه له في أهله، فإن الزنا له تعلق بحق الله تعالى وحق زوجها، وليس هو مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال، بل هو من جنس القذف، والفقيه الذي يجمع النفوس لا يفرقها. فعند ذلك إذا لم يعلم الزوج فعليه أن يتوب التوبة العظيمة بينه وبين الله مع الإحسان إلى من ظلمه، وإذا علم طلب منه أن يحلله، وأما الذي يغصب فإنه يرد المغصوب، فإن مات صاحب المال، رده إلى ورثته، ولكن يبقى شيء، وهو حق صاحب المال في الانتفاع به في المدة التي غصب فيها المال، فماذا يفعل؟ فإنه يحسن إلى ذلك الرجل بالدعاء له والصدقة عنه ونحو ذلك؛ لعل هذا الرجل إذا جاء يوم القيامة ورأى في صحيفته استغفاراً وأجراً من الذي غصبه المال يسكت عن المطالبة بحقه، ولا يقول: رب ظلمني بأخذ مالي، وحرمني من الانتفاع منه في بقية عمري؛ أداه إلى ورثتي لكنه حرمني من الانتفاع به بقية عمري، فلعله يسكت إذا رأى في صحيفته استغفاراً وحسناتٍ من الذي ظلمه، هذا شيءٌ مما يتعلق بأحكام تحلل الظالم من المظلوم، نسأل الله تعالى أن يعافينا. اللهم عافنا من الظلم، وباعد بيننا وبين الظلم يا رب العالمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأفسحوا لإخوانكم يفسح الله لكم.



    موقف الناس من الظالم والمظلوم:

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول الله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ها قد عرفنا -أيها الإخوة- ما هو موقف المظلوم، وما هو موقف الظالم؛ فما هو موقف بقية الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره) رواه البخاري . وعن البراء قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبعٍ -ومنها- ونصر المظلوم). وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) أي: لا يتخلى عنه ولا يتركه إلى الظالم، ولا يتركه إلى من يؤذيه؛ بل ينصره ويدفع عنه الظلم. إذاً لا بد من الوقوف بجانب المظلوم، فيأثم من عرف بالمظلوم وقدر على نصرته ولم ينصره، لأن نصرة المظلوم واجب، وحرام على من رأى أخاه المسلم مظلوماً وهو قادرٌ على نصرته أن يتركه ويسلمه ولا يمنع عنه الظلم. ويجب كذلك كف يد الظالم كما قال أبو بكر رضي الله عنه في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] وإني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه) والأخذ على يديه إذا لم يفد معه القول، فإذا قدر وقوي على منعه ولو بالقوة منعه. ولا شك أن على صاحب السلطان من هذا الواجب النصيب الأكبر، وعلى كل صاحب سلطةٍ -مثل رجل الأمن مثلاً- واجبٌ عظيم في هذا المجال، وإذا نصر المظلوم نصره الله يوم القيامة، والمحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا نصر المظلوم ينصره الله يوم القيامة.



    على الناس ألا يعينوا الظالم:

    وأما إعانة الظالم فهي من المصائب العظيمة، فمن الواجب على الناس أن يقولوا للظالم: يا ظالم! ويعرفوه بأنه ظالم ويمتنعوا عن إعانته، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعان الظلمة لا يرد عليه الحوض، فالذي يُعين الظلمة يحرم من ورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، وينبغي على الناس كذلك ألا يقلدوا الظلمة في الظلم، ولا يقولوا: إن ظلم الناس ظلمنا، وإن أحسنوا أحسنا ويوطنوا أنفسهم إن أحسن الناس أن يحسنوا وإذا أساء الناس أن يتجنبوا إساءتهم. وعلينا بدعاء الله تعالى كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا) حديثٌ حسن رواه الترمذي ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (وانصرني على من يظلمني وخذ منه بثأري) رواه الترمذي وهو حديثٌ حسن، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم) وهذا من دعائه عند خروجه من البيت.



    على الناس ألا يتعصبوا على الباطل:

    وبعض الناس تأخذه العصبية فيعين صاحبه أو قريبه أو من هو من قبليته على الطرف الآخر، وانظروا إليهم في حوادث السيارات، وكيف يفعلون في وقوفهم بغض النظر عن الظالم والمظلوم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أعان قومه على ظلمٍ فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه) رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح. ولينظر المسلم -أيها الإخوة- في ميتة المظلوم، وبعض الناس يحتقرها، لكنها عظيمة عند الله، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأةٌ فيمن كان قبلكم تُرضع ابناً لها، إذ مر بها فارسٌ متكبرٌ عليه شارةٌ حسنة، فقالت المرأة: الله لا تمت ابني هذا حتى أراه مثل هذا الفارس على مثل هذا الفرس، قال: فترك الصبي الثدي، ثم قال: اللهم لا تجعلني مثل هذا الفارس، قال: ثم عاد إلى الثدي يرضع، ثم مروا بجيفة حبشية أو زنجية تجر فقالت: أعيذ ابني بالله أن يموت ميتة هذه الحبشية أو الزنجية، فترك الثدي فقال: الله أمتني ميتة هذه الحبشية أو الزنجية! فقالت أمه: يا بني سألت ربك أن يجعلك مثل هذا الفارس فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وسألت ربك ألا يميتك ميتة هذه الحبشية أو الزنجية، فسألت ربك أن يميتك ميتتها، فقال الصبي: إنك دعوت ربك أن يجعلني مثل رجلٍ من أهل النار، وإن الحبشية أو الزنجية كان أهلها يسبونها ويضربونها ويظلمونها فتقول: حسبي الله! حسبي الله!) رواه الإمام أحمد ، ورجاله ثقات، وأصل القصة في الصحيح.



    المؤمن كيس فطن لا يَخدع ولا يُخدع:

    وكل ما تقدم لا يمنع الإنسان أن يكون فطناً وألا يُخدع بشخصٍ يدعي الظلم، فالمؤمن لا يخدع ولا يُخدع، وليس كل من تظاهر بأنه مظلوم كان كذلك، كما في الحديث الصحيح الذي رواه مالك في الموطأ أن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم، فنزل على أبي بكر الصديق أثناء خلافته، فشكا إليه أن عامل اليمن -أمير أبي بكر الصديق على اليمن - قد ظلمني، فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر : وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقداً لأسماء بنت عميس -امرأة أبي بكر الصديق - فجعل هذا الرجل المقطوع اليد والرجل يطوف معهم -يبحثون عن العقد- ويقول: اللهم عليك بمن بيّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغٍ زعم أن الأقطع جاءه به، فأخذوه فاعترف به الأقطع أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر : [والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته]. فكذلك المؤمن لا يُخدع، ويأخذ الأمر بالظاهر، ويحمل أمر الناس على أحسنه، لكن إذا ظهرت الريبة تعامل المعاملة الصحيحة. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الظلم، اللهم انصرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من بغى علينا، وخذ بثأرنا منه يا رب العالمين، اللهم إن اليهود قد ظلموا المسلمين، اللهم صب عليهم سوط عذابك، الله اجعل أموالهم وديارهم إرثاً للمسلمين. اللهم عجل بالانتقام منهم يا رب العالمين، اللهم أفشل خططهم، اللهم أفشل خططهم، اللهم كما أفشلت خطتهم فأفشلها مراراً وتكراراً يا رب العالمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
     

مشاركة هذه الصفحة