الدكتور عبدالعزيز المقالح يكتب عن الشعر في حياتنا

الكاتب : عبد الحكيم الفقيه   المشاهدات : 578   الردود : 0    ‏2007-09-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-09-08
  1. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007

    الشعر في حياتنا...فتنة الشعر وغوايته المتجددة

    د.عبدالعزيز المقالح

    http://www.26sep.net/newsweekarticle.php?lng=arabic&sid=34588

    الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه..
    عمر بن الخطاب
    هل يكفي الشعر أن يحفر في وعده في جوف الوقت؟..
    أدونيس
    «الشعر يقوّم الخطأ ويحرك السماء والأرض والأرواح والآلهة»..
    حكمة صينية
    «لا يبقى العالم كما كان بعد أن تضاف إليه قصيدة جيدة»..
    ديلان توماس

    > لم تكن فتنته لغواً، ولا غوايته كلاماً في الهواء، ذلك هو الشعر، الغواية الابداعية التي شكلت -عبر التاريخ الضارب في القدم- حاجة روحية لا غنى للبشرية عنها تحت كل الظروف وعلى اختلاف الاحوال، وقد يكون بإمكان الدارسين الكثيرين الذين ينكبون على تاريخ الشعر، ان يعثروا له على بداية ما، لكنهم سيظلون ابعد ما يكون عن التنبؤ له بنهاية، وذلك لأنه من الفنون القليلة التي تعمل على اتساع مساحة الحلم وتعميق احساسنا ووعينا بإنسانيتنا والتي يصعب، بل يستحيل الحديث عما بعدها، كما هو الحال مع الافكار والمبادئ الاقتصادية والسياسية والمذاهب الفكرية والادبية، حيث نقرأ عما بعد الرأسمالية وما بعد الحداثة والبنيوية، وما بعد الكلاسيكية والرومانسية، الى آخر الماوراثيات التي نتجاوز معها الاسئلة القديمة الى اسئلة حديثة واكثر حداثة... ولعل اهم فاعلية يحققها الشعر للبشرية عبر موسيقى الايقاع، أكانت خارجية أم داخلية، والتي ترتعش لها النفس ويهفو اليها الوجدان.. تلك الغبطة اللذيذة والرغبة العميقة في مسايرة الشعراء في مغامراتهم اللغوية المدهشة وتأويل ما يتوصلون اليه من رؤى وصور شعرية تستأثر باهتمام القراء على اختلاف حظوظهم من امتلاك متفاوت لما يسمى بآليات التلقي.. ومن الميزات التي يحظى بها الشعر انه الفن القولي الوحيد الذي يجد فيه القراء العاديون نصيبهم، كما يجد فيه خاصة القراء نصيبهم ايضاً..ومع تطور العلوم ووصول الانسان الى القمر، لم تتكسر رغبة الشعر في الحلم، ولم تنجح الاكتشافات العلمية المذهلة في تحطيم شهوة المغامرة الشعرية التي تمضي من منطقة قصية الى منطقة اقصى، مؤكدة ان الواقع وما وراء الواقع سيظلان يمدان الشعر بما لا يمكن حصره من الاخيلة.
    ويبدو لي ان حاجات الانسان الروحية غير الآنية، ومنها الشعر، ستظل تصحبه الى ما شاء الله ، وفي عتمة الاوضاع المتردية الراهنة، ستظل التجربة الشعرية قادرة على ان تضيء الوجدان وتنشر المزيد من الحب والامل، وتعكس في الوقت ذاته أرّق الكون واحزانه تجاه ما يرتكبه الخارجون على قانون المحبة والعدل والحرية .. صحيح ان اكثرية ما ينشر ويقال باسم الشعر، يفتقر الى المعنى الحقيقي للشعر، والقليل جداً من هذا الذي ينشر ويقال هو الذي يحمل الدفء الداخلي الخاص، الا ان ذلك لا ينفي حب الناس للشعر واقبالهم عليه، بوصفه التعبير الفني والجمالي الاعمق والاكثر نفاذاً الى الروح، ولا يمكن لأي شكل ابداعي آخر ان يأخذ مكانه او يغني عنه ، لما له من خصوصية تعبيرية متوهجة في لغته وفي طريقة آدائه.
    كثيرة هي تعريفات الشعر، واكثر منها محاولات تفسيره او الكشف عن ماهيته، واقرب ما يسعفني منها الآن هذه الاشارات الغنية في دلالتها التي تميز الشعر عن غيره من الانساق ا لفكرية والجمالية تلك التي يبدعها الانسان، بكونه يمتح منها جميعاً، ولكن بطريقة تضمن له تأسيس خصوصيته الابداعية الكائنة في القدرة على التحويل والصهر، فعودة الشعر الى الاسطورة مثلاً لا تتم عبر محاكاة آلية لعوالمها، ولكن من خلال تركيزها وامتصاصها وإعادة انتاجها وقد اكتسبت بعداً رمزياً جديداً يصلح للدلالة على اكثر من موقف واكثر من تجربة ، ومن هنا نستطيع القول: ان الشعر يعيد نحت التسميات بالافراد والتركيب تبعاً للاشكال الجمالية الباذجة وتبعاً لحرارة التجربة التي يؤججها طقس الكتابة، ورهافة الاحاسيس العميقة المدعومة بحدسها، وعنذئذ يتحقق للنصوص الابداعية وجودها القدسي المتعالي عن الميتافزيقا والعلم في آن واحد. (1).
    بهذه العلامات او الإجابات المقترحة على طريق ارتياد موضوع «الشعر في حياتنا» يمكن القول: ان الشعر كان وما يزال يشكل مجموعة من الانعكاسات والاصداء في حياة الانسان ويرسم بالايحاءات او المحسوسات ملامح غير مباشرة من التاريخ بكوارثه ومباهجه.. ويمكنني القول - دون مبالغة - ان الشعر ما يزال مصدر تأثير كبير وواسع في حياتنا الراهنة، وحين اقول هذا فأنا لا انظر الى ما يصدر من دواوين مكتوبة بالفصحى والعامية، ولا ما تنشره الصحف والمجلات وتقدمه الاذاعات والفضائيات وانما امد النظر الى اماكن اوسع واكبر قريبة وقصية تتمثل في القرى والنجوع والواحات حيث الشعر في صورته الاولى يتحسس انفاس الانسان وزفراته، ويرتوي في الارياف من جمال وحيوية ويعيش مع الناس في اعمالهم وفي استراحاتهم ، ويتناقلونه في الفضاء المفتوح بعيداً عن النوادي والقاعات والصالونات المكتظة بدخان السجاير والنميمة وبمالا يكاد يمّت الى الشعر بأدنى صلة.
    وفي هذا الصدد هناك شعر تصنعه الحياة، وشعر يصنع الحياة، شعر ينشده الانسان وحيداً، وشعر ينشده الانسان والدهر معاً.. وسأمثل لهذا الشعر، الذي تصنعه الحياة، ببعض ما كتبه الشاعر طاهر رياض في ديوانه الرابع حلاّج الوقت:
    على حين غرّة
    رماني
    ولملمني
    واصطفاني وغيّر فيّ
    وغيّر بي
    وابتلاني
    وحين تذكرته وحننتُ
    شكاني اليّ
    إليه
    وافرغني مثل جرّة
    على حين غرّة(2).

    ومن الشعر الذي يصنع الحياة نماذج كثيرة لا تحصى، لشعراء لا يحصون عدداً، من الماضي البعيد والقريب ، ومن الحاضر الراهن واقرب نموذج الى هذا الشعر قصائد سعدي يوسف، وما تمتع به من جاذبية الموضوع وجاذبية الاسلوب.
    تطير الحمامات في ساحة الطيران
    البنادق تتبعها وتطير الحمامات
    تسقط دائخة فوق أذرع من جلسوا
    في الرصيف
    يبيعون اذرعهم
    للحمامة وجهان:
    وجه الصبيّ الذي ليس يؤكل ميتاً،
    ووجه النبيّ الذي تتأكله
    خطوة في السماء القريبة.
    تطير الحمامات
    في ساحة الطيران، وارتفعنا معاً..
    في سماء الحمائم،
    قلنا لسعف النخيل
    وللسنبل الرطب:
    هذا أوان الدموع التي تضحك
    الشمس فيها،
    وهذا أوان الرحيل الى المدن الفاضلة(3)


    وكثير هو الشعر الذي ينشده الانسان لنفسه ومع نفسه.. ومنه هذا الحوار الذاتي المفترض بين شاعرين: من المنصف الوهايبي الى زميله محمد الغزي في تونس:
    قال: بيتي السماء.
    قلت: ان العصافير اقرب مني اليه.. إذاً!
    قال: عرشي على الماء.
    قلت: وهل سمك النهر
    أقرب مني اليه ، إذاً!؟
    قال: فيكم انا
    والقلوب التي عميتُ سترى.
    قلت: كيف؟!
    ألستُ بريئاً انا كالندم؟!
    قال: إن لم تكن، فشبيه به.
    قلتُ: إن مُتُّ؟
    قال: لكم ملكوت السماء
    لكم كل هذا العدم (4).


    اما الشعر الذي ينشده الانسان والدهر معاً فهو هذا الذي يأتي عاصفاً وصاعقاً على غرار صاحب هذا الصوت الجسور الممتلئ ثقة بالنفس وكبرياء لا يجاري:
    وما الدهر الاّ من رواة قصائدي
    إذا قلت شعراً اصبح الدهر منشداً
    فسار به من لا يسير مشمراً
    وغنى به من لا يغني مغرداً(5)

    ولصاحب هذا الصوت أنداد واشقاء ، وله محاكون ومقلدون عبر القرون التي جعلته عالقاً في الذاكرة لا يبرحها ومن الانداد المعاصرين الذين يقفون على الضفة الاخرى من النهر الذي شقه صاحب ذلك الصوت، نذكر الشاعر نزار قباني، صاحب الشهرة الاوسع في تاريخ الشعر العربي الحديث، والذي ترك اهم أثر في حياة الشبان والشابات بموضوعاته شبه اليومية ، وبلغته الموحية والمؤثرة.
    عندما يمتزج الاخضر
    بالاسود ، بالأزرق
    بالزيتي، بالوردي،
    في عينيك، يا سيدتي!
    تعتريني حالة نادرة
    هي بين الصحو والإغماء
    بين الوحي والإسراء،
    بين الكشف والإيماء،
    بين الموت والميلاد،
    بين الورق المشتاق للحب،
    وبين الكلمات
    وتناديني البساتين
    التي من خلفها ايضاً بساتين،
    الفراديس التي من خلفها ايضاً فراديس،
    الفوانيس التي من خلفها ايضاً فوائيس
    التي من خلفها ايضاً زوايا، وتكايا ، ومريدون
    واطفال يغنون، وشمعٌ وموالد
    وارى نفسي ببستان دمشقي
    ومن حولي طبورٌ من ذهبْ
    وسماء من ذهب
    ونوافير يثرثرن
    بصوت من ذهب(6)


    وهناك - غير هذه النماذج- شعر يبني ، وشعر يهدم، ويكون الشعر الذي يهدم ، في وقت من الاوقات، اهم من الشعر الذي يبني لأن بعض انواع الهدم وسيلة ناجعة من وسائل الإعداد للبناء الصحيح، وكثير من الشعر المبثوث في الاوراق لا يبني ولا يهدم، ولا يستحق ان يقال له شعراً لأنه ردي في لغته ، ورديء في معانيه، ورديء في شكله، ورديء في تأثيره والشاعر العربي المعاصر الاكثر شهرة بالهدم هو ادونيس، هذا المتمرد في شعره، وفي لغته وفي حياته، وفي كتاباته، كما في افكاره، وهو الاكثر حرصاً على البناء الحقيقي، وعلى الاستفادة من الثقافة العربية المشتركة التي يرجع تاريخها المدون الى اكثر من عشرين قرناً.
    أتريدونني ان اكون اميراً عليكم
    وأنتم عبيد؟
    أن يقال: أنا صوتكم،
    وأنا مثلكم لست حراً؟
    افهموني ، انا،
    ان بدأت بقتل العدو
    الذي فيّ من اول، وفيكم،
    العدو الذي يتوهم
    اني لا علم عندي بأوهامه،
    افهموني، إذاً،
    إن وضعت حديدي عليّ
    عليكم، على ارضنا(7)

    إن كل محاولة لرسم تخطيط اولي عن تأثير الشعر في حياتنا الراهنة ، لن تنجح في غياب قراءة تاريخية تعي العلاقة بين الانسان وهذا الفن العظيم.. يضاف الى ذلك قراءة الشواهد والمدونات القديمة والحديثة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ان الانسان - عبر العصور ومنذ وعي انسانيته - لم يكن محض لحم ودم وعظام، كما لم يكن خبزاً وثوباً وعملاً، بل كان - حتى عندما تنحط ثقافته وتصل الى مستوياتها الادنى - انساناً مفتوناً بجماليات الحياة.. ومهما كان تركيزه على توفير وسائل العيش فإن شيئاً ما في نفسه يحثه على اقتناص لذة المعنى، ويجعله دائم الحنين الى الفنون، والى الشعر على وجه الخصوص بوصفه جوهر هذه الفنون لأنه - كما نعي جميعاً- يجمع بين الكلمة / اللغة، واللحن/ الموسيقى، والصورة/ الرسم، ولذلك اطلقوا عليه - في وقت ما - تسمية: الأب الشرعي للفنون.
    وكما يحتاج الانسان الى الهواء والماء فهو بحاجة الى الشعر، هذا الغذاء الروحي الذي بالاضافة الى ما يحققه من نشوة فنية عالية لقارئه ومستمعه، فهو - كما يرى علماء التربية والاخلاق - اكثر نجاحاً في تقويم السلوك وإصلاح اعوجاج الالسنة، ولهذا كان، وما يزال، وسيبقى، يعبر عن حاجات انسانية كثيرة وليس عن حاجة واحدة ذلك بما يحمله من آلات تصوير دقيقة للمشاعر، وبعض هذه الحالات مخفي لا ينقل الظاهر والمتجسد من الأشياء وإنما يوحي بها، ويرسم ظلالها وما يتخفى في تضاعيفها من معانٍ وأسرار ومن تجليات عالم مخفي وكائنات غامضة يصنعها الخيال ويضيف بها إلى عالم الواقع المحسوس عوالم يستعين بها المبدع - كما القارئ- على إثراء الوجود الإنساني بمزيد من المرئيات والأشكال المتخيلة.
    في البيت أشجار وشمس
    والسماء العائلية لا تنام
    تظل ساهرة لتحرس نومنا
    وتظل ساهمة لتحرس صحونا
    تدنو كثيراً كي تلامس صمتنا
    وتروح تعلو ثم تعلو كلما انطلقت نجوم من رؤانا
    ليس من حجب تحد سماءنا
    تدنو وتعلو دون حد أو حجاب
    وتشوقنا في كل آونة بنافذة ونافذة.. وباب
    هذي السماء قريبة في بعدها
    وبعيدة في قربها
    والشمس فيها توقنا نحو الجهات النائيات
    وتحتها الأشجار بعض همونا.(8)


    هذا هو صوت الشاعر جودت فخر الدين الذي استطاع في مقطع شعري واحد من قصيدة طويلة أن يصنع من أحلامه التي هي أحلامنا وبنبرة مطمئنة أشجاراً وشموساً وسماءً ونجوماً عائلية أليفة تضاف إلى مافي بيته من أشياء واقعية محسوسة وهذا الشعر الذي ويوحي بحاجتنا إلى مزيد من الأنهار والبحار وإلى ايقاظ الطبيعة الميتة بالشعر وبمفرداته المسكونة بالصوت والصورة والحركة والحضور، هو ما تحتاج إليه حياتنا ومهما حاولت مدارس الفن الحديث ومذاهبه أن تبتعد بالفنون القولية- والشعر في مقدمتها- عن دورها الوظيفي الفاعل والمؤثر بحجة تجنب المباشرة، فإن هذا الدور يبقى ماثلاً حتى وإن ابتعدت الفنون عن الأهداف والمضامين خارج مفهوم الرسالة التعليمية لأن لكل فن قيمة ذاتية لا تفارقه تحت أي ظرف أو شكل وتأثير هذه القيمة قد لا يترتبط بدلالة ذات وظيفة اجتماعية أو سياسية أو عاطفية وتجليات هذه القيمة في الشعر تبدو بوضوح في طريقة التعبير وفي اللغة التي تشكل في حد ذاتها كوناً جمالياً آسراً بتراكيبه وانزياحاته بالمفردات التي تتجول بكامل عضويتها داخل النص الشعري باعثة في نفس القارئ أقصى ما تستطيعه من المسرات والنشوة.
    فلنقل : نحن هنا أندلسيون!
    فلا نطلب في الأرض سوى ما يطلبه الحجاج
    أبناء السبيل
    ولنا من لغة الله كلام
    نتهجاه على تجعيدة الصخر
    ونقرأه مع الطير هديلاً بهديل
    واتحدنا بالمسافات وبالوقت
    فما عاد لنا بدء، وما عاد وصول
    ولنا البرزخ والمعراج فينا
    واتصال القدم العاري بماء البحر
    أو بالرمل عشق وحلول
    الصحاري استرجعت فردوسها
    والبحر من أعلام من مروا عليه أرخبيل
    واكتشفنا وطناً في زهرة الدفلى
    ووقتا صافياً يرشح في الوديان
    من كر الفصول(9)

    إن غواية الشعر بوصفه فناً إنسانياً لا غنى للبشر عنه على اختلاف مستوياتهم الثقافية لا تأتي من كونه صوت الحب وصوت الفرح والحزن فحسب وإنما لكونه صوت تمجيد نضالات الإنسان في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية أيضاً، صوت التحريض على مقاومة المحتلين والغزاة هؤلاء الغرباء الذين يسلبونك الدار والأرض ويساومونك على الهوية التي تعد آخر ما يتمسك به المشرد عن وطنه.
    يقول لنا الشعر في زمن الكارثة:
    دم
    ودم
    ودم
    في بلادك،
    في اسمي وفي اسمك في زهرة
    اللون في قشرة الموز في لبن
    الطفل في الضوء والظل
    في حبة القمح في علبة الملح
    قناصة بارعون يصيبون أهدافهم
    بامتياز
    دماً
    ودماً،
    ودماً..
    هذه الأرض أصغر من دم أبنائها
    الواقفين على عتبات القيامة مثل
    القرابين هل هذه الأرض حقاً
    مباركة أم معمدة
    بدم
    ودم
    ودم
    لا تجففه الصلوات ولا الرمل؟(10)

    الشعر إذاً هو هذا وذاك وهو صورة ولغة وموسيقى وهو مفردة تدخل الوجدان لتصنع وجودها المستفيض وهذه الفاعلية اللغوية هي صانعة الشغف واداة التحكم الجمالي الفني في تكوين التأثير الإمتاعي.
    وتبقى في هذا الرصيد السريع والعابر إشارات إلى شعر القلق والأسئلة وهو شعر بالغ التأثير في حياتنا سواء على المستوى الخاص أم على المستوى العام وهذا النوع من الشعر مهمته أو وظيفته تحريضية ناجمة وله شعراؤه الذين يميلون إلى التأثير على القارئ من خلال استخدام اسلوب الصدمة ببراعة ومن هؤلاء الشعراء : مظفر النواب وأمل دنقل ومحمد الماغوط.. والأخير يمثل هذا المستوى الشعري بامتيار وقد ترك قلقه آثاراً بالغة على جيل من الشعراء الشبان الذين نقلوا بدورهم هذا المنحى القلق إلى جمهور كبير من الشعراء عبر قصائدهم الغاضبة والرافضة.
    أيها الطفل.
    أيها القاتل
    أسناني أحنتها الريح
    من غرفتي النتنة
    من بين جذور القمح وأظافر الموتى
    أخاطبك أيها القاتل
    على لساني خمسة عصافير
    من الدهن والمطر
    نواة غابة تغطيها الثلوج
    بين أسناني خمس سفن من الدموع
    وغزال يتأبط صحراءه كالتلميذ.(11)



    إن شعراً حاداً وجارحاً كهذا الشعر يجعل القارئ يكتشف غابة الأخطاء والمتناقضات التي يعيش بين ظهرانيها ويطالع صورة الظروف المأساوية التي يخضع لها الإنسان بإرادته حيناً ودون إرادته في أحيان كثيرة وبديهي أن القارئ تفتنه هذه التفاصيل التي تبدو قصيرة ومقتضبة وغير مترابطة لكن الشاعر يجيد الاستعانة بهذه العناصر المستعارة من السرد لكسب المزيد من التأثير في القارئ.
    وبما أن العنوان الرئيس لموضوع الدراسة وهو "الشعر في حياتنا" لم يحدد طبيعة هذا الشعر لغته شكله قدامته أو حداثته، فإن من حق أي باحث أن يتتبع هذا الشعر بعامة دون تحيز إلى جديد أو قديم أو إلى شعر مكتوب بالفصحى وآخر بالعامية لاسيما ونحن نبحث عن دليل حقيق يثبت أثر الشعر وأهميته في حياة الإنسان والتأكيد على أن من المستحيل أن يأتي على البشرية يوم تستغني فيه عن هذا الفن العظيم.
    ولعلاقتي الحميمة بالشعر العاميه وإدراكي لأبعاد الهدف الجليل الذي يتوخاه شعراء العامية من كتابة قصائدهم باللهجة الدارجة حرصاً منهم علي إشباع احتياج الملايين المحرومة من قراءة روائع الفصحى لذلك اسمح لنفسي بالاقتراب السريع من هذا الشعر المكتوب بالعامية والذي يمثل الوجه الآخر للإبداع الشعري في حياتنا، مع الاعتذار سلفاً بأن مجمل الشواهد ولاسباب درامية وميدانية ستكون في أقل الحدود ومقصورة على شاعر من مصر وثلاثة شعراء من اليمن.
    وفي البدء أصارح القارئ بأني لست مع أولئك الذين يذهبون إلى أنه بعد أن تعددت القراءات اللغوية والنحوية والصرفية والعروضية للشعر المكتوب بالفصحى وتقيدت طموحاته داخل هذا القفص «الرسمي المدرسي» لم يعد فناً يأسر القلوب بل صار مادة تعليمية ولذلك انصرف عنه الجمهور العاشق للشعر الحقيق، شعر التعبير العفوي عن حاجة الإنسان إلى غذاء روحي يطرق الوجدان بسهولة ويسر، فكان هذا الشعر الملحون أو شعر العامية الذي يكتبه شعراء كل قطر عربي بلهجة الناس العاديين ليثري عواطفهم بما يقدمه من نصوص شعرية لا تترك شأناً من شؤونهم إلاّ وطرقته هادفة بذلك إلى أن يظل الإنسان العربي على صلة وثيقة بالشعر فن العرب الأول وعنوان لسانهم الأصيل.
    وما أراه وأكاد أجزم به أن هذا اللون من الشعر المكتوب بالعامية العربية قد كان موجوداً جنباً إلى جنب مع شعر الفصحى ومنذ وقت مبكر وربما كان هذا الشعر هو الأصل قبل أن تتفصح الألسنة وتأخذ العربية الفصحى سمتها اللغوي الأرقى وأياً كان الأمر فإن دراسة عن "الشعر في حياتنا" لا ينبغي أن تخلو من إشارات الى هذا الرديف الشعري الذي يشغل حيزاً واسعاً من اهتمامات الخاصة والعامة في مشرق الوطن العربي ومغربه وليست بي حاجة إلى تأكيد أننا نحب الفصحى ونتحمس لها ونذود عن حماها ولكن ذلك لا يمنع أن نتقبل رافداً من روافدها النافرة ووليداً من أبنائها الخارجين على بعض فروض الطاعة.
    واللافت أن انتشار المدارس ودور العلم وزيادة عدد الصحف والإذاعات والفضائيات والتوسع في التعليم قد ضيق المسافة بين القصيدة المكتوبة بالفصحى والأخرى المكتوبة بالعامية وصارت أدوات التعبير اللغوي متقاربة بين القصيدتين إلى حد كبير كما تكشف المتابعة الدقيقة لنماذج من هذا الشعر في مصر والشام والعراق واليمن والجزيرة والخليج وأقطار المغرب العربي والنماذج المصرية واليمنية التي سأضعها بين يدي قراء هذه الورقة كفيلة بأن تثبت ما أذهب إليه من انحسار الفارق بين ما يكتب من الشعر بالفصحى ومايكتب منه بالعامية حتى في التشكيل المكاني للقصيدة والخروج بها من الإطار الموروث.
    يقول صلاح جاهين في إحدى رباعياته الفلسفية:
    خرج ابن آدم من العدم، قلت: ياه
    رجع ابن آدم للعدم، قلت : ياه
    تراب بيحيا وحي بيصير تراب
    الأصل هو الموت وإلاّ الحياة؟!
    عجبي!(12)

    وفي رباعية ثانية للشاعر تتحدث عن تبدل الفصول ومقاومة الإنسان لرياح متغيراتها:
    دخل الشتاء وقفل البيبان عالبيوت
    وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت..
    وحاجات كتير بتموت في ليل الشتاء
    لكن حاجات أكثر بترفض تموت..
    عجبي(13)

    وفي رباعية أخرى يكشف الشاعر عن حقيقة تبدو غائبة رغم حضورها الصارخ حقيقة الحزن الدفين الذي يحتل قلوب البشر ويطل من عيونهم بما فيها تلك العيون المخيفة القاسية:
    أعرف عيون هي الجمال والحسن
    وأعرف عيون تأخد القلوب بالحضن
    وعيون مخيفة وقاسية وعيون كتير
    وباحس فيهم كلهم بالحزن
    عجبي(14
    )
    ومن قصائد العامية اليمنية هذا المقطع من قصيدة طويلة للشاعر حسن عبدالله الشرفي يرسم فيها انتشاء الإنسان وفرحته بالطبيعة كما تتجلى في واحد من وديان اليمن الكثيرة:
    صليت للزهر في وادي "الجبر" ألف ركعة
    صلاة مشتاق محروم
    حوّمت مثل الفراشة بين فيشه وزرعه
    غازلت كل النجوم
    غنيت للفل والريحان في كل بقعة
    تشرب دموع الغيوم
    يانجمة الصبح يا أنسام خضر العشايا
    رشي خدود القبل
    غنيه ألحان أحلى ذكرياته معايا
    خليه يطعم عسل شهر العسل
    ما أحلاه والرشح يلمع في جبينه مرايا
    وفي خدوده شفق صيف الخجل(15)

    ويندر أن توجد قرية يمنية دون أن يكون لها شاعر أو أكثر يغنون جمال الطبيعة ويحاكون الطيور في احتفالها بكل نهار جديد وبأضواء الشمس التي تظهر على القرى فجأة منحدرة من وراء الجبال العالية وما الشعر في الأرياف إلاّ استجابة لحاجة إنسانية يفرضها العمل أولاً والتخفيف من ضغوطه الثقيلة أما لغة هذا الشعر فهي ما اصطلح على تسميته ب"الدارجة القروية"التي تختلف من منطقة إلى أخرى وأحياناً من قرية إلى قرية و هي في صياغتها للشعر لا تحتاج إلى ضبط وتدقيق ولا تعرف النحو والصرف والشاعر معها حر بكل ما تحمله الكلمة من معنى الانفلات من القواعد النحوية والعروضية رغم قرب بعضها من الفصحى وامكان وصولها إلى الجمهور من القراء العرب في بلدانهم المتباعدة وقاموسها المحدود - من وجهة نظر شاعرها- كافٍ لتسجيل كل ما يدور بذهنه من أفكار وما يحيط به من مرئيات وأشكال وبدون صوته اليومي وغنائياته المسائية تختنق القرية ولا يكون لها أمس ولا يوم ولا غد الشاعر أو بالأحرى الشعر هو الذي يحدد كيان القرية على الخريطة ويعطي لوجودها معنى غير المعنى المادي المتمثل في أحجارها وترابها وفي الأشجار والنباتات العشبية الهامشية.
    ويجعلنا افتتان القرية بالشعر نؤمن بأن هذا الفن القولي طبع هاجع ومستقر في كل نفس وأن مهمة الشعراء الذين يمارسون كتابته أو روايته لا تزيد على أنهم يعملون على إيقاظه من غفوته في تلك النفوس والملاحظ أن لكل قصيدة دفأها وغيمتها وعصافيرها ودروبها وحقولها ولها شمسها ونجومها وقمرها ، وحين تنساب بهدوء على الشفاة ترسم تكويناتها الضوئية والظلية وتجيء معها بأصوات البلابل حيناً وأصوات الأغنام والأبقار وهي ترتع في المراعي القريبة أو النائية وفي ثنايا كلماتها تلمع الجداول المنحدرة من سفوح الجبال أو تلك التي تتمايل في هدوء الوديان وما تشيعه من بهجة في نفس الشاعر أولاً وفي نفوس مواطنيه ثانياً وما كانت تلك الصور الواقعية لتصنع تلك البهجة لو لم تكن قد تواطات مع الشاعر لإظهار ما تحتفظ به من تأثير وجمال.
    وبالتأكيد ليس الريف اليمني وحده هو من استرجع الحالة الأولى للشعر احتفظ به في حنينه البدائي فكل أرياف الوطن العربي بل أرياف العالم المتحضر تفعل ذلك في غفلة من فناني المدنية وشعرائها وإذا كان هناك فرق في المستوى اللغوي بين قصيدة الفصحى والعامية فإنه لا فرق جوهري في التعبير عن متطلبات الروح إلى شعر مشحون باللوعة والشجن يتماشى مع ثقافة الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عن قواميس اللغة ومترادفاتها واشتقاقاتها ولا يعرف سوى عدد محدود من الكلمات التي يتداولها مع محيطه يومياً، ويجد فيها المقدرة على أن تخاطب وجدانه وتعبر عن هواجسه بمستوى من التعبير الشعري لا يجد صعوبة في إدراك معانيه والاستمتاع بما يقدمه من صور بسيطة وأفكار قريبة إلى وعيه وكما أن لكل نص شعري دوافعه فصيحاً كان أم عامياً فإن لكل متلق دوافعه وحاجته إلى مثل هذا النص الذي لا يشك في أنه قادر على أن يحرره من ضغوطه الروحية ويطهره من أساه واحزانه أو يذهب به في حلم لذيذ بعيداً عن لحظات المعاناة والألم.
    حنيت مثلك أنا عندي حنين
    وافكار مهما يقولوا شاردة
    في داخلي كون تسمع له دنين
    بس عادنا يا خبير باردده
    مثل ومثلك ولا أحنا ساكتين
    أقلامنا للجماهير رايدة
    دارين غث الجماعة والسمين
    الناقصة عندهم والزايدة
    معروف سعر الرباعي والثمين
    كل المعايير عندي واجدة
    ميزان شعبي بقسطاسه أزين
    كل المقاعد بقعدة واحدة(16)

    وهناك في الأرياف اليمنية شعراء يتنقلون من مكان إلى آخر ويقرأون أشعارهم في المنتديات اليومية المعروفة ب"المقايل" لاسيما في الأعراس والمآتم وتسجل قصائدهم الأحداث المحلية والعالمية أولاً بأول وفيهم دعاة سياسيون غير منتمين إلى أحزاب وشعرهم رصد يومي للأحداث بأبعادها المختلفة والمتعددة وأبرز قصائدهم هي تلك التي تتحدث عن مآساة فلسطين والعراق وعن قضايا السودان والصومال وافغانستان.
    قال الفتى: كيف أجي للوقت واترجمه؟
    من أين يكوم مبتدا درسي وأين اختتامه؟
    الوقت هذا معقد ما قدرت افهمه
    لانا عرفته ولا استدركت معنى كلامه
    مازلت افتش على الفهرست في معجمه
    واقرأ حروفه عسى يسهل علي افتهامه
    ما زد دريت أين ظهر الفحل من ميسمه
    ولا عرفت الجمل أين ارجله من سنامه(17)

    وهناك الكثير الكثير مما يمكن أن يقال عن الشعر وتأثيره في حياتنا والأهم في ذلك أنه لم يعد كلاماً جميلاً تقرأه وتنتشي به أرواحنا بل صار عند البعض في عالمنا الراهن طريقة وأسلوباً في العيش النظيف الجميل قصيدة الحديقة الهادئة المقلمة الأشجار والمرتبة الزهور قصيدة والمنزل البسيط المؤثث بالكتب وشرائط الموسيقى الكلاسيكية والحديثة قصيدة والصديق الذي يؤنس وجودك ويطرد عنك شبح العزلة قصيدة واذا كان "جاك نسبر" في كتابه "الكلمة الخرساء" يقول: يمكن لكل شيء أن يصبح لغة.. (18).
    فإن في إمكاننا نحن أن نقول: إن كل شيء حولنا يمكن أن يصبح قصيدة رائعة بدلالات يوتوبية مستقبلية تعيد إلى الإنسان صفاءه الروحي وتطرح عنه ما تراكم على القلب من جراح الواقع الكئيب وترمم انكساراته وهزائمه.

     

مشاركة هذه الصفحة