متى يستوعب المتكبرون الدرس ؟

الكاتب : spectrum   المشاهدات : 405   الردود : 0    ‏2002-11-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-12
  1. spectrum

    spectrum عضو

    التسجيل :
    ‏2002-07-02
    المشاركات:
    122
    الإعجاب :
    0
    تاريخ التدافع بين الناس مليء بالعبر والدروس التي لو وقف عندها كل منصف، صاحب عقل متجرد لأدرك جملة من الحقائق؛ مثل لمن تكون العاقبة، عودة آثار المكر السيء على مدبريه ومنفذيه، دوام الحال من المحال، الظلم ظلمات والكبر والغطرسة دركات مهلكات. فهذا هرقل - ملك الروم - يسأل موفد قريش عن طبيعة الحرب بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فَيُجَاب: "إنـها سجال بيننا وبينه، فمرة يدال علينا عله وأخرى يدال لنا عليه"، فَعقَّب هرقل على هذا الذي سمعه بقوله: "هكذا الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة" اهـ، غير أن الحمقى من المتجبرين في معسكر "الشر" تعميهم جبروتـهم، وتنشيهم سكرة قوتـهم فيمتطون صهوة الكبر قاصدين دك معاقل من يقف في وجههم دكاً، وإن كان محقاً، مظلوماً، ولسان حالهم وفعالهم تردد، ((وإنا فوقهم قهرون))، ((من أشد منا قوة)) فيزداد ظلمهم، ويفيح بطشهم فيتمادون في غيهم إلى الحد الذي يستدرجون فيه من معركة إلى أخرى، ومن ميدان إلى آخر، فتنالهم بعض السهام هنا وهناك، فيصابون بالدهشة، كيف يحدث هذا ونحن نصول ونجول في هذه الأرض الفسيحة التي ذللت لنا لنحكم الطوق، ونشدد الخناق فنحيط بالأعداء من كل جانب ونحاصرهم من كل زاوية، كيف لهؤلاء "الأراذل" أن يقفوا في وجوهنا؟، وقد رأوا بأم أعينهم معداتنا وقدراتنا كيف تضرب أنى نشاء فتستبقي هذا وتقتلع ذاك، وتفتك بـهذا وتطيش بذاك. لقد عقدنا العزم على قطع دابرهم واستئصالهم عن بكرة أبيهم، حتى يكونوا عبرة لحاضرهم وقابلهم ((إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين)) [القصص:4] ((وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)) [غافر:26].

    هذه هي العقلية وذلك هو المنطق الذي يفكر به من يتولون مقاليد الحكم في واشنطن وتل أبيب. فقد مضى ما يزيد عن العام على ما أطلقت عليه أمريكا "الحرب على الإرهاب" فانطلقت حملتها من أفغانستان التي فشلت في تحقيق كامل أهدافها التي أعلنتها قبل شن الحرب فشلاً ذريعاً، وها هي سهام توعداتـها وتـهديداتـها تنطلق هنا وهناك، بدءاً بالحديث عن تجفيف منابع الروافد التي تعتقد أنـها تمد الجماعات "الإرهابية"، بالوقود الذي ينفخ فيها روح مقاومة الغطرسة الأمريكية رغم امكاناتـها المتواضعة، ومن ذلك إعلان الحرب على "الإسلام السلفي" أو "الوهابي"، باعتباره يرسخ مفاهيم الولاء والبراء والجهاد في سبيل الله وغيرهما من المعاني التي تحرر الإنسان من عبودية العباد إلى الدينونة لقيوم السموات قاهر الجبارين العتاة، مع التضييق على المؤسسات الخيرية والمحسنين واتـهامهم بدون بينة أنـهم يقدمون الدعم لمن تدعي أمريكا أنه يمارس الإرهاب، ثم الحديث عن تغيير نظام الحكم في العراق وإن رضخ لكل ما طلب منه من قبل الإدارة الأمريكية لأن هذا الأمر غير كاف بالنسبة لها حتى وإن تململ البعض في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، فالكونجرس ومجلس الشيوخ قد فوضا بوش وإدارته لشن هذه الحرب لأنـها ستقلص من الأخطار التي تـهدد ليس أمريكا فحسب؛ بل العالم "الحر" بأسره من كابوس تطوير النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، على الرغم من الحصار المطبق الذي شمل حتى أقلام الرصاص!! وما كان مشابـهاً لها خشية أن تستخدم لغير الأغراض السلمية التي صنعت لأجلها.

    وبعد هذه الاستماتة من إدارة بوش الإبن في التأكيد على مضيها مع حليفتها بريطانيا في شن حرب على العراق، ندرك بأن القضية ليست صدام ولا حزب بعثه، إنـها تستهدف شعباً ينتمي إلى أمة ومقدرات منطقة يسكنها بعض أفراد تلك الأمة لتقديم النموذج الماثل للعيان لما سيحل بمن يقول: لا، حتى وإن كان قدم خدمات جُلى، لكنه تجاوز الخطوط الحمراء برفض الانصياع للأوامر ظاهرياً والرضا بما سيتفضل به الأسياد، ولم يكتف بذلك بل بدأ يحاول تقديم نفسه على أنه يريد امتطاء صهوة المقاومة في رفض الحيف والظلم الذي يمارس على هذه الأمة فترة غير يسيرة من الزمن.

    وإذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى، فإننا سنجد صورة أشد بشاعة يمارسها السفاح شارون، ومن يسانده من أجل إخماد جذوة المقاومة التي ألهبتها انتفاضة الأقصى في جسد الأمة ففرضت تجليات القضية الفلسطينية بكل تداعياتـها ما يزيد عن السنتين. فرغم سياسات الدمار و "الإرهاب" الذي تمارسه عصابات بني صهيون، في حق حتى أولئك الذين استجابوا لما يراد منهم من أفراد "السلطة" الفلسطينية، فإن الرفض لذلك الجسم الغريب الذي زرع في خاصرة فلسطين السليبة لا يزال مستمراً، فلا جبروت شارون أو قساوة جنده وفداحة أفعالهم أصابت من عزيمة النساء والرجال بله الشباب والفتيان، لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وذاك هو الصوت الذي تسمعه الدنيا ويحسب له ألف حساب أكثر من أي جيش عربي مدجج بنياشين الرتب الفارغة والبطولات الزائفة.

    لقد كان كل من بوش وشارون يتصورون بأن ما سيقومون به مجرد نزهة أو فسحة يتخلصون فيها من "الأوباش" الذين يعترضون طريقهم لينفذوا إلى ما هو أعظم بتغيير قناعات الشعوب وتدجينها لترضخ الرضوخ التام لكل ما يطلب من حكامها العملاء، فتتخلى عن حقها في فلسطين السليبة، وتساهم في كل ما تقوم به أمريكا سواء كان ذلك بالحق أم بالباطل، ونسي هؤلاء أو تناسوا مع من يحيكون معهم الأحابيل في السر والعلن وبالليل والنهار أن لهذا الكون خالقاً ومدبراً يسيره كيفما أراد هو لا كيفما يريد المتجبرون الذين لا تعدو أفعالهم أن تتحرك في فلك الإرادة الإلهية، وفي حمأة هذه السكرة يفاجأ هؤلاء المتسطلون بمقاومة متواضعة لكنها فعالة في قلب الأوراق رأساً على عقب، وفي إطالة رحلة المواجهة خاصة فيما يتعلق بأم البلايا ورأس الرزايا - مصابنا في فلسطين.

    فحيرة اليهود تزداد يوماً بعد آخر في إدراك وفهم ما الذي يدفع الشباب والفتيات، بل الصبيان، في عمر الزهور للنكاية بالعدو والاستخفاف بمقدراته ومعداته التي ظن أنـها تحول بينه وبين من يتصدى لظلمه وجبروته في ظل أنظمة الخزي والعار التي ما نجحت في شيء مثل نجاحها في عداوة شعوبـها والحيلولة بينها وبين أن تعيش حرة كريمة مثل باقي الشعوب، تعتز بذاتيتها، وترفض الخنوع وتأبى الظلم وتعشق حياة العزة والكرامة.

    وفي ظل دهشة اليهود وحيرتـهم وتخبط شارون و"ماكينته" المدمرة تتوالى كتابات المحللين اليهود مركزة على آثار "السلاح الاستراتيجي" الذي اعتمده الفلسطينيون في انتفاضتهم الأخيرة، ألا وهو سلاح العمليات الاستشهادية، فعلى سبيل المثال يذكر المحلل العسكري "زئيف شيف" في مقالة له نشرتـها صحيفة هاآرتس الإسرائيلية تحت عنوان "تـهديد استراتيجي يبحث عن ردود": "أنه منذ أن بدأ النـزاع الإسرائيلي - العربي لم تقف "إسرائيل" أمام مشكلة استراتيجية معقدة وعسيرة مثل العمليات الاستشهادية".. والمشكلة كما يقول زئيف: أن إسرائيل لا تملك رداً عسكرياً حاسماً وشاملاً لمشكلة الاستشهاديين، فالعمليات الاستشهادية منذ اتفاقيات أوسلو وحتى 6/8/2002، كما يقول زئيف، مثلت 6% من إجمالي العمليات التي قام بـها الفلسطينيون، لكنها أحدثت نحو 50% من إجمالي الخسائر الإسرائيلية، ويضيف شيف قائلاً: "ليس لإسرائيل اليوم رد حقيقي على هذا التهديد الاستراتيجي، والحرج هو من نصيب القيادة السياسية والعسكرية على حد سواء، ويحتمل ألا يكون لهذا التهديد رد كامل حتى في المسيرة السياسية" اهـ.

    والسبب الرئيس وراء ذلك كما يقول شيف أنه في المجتمع الفلسطيني نشأت "ثقافة" الشهيد، حيث ينشدون أناشيد الفخر للاستشهاديين، بمن فيهم من نساء وفتيان، ويطورون التربية الاستشهادية منذ رياض الأطفال، ومكانة عائلة الاستشهادي ترفع، وليس فقط من الناحية الاقتصادية". ويختم شيف تحليله قائلاً: "وقد جند العديد من علماء النفس لدراسة ظاهرة الاستشهاديين ولكن من المشكوك فيه أن نكون نحن، أو في الغرب بشكل عام، قادرين على فهم ظاهرة الاستشهاديين كما ينبغي، ومن هنا تأتي الصعوبة في إيجاد الرد الميداني الملائم" اهـ.

    وكذلك الأمريكان أصيبوا بالذهول بما حل ويحل بـهم في بلادنا من رفض لوجودهم وتصد لغطرستهم، فحتى الذين "حرروهم" من غزو صدام وأعادوا لحكامهم ملكهم، ها هم يقلبون لهم ظهر "المجن"، كما يقول الأمريكان، ونسي الأمريكان بأنـهم قد نصحوا بأنه كان يجب عليهم أن يحصروا المشكلة التي تعرضوا لها وأن لا يلصقوها بأمة ودينها فيوزعوا الاتـهامات وتنطلق بعض الألسنة البغيضة للتعرض لأطهر رجل وطئت قدماه هذه الأرض، ألا وهو الرسول صلى الله عليه وسلم معلم الناس الخير، وباسط العدل، الرافض لكل ظلم وقهر، من قساوسة يتلقون الدعم من القائمين بأمرهم في البيت الأبيض ويُدْعون إلى المناسبات الهامة "للصلوات" وإلقاء الخطب الدينية للتأكيد على أهمية الدين في حياة هذه الأمة "المختارة".

    كان عليهم أن يفكروا ملياً في الإجراءات التي يقومون بـها، وما ستؤدي إليه، من فتح المجال لمعركة طويلة لن تتوقف حدودها وآثارها عند عراق صدام، ولا أفغانستان طالبان، أو تنظيم القاعدة، لا لن يكون الأمر كذلك ما دام المتكبرون في البيت الأبيض ومن يحركهم في تل أبيب يفكرون بعقلية الاستئصال وإلغاء مقومات أمة عريقة التاريخ، ممتدة الجذور، وجودها مرتبط بوحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلن ولن تكون العاقبة لهم، ولن يجروا لشعوبـهم إلا الويل والدمار، فهذه الأمة عاشت ذلاً زمناً غير يسير، ومورس في حقها كل أنواع الامتهان وأساليب الدمار لكي تعيش كبقية الهوام، بعيدة عن مصدر عزتـها وكرامتها - ألا وهو دينها - فلم تزدها هذه المحن والإحن إلا صلابة ولم يزدها مكر الأعداء بـها واستضعافهم لها إلا يقيناً في الكشف عن حقيقة الأمر الذي يجعلهم يناصبونـها العداء، فيجمعون الأحلاف والأجلاف من كل حدب وصوب لاستئصال شأفتها: ((وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد))، ((قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله))

    إن على هؤلاء أن يدركوا هذه الحقائق ليجنبوا شعوب المنطقة أولاً ثم العالم بأسره ثانياً، آثار هذه السياسات الرعناء التي فاقت كل تصور، وتجاوزت كل حد، فأصابـها الجنون، على حد تعبير أحد عقلاء الغرب، لأنـها نتاج من تشبع ببطولات رعاة البقر الزائفة التي رسختها في ذهنه أفلام هوليود، فيندفع مغروراً وكله ثقة بأن ما حققه من "معجزات" في فضاء "الفن" وخشبة "المسرح" سيحققه على أرض الواقع في وجه هذه الشعوب المتخلفة التي "تكره" أمريكا وتحسدها لا لشيء إلا لما توصلت له من نظم ديموقراطية "عادلة" في مجال الحكم، وليبرالية "واعدة" في مجال الاقتصاد، وهي - أي هذه السياسات الخرقاء - نتاج من أصابه الكبر والغرور في الصميم، فأصبح يصول ويجول، وكأن الأرض ومن عليها كلأ مباح له يرتع فيها كيفما شاء وأنى شاء، ولكن اقتضت حكمة الجبار المتعال أن الكبرياء رداءه فمن نازعه فيها قصمه
    -----------------
    مقال منقول عن مجلة السنه
     

مشاركة هذه الصفحة