رمضان محطة سفر إلى الجنة الحلقة (4)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 473   الردود : 2    ‏2002-11-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-10
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    رمضان محطة سفر إلى الجنة (4)

    المجال الثالث لتدريب المسافر إلى الجنة: مصاحبة القرآن في "شهر القرآن"

    ثلاث آيات في ثلاث سور، تبين أن القرآن الكريم، نزل في ليلة واحدة من هذا الشهر الكريم "رمضان" وهي ليلة القدر:

    الآية الأولى:
    هي قوله تعالى في: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )) [البقرة (185)]

    فهي صريحة في أنه تعالى أنزله في شهر رمضان، وهو شامل لأيامه ولياليه من أوله إلى آخره.

    الآية الثانية:
    هي الآية الثالثة من سورة الدخان، في قوله تعالى: (( حَمِ * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) [الدخان: 1ـ6].

    وينبغي حمل هذه الليلة المباركة، على أنها إحدى ليالي شهر رمضان، الذي نصت آية البقرة على أن القرآن نزل فيه، ولكنها تبقى مبهمة يجوز أن تكون أي ليلة من لياليه، بدون تحديد.

    الآية الثالثة:
    هي الآية الأولى في سورة القدر في قوله تعالى: (( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) [القدر].

    ولكن هذه الليلة – مع تحديدها بالوصف – لم يعينها القرآن الكريم،،،، ولهذا وجب الرجوع فيها إلى السنة التي رجحت وجودها في العشر الأخيرة من هذا الشهر، ووردت أحاديث أكثر تحديداً لها بليالي الوتر من العشر الأخيرة، ثم وردت أحاديث أخرى تظهر رجحان أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وسيأتي الكلام على الحكمة في إبهام هذه الليلة المباركة، وعدم القطع بتعيينها.

    والذي يعنينا هنا: هو مجال القرآن الكريم في تدريب المسافر إلى الجنة.

    فتدريب المسلم نفسه للسفر إلى الجنة، في مجال القرآن الكريم، شامل لكل وقت من أوقات عمره، ولكن شهر رمضان له مزية على سائر الشهور، وكذلك كل يوم من أيامه، وكل ليلة من لياليه، لكون شهر رمضان ظرفاً لبدء نزول هذا القرآن.

    وهذا ما جرى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يتلو كتاب الله في كل الأوقات، ولكنه كان أكثر تلاوة له في شهر رمضان..

    بل إن الله تعالى خص شهر رمضان بما لم يخص به غيره من تلاوته، حيث كان يرسل جبريل عليه السلام، ليدارس الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن، كل ليلة من ليالي شهر رمضان، وكان يدارسه مرة كل عام، فلما كانت السنة التي توفي فيها، دارسه القرآن مرتين.

    فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:
    "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أجودُ بالخير من الريح المرسلة" [البخاري (1/6) وغيره]

    عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
    "كان يُعرضُ على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، كل عام مرة، فَعُرِض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه" [البخاري: (4/1911) وابن ماجه (1/562) وغيره].

    إن نزول القرآن في شهر رمضان، ونزول جبريل من السماء، ليدارس الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن، كل ليلة من ليالي رمضان، في كل عام من أعوامه، ثم مدارسته له في آخر عام من حياته مرتين، ليدل دِلالة واضحة، على شدة حب الله تعالى منزلِ القرآن في شهر رمضان، لاهتمام المسلم بكثرة تلاوته في هذا الشهر، اقتداء برسوله الكريم صلى الله عليه وسيلم.

    ويؤخذ من مدارسة جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم القرآن، مشروعية مدارسة المسلمين القرآن فيما بينهم، وبخاصة، مدارسة العلماءِ طلابَ العلم، لتصحيح التلاوة، وللتفقه في معاني كتاب الله.

    ومما يؤكد ذلك ما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) [صحيح مسلم (4/2074)]

    تأهيل القرآن المسافر إلى الجنة.

    إن تلاوة القرآن الكريم، على ما فيها من الأجر العظيم، بحيث يكون لتاليه بكل حرف عشر حسنات، كما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إن تلاوته ليست كافية وحدها لتأهيل المسافر إلى الجنة، بل لا بد مع تلاوته من الاهتداء بِهداه.

    وإذا عدنا إلى آية سورة البقرة التي ذكر فيها نزول القرآن في شهر رمضان، فسنعرف منها، أن القرآن يؤهل المسافر إلى الجنة، باهتدائه بهذا القرآن، كما قال تعالى: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )) [البقرة: من الآية185]. فالمسلم الذي يهتدي بكتاب الله، هو الذي يكون مؤهلاً للسفر إلى الجنة.

    وينبغي أن يعلم أن القرآن جاء بالهدى للجن والإنس جميعاً، ولكنه يخص بالهداية المؤمنين به، بسبب أنهم هم الذين يهتدون به وينتفعون بنوره فعلاً.

    والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في كتاب الله، نذكر طرفا منها:

    (( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ )) [البقرة(2)].

    (( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )) [آل عمران (138)]

    (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )) [يونس (57)].

    (( ..وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )) [النحل (89)].

    (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )) [الزمر (23)]

    (( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ )) [فصلت (44)]

    وقال تعالى عن الجن: (( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً )) [الجن (13)]

    ولما كان الله تعالى يحب أن يهتدي عبده المؤمن بكتابه، ويتبع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو به رءوف رحيم، فقد شرع له قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاته، فرضاً كانت أو نفلاً..

    وفي هذه السورة دعاء المصلي ربَّه تعالى أن يهديه صراطه المستقيم، وهو دينه الحنيف الحق، الذي لم يعد في الأرض دينُ حقٍّ سواه.

    ولهذا اقترن دعاء المؤمن ربه أن يهديه الصراط المستقيم، بدعائه أن ينجيه من غيره من سبل من استحقوا غضب الله، من اليهود ومن شابههم، ممن كفروا بالله على علم، والنصارى ومن شابههم، ممن كفروا به على جهل وتكبر عن طلب العلم والهدى.

    قال تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )) [الفاتحة].

    وبين سبحانه وتعالى، أن من اهتدى بهدى الله، أمن من الخوف والحزن ومن الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عن هداه وكذب به، استحق الخلود في جهنم، والضلال والشقاء في الدنيا والآخرة.

    قال تعالى: (( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) [البقرة:38-39].

    وقال تعالى: (( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى )) [طه: 123-127]

    وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، مثلاً لمن طلب هدى الله فيما بعث به رسوله، من هذا القرآن – ومثله سنة الرسول صلى الله عليه وسلم – وعمل به وعلمه، فشبهه بالأرض الطيبة التي تمسك الماء، وترتوي به، وتنبت الكلأ والعشب، فيستقي من مائها الناس والدواب والطيور، وتتغذى من زرعها وعشبها الناس والدواب..

    وضرب مثلاً آخر لمن طلب هذا الهدى، ولكنه أقل عملاً به من الصنف الأول، بأجادب من الأرض، أمسكت الماء، فشرب الناس منها وسقوا وزرعوا..

    وضرب مثلاً ثالثاً لمن لم ينل من هدى الله شيئاً، بالقيعان من الأرض التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فلا يستفيد الناس ولا الدواب منها شيئاً.

    يبين ذلك حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه:
    "عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( إن مثل ما بعثني الله عز وجل من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً..

    فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير..

    وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا..

    وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ..

    فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به )". [البخاري (1/42) ومسلم (4/1787)]

    فهنيئا للمسلم مصاحبة القرآن في شهر القرآن، وفوزه بالفقه فيه والعمل بما تضمنه من إسلام وإيمان وإحسان.

    ولهذا الميدان تتمة..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-10
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    ونحن في أنتظار التتمة لهذا الميدان!

    شكراً لك يافضيلة الشيخ
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-11-10
  5. يمن

    يمن عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-03-14
    المشاركات:
    1,769
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله كل خير يا شيخنا ، وبارك الله فيك ،،،
     

مشاركة هذه الصفحة