جبران خليل جبران والنبي

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 1,740   الردود : 2    ‏2002-11-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-10
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    ولقد انتظر المصطفى سفينته اثنتي عشرة سنة في مدينة اورفاليس لتحمله الى الجزيرة التي ولد فيها وقد كان المختار والمحبوب والفجر لذاته .

    تسلق التله التي خارج اسوار المدينة وتطلع ناحية البحر فأبصر سفينته قادمة والضبـاب ، في اليوم السابع من أيلول ، أي شهر الحصاد، من السنة الثانية عشرة .

    فانفتحت أبواب قلبه ، وتطايرت نشوته تغلف البحر ، فأغمض عينيه وصلى في خشـــــــوع اجتاحه الحزن عندما هم بالنزول عن التلة ، وقال في قلبه :

    كيف لي أن أنصرف من هذه المدينة بسلام وأمضي بلا أسى ؟ لا لن أرحل عن هذه المدينــــة دون أن تخلق في روحي جرحاً فكم كانت طويلة كلكم الأيام التي قضيتها بين أسوارهــــــا ، وكم كانت طويلة ليالي الوحدة ؟ فمن يتأتى له مفارقة ألمه ووحدته دون ندم ؟ فقد بــــذرت شذرات الروح ، في هذه الشوارع . وما أكثر ابناء حنيني في عريهم عريانيين فوق هذه التلال فأنا لي أن اثقل كاهلي ، وأوذي روحي .

    إنها ليست بزة أخلصها هذا اليوم ، بل جلدي أمزقه بيدي هاتين ، ولا هي فكرة أطرحــــها ، بل قلباً منحه الجوع والعطش الحلاوة ، بيد أني لا أستطيع ان ابطىء في سفري ، فالبــحر الذي يدعو كل شيء اليه يناديني ولا بد أن أركب سفينتي فالبقاء يعني التجمد والتبلور ولو بقيت ، والانشداد مع قيود الأرض اذن لتجمدت ان الساعات تحترق في الليل ، هيهات لي ان احمل كل ماهو قائم بسرور ، ولكن أنى لي ذلك ؟

    ولن يقوى فالصوت لا يستطيع أن يحمل اللسان والشفتين التي تمنحه الأجنحة ، فعليه وحده أن يسعى لشق الفضاء ووحيداً بلا عشه يطير النسر نحو الشمس استدار المصطفى نحو البحر مرة أخرى عندما وصل أسفل التلة ، ورأى سفينته تقترب من الميناء والملاحين على مقدمهـا رجالاً من أبناء بلاده .

    نادتهم روحه :

    يا أبناء أمي الاولى ،يا من تركبون الأمواج ، لكم أبحرتم في أحلامي والآن تظهرون في يقظتي في حلمي الأعمق ها أنا على أهبة الرحيل وحماستي تنتظر الريح مع الأشرعة المنشورة على إتساعها .

    لم يبق لي الا أن أستنشق نفساً آخر من هذا الهواء الساكن ، وألقي بنظرة حب أخيره على ما ورائي .

    ثم أقف بينكم بحاراً بين بحاره . أما أنت ايها البحر الواسع ، الأم نائمة ، وحدك رمز السلام والحرية للنهر والجدول . لم يبقى الا دورة أخرى يؤديها هذا الجدول ولم يبقى الا أن يهمس همسة أخيرة في أذن هذه الغابة ، ثم آتي اليكم ، نقطة طليقة نحو المحيط الطليق وعندما بدأ السير رأى على البعد رجالاً ونساء يتركون حقولهم وكرومهم ويفذون الخطى نحو أبواب المدينة .

    وسمع اصواتهم تهتف باسمه ، وصرخات تتنامى من حقل لحقل يبلغون بعضهم عن وصول سفينته . فقال مخاطباً ذاته :

    أيكون يوم الفراق يوم اللقاء ؟ وهل سيقال أن مسائي كان في حقيقته فجري ؟ وماذا أقـــدم لمن ترك محراثه في نصف ثلمة ولمن أوقف دولاب معصرة الخمر؟ أيصبح قلبي شجرة مثقلة بالفاكهة فأجمعها وأقدمها لهم ؟ وهل تنبثق رغباتي مثل ينبوع فاملأ اقدامهم ؟ أتراني قيثارة تمسها يد القدير ، او مزماراً يبث من روحه ضلالي ؟ أنا الباحث عن السكينة ، أي كنز وجدت في السكينة لأوزعه بثقة ؟

    فإذا أصبح هذا يوم حصادي ، ففي أي حقول بذرت البذار وفي أي الفصول المنسية ؟ وأذا اضحى الساعة التي أرفع فيها مشعلي حقاً فليس شعلتي هي ما يحترق داخلي أرفع مشعلي فارغاً ومطفئاً ، ليملأه حارس الليل بالزيت ويوقده أيضاً .

    باحت شفتاه بتلك الكلمات . لكن أشياء كثيرة لم يقلها ظلت في قلبه ، فما كان يستطيـع ان يفشي بسره الدفين .

    عندما دخل المدينة خرج جميع الناس لمقابلته ، وكانوا يهتفون بصوت واحد تقدم نحوه كبراء المدينة وقالوا : لاترحل عنا الآن ، لقد كنت الشروق لليلنا ، ومنحنا شبابيك أحلاماً نحلــم بها فلست غريباً بيننا ، او ضيفاً ، بل ابننا وحبيبنا الغالي ، فلا تجعل أعيننا تعاني الحرمـــان من رؤية وجهك .

    وقال له الكهنة والكاهنات :

    لاتدع أمواج البحر تفرقك عنا ، والسنوات التي عشتها بيننا سوى ذكرى ، لقد كنت بيننا مثل الروح ، وكان ظلك نوراً لوجوهنا ، لقد أحببناك كثيراً ، لكن حبنا كان اخرسا ومغلفاً بالحجب ، ويناشدك حبنا بصوت عال ، ويقف أمامك مجرداً ، ولم ندرك عمق ذاك الحب حتى حانت ساعة الفراق .

    وجاء آخرون وتوسلوا اليه لكنه لم يأبه بهم .طأطأ رأسه فقط . ورأى من يقفون بالقرب منه دموعه يذر منها على صدره .

    تقدم والناس نحو الميدان العظيم أمام المعبد وهناك خرجت من المحرم إمرأة تدعــــى الميترا و كانت عرافة ، نظر اليها بعاطفة كبيرة ، فقد كانت الأولى التي سعت وآمنت به ، ولما يمر على وجوده في المدينة الا يوم واحد ، وحيته قائلة :

    يا رسول الله ، الباحث عن الأسمى ، لقد فتشت مسافات طويلة عن سفينتك ، والأن وقــــد وصلت سفينتك فلا بد من الرحيل ان حنينك عميق لأرض ذكرياتك وموطن رغباتـــك العظمى ولن يثنيك حبنا لكن توقفك حاجتنا الآ اننا نسألك قبل رحيلك عنا ان تتحدث الينا وتعطينا بعض حقيقتك ننقلها لأطفالنا وأطفالنا ينقلوها الى أطفالهم ولن تموت أبداً لقد راقبت في وحدتك زماننا ، وفي صحوتك استمعت لبكاء وضحك نومنــــا فافضحنا أمام ذواتنا ، وأخبرنا بكل ما تكتشف لك عما بين الولادة والموت ، فأجـــاب :

    يا أهل اورفاليس ، عن ماذا أحدثكم ؟ بغير ما يدور الآن في ارواحكم ؟

    فقالت ألميرا : حدثنا عن الحب ، فرفع رأسه وتطلع نحو الناس ، الذين كانوا وكأن علــى رؤوسهم الطير ، وبصوت عظيم قال :

    عندما يشير اليكم الحب ، فاتبعوه ، مع ان طرائقه صعبة وزلقة . واذا غمرتكم أجنحتــــــه فأخضعوا له ، ولو جرحكم السيف المختفي بين أرياشه ، وعندما يتحدث اليكم فآمنوا بــه ولو بعثر صوته احلامكم كما ، تعصف الريح الغربيه بأوراق الحديقة المتساقطة وكما الحـب يتوج رؤوسكم فأنه يعلقكم على الصليب ، وكما انه لنموكم ، فهو أيضاً لتشذيبكم وكما يتصاعد الى مراتبكم ويلاطف اعضائكم الطرية التي تهتز تحت الشمس ، فإنــه يغــوص الى جذوركم ويهزها من تعلقها بالتراب ، يضمكم الى نفسه مثل حزم الذره ويذروكـم ليعريكم ، ويغربلكم ليحرركم من الشوائب ، ويطحنكم حتى يبين البياض ويعجنكم حتى تصيـــحوا طيعين ، ثم يخصكم بناره المقدسة ، فقد تصبحون الخبز المقدس في مأدبة الرب المقدســــــة يؤدي لكم الحب كل تلك الأشياء فقد تتعرفون الى أسرار قلوبكم وتصبح المعرفة جزءاً من قلب الحياة ، فإن خفتم وبحثتم عن سلام الحب ولذته فقط ، فمن الأفضل لكم ان تغطـــوا عريكم وتجتازوا أرض الحب التي تذيب ، الى عالم بلا فصول ، الى حيث تضحكون ، لكــن ليس كل ضحككم وتبكون ، وليس كل دموعكم ، الحب لايعطي الا حبا ولا يأخذ إلا من ذاته الحب لاعليك ولا يستملك لكن الحب كاف للحب ، عندما تحبون فلا ينبغي ان تقولوا : " ان الله في قلبي " ، بل " أنــــا في قلب الله " ولا تعتقدوا أنكم تستطيعون توجيه مسار الحب ، للآن الحب يوجه مساركم اذا رأكــم تستحقون ذلك .

    ليس للحب أمنية ال تحقيق ذاته ، فإذا أحببتم وتوجب وجود رغبات ، فلتكن التالية رغائبكم :

    ان تذوبوا اة تصبحوا مثل جدول جار يغني أغنيته لليل ، أن تعرفوا ألم الرقة المتناهية ، أن تصيبكم الجراح من فهمكم للحب، أن تنزفوا طواعية وبتلذذ ، ان تصحوا عند الفجر بقلب مجنح ، وتقدموا الشكر ليوم جديد من الحب ، ان تستريحوا ساعة القيلولة ، لتتأملوا نشوة الحب ، ان تعودوا الى بيوتكم مساء شاكرين ، ثم تناموا على صلاة للحبيب الذي في قلوبكم وأغنية شكر على شفاهكم .

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-11
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    يسلم لنا ذوقك الرفيع أخي أحمد .. فقد أعدت إلى ذاكرتي نشوة قراءتي لهذه القصة منذ أكثر من خمسة عشر سنة ..

    لك خالص الود .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-11-13
  5. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    اقتباس جميل اخي احمد

    فجبران غني عن التعريف وكتاب النبي ايضا كذلك

    ودمت
     

مشاركة هذه الصفحة