ثلاث كلمات أطالت عمر الدولة الإسلامية في الأندلس

الكاتب : TANGER   المشاهدات : 456   الردود : 1    ‏2002-11-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-09
  1. TANGER

    TANGER قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2001-07-03
    المشاركات:
    10,050
    الإعجاب :
    35
    د. نجم عبد الكريم


    لم يخف ألفونسو السادس ملك قشتالة نيته في القضاء على الامارات الاسلامية في الاندلس عن واحد من ملوك الطوائف.. بعد سقوط طليطلة، فأرسل الى كبير هؤلاء الملوك (المعتمد بن عباد) رسالة وقحة قال فيها: «إن ما فعلته بطليطلة وأهلها لجزء من مئة مما سأفعل بقرطبة وأشبيلية اذا لم تسلمها إلينا دون قتال..!! فإذا جاءك كتابي هذا، فأرسل اليَّ بولدين من أولادك ضماناً لاستسلام البلاد بما فيها من كنوز وأموال..». فعلاً رسالة وقحة تتناسب مع الجرائم الرهيبة التي ارتكبها هذا الشيطان في طيلطلة يوم سقطت في ايدي رجاله بعد حصار دام اكثر من عام، دون ان يتحرك بقية امراء الطوائف لنجدتها.. قتل ألفونسو أهلها، بعد ان اهدرت الدماء لشهر كامل، وبعد ان أباح المدينة لجنوده الأبالسة، الذين لم يكونوا في حاجة الى أكثر من ثلاثة أيام ليقتلوا فيها كل مسلم ومسلمة في المدينة التي شهدت أربعة قرون من التسامح الديني الذي يطبقه الاسلام.. مجزرة من أبشع مجازر التاريخ، يمر عليها مؤرخو الغرب مروراً سريعاً في خزي وعار. الاجتماعات في مساجد قرطبة لا تنتهي بعد كل صلاة، شيوخ المسلمين يتوافدون على الجامع الكبير في قرطبة من كل بلاد الاندلس ليتدارسوا الموقف الدقيق، ويتقدمهم القاضي الوقور عبد الله بن محمد بن أدهم، الذي وقف على المنبر ليقول: «لقد باتت الحرب على الأبواب ـ أيها الشيوخ وأيها العلماء ـ ولن يمر وقت طويل قبل ان ينتهي ألفونسو من (سرقوسة) ثم (بلنسية).. وبعدها سيدق أبواب قرطبة وإشبيلية، بينما كل ملك وأمير مشغول الآن بحاله، يقلب الرأي بحثا له عن مخرج.. فمنهم من عزم على مغادرة الاندلس بأهله وماله، ومنهم من قرر أن يدخل في حلف مع ألفونسو، ويرضى بأن يكون تابعاً له..». فصاح بعض من في المسجد: يا للعار.. يا للعار!! فرد عليهم ابن ادهم: «تتكلمون عن العار، وقد تركتم طليطلة الى مصيرها، وكان في مقدوركم حث الناس لرفع الحصار عنها!!». فيتوجه اليه أحد الشيوخ في المسجد، ويحثه على ايجاد مخرج مما سينزل بقرطبة واشبيلية من دمار، فيجيبه ابن ادهم: «لقد اجتهدت يوماً في ايجاد ذلك المخرج، لكن الملوك والأمراء لم يتلقوه مني بقبول حسن.. لقد طلبت اليهم ان يبعثوا الى يوسف بن تاشفين كي يستعينوا به على جبروت ملك قشتالة، فخشي كل واحد منهم على مملكته خوفاً من أن يسلبها اياه بن تاشفين!!» وبينما هم يتدارسون الموقف في المسجد، توصلوا الى صيغة يتم بموجبها الكتابة الى بن تاشفين، لكن ابن ادهم يقول لهم: «لا اكتب اليه الا على لسان الملك المعتمد بن عباد، ليذهب اليه وفد منا، ولنعرض عليه، ما استقر عليه جمعنا». ويتردد المعتمد في دعوة بن تاشفين، فيقول له ابن ادهم: «لا تتوجس من بن تاشفين، من اجل متعة الملك لسنوات نهايتها الموت المحتوم، لكننا نريد الحفاظ على الاسلام والمسلمين في الاندلس». فيقول له المعتمد: «لا تبالغ يا شيخنا، لا أظن ان خطر ألفونسو سيصل الى حد القضاء على الاسلام والمسلمين. فما هذه الا اوهام.. ثم.. ثم انني لست وحدي الذي يتوجس من دعوة بن تاشفين!! فبقية الأمراء والملوك، هم يتوجسون من هذه الدعوة ايضاً..». فيجيبه ابن أدهم: «أنت كبيرهم، واذا عزمت على أمر أقروك عليه». ويطلب ابن عباد مهلة للتفكير بعد ان وصل الى قناعة أن دعوة ملك المرابطين.. ـ بن تاشفين ـ هي الخيار الوحيد أمامه، وعندما يخلو الى زوجته (اعتماد الرميكية) ويناقش الأمر معها تقول له: «افعل ما يرضي الله ورسوله ايها الملك». لكن ابنه الرشيد يرد محتداً: «اتدخل علينا يا ابت من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا في اندلسنا؟!». فيهدئ المعتمد من روع ابنه: «أي بني.. أنا في هذا الأندلس غريب بين بحر مظلم وعدو مجرم، وليس لنا وليٌ ولا ناصر الا الله تعالى.. فها هو ألفونسو يا ولدي، قد رفع رأسه الينا، فإن نزل علينا كما نزل بطليطلة، فسوف يقتلنا، او يجعلنا رعاة لخنازيره.. وانت يا ولدي تخشى أن يسلبني بن تاشفين ملكي؟! واني لأسألك بالله: فأيهما أشرف لأبيك: أن يرعى الخنازير في قشتالة.. أو يرعى الإبل لابن تاشفين في مراكش؟!». فيهدئ الرشيد من روعه، ويقول للمعتمد: «افعل ما قرَّ في قلبك، وما أمرك به الله يا أبت!!». أجابه والده: «إني لأدعو الله أن يأخذ بأيدينا ونمنع هذا المجرم ـ ألفونسو ـ عن بلادنا، وأهلنا.. تكفيرا لما فعلنا مع طليطلة وأهلها.. فلا تقوم عليَّ اللعنة في منابر الاسلام مثل ما قامت على غيري..». وما أن وصلت الدعوة الى بن تاشفين، التي حملها إليه ابن أدهم، حتى شمر عن ساعد الجد.. وما هي الا أيام قليلة، الا وكانت السفن قد شحنت بالجنود والسلاح في ميناء سبتة، وكان الاتجاه أن تسير السفن عن طريق جبل طارق بموجب الاتفاق مع المعتمد بن عباد، لكن بن تاشفين اصر على نزولها في الجزيرة الخضراء، وهي أخصب الأودية في الاندلس. لكن ابن أدهم لم يكن محبذا ما يريده يوسف بن تاشفين. لكن هذا الأخير طمأنه ألا يخشى شيئاً لأنه اختار الجزيرة الخضراء، فسيتركها عندما ينتصر على الفرنجة، وطمأنه ان يزيح عن أفكاره ما يشاع عن طمع يوسف بن تاشفين المكوث في الاندلس، وانه ما قبل بتلبية الدعوة الا ليرد الغازي، ويمكنهم من الأرض التي سلبها منهم. ولما نزلت قوات بن تاشفين على شواطئ الجزيرة الخضراء، كان المعتمد بن عباد أول المرحبين به، وخصه بأبيات شعرية.. لم يستوعب الكثير منها، وقال له: «أتمنى أن تجعل من إشبيلية مقراً لقيادتك». لكن بن تاشفين أجابه: «إني رجل حرب لم اعتد حياة القصور، وجئت بنية جهاد العدو، فحيثما كان هذا العدو توجهت..». وتصل الأخبار الى ألفونسو. فيحاول ان يُدخل الذعر الى قلب بن تاشفين برسالة جاء فيها: «سمعت أيها البدوي الذي لا يعرف شيئاً عن قتال صناديد قشتالة، انك تنوي السير إلينا، فرأينا أن نكفيك العناد، ولا نكلفك التعب، فأنا قادم اليك حيثما كنت رفقاً بك، وتوفيراً عليك، وسترى حين تواجه جيوشي ـ هذا اذا لم تفر بمن معك قبل اللقاء ـ ان معي من الرجال من استطيع ان أهزم به الجن والانس.. فماذا تكون انت أمامي ايها البدوي الصحراوي..؟!». فقال بن تاشفين: «هذا خطاب طويل يدل على قلة عقل، اكتبوا ردي عليه على ظهر كتابه، وهو لا يزيد عن ثلاث كلمات: (الذي يكون ستراه).». ثلاث كلمات أدخلت الرعب والهلع على قلب ألفونسو، الذي كان منذ أيام قليلة يتيه بجيشه على بقية أمراء الفرنجة، لكنه هذه المرة يدوس على كبريائه، ويستنجد بكل ولاة الأقاليم، ويكتب الى البابا في روما، ليستخدم نفوذه مع أمراء جنوب فرنسا. ومما كتبه في رسالته للبابا: «يا صاحب القداسة، لقد بلينا برجل يؤثر العمل على القول بخلاف الذين كانوا يؤثرون القول على العمل.. واني لأخشى إن لم نصده ان يظهر على أوروبا كلها، وينشر رايات الدين الاسلامي على فرنسا، وايطاليا». ويجتمع تحت قيادة ألفونسو مئة الف جندي.. اكبر جيش تحرك على أرض اسبانيا، فينحدر به حتى يكون في وادي الزلاقة، ليس بينه وبين مدينة (بطليوس) على النهر الكبير سوى ثلاثة فراسخ. وبعد أيام وصل جيش المعتمد فاستقبله المتوكل ملك بطليوس بالترحاب، وبذل الأهالي للجيش المسلم كل ما عندهم من مؤن وسلاح.. وكان معهم يوسف بن تاشفين، ولكن ليس هناك من اثر لرجاله، حيث وقفوا وراء الجبل على بعد عشرة أميال كخطة يوهمون بها ألفونسو حين يرى عددهم فيستهين بهم، فيهجم عليهم هجوم المتهور، وما ان يتم التلاحم مع الجيش، يحاصره جند بن تاشفين من ورائه. لكن الفونسو لم يهجم، وانما ارسل احد قواده ليقول للمعتمد: «ان مولاه الفونسو يعرض على المسلمين سفناً ليعودوا عليها الى بلادهم، واذ رفضوا ذلك، فليس أمامنا سوى الحرب التي لا بد ان نتفق على موعد لها، اذا لا مفر من وقوعها!!». فيجيبه المعتمد: «حسن.. اليوم هو الخميس، فاختاروا أنتم أي يوم بعده!!». فيقول مبعوث ألفونسو: «غداً الجمعة.. عيدكم، والأحد عيدنا، فليكن إذاً لقاؤنا يوم السبت..». فوافق المعتمد بن عباد على ذلك، وما أن خرج رسول الفونسو حتى قال بن تاشفين: ما احسب الا ان هذه خدعة ايها الملك!! فوافقه.. بن عباد بعد ان تذكر اللؤم والخداع اللذين مارسهما ألفونسو مع اخيه سانكو يوم حدد له موعداً للقتال ثم غدر به، وذبحه مع زوجته وأولاده ذبح النعاج تحت أقدام القلعة!! وبالفعل غدر ألفونسو كما توقعوا، واختار ساعة صلاة الجمعة ليبدأ هجومه الكاسح، ولكن المسلمين بعد ان فطنوا لمكره وخداعه، كانوا على أهبة الاستعداد لمواجهته، وصلوا صلاة الخوف.. وما أن رأوا عباب خيل العدو حتى استقبلوها استقبال الأبطال، ودام الصراع غير المتكافئ عددياً لساعات، ولكن كتائب بن تاشفين قد احاطت بجيوش الفرنجة من كل جانب، وتثير الإبل المبرقعة وعليها البدو السمر الشداد، بالرماح الطويلة الذعر في قلوب الأسبان، وتفر خيولهم هلعاً من المنظر الذي لا عهد لهم به من قبل.. وما هي الا ساعات قليلة حتى أصبح جيش ألفونسو كالعصف المأكول، واذا بألفونسو يهوي تحت أقدام المعتمد.. لكن الشاعر الرقيق يقول له: «لا أريد ان ألوث رمحي بدمك.. ثم يضربه على ظهره بخشبة الرمح ضربة تحمل معنى الاهانة، بأكثر مما تحمل معنى الإيجاع». موقعة الزلاقة التي كانت بمثابة دم جديد أطالت في عمر حياة الدولة الاسلامية في الاندلس، لكن المقادير لعبت لعبتها، وجاءت على عكس ما كان متوقعاً، مما دفع الشاعر لأن يقول: مما يزهدني في أرض أندلسٍ اسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-10
  3. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    احسنت اخي وسلمت
     

مشاركة هذه الصفحة