نــــــدوة : الخروج على الحاكم الجائر في الفكر السياسي الاسلامي .. شاركونا !!

الكاتب : ابو مراد   المشاهدات : 3,569   الردود : 68    ‏2007-08-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-08-26
  1. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    من المعلوم ان نظام الحكم الاسلامي الراشد قد ولى ونحي عن التطبيق منذ استيلاء الملك العضوض

    " بني أمية " على مقاليد الحكم بعد استشهاد الامام علي رضي الله عنه .

    ونتيجة لذلك الانحراف فقد ادى بالتالي الى الاطاحة بقواعد نظام الحكم في الاسلام المتمثلة في

    الشورى , والعدالة , والمساواة , وحق الانكار ومحاسبة الحكام اذا انحرفوا عن الجادة !!

    والباحث في تراث هذه الامة يجد شح وندرة في الفقه السياسي او ما يعرف بالسياسة الشرعية

    اذا قارنا ذلك بما كتب في جانب فقه العبادات والمعاملات التي الف وكتب فيها اطنان من المجلدات

    والكتب .. مقارنة بابحاث وكتب تعد على الاصابع في مجال الفقه السياسي !!

    والسبب في ذلك معلوم وهو الخوف من بطش وجبروت الحكام الذي كان يمارس ضد اي صوت

    للمعارضة ولو كانت هذه المعارضة فكرية , ونعلم جميعا ان فقهاء المذاهب الاربعة عند اهل السنة

    قد اضطهدوا والقي بهم في غيابة الجب بسبب بعض الفتاوي السياسية ..

    ونتيجة لذلك اصبحت نظرية الحكم في الاسلام مشوها ومغلوطا وخليطا من المفاهيم والتصورات

    التي يستبطها الناس بحسب اهوائهم وارائهم كيفما راق لهم .. وقد ذهبوا الى الاخذ باحد الامرين :

    الأول : الخضوع والخنوع للحاكم المستبد الجائر حتى لو ادى به الامر الى نسف كل قواعد الاسلام

    وتعاليمه السمحه .

    الثاني : الخروج على الحاكم دون التقيد بضوابط الشريعة وقواعدها .


    اذا هذه الندوة في المجلس اليمني دعوة ومحاولة لالقاء الضوء على هذه المسالة العظيمة والخطيرة

    في تاريخ وحياة الامة , وتوضيح لقواعد واسس شرعية تضبط عملية الخروج على حكام الجور

    اذا ما انحرفوا عن قواعد الشريعة ومبادئها , او أصبح بقائهم على كراسي الحكم لا يعود على الامة

    بأي مصلحة .

    وبما ان الموضوع كبير ومتشعب اقترح تقسيم هذه الندة الى عدة محاور وهي :

    المحور الأول : عناية الاسلام بنظام الحكم .

    المحور الثاني : طريقة اختيار الحاكم .

    المحور الثالث : واجبات الحاكم وحقوقه .

    المحور الرابع : العلاقة بين الحاكم والمحكوم .

    المحور الخامس :اسباب وضوابط الخروج على الحاكم الجائر ,

    المحور السادس : وسائل الخروج على أئمة الجور .


    ندعوا جميع الاخوة للمشاركة في هذه الندوة لاسيما اصحاب الاقلام الرائعة والمميزة ونطلب من الاخوة

    الراغبين في المشاركة تسجيل حضورهم , لاننا سوف نقوم بتوزيع هذه المحاور .

    كما ارجوا من الاخوة المشرفين ان يثبتوا الموضوع وعدم احالته الى رحاب الايمان لان الموضوع

    سياسي بأ متياز وبحاجة ان يتم طرحه ومناقشتة في هذا المجلس بالذات .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-08-26
  3. الطفران

    الطفران عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-27
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    إشهر سيفك وحنا معك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-08-26
  5. صلاح السقلدي

    صلاح السقلدي كاتب صحفي

    التسجيل :
    ‏2006-06-01
    المشاركات:
    4,183
    الإعجاب :
    1
    قال لنا أعمى العميان
    تسعة أعشار الأيمان
    في طاعة أمر السلطان
    حتى لو صلى سكران
    حتى لوركب الغلمان
    حتى لو أجرم او خان
    حتى لو باع الأوطان...
    (احمد مطر)
    أبو مراد لي عودة لهذا الموضوع الدسم..
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-08-26
  7. أبوسعيد

    أبوسعيد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-02-20
    المشاركات:
    8,258
    الإعجاب :
    0
    اليك اخي ابو مراد هذا جزء من تعقيبي
    كان رد على البرق اليماني كتبته يوم امس وفيه شي
    من موضوعك هذا وهذا ردي









     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-08-26
  9. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0

    اشكر الاخوة الطفران , السقلدي , ابو سعيد على المرور !!

    وما ادري ايهما يفضل الاخوة بالنسبة لمحاور الندوة هل نقوم بتوزيعها على الراغبين في المشاركة

    ام نقوم بالحديث عنها ومن كانت له مداخلة او تعقيب وا عتراض فليسجلها ونناقشها معه .

    بانتظار تعليقاتكم ومقترحا تكم ... مع خالص التحية لجميع اعضاء المجلس !!
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-08-26
  11. المازق

    المازق قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-12-25
    المشاركات:
    3,696
    الإعجاب :
    0
    الإسلام والخروج على الحاكم

    [الكاتب: عبد الله النفيسي]


    مقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تدور هذه الأيام حوارات ساخنة في الأوساط الإسلامية حول مدى شرعية الخروج على الحكام في عصرنا هذا... بعض الذين يتصدّرون العمل الإسلامي نلاحظ عليهم حماساً مُضاداً لكلِّ فكرة تؤيّد الخروج على الحكام، أكثر من ذلك فهم قد غلوا في موقفهم واتهموا كل من لا يرى رأيهم بالغباء وقلّة الفقه والخروج عن الملّة في كتابات لبعضهم، ونحن ننصحهم - والدين النصيحة - بالابتعاد عن هذا الغلو ونُطالبهم - كإخوة في الله - أن يتقوا الله ويحذروه وألا يحسنوا الظن كثيراً بأنفسهم ويُسيئوا الظن كثيراً بإيمان غيرهم، وإذا اختلفنا في هذه القضية فليكن الخلاف رفيعاً.

    نحن نقف في هذه القضية مع الذين يقولون بالخروج على الأنظمة الحاكمة في أرض الإسلام اليوم، ونقف هذا الموقف استناداً إلى دليلين:

    1-الدليل الشرعي.
    2-والدليل العقلي.

    الاستاذ : عبد الله النفيسي
    النور للإعلام الإسلامي

    الدليل الشرعي

    يقول جلّ القائل في كتابه الكريم:

    1) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأول-ئك هم الكافرون} [المائدة : 45].
    2) { فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة : 48].
    3) { فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم} [النساء : 65].
    4) { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [الجاثية : 18].
    5) { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكماً} [المائدة : 50].
    6) { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء : 105].

    1) وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيليكم أمراء من بعدي يعرّفونكم ما تنكرون، ويُنكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله ) [1].

    2) وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيكون عليكم أُمراء يُؤخّرون الصلاة عن مواقيتها ويحُدِثون البدع. قلت: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كيف تصنعُ؟ لا طاعةَ لمن عصَى الله ) [2].

    3) وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليأتين عليكم أُمراء يُقرّبون شرار النّاس، ويُؤخِّرُون الصَّلاة عن مواقيتها، فمن أدركَ ذلك منهم فلا يكُونن عرِيفاً، ولا شُرْطياً، ولا جَابِيا،ً ولا خَازِناً ) [3].

    4) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فكان من خطبته أن قال: ( ألا إني أُوشك أَنْ أُدعَى فأُجِيب... فَيلِيكم عُمّال من بعدي يقولون ما يعلمون ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهراً ثم يليكم عمّال من بعدهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشدّ على أعضادهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء ) [4].

    هذه مجموعة من أشهر النصوص التي وردت حول قضية الخروج على الحاكم ولأهل العلم فيها وجوه كثيرة، لكن قبل استعراض آراء الأئمة حول هذه القضية يجب علينا أن نوضح بعض النقاط الضرورية:

    1) هذه النصوص التي ذكرنا إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

    2) اجتهادات الأئمة حولها إنما بُنيت على أساس أنها - أي النصوص - إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

    3) أن الحكّام الذين كانوا يُعاصرون الأئمة كانوا يحكمون بما أنزل الله.

    4) أن أصحاب الآراء التي كانت توصف بالتطرّف والتي كانت تُنادي - آنذاك - بالخروج على حكام ذلك الزمان كانوا من خارج أهل السنة والجماعة كالمعتزلة والخوارج.

    فلم يكن يتصوّر الفقهاء - أيامها - وجود حاكم لا يحكم بما أنزل الله بالصورة الكلية والشمولية التي نعيشها اليوم، لم يكن يتصور الفقهاء وجود حاكم يتنكر لشرع الله ويتآمر على الإسلام ويُنكلّ بالمسلمين ويُوالي أعداء الله كما هو حال حكام اليوم...

    يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - في معرض تفسير قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يُوقنون} [المائدة : 50] : ( يُنكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كلّ خيرٍ الناهي عن كلّ شرٍّ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة... كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات... فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير ) [5].

    يُعلق محمد حامد الفقي على كلام ابن كثير هذا في كتاب "فتح المجيد" صفحة 406 فيقول: ( ومثل هذا وشرٌّ منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما عَلِمَ وتبيّن له من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصرَّ عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمّى به ولا أي عملٍ من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ).

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لما سُئل عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ولمِا زعموا من اتباع أصل الإسلام، قال: ( كلّ طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم و غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانِعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم...
    فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، و الميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين - ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها و تركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تُقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء...
    وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته ) [6].

    قال القاضي عياض - رحمه الله -: فلو طرأ عليه (أي الخليفة) كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل.

    وهكذا نرى أنه ليس هناك أي تناقض بين آراء العلماء حول مسألة الخروج على النظام الحاكم في حالة كفره وإعراضه عن شرع الله، فالكلُّ مجمعٌ على ذلك كما نقل ابن تيمية هذا الإجماع وأشار إليه عندما قال: ( وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ).

    هناك بعض الناس يُسيئون فهْمَ بعض الأحاديث لرسول اللهز فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، حرّم مالُه ودمُه وحسابه على الله ) [7].

    قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حول ذلك: ( اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان وأنّ المراد بهذا مشركُو العرب وأهل الأوثان... فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره ) [8].

    لقد أجمع العلماء على أنّ من قال لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، أو اعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها يجب أن يقاتل حتى يعمل بما دلّت عليه من النفي والإثبات.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أُمرتُ أن أُقاتلَ النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) [9].

    قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في تعليقه على الحديث: ( فيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلاً أو كثيراً ) [10].

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( إنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان والإقامة - عند من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر. فهل تُقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها ) [11].

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي للخوارج.

    ويقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ( وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شرّ الخلق والخليقة، مع قوله: ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم ) فعلم أن مجرّد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال. فالقتال واجب حتى يكون الدين كلّه لله وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب ) [12].

    والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلون خطأ ببعض الأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثلاً هناك حديث يقول: ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية ) [13].

    هذا الحديث يطرح أمامنا عدة أسئلة:

    1) من هو الأمير المقصود في هذا الحديث؟
    2) ما هي نوعية الكره؟
    3) ما هي حدود الصبر؟
    4) وأي جماعة تلك المقصودة في الحديث؟
    5) أهي الجماعة الكبرى أم الصغرى؟

    من البديهي أن الأمير الذي ذكره الحديث هو الأمير المسلم، فهذا هو المعنى الذي يتماشى مع طبيعة الشرع، فمن ثم يجب على المسلم أن يطيعه لأنه - أي الأمير - متقيّد بالشرع خاضع لأمره، لكن قد يرى المسلم منه ما يكره؛ أي بعض السلوكيات الخاطئة من قبل الأمير كحال الأمراء الأمويين والعباسيين... لكن ليس هذا مبرراً شرعياً للخروج عليه، ومن هنا فإن الصبر المَعنيّ بالحديث هو الوسيلة لمحاصرة هذا الكره الذي ذكرنا مواصفاته... الكره الذي لا تتجاوز حدوده الفرد إلى حدود الجماعة. وعلى ضوء هذا الفهم يتبين لنا خطأ الذين يُحاولون تطبيق هذا الحديث اليوم على الأنظمة التي تجثم فوق صدور المسلمين.

    والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلّون بحديث لست مُطمئناً لصحته يقول: ( شرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا: يا رسول الله أفلا نُنابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ).

    وحتى لو كان الحديث صحيحاً [14] فلا نفهمه بالصورة التي يُحاولون من خلالها عرضه... يقولون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أقاموا الصلاة ) ويعتقدون أن المقصود هو أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه، وهذا فهمٌ قاصرٌ وغير صحيح ولا يلتقي مع أقوال جمهور العلماء وبالأخص ابن تيمية في أقواله التي دوّناها في الصفحات السابقة؛ فالتتار كانوا يُقيمون الصلاة بل منهم من كان فقيهاً مُتعبداً ومع ذلك جعل قِتالهم واجباً لإيمانهم بالياسق [15].

    والمقصود بالمنابَذة - التي ورد ذكرها في الحديث - هو نقض البيعة التي أعطاها الناس لهؤلاء الحكام والخروج عليهم. يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وإمَّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء} أي أعلمهم بنقض العهد الذي بينك وبينهم.

    وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن هناك بيعة أُعطيت لهؤلاء الأمراء كي يقوموا بأمر المسلمين حسب كتاب الله وسنة رسوله، فالبيعة - ويجب أن تكون عن رضا واختيار لا عن إكراه وإجبار - هي الوسيلة الشرعية في الإسلام لتولي السلطة السياسية، وما دامت هناك بيعة بين الحاكم والمحكوم فمعنى ذلك أن الحاكم يجب أن يُطاع؛ لأن البيعة إلزام للحاكم بالتقيّد بشرع الله وإلزام للمحكوم بطاعة هذا الحاكم في حدود هذا الشرع. ومن هنا فإن الأمراء الذين طلب الصحابة منابذتهم والخروج عليهم كانوا يحكمون بما أنزل الله لكن سلوكهم الشخصي لا يُرضي المحكومين وأفعالهم تُبيح لعنهم من قِبل الناس، ومن ثَمَّ هم يلعنون الناس كما يلعنونهم.

    وعلى ضوء هذا الفهم يتبيّن لنا أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أقاموا الصلاة) ليس هو مجرّد إقامة الصلاة في حد ذاتها، وإنما لأن الواجب على الأمير المسلم أن يُقيم في الناس الصلاة ويخطب فيهم الجمعة، هذا العمل صورة من صور الممارسة الشرعية لمسؤولياته في الإسلام ومادام يقوم بهذا العمل... وهذا يعني أيضاً تقيّده وإلتزامه بشرع الله... لأجل ذلك لا تجوز منابذته، وليس المقصود - كما يفهم البعض - أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه وإن لم يكن يلتزم شرع الله، فهذا الفهم يُخالف مخالفة صريحة ما كان عليه الصحابة وأجمعوا عليه وكذلك ما أجمع عليه الفقهاء.

    وهل يُعقل أن يكون المقصود بالحديث هو الحاكم الذي يُقيم الصلاة فقط دون بقيّة أحكام الشرع؟! إن محاولة تطبيق هذا الحديث على حكّام اليوم هي محاولة لدعم الباطل على حساب الإسلام، فحكّام اليوم وأنظمة هذا العالم المترامي المسمّى مجازاً بالإسلامي لم يصلوا إلى الحكم بالطريق الشرعي (البيعة)، بل فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة الحديد والمال ودعم القوى الكافرة المتربّصة بالإسلام ودُعاته الحقيقيين، ومن هنا ينقطع الطريق أمام دعاة الضلالة الذين يحاولون ترقيع الجاهلية بأحكام الإسلام وإلباس هذه الأنظمة الكافرة ثوب الإمامة العادلة!!.

    لقد استحلت هذه الأنظمة ما حرّم الله في كلّ قرار تصدره وكلّ خطوة تخطوها، فهي - كما نلاحظ - لا تقوم على بيعة وقد عطلّت حق الأمة في الشورى ومراقبة الحاكم وتسديده وترشيده وعزله، وأخذت تتوسع في إباحة المحظورات الشرعية بل تيسّر السبل والوسائل كي تنتشر هذه المحظورات وتسود الواقع، والاستحلال كفر بإجماع الأمة لا يُخالف في ذلك أحد وبالإضافة إلى ذلك استباحت دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فهل هناك براهين على الكفر الصريح أكثر من ذلك.

    إن حكّام اليوم كفروا بما أنزل الله وأعرضوا عنه مهما لبسوا من أزياء الإسلام، وهم يُوالون أعداء الله وينصرونهم على جماهير الإسلام والمسلمين، وينشرون الفساد في الأرض، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس... والجماهير - لَهْفِي عليها - استسلمت لهذه الأوضاع المنحرفة ودانت لها حتى صبغت تصوراتها وسلوكها وأخلاقها بصبغة الكفر، فأصبحت تُوالي الحكام وتهتف لهم وتتقرب منهم وتنصرهم وتدعمهم على حساب الإسلام، وهي أولاً وآخراً لا تدري ماذا يُراد بها؟ وأصبحت لا تحمل من الإسلام سوى اسمه.

    فهل هناك كفرٌ أكثر بواحاً من هذا؟
    .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-08-27
  13. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0


    اخي المازق اتوافق تماما مع مقال الدكتور النفيسي !!

    شكرا امرورك
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-08-27
  15. alhaq74

    alhaq74 عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-30
    المشاركات:
    53
    الإعجاب :
    0

    الاخ الفاضل ابومراد
    ارى انك وضعت موضوع من اهم المواضيع , التى يجب ان تناقش وتبحث, ولاكن ما وجدته انك قسمت الموضوع الى محاور مع انه النقطه الاوله التي ذكرتها وهي ,عناية الاسلام بنظام الحكم , هي تشمل جميع المحاور الاوخرى اي الذي سيتحدث في هذه النقطه لابد ان يتطرق الى جميع النقاط الاخرى ولذلك انا ارى ان يكون موضوع النقاش هو هذا المحور, وان يتطرق الشخص الى جميع المحاور الاخرى , وانا اول من يرفع يده ويقول مستعد ان يكتب في هذا الموضوع وبالتفصيل.
    وبارك الله فيك
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-08-28
  17. عتاب الحلو

    عتاب الحلو عضو

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    11
    الإعجاب :
    0
    تزوير المفاهيم الدينية واغتيال العقل المبدع

    الشيخ حسين الخشن

    بالعودة إلى الجمود الذي أصاب علم الكلام لقرون طويلة، فإنه ـ وفق ما نعتقد ـ لم يفقده حيويته الاجتهادية وقدرته الذاتية على التجدد شكلاً ومضموناً فحسب، بل أضعف من وظيفته الأساسية في الرصد المستمر والعمل على حياطة الدين بمنع تسلل المفاهيم الدخيلة أو اجتياح الأفكار المشوّهة، والعمل على غربلتها وتصحيحها، ووضع الحدود الفاصلة بين الحقائق والأوهام، والمقدس والنسبي، والثابت والمتغير.

    إن انكفاء أو نأي علم الكلام عن القيام بهذه المهمة المزدوجة: التجديدية والرصدية، أدى ـ في نهاية الأمر ـ إلى انكفاء الإسلام نفسه عن التأثير المطلوب والتغيير المرجو في واقع الأمة، وفسح في المجال أمام أمرين خطيرين وهما:

    1 ـ غزو الفكر الآخر واجتياحه لقطاعات واسعة من أبناء الأمة.

    2 ـ انبعاث الفكر السلفي المتحجر محملاً ومعبأ بكل هموم الماضي ومشاغله.

    هذه الأجواء هيأت لانتشار جملة من المفاهيم العقدية المحرَّفة والمزوّرة، التي تمّ تثميرها بطريقة مغايرة لحقيقتها، ومضادة لروح الدين ومقاصده وأهدافه.

    غياب منطق الأسباب والمسببات:

    ولعل واحداً من أخطر هذه المفاهيم العقدية التي طاولتها يد التشويه والتحريف هو مفهوم التوحيد الافعالي أو الفاعلي الذي تمّ تفسيره بطريقة مصادمة لسنة رئيسة من سنن الله في الخلق، بل قل : مصادمة لأهم قانون ارتكزت عليه البشرية في نهضتها وتطورها، أعني به قانون العلية والمعلولية، المعبّر عنه في بعض المأثورات بجملة "إن الله أبى أن تجري الأمور إلاّ بأسبابها". إن هذا القانون الذي تدين له الإنسانية في كل معارفها وحضارتها، قد تمّ رفضه من قبل بعض الفرق الكلامية الإسلامية الكبيرة. وذلك بزعم منافاته مع عقيدة التوحيد، فانك لو اعتقدت بأن النار هي سبب الإحراق أو علة الحرارة فقد أشركت بالله وجعلت في الكون مؤثراً غيره، والصحيح ـ في نظر هؤلاء ـ أن الذي أوجد الحرارة أو الإحراق هو الله ولا دخل للنار في ذلك إطلاقاً، غاية الأمر أن عادته تعالى جرت على إيجاد الحرارة عند وجود النار دون أن تكون هناك رابطة بين الأمرين، أعني النار والحرارة، أو الشمس والضياء، وهكذا فالإنسان إذا أكل حتى شبع فإنه لا يشبع بسبب الأكل وإنما شبع عند الأكل، وإذا كسر زجاجة فهي لم تنكسر بكسره، بل عند كسره، فالمسألة مسألة اقتران لا سببية، يقول صاحب جوهرة التوحيد، وهي منظومة في العقيدة الأشعرية:

    والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جلّ وعلا

    ومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة

    ومن يقل بالقوة المودعةِ فذاك بدعي فـلا تلتفـتِ

    وإنكار التأثير والسببية لا يقتصر على الظواهر الطبيعية والجمادات والحيوانات، بل يمتد إلى الإنسان نفسه، فإن أفعال هذا المخلوق العاقل ليست تحت قدرته ولا هو الموجِد لها، بل لو اعتقد أنه الموجد لما يصدر عنه من أفعال سواء الطاعات منها أو المعاصي، فقد أشرك بالله وجعل له نداً، والصحيح ـ في نظر هؤلاء ـ أن الخالق لأفعال العباد هو الله، والعبد مجرد محل لها. يقول الشريف الجرجاني في شرح المواقف:" إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله سبحانه وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، والله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختباراً... فيكون فعل العبد مخلوقاً لله إبداعاً وإحداثاً، ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري"(شرح المواقف: 8/146).

    إن هذا الاعتقاد المزوّر الذي ينسف مبدأ العلية أدّى إلى اغتيال الإبداع لدى العقل العربي، لأنه تضمن دعوة صريحة لا لبس فيها إلى تجميد العقول عن التفكير في علل الأشياء وأسبابها، فليس عليك بل ليس لك أن تفكر في علة المرض أو الكسوف أو الخسوف أو غيرها من الظواهر الطبيعية، لأنّ علة ذلك كله هي الله ولا رابطة بين الظاهرة وما يرى من آثارها. فارتفاع حرارة المريض لا علاقة لها بالمرض، وإنما هو محض تقارن اتفاقي، وهكذا الحال في سائر الأمثلة.

    إن هذا المنطق إذا ما ساد في أمة من الأمم فلا تسأل بعد ذلك عن سرّ تخلفها وتقهقرها وتبدد طاقاتها وتفشي الجهل فيها. ولعل هذا هو ما حدا بأحمد أمين، الكاتب المصري المعروف، أن يتمنّى عودة الفكر المعتزلي إلى الحياة الإسلامية، لأنه لو ظل سائداً، "لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم الضعف وشلهم الجبر وقعد بهم التواكل"(ضحى الإسلام: 3/70).

    القرآن وقانون العلية:

    والحقيقة أن الأمر لا يتوقف على استعادة مذهب الاعتزال أو الفكر المعتزلي، بل على إحياء المنطق القرآني واستحضاره، فإن هذا المنطق يؤكد وبوضوح على قانون العلية وإسناد الظواهر إلى أسبابها الطبيعية، والآيات القرآنية التي تسند الأفعال إلى ظواهر طبيعية أو إلى إرادة الإنسان كثيرة، ولا مجال لاستعراضها في المقام، وعلى سبيل المثال: فإن قوله تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}(البقرة:261)، يدل بوضوح على استناد نبات السنابل إلى نفس الحبة، وهكذا عندما نقرأ قوله تعالى:{إنّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد:11)، فإننا نستلهم منها صراحة أن الإنسان هو الذي يصنع الأحداث ويغيّر مجرى التاريخ، وأنه ليس مجرد ريشة في مهب الريح. وقد عبر عن هذا المعنى الحديث المروي عن الإمام الصادق(ع) خير تعبير، قال (ع):" أبى الله أن يجري الأشياء إلاّّّّّّّّ بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً..."(الكافي1/183).

    إن الغفلة القاتلة التي وقع فيها هؤلاء هو عجزهم عن المواءمة بين قانون العلية ومبدأ التوحيد الفاعلي، فتخيلوا أن معنى التوحيد المذكور هو أن الله سبحانه هو العلة المستقلة والمباشرة لكل الأحداث الكونية، الأمر الذي اضطرهم إلى رفض قانون السببية أو العلية، مع أن الاعتقاد بوحدانيته تعالى في الخالقية وجعل التأثير بيده، لا ينفي التأثير عن سائر العلل الطبيعية، لأن تأثير هذه العلل ليس على نحو الاستقلال بل هو يستند في نهاية المطاف إليه تعالى، فتأثيرها في طول تأثيره لا في عرضه، وهوـ أي الله ـ الذي أوجد فيها خصوصية التأثير، فجعل في النار خصوصية الإحراق وفي الشمس خصوصية الإشراق، وهكذا في سائر الأمثلة، ما يعني أن مبدأ العلية أو السببية ليس فقط لا ينافي التوحيد بل يؤكده وينسجم معه تمام الانسجام.

    بين التوكل والتواكل:

    وغير بعيد من هذا السياق فقد حصلت غفلة أخرى عن المغزى الحقيقي لمبدأ التوكل على الله والاعتماد عليه في كل الأمور كطلب الرزق أو الشفاء أو الأولاد أو النصر...

    فقد خيّل للكثيرين أن التوكل يتنافى واللجوء إلى الأسباب الطبيعية، وهذا التخيل هو الذي مهد لانتشار ثقافة الاستشفاء بالأحراز أو القرآن، وطلب الرزق أو النصر بمجرد الدعاء والتوسل، وبعيداً من الأخذ بأسباب ذلك، مع أن المتأمل في سيرة المسلمين الأوائل قبل غيرهم، يدرك أن ما توصلوا إليه من انتصارات على مختلف الجبهات وفي شتى الميادين العلمية والعسكرية والطبية... إنما كان ثمرة طبيعية لاعتمادهم مبدأ الأخذ بالأسباب، فهم لم يفهموا من قوله تعالى:{وإذا مرضت فهو يشفين}(الشعراء:80) أنه دعوة إلى ترك التداوي بالطرق الطبيعية، وإنما فهموا أنه يشفي من خلال الأسباب الطبيعية، وهكذا الحال في الرزق والنصر وطلب الولد... فإن جعل هذه الأمور بيده تعالى لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب، ولذا أمر سبحانه بإعداد القوة{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}(الأنفال:60) ، وأمر النبي(ص) والأئمة بالتداوي والتكسب، بل خرجوا بأنفسهم في طلب الرزق ومواجهة العدو...

    النظرة التبخيسية للدنيا:

    ومن علامات وأمارات التشوه المفاهيمي: اختلال النظرة المتوازنة للدنيا والآخرة، وحسبان أنّ طلب علوم الدنيا لا يتناسب مع التدين ولا ينسجم مع التقوى، اعتماداً على رؤية مجتزأة لمفهوم الزهد، وقراءة خاطئة للمأثورات الدينية التي تزهد في الدنيا وتذم التعلق بها، الأمر الذي أسس لنظرة تفاضلية بين علوم الدين وعلوم الدنيا، فعلوم الدين سواء ما يربط منها بالجانب المعرفي أو القانوني أو الأخلاقي، أشرف وأكمل من سائر العلوم، وهذه الفكرة وإن كانت صحيحة في الجملة وبشرطها وشروطها، بيد أن الأمر تجاوز حد التفاضل ـ الذي يتضمن اعترافاً بالاشتراك في الفضل مع ميزة للفاضل على المفضول ـ إلى حد التبخيس من شأن سائر العلوم والتزهيد بها، حتى غدا الاشتغال بعلم الطب أو الفلك غير لائق بالإنسان الإلهي كما يعتقد صدر الدين الشيرازي...

    إننا وأمام هذا النمط من التفكير الذي يبخس العلوم حقها، ويهمش دورها، لا يسعنا سوى القول بأسى: إنه مخالف لمنطق القرآن الكريم، الذي حارب الجهل والخرافة، واعتنى بالعلم النافع ودعا إلى السير التأملي في الآفاق والأنفس والنظر في كل المخلوقات، لاكتشاف أسرارها وخصائصها، فاتحاً بذلك الباب واسعاً أمام كل المعارف والعلوم النافعة للإنسان في دينه أو دنياه، وقد عبّرت عن هذه النظرة المتوازنة للدنيا والآخرة كلمة علي(ع) الخالدة "إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً"، وفي الحديث النبوي:"العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان" وفي حديث آخر عن علي(ع):" العلوم أربعة: الفقه للأديان والطب للأبدان والنحو للسان والنجوم لمعرفة الزمان"(بحار الأنوار1/218).

    إن الغفلة عن هذه الحقيقة والتشوّه الذي أصابها، أساء للإسلام وأثر في شكل سلبي على واقع المسلمين.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-08-28
  19. علي الحضرمي

    علي الحضرمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2006-10-21
    المشاركات:
    3,539
    الإعجاب :
    0
    أخي الكريم موضوع الندوة موضوع رائع وهو بالفعل يحتاج للكثير من البحث والدراسة !

    الموضوع مهم جداً
    وأعدكم أنا بوضع تعليقات مختصرة على كل ورقة من الاوراق المقدمة لهذه الندوة !
    أما المشاركة فلا أدري ربما لا أستطيع خاصة في هذه الأيام !

    موضوع رائع أدعوا كل الأعضاء للمشاركة فيه
    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة