هل فكرت يوما ما ما هي السياسة؟

الكاتب : الماجوحي   المشاهدات : 402   الردود : 0    ‏2007-08-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-08-19
  1. الماجوحي

    الماجوحي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-07-17
    المشاركات:
    237
    الإعجاب :
    1
    السياسة هي افكار تتعلق برعاية الشؤون ، سواء اكانت قواعد : عقائد او احكاما ، اوكانت افعالا تجري ، او جرت ، او ستجري ، او كانت اخبارا . فاذا كانت في امر واقع كانت سياسة ، سواء في امور حالية ، او امور مستقبلة . وان كانت قد مضى وقتها ، اي كانت واقعا مرّ وفات ، سواء مرّ حديثا او قديما كانت تاريخا . ولذلك فان التاريخ كان سياسة فأصبح تاريخا . سواء اكان حقائق لا تتغير بتغير الظروف ، وهو ما يجب ان يحرص على معرفته ، او كان حوادث في ظروف مرت ومرت ظروفه ، وهو ما يجب ان لا يؤخذ ، وان يكون قارئه في حالة وعي عند قراءته حتى لا يأخذه في ظروف غير ظروفه ، فيقع في خطأ ، فيقع الضرر من اخذه.
    والانسان من حيث هو انسان ، او الفرد من حيث كونه يعيش في هذه الحياة ، هو سياسي يحب السياسة ، ويعانيها . لانه يرعى شؤون نفسه ، او شؤون من هو مسؤول عنهم ، او شؤون امته او شؤون مبدئه او افكاره . الا ان الافراد او الكتل ، او الدول او التكتلات الدولية ، الذين يتصدون لرعاية شؤون امتهم او دولتهم ، او منطقتهم ودولهم ، فانهم يكونون سياسيين طبعا من حيث كونهم من بني الانسان ، وطبيعيا من حيث طبيعة عملهم ، وطبيعة عيشهم ومسؤولياتهم . ولذلك يكونون سياسيين بارزين ، وهم الذين يطلق عليهم لفظ السياسي ، ولا يطلق ذلك على الفرد العادي ، لانه محدود التفكير في امر رعاية الشؤون ومحدود العمل في الحياة . والبحث في السياسة انما يعني السياسيين هؤلاء ، ولا يعني جميع الافراد .
    وقد عرف العلماء السياسة ، بانها فن الممكنات ، او فن الممكن . وهذا التعريف صحيح . الا انه من حيث ما جرى عليه الناس من حصرها في الاشياء الآنية ، هو خطأ ، لانه يعني الواقعية بمعناها الخاطىء ، وهو بحث الواقع والسير حسب هذا الواقع .
    ولو سلم بهذا ، لما وجد تاريخ ، ولما وجدت حياة سياسية ، لان التاريخ هو تغيير الواقع ، والحياة السياسية هي تحويل الوقائع الجارية الى وقائع اخرى . ولذلك كان تعريف السياسة بانها فن الممكن ، تعريفا خاطئا حسب فهم الناس له ، او حسب فهم السياسيين . ولكن من حيث ان كلمة ممكن تعني المعنى الحقيقي لها ، وهي ما يقابل المستحيل والواجب ، فانها صحيحة . لان السياسة ليست فن المستحيل . بل هي فن الممكن فقط . فالافكار.التي لا تتعلق بالممكنات ، او على الاصح التي لا تتعلق بالوقائع الممكنة والواقع ، فانها ليست سياسة ، وانما هي فروض منطقية ، او مجرد خيالات حالمة او تخيلات . فحتى تكون الافكار افكارا سياسية ، اي حتى تكون الافكار سياسة فلا بد ان تتعلق بالممكن . لذلك كانت السياسة فن الممكن لا فن المستحيل .
    وحتى يكون المرء سياسيا ، لابد ان تكون لديه تجربة سياسية ، سواء عانىالسياسة وباشرها ، وهو السياسي الذي يستحق هذا اللقب او هذا الاسم . اولم يباشرها ، وهو السياسي النظري . ولاجل ان تكون لدى المرء التجربة السياسية ، لا بد ان تتوفر لديه ثلاثة امور هامة : احدها المعلومات السياسية . والثاني الدوام على معرفة الاخبار السياسية الجارية ، والثالثة حسن الاختيار للاخبار السياسية .
    اما المعلومات السياسية ، فهي المعلومات التاريخية ، ولا سيما حقائق التاريخ . ومعلومات عن الحوادث والتصرفات ، والاشخاص ، المتعلقة بهم من حيث الوجه السياسي . ومعلومات عن العلاقات السياسية ، سواء بين الافراد ، او الدول ، او الافكار . فهذه المعلومات هي التي تكشف معنى الفكر السياسي ، سواء اكان خبرا ، او عملا او قاعدة : عقيدة كانت او حكما ، وبدون هذه المعلومات لا يستطيع المرء فهم الفكر السياسي ، مهما اوتي من ذكاء وعبقرية . لان المسألة مسألة فهم ، لا مسألة عقل . واما معرفة الاخبار الجارية ولا سيما الاخبار السياسية ، فلانها معلومات ، ولانها اخبار عن حوادث جارية ، ولانها هي محل الفهم ، ومحل البحث ، لذلك لا بد من معرفتها . ولما كانت حوادث الحياة تتغير قطعا ، وتتجدد ، وتختلف ،
    وتتناقض ، فلا بد من دوام تتبعها ، حتى يظل على علم بها . اي حتى يظل واقفا على محطة القطار التي يمر منها القطار فعلا ، ولا يظل واقفا في محطة لا يمر منها القطار الان ، بل كان يمر منها قبل ساعة ثم تغيرت ، وصار يمر في محطة اخرى . لذلك لا بد من دوام تتبع الاخبار بشكل لازم ومتتابع بحيث لا يفوته خبر ، سواء اكان مهما او تافها . بل يجب ان يتحمل عناء البحث في كومة تبن ، من اجل حبة قمح ، وقد لا يجدها . لانه لا يعرف متى يأتي الخبر المهم ، ومتى لا يأتي . من اجل ذلك لا بد من ان يظل على تتبع للاخبار كلها ، سواء التي تهمه او التي لا تهمه . لانها حلقات مرتبط بعضها ببعض ، فاذا ضاعت حلقة فكت السلسلة ، وصعب عليه معرفة الامر ، بل قد يفهم الامر خطأ ، ويربط الواقع بخبر او بفكر انتهى وذهب ، ولم يعد قائما . لهذا لا بد من تتبع الاخبار بشكل متتابع حتى يتسنى فهم السياسة .
    واما اختيار الاخبار ، فانما يحصل بأخذها ، لا بمجرد سماعها . فهو لا يأخذ الا الخبر الهام ، فهو اذا سمع ان رئيس وزراء فرنسا سافر الى لندن ، فانه يسمعه ويأخذه ، ولكنه اذا سمع ان مستشار المانيا سافر الى برلين ، او ذهب الى واشنطن ، او اجتمع بالامين العام لهيئة الامم ، فانه يسمعه ولا يأخذه . اذ يجب ان يميز بين ما يأخذه وما لا يأخذه ، وان كان يسمع الاخبار كلها . لان الاخذ انما يكون للاخبار التي من اخذها فائدة ، ولا يكون لغيرها ولو كانت قد تشكل معلومات . وهذا هو التتبع ، اي التتبع للاخذ لا لمجرد السماع .
    والسياسة بمعناها المحلي ، كرعاية شؤون الامة ، وشؤون الدولة ، وان كانت هامة ، ولكنها لا يصح ان تكون هي محل الاهتمام ، ولا يصح الاقتصار عليها . لان جعلها محل الاهتمام يعني الانانية والعمل للذات ، فوق كونه يضر في ايجاد الصراع الداخلي بين السياسيين ثم بين افراد الامة او فئات منها . وفي هذا ضرر على الدولة والامة ، ولان الاقتصار عليها فوق كونه لا يجعل المرء يدرك السياسة ، فان فيه غفلة عن شؤون الامة ، والسياسي لا بد ان يرعى شؤون امته حتى يكون سياسيا . وهذا لا يتأتى الا بالاهتمام بشؤون الامم الاخرى ، والدول الاخرى ، ومعرفة اخبارها ، وتحركاتها ، والاحاطة ما امكن بمعلومات عنها . لذلك كانت السياسة الدولية ، والسياسة الخارجية جزءا لا يتجزأ من السياسة ، من حيث هي سياسة ، ولذلك لا تكون السياسة بمعنى السياسة الا اذا كانت افكارا عن رعاية شؤون امته ، وافكارا عن رعاية شؤون الامم الاخرى والدول الاخرى . فعلاقة السياسة الدولية والسياسة الخارجية ، بالسياسة علاقة جزء من كل ، بل الجزء الجوهري الذي يكونها .
    والسياسة الخارجية ، والسياسة الدولية ، التي يجب الاهتمام بها ، هي سياسة الامم المؤثرة ، لا جميع الامم ، وسياسة الدول المؤثرة لا سياسة جميع الدول ، لا سيما فيما له علاقة بأمته او دولته ، او العقيدة التي تقوم عليها الدولة . ومن هنا كانت السياسة الخارجية والسياسة الدولية ، انما تعني سياسة الامم المؤثرة ، والدول المؤثرة . لا سيما المؤثرة على سياسة امته ودولته ، سواء اكان هذا التأثير قريبا او بعيدا . فمثلا ان يعرف ان انقلابا حصل في هايتي ، ليس مهما ان يعرفه ، ولكن انقلابا حصل في البرازيل او كوبا ، وفي الحبشة او اوغندا ، من الضروري ان يعرفه ، لان الاول لا يؤثر في الوضع الدولي ، ولا تأثير له على امته او دولته ، ولكن الانقلابات الاخرى ، لها تأثير على بعض الدول ، ولها تأثير علي المسلمين ، لذلك فانه يهتم بها .
    والعناية بالسياسة الدولية عند المسلمين بدأت منذ حصلت البعثة قبل ان يقيم الرسول عليه السلام الدولة الاسلامية ، واستمرت بعد قيام الدولة الاسلامية ، ويجب ان تستمر ما دام في الدنيا مسلمون . فالاهتمام بالسياسة الخارجية ، او السياسة الدولية امر لازم للمسلمين ، وهو فرض كفاية عليهم . لان خطر الشعوب والامم غير الاسلامية على المسلمين ، وعلى الامة الاسلامية ، خطر دائم ، وفيه قابلية لان يكون خطرا داهما ، فاتقاؤه فرض ، ومعرفته انما هي من اجل اتقائه ، ولذلك كانت معرفته فرضا ، واتقاؤه فرضا ، وان كان فرضا على الكفاية .

    الا انه يجب ان يعلم ان السياسة الخارجية للدول كلها ، تتغيير ، وتتبدل ، وتنتقل من حال إلى حال فلا بد ان يعرفها على ما هي عليه عند المعرفة ، حسب الواقع والحقيقة ، ويعرفها اذا تغيرت ، ويعرف ماذا اصبحت وذلك ليظل دائما على معرفة خطرها او عدم خطرها ، ولاجل ان ينبه لاتقائها ، او يعمل لاتقائها ، مهما كان هذا الاتقاء .
    فمثلا الدولة الاسلامية في القرن السادس عشر الميلادي ، كانت الدولة الاولى ، وكانت تشكل خطرا دائما على دول العالم . ولكنها بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، صارت محل طمع للدول الاخرى ، وهدفا لتلك الدول ، حتى قضي عليها ، واتخذت جميع الوسائل والاساليب للحيلولة دون رجوعها .
    ومثلا ، كانت دول اوروبا في القرن التاسع عشر وبعد الحرب العالمية الاولى ، تسيطر على افريقيا ، وأكثر بلاد آسيا . ولكن بعد الحرب العالمية الثانية ، انحطت إلى حد ان فقدت سيطرتها ، وفقدت قدرتها ، وصارت السيطرة والقوة هي لامريكا ، ثم لروسيا .
    ومثلا : كانت بريطانيا دولة عظمى حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ثم فقدت قوتها بعد الحرب العالمية الثانية ، وان لم تفقد سيطرتها . ولكن منذ اوائل الستينات في القرن العشرين الميلادي اخذت تفقد سيطرتها ، وتتلاشى قدرتها . ولكنها ظلت قادرة على الدس والمناورات السياسية ، وصارت تحاول اعادة وجودها ، واعادة تأثيرها ، وان تكون لها سيطرة ، ولكنها في هذه المحاولات فقدت قوتها على العمل ، وان ظلت قدرتها على الدس والمناورات ، الا انها في سنة 1974 غزيت في عقر دارها ، واستهدف نظامها ، فانهارت قواها ، ودب اليأس في بعض رجالها السياسيين حتى بات محتملا ان تفقد قدرتها على الاعمال السياسية ، بعد ان فقدت قدرتها على المجابهات ، وان كان ليس من المحتمل ان تفقد قدرتها على الدس والمناورات ما دامت دولة . ومثلا كانت امريكا تسيطر على العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية ، ورغم اخفاقها في سياستها الدولية ، ظلت سيطرتها على العالم ، وقدرتها على الاعمال السياسية والعسكرية في اوجها حتى سنة 1974 . فأخذت سيطرتها على العالم تضعف ، وصارت قدرتها على الاعمال السياسية غير فعالة ، وصارت تتردد في الاعمال العسكرية في العالم ، ووجد بين الدول من يجرؤ ان يقول لها : لا ، وكانت جميع الدول تسير في ركابها مهما كانت تتظاهر بمحاولات التمرد .
    ومثلا كانت روسيا بعد الحرب العالية الثانية تقف في وجه دول الغرب كلها ، وكانت تخيف جميع دول العالم ، ولكنها منذ دخول السبعينات في القرن العشرين ، اخذت تسير في ركاب امريكا ، واصبحت لا تخيف احدا من دول العالم . ورجعت امبراطورية روسية ، تخاف الصين ، وتجامل دول اوروبا ، وتحاول استرضاء حتى الدول الصغرى .
    فالسياسي حين ينظر في حالات الدول واخبارها ، وحين يحاول فهم السياسة الخارجية والدولية ، لا يصح ان لا يدرس احوال كل دولة من الدول المؤثرة ، ولكنه لا يأخذ الا حال الدولة في الوضع الذي وصلته لا قبله ، وفي الحال التي هي عليها الان لا التي كانت عليها ، حتى يكون فهمه صحيحا ، وحتى يكون سياسيا يحسن العمل السياسي .
    فالسياسة اذا أطلقت انما تعني السياسة الدولية ، لانها ابرز ما فيها ، ولانها بدونها لا تسمى سياسة . صحيح ان محاسبة الحكام هي من السياسة ، وان رعاية شؤون الامة داخليا هو من السياسة ، ولكن ذلك ليس هو كل السياسة ، بل ليس هو السياسة لفقدانه الجزء الهام من السياسة وهو السياسة الخارجية . فالسياسة الخارجية هي الاساس ، وهي التي تجعل السياسة سياسة بالمعنى الصحيح .

    واذا كان النظام الديمقراطي يعتبر السياسة الداخلية سياسة ، لأن من صلب نظامه وجود المعارضة ، ولكن نظام الحكم في الاسلام ، وهو نظام الخلافة ليس غير ، قائم على رعاية الشؤون ، وعلى القيادة الفردية ، فليس فيه معارضة ، بل فيه المحاسبة . ولذلك كانت السياسة في الامة الاسلامية تعني السياسة الخارجية ، والسياسة الدولية . لأن الامة كلها يجب ان تظل مدركة ان جميع الشعوب والامم غير الاسلامية هي عدوة لها ، وتتربص بها الشر بشكل دائم ، وان جميع الدول عدوة للدولة الاسلامية ، وتتربص بها الدوائر ، وتشتغل بالمؤامرات والتحضيرات لاضعاف الدولة الاسلامية ، ولقهرها ، والقضاء عليها . ولذلك يجب ان تكون الامة كلها لا سيما السياسيين ، مشغولة باتقاء الخطر الخارجي ، اي ان تظل مشغولة في السياسة الخارجية والسياسة الدولية ، بالمعرفة ، والتتبع ، وابصار مواطن الخطر .
    على ان الدولة الاسلامية لا تعني انها الحكام ، بل هي الامة التي تحت سلطان الخلافة فعلا ، فالامة كلها هي الدولة ، والدول الكافرة تعرف ذلك ، وتعمل على اساسه . وما دامت الامة مدركة انها هي الدولة ، فانها تظل متتبعة لاخبار واحوال الدول الاخرى ، والشعوب والامم الاخرى ، حتى تظل على وعي على اعدائها ، وحتى تظل في حالة استنفار فعلي ضد جميع الاعداء . ولهذا فانه يجب ان تظل اخبار السياسة الخارجية ، شائعة في الامة كلها ، مدركة من الناس بشكل عام . وان يكون هم السياسيين والمفكرين، اطلاع الناس على السياسة الخارجية . حتى ان الناس حين يوكلون عنهم نوابا في مجلس الامة للمحاسبة والشورى ، انما يختارون على اساس السياسة الخارجية ، وعلى اساس السياسة الدولية ، لان هذا هو الذي يجب ان يكون لدى الامة ، وهو الذي يجب ان يكون لدى وكلائها في مجلس الامة ، اما السياسيون ، والمفكرون بشكل عام ، فان معرفة السياسة الخارجية ، والسياسة الدولية ، لا بد ان تكون هي الطاغية على اعمال السياسيين وافكارهم ، وهي الموجودة بشكل بارز لدى المفكرين ، وفي تفكيرهم وافكارهم . لان المسلم انما وجد من اجل الاسلام ، وانما وجد من اجل الدعوة الاسلامية . وانما يعيش من اجل هذا الدين ، في حمايته ، ونشر دعوته . واذا كان الجهاد هو ذروة سنام الاسلام ، فان حمل الدعوة الاسلامية هو الغاية التي من اجلها يكون الجهاد . وهذا يستوجب معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية . على انه بغض النظر عن هذا ، فان الدولة التي تطمع ان يكون لها تأثير ما ، وان تتمتع بالنفوذ والمجد ، تجعل السياسة الخارجية اساسا من اسسها ، وتتخذ السياسة الخارجية وسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج . واذا كان هذا هو الواقع ، فان على السياسيين والمفكرين ، ان يحيطوا بالسياسة الخارجية ، والسياسة الدولية ، سواء اكانوا في الحكم او خارج الحكم . لان هذا هو الذي يجعلهم سياسيين ، اي راعين لشؤون امنهم . لان الشؤون العليا للامة انما تتمركز في السياسة الخارجية والسياسة الدولية . ومن هنا كان واجب الاحزاب السياسية كلها ، والسياسيين عموما ، ورجال الفكر ، والعلم ، ان تكون السياسة الخارجية والسياسة الدولية اهم ما يشتغلون به .
    واذا كان لا بد من معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية ، لا سيما للسياسيين ، والمفكرين ، والعلماء ، فانه لا يصح الاقتصار على معرفة القواعد العامة ، والخطوط العريضة ، اي لا يصح الاقتصار على الاجمال ، والنتائج ، فان هذه اذا جرى الاقتصار عليها ، وان كان مفيدا ، ولكنه لا يكفي لادراك الخطر ، ولا لمعرفة كيفية الاتقاء ، ولا لفهم الحوادث والوقائع ، والنوايا ، والاهداف . بل لا بد من معرفة التفاصيل ، والاعمال ، والحوادث ، ثم تحليلها والوقوف على النوايا والاهداف . والعدو حتى تعرف نواياه ، تجاه الدولة والامة ، لابد من ان تعرف اولا كلامه ، ووضع هذا الكلام . وثانيا تصرفاته والظروف التي جرت فيها هذا التصرفات ، وثالثا : علاقاته ، ووضع هذه العلاقات . ومن غير معرفة هذه الثلاث لا يمكن الاطلاع على نوايا العدو . وهذه الثلاث تحتاج معرفتها الى معرفة التفاصيل . فالكلام لا بد من معرفة تفاصيله وتتبعها ، حتى تدرك الاوضاع التي قيل فيها هذا الكلام . وكذلك التصرفات ، والعلاقات . وهذا يحتم معرفة التفاصيل . فاذا زار رئيس وزراء بريطانيا الصين ، فان هذا الزيارة ليست للنزهة ، ولا للتجارة ، ولا لتلقي العلم ، بل هي عمل سياسي . فلا بد من تتبع تفاصيل هذه الزيارة ، ومعرفة دقائقها ، واذا كان سواد الامة لا يهتم بالتفاصيل ، فان افرادها
    البارزين ولا سيما السياسيين لا بد ان يعرفوا ذلك . لانهم مسؤولون ، ولانهم يزعمون انهم يرعون شؤون الامة .
    واذا كان لا بد من امثلة كثيرة على ذلك . فان الحوادث الجارية في العالم ، خير امثلة على ضرورة معرفة التفاصيل . فالعداء المستحكم بين الصين وروسيا ، امر معروف ، فاذا اعطى رئيس وزراء الصين تصريحا ضد روسيا ، او تصريحا ضد بولونيا ، او تصريحا ضد المانيا الشرقية اوالغربية ، فانه لا بد ان يدرس هذا التصريح ، وان يجري تصور الوقائع التي يحويها ، او التي يهدف اليها . لانه وان كانت الصين لا تشكل خطرا علينا ، فان روسيا تشكل خطرا آتيا ، والصين قد تشكل خطرا مستقبلا . ومعرفة حالة العداء لا تتأتى الا بمعرفة التفاصيل ، وتتبعها . والتنافس القائم بين اوروبا وامريكا ، هو قائم بين بعض دول اوروبا وبين الولايات المتحدة ، فاذا اعطى وزير خارجية فرنسا تصريحا ضد الولايات المتحدة ، واعطى وزير خارجية انجلترا تصريحا في تأييد الولايات المتحدة ، فيجب ان يفهم التصريحان على اساس انهما تصريحان لاوروبا ، وان يدرك ان ما بين اوروبا وامريكا هو تنافس وليس عداء . حتى لو كان فيه اذى لاوروبا أو امريكا .
    وايضا : اذا قامت امريكا ببيع اسلحة الى هولندا ، لا يصح ان يعتبر انه مثل بيع غسالات لايطاليا . فان هناك فرقا بين علاقة الدولتين بامريكا ، وهناك كذلك فرق بين بيع الاسلحة وبيع الغسالات . وكذلك اذا اعطت انجلترا قرضا لروسيا ، واعطت قرضا للصين ، فان هناك فرقا بين علاقة كل من الدولتين في انجلترا . واذا عقدت فرنسا معاهدة ثقافية مع روسيا ، وعقدت انجلترا معاهدة ثقافية مع روسيا نفسها ، فان هناك فرقا بين المعاهدة الثقافية الانجليزية ، وبين المعاهدة الثقافية الفرنسية . وهكذا يجري تتبع التفاصيل في الكلام ، والتصرفات ، والعلاقات ، فلا يكفي ان يعرف الاجمال ، بل لا بد ان يعرف التفاصيل .
    وانه وان كانت الحالة الدولية الان ، وحالة الدول المؤثرة ، تعتمد في سياستها على ما يسمى بالديبلوماسية ، اي على الاتصالات ، وعلى العملاء ، فان هذا امر مؤقت ، وهو موجود لعدم وجود قوة مخيفة في العالم . ولكنه اذا وجدت قوة مخيفة فان هذا يتغير ، وتصبح الحالة الدولية ، وحالة الدول المؤثرة ، تعتمد على الاعمال السياسية ، والاعمال العسكرية . الا انه على اي حال داخل تحت دائرة الاهتمام بالتفاصيل . فاذا كان هناك عملاء فلا بد من معرفتهم ، حتى لو كانوا من دول كافرة . واذا جرت اتصالات ، او اعمال سياسية ، فلا بد من معرفة هذه الاتصالات وتلك الاعمال بتفاصيلها لا سيما ما كان خفيا منها .
    واذا كانت اوروبا تعمل لبث روح الثقة في الدول الاخرى ، فانها انما تعمل ذلك لاضعاف موقف امريكا ، وروسيا ، ولايجاد قوة لها شأنها بجانبها . ولكن مهما كان الامر فان اوروبا تعتبر نفسها صديقا لامريكا ، ومن اهل البيت . وتعتبر روسيا عدوة لها . فلا يصح ان نصل الى نتيجة واحدة تجاه الدولتين . فان اوروبا وان عملت لاضعاف امريكا ، فانها انما تعمل لرفعة شأنها لدى امريكا ، حتى تعاملها معاملة كريمة ، ولكنها حين تعمل لاضعاف روسيا ، فانها انما تعمل لهدمها واضعاف نفوذها .
    واذا كانت فرنسا منعت الاسلحة عن اليهود وامريكا اعطتهم الاسلحة على اوسع نطاق ، فان ذلك لا يعني ان فرنسا ضد اليهود ، وان امريكا مع اليهود ، لان الدولتين تؤيدان اليهود ، ويريدان قصدا واحدا هو ضرب المسلمين ، ولكن خلافهما في فهم اسلوب التأييد ظهر في الاسلحة ، بمنعها او اعطائها .

    فالسياسة الخارجية والسياسة الدولية ، سواء جرت عن طريق العملاء ، او بالاتصالات او جرت بالاعمال السياسية او الاعمال العسكرية . فان معرفة التفاصيل ، امر لا بد منه ، وذلك لمعرفة السياسة نفسها ، ولمعرفة النوايا والاهداف. ولادراك ماهية الكلام او التصرف او العلاقة . وما لم تعرف هذه التفاصيل ، فانه لا تكون السياسة قد عرفت ، ولا صار المرء سياسيا ، وبالطبع لا تدرك النوايا والاهداف
     

مشاركة هذه الصفحة