الدرس المغربي والدرس التركي والدرس الجزائري..قراءة في انتخابات الشوط الأخير

الكاتب : الحسام   المشاهدات : 544   الردود : 1    ‏2002-11-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-06
  1. الحسام

    الحسام عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-22
    المشاركات:
    982
    الإعجاب :
    0
    الدرس المغربي والدرس التركي والدرس الجزائري..قراءة في انتخابات الشوط الأخير
    5/11/2002
    عبد الناصر مختاري

    --------------------------------------------------------------------------------

    لقد أثبتت التجربة المغربية والتركية الأخيرة أن أي انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة ستكون لصالح التيارات التي تحافظ على هوية الأمة، ولها عمق شعبي وهي تيارات أكثر تجذرا وأكثر شعبية وأكثر ارتباطا بقواعد المجتمع.. وأثبتت هذه التجربة مرة أخرى أن القوى العلمانية قوى سطحية طافحة فوق الماء لا تملك أية جذور ولا أي عمق استراتيجي.. وإنما هي قوى مستنصرة بالغرب بالدرجة الأولى ضد قومها وضد شعوبها، وفي كثير من الأحيان ضد ذاتها دون أن تشعر

    لقد بينت الأحداث، والدرس الجزائري خصوصا، أن تشجيع العلمانيين على الانقلاب على إرادة الشعب ليس عملا ناجحا في كل الأحوال، ولا بد من تحقيق حد أدنى من الاعتراف بالتيار الإسلامي بما يحقق حد أدنى من الممارسة السلمية، في أجواء الاعتراف المتبادل بمختلف مكونات الطيف السياسي. وخلاف هذا المسلك هو تمهيد غير مبرر لحالة من التشنج والصدام الذي يكون ضحيته الوطن نفسه، دون أن تستطيع العلمانية إحكام قبضتها بشكل مطلق على دواليب السلطة. النجاح التركي وقبله المغربي مؤشر على قوة التيار الإسلامي في طول وعرض العالم الإسلامي وان سياسة العصا الغليظة لم تفلح في ثني عزائمه عن تحقيق أهدافه المرحلية.

    النفخ في نار الفتنة والتحريض على ذبح الديمقراطية

    لم يترك العلمانيون في الجزائر بابا من أبواب الفتنة والتحريض على القتل وسفك الدماء إلا ولجوه، ولم يجدوا بناء من مباني الديمقراطية مهما كان هشا ومتواضعا وصغيرا إلا حاولوا هدمه وتدميره.. هذه الطائفة من أشباه الديمقراطيين لا يرضيهم العجب.. وبعد أن انتهوا من هدم ديار الجزائر وتشريد شرفائها وبناء السجون والمعتقلات في الصحراء لأبناء الجزائر الذين زكاهم الشعب وانتخبهم واستودعهم أمانة شؤونه.. بعد أن انتهوا من مهمة الجراد الديمقراطي الذي يأتي على الأخضر واليابس.. حولوا شطرهم إلى بلاد الله المختلفة لأنهم يعتبرون أنفسهم أوصياء على كل ديمقراطية في العالم الإسلامي، وتناقضاتهم بلغت حدا غريبا من الهوس.. ولعل آخر حملاتهم المحمومة كانت بسبب الدرس المغربي في الانتخابات التشريعية بتاريخ 27 سبتمبر الماضي.. والدرس التركي في انتخابات هذا الأحد، التي عكست تفوق كبير للتيار الإسلامي..

    لم يستطع العلمانيون الدراويش في الجزائر أن يهضموا "ديمقراطية" عبد الرحمان اليوسفي والملك الشاب محمد السادس، الذي أثبت في أول تجربة له أنه أقل ملكية من الملوك الديمقراطيين.. الذين يصلون إلى السلطة من خلال اقتراع يقاطعه الجميع.. والذين تحملهم إلى عرش السلطة دبابات الجنرالات، ومذابح المدنيين..

    عندما كنت أتابع حملة العلمانيين في الجزائر وقد خصصوا أعدادا متتالية في جرائدهم للحديث عن الانتخابات المغربية والتركية والخطر الأصولي قبل الموعد وبعده.. شعرت بألم الصفعة التي تلقوها من نظرائهم في البلدين الذين أثبتوا لهم مرة أخرى أنهم أقدر على تجسيد ديمقراطية بعيدا عن دبابات الجنرالات.. وأنهم يعترفون بمكونات الخريطة السياسية ويحترمون إرادة شعوبهم في التصويت لمن يرونه أقدر على خدمة مصالحهم..

    ورغم أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي المغربي شارك في نصف الدوائر الانتخابية وزكى عدة مرشحين من أحزاب أخرى، وكان ترتيبه الثالث.. ومع ذلك استنفر العلمانيون في الجزائر آلتهم الدعائية من أجل النفخ في نار الفتنة .. ودعوة نظرائهم المغاربة كي يحاربوا المارد الإسلامي حتى ولو أدى ذلك إلى ذبح الديمقراطية، والتضحية بمبادئ الحداثة..

    والحق يقال أن الدرس المغربي قاس جدا على أشباه الديمقراطيين في الجزائر.. الذين لم يهضموا كيف يتمكن المغاربة أن يتجاوزوهم ويحسنوا صورتهم عند الرأي العام الدولي.. لقد تعجب أحدهم كيف أن الحزب الإسلامي الوحيد في المغرب حصل على المرتبة الثالثة وبفارق بسيط عن الاتحاد الاشتراكي والاستقلال رغم انه تقدم في نصف الدوائر الانتخابية.... وكأنه يستنكر لماذا ليس هناك علماني مغربي يتهم الشعب المغربي في رشده وعقله عندما أعطى صوته للإسلاميين.. كما فعل سعيد سعدي عندما اتهم الشعب الجزائري بعد فوز الجبهة الإسلامية في 1991 في الانتخابات التشريعية الوحيدة النزيهة.. باعتراف سدنة العلمانية في الجزائر..

    وبنفس العقلية البوليسية نشرت إحدى الصحف مقالا مطولا عن خطر الوهابية على المغرب.. وأراد هؤلاء أن يثبتوا للمغاربة أنهم متمغربين ويعرفون مصلحة المغرب أكثر من المغاربة أنفسهم.. ويفقهون في شؤون الديمقراطية ومسائل التداول على السلطة والتناوب بأفضل من نظرائهم الذين لم يدركوا خطر الحركة الإسلامية.. ومن ثم عليهم أن يتداركوا تسامحهم مع التيار الإسلامي ويستنفرون قواهم لحربه قبل أن يقضي عليهم.. حتى الصحف المغربية المحسوبة على التيارات العلمانية لم تنزلق إلى هذا الدرك الأسفل من الوضاعة واستفادت من "الدرس الجزائري".. لأن لغة التحريض وتأجيج المشاعر ستكون عواقبها وخيمة على بلدهم.. وليس هناك عاقل يتعامل مع مصالح بلده الوطنية بنفس الطريقة التي يتعامل بها العلمانيون الجزائريون..

    الدرس المغربي والدرس التركي قاس جدا على هؤلاء العلمانيين الذين لم يهضموا كيف يتعامل العلمانيون في البلدين بكل هذا التسامح مع الإسلاميين "الظلاميين"..لقد تعجب العلمانيين الجزائريين أن وزير الداخلية المغربي سابقا إدريس جطو (الآن رئيس حكومة) يقول أن "محطة 27 سبتمبر التي حققت وعودها ستبقى محطة حاسمة على جميع المستويات كما توخاها مختلف الشركاء السياسيين وشرائح واسعة من المجتمع منذ أن استوعب الجميع الإشارات المطمئنة الصادرة في الخطب الملكية السامية المتتالية ومنذ أن قدمت الحكومة والإدارة الدليل على الالتزام الصارم بإجراء انتخابات نظيفة حرة نزيهة وديمقراطية".. وتعجبوا لماذا لم يكن موقفه مثل موقف وزير الداخلية الجزائري الذي منع حزب الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من التأسيس، لأنه في عرفه جبهة الإنقاذ رقم 2، ولا يهم أن يدوس على كل القوانين والمواثيق والأعراف.. لقد تعجب هؤلاء العلمانيون من قول وزير الداخلية المغربي:" إن هذه الانتخابات أفرزت عنصرا يعد مبعث افتخار واطمئنان على مستقبل المؤسسات التمثيلية في البلاد، ألا وهو نوعية الرجال والنساء من مختلف الأحزاب الذين حظوا بثقة الهيئة الناخبة و أن مجلس النواب المنبثق عن الاقتراع يتميز بكونه يضم كفاءات سياسية عالية وخبراء مرموقين ورجالات فكر ومعرفة وممارسين محنكين، والفضل في ذلك يعود للأحزاب السياسية التي تمكنت من إبراز ما تتوفر عليه من كفاءات ونخب،" لماذا لم يكن موقفه مثل موقف وزارة الداخلية الجزائرية التي منعت مواطنين يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية والمدنية من الترشح،.. لأنهم خطر على التوازنات الإدارية التي يريدون إقرارها.. واستعملت كل الحيل ضد الأحزاب السياسية في الجزائر كي تمنع من ترشيح من ترغب فيه وتعتبره أقدر على تجسيد رؤيتها السياسية.. وقبل ذلك فتحوا السجون والمحتشدات لمن زكاهم الشعب ووضع فيهم ثقته..لقد صدم العلمانيون وحلفائهم من الدرس المغربي.. لأن الدرس كان قاسيا.. وعليهم أن يراجعوا حساباتهم حتى يتمكنوا من تدارك تخلفهم ورجعيتهم وسقوطهم..

    صـدمـة تـركـيـا

    ثم تلاحقت الصفعات والصدمات على العلمانيين الجزائريين، وهذه المرة من الجهة الشرقية من مقر الخلافة، ومهد العثمانيين. ورغم حساسية الموقف واستنفار قواعد العلمانيين في العالم لكن يبدو أن الضربة كانت موجعة للعلمانيين في تركيا عندما لم يجدوا بدا من الاعتراف بالتفوق الكبير للتيار الإسلامي في تركيا، ويفسحوا المجال له كي يعبر عن نفسه بدلا من كبته، وخنقه حتى ينفجر في وجوههم.. الوضع العالمي لم يعد يتحمل مأساة جزائرية مكررة في بلد آخر بسبب حماقات العلمانيين..

    لقد أحرز حزب الطيب أردوغان، أحد الوجوه الإسلامية الشابة، 363 مقعدا من مجموع 550، ولم يعد فقط قادر على تشكيل حكومة بشكل مرتاح ودون صعوبات لوحده، ولكن لم يعد يحتاج سوى لأربعة أصوات أخرى ويصبح بمقدوره تغيير الدستور. قونري سيفاقلو المعلق السياسي في يومية ميليت اعتبرها الثورة الشعبية الثالثة إلى جانب الأولى في 1950 مع حكومة مندريس و1983 مع تورغوت أوزال وأخيرا مع حزب العدالة والتنمية يوم الأحد الماضي.

    ولا يمكن بحال القول أن حزب العدالة والتنمية التركي هو حزب متمحور حول شخص لأن ولاداته تعود إلى السنة الماضية فقط في شهر أغسطس 2001، ومن ثم فالحزب ينهل من رصيد الحركة الإسلامية التركية. ومع ذلك يمكن تسجيل شعبية أردوغان التي خدمت الحزب خصوصا بعد التجربة المباشرة لتسيير بلدية استنبول، ولا يزال المواطنون يتذكرون جهود هذا الرجل الكبيرة في خدمتهم وتطوير مدينتهم. أثناء الحملة الانتخابية كان أردوغان يخاطب المواطنين بشكل مباشر ودون تقعر في الألفاظ أو لحن في القول..:"كم هو ثمن كأس من الشاي؟‍ ‍ 300.000 ليرة تركية (حوالي 20 سنت أوروبي) ".. ثم أضاف عائلة تتكون من ثلاثة أفراد لكل فرد ثلاثة كؤوس من الشاي في اليوم يكون المجموع 135 مليون ليرة في الشهر، بينما الأجر القاعدي لا يتجاوز 180مليون ليرة، فضلا عن الكراء والتعليم.. الحكومة التركية لا تستطيع توفير الشاي للمواطنين"

    بمرور الزمن بدأت تترسخ لدي القناعة أن الظاهرة الإسلامية في تركيا ظاهرة راسخة الجذور، وفي نفس الوقت تركيا تعكس حالة فشل ذريع للعلمانية التي ما تركت حيلة من الحيل إلا طبقتها على الشعب التركي حتى تصده عن دينه وامتداده الحضاري. فبالرغم من تقلبات العلمانية واحتيالها على القوانين التي تضعها هي نفسها ومع ذلك سجل الإسلاميون بصبرهم على هذا المسار الطويل والمليء بالتعرجات قوتهم وحضورهم مرة أخرى رغم الاحتيال، وخروجهم من حزب إلى حزب آخر. الملاحظ في تركيا أن الوعاء الانتخابي كان يتضاعف ويزيد كل مرة عن المرة السابقة، ولم يشهد أي تراجع وهذا يعكس من إحدى النواحي قوة الجهاز الحركي وقوة البناء التنظيمي.. وحتى الإسلاميين المحبطين من التجارب المكررة وجدوا أنفسهم يواجهون حالة الصبر وطول النفس التي برهن عليها الأتراك وأثبتوا جدواها إذا عرفوا كيف يستفيدون من الظرف التاريخي، رغم حساسيته..ولا أحسب أن هناك متضرر من الانتخابات المغربية والتركية أكثر من حزيبات العلمانيين الجزائريين، لأن تعويذتهم السحرية في التحريض على ضرب التيار الإسلامي لن يأخذ بها أحد، وسيتهمهم أشقاؤهم بأنهم لا يحملون من الديمقراطية سوى الاسم، وأنهم ليسوا على شيء، ولا يتميزون بالوعي الكامل للمخاطر المحدقة بنموذج الدولة الوطنية نفسه، بسبب انهيار مفهوم السيادة القومية، أحد أهم مكونات الدولة الوطنية.. في ظل العولمة وهيمنة القطب الواحد..

    والانتخابات المغربية والتركية في هذا الظرف الحساس تعتبر إحراجا للنظام الجزائري الذي يحلو للهاشمي شريف تسميته بالنظام الريعي، لأن كل انتخابات نزيهة تعتبر خطرا عليه لفقدانه لأي عمق شعبي، ولاستمراره بوجود الدبابة وتحت حماية البذلة العسكرية.. وهو ملزم لتغيير الكفة باتجاه آخر حتى ينسجم مع "الموجة العالمية"

    السياق الدولي للتجربتين:

    لعله من المفيد هنا أن نعرج على السياق الدولي الذي صاحب الانتخابات المغربية والتركية حتى ندرك مدى تأثرها بالظرف العالمي إيجابيا حسب تقديري..

    بخلاف ما كان يتصوره الكثير من العلمانيين وحتى بعض الإسلاميين الذين أصابهم شيء من الوهن، اعتبروا ما بعد 11 سبتمبر 2001 سيؤثر سلبيا على العالم الإسلامي والحركات الإسلامية تحديدا.. والواقع أن الأمور سارت خلاف ذلك تماما إذا نظرنا لها من زاوية شمولية تجمع المتناثرات وتضمها في عقد واحد.

    ثلاثة عوامل ساهمت في خدمة التيار الإسلامي بشكل مباشر:

    أولا: خطأ الطرف الأمريكي في تشخيص علاقته مع العالم الإسلامي. فعندما اعتبر بوش أن حربه ستكون حربا صليبية لم يكن يدري انه يحي نزاعا تاريخيا ليس من السهل أن يغطي عليه. ثم انزلقت الإدارة الأمريكية في خطأين الأول في تحويل الأنظار من تنظيم القاعدة إلى جمهورية العراق وفتح ملف حرب البترول على مشارف منابع النفط.. وثانيا عندما أيديت بشكل غير متوازن حكومة شارون، مما أفقدها أي تأثير في العالم العربي وجعل حلفائها في المنطقة أكثر إحراجا بل بعضهم حاول بشكل أو بآخر أن يتنصل من أي التزام مع الإدارة الأمريكية.

    ثانيا: كان لوجود حكومة شارون أكبر الآثار الإيجابية في هذه المرحلة، لان أخطاءه المتتالية شوهت صورة الإدارة الأمريكية أكثر لدى الرأي العام الإسلامي، وفضحت سياساتها الشرق أوسطية.. وبمقابل هذه الحالة سجلت الانتفاضة الباسلة نقاطا جد إيجابية للتيار الإسلامي عموما، وأصبحت طرفا مقبولا في معادلة التسويات على الأقل في الشكل الظاهر.. ولم تعد المقاومة الباسلة لجيش الإحتلال مجرد أعمال مشاغبين بل هي أعمال تحررية..

    ثالثا: تصدع مجلس الأمن بعد رفض الفرنسيين التوقيع على بياض للإدارة الأمريكية..

    في هذه الاجواء العالمية لم يكن هناك مناص من نزع فتيل أي بلد مشحون من الداخل وعلى أهبة البركان، لأن الدرس الجزائري لا يزال ماثلا للعيان.. ولم يتم تصفية مخلفاته إلى الآن
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-06
  3. الشبامي

    الشبامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-02-11
    المشاركات:
    3,440
    الإعجاب :
    0
    فعلا هذه النقاط هي ملخص الحديث وهذه الأخطاءات الأمريكية في القراءات الخاطئة في الفكر الإسلامي وفي نشؤ الحركات السياسية الاسلامية والتصرقات الأمريكية التي اوضحت نواياه السيئة وموقفها المعادية للعرب والمسلمين ستدفع الحركات الاسلامية في ان تستسثمر هذه المواقف الأمريكية لصالحها مما ستفقد امريكا مصداقيتها وتوزنها السياسي وستكسب عداء العرب والمسلمين وتؤثر على مصالحها في المنطقة ويتحول العداء لأمريكا الى عداء عقائدي ..!!

    شكرا للكاتب والناقل لهذا الموضوع الرائع...!!



    .
     

مشاركة هذه الصفحة