تمحص نفسك جيدا ! هل وجدت شيئاً؟

الكاتب : الماجوحي   المشاهدات : 584   الردود : 5    ‏2007-08-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-08-09
  1. الماجوحي

    الماجوحي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-07-17
    المشاركات:
    237
    الإعجاب :
    1
    [frame="7 80"]قال الإمام ابن القيـم - رحمه الله -: “ فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية: من الذي دبرك بألطف التدبير وأنت جنين في بطن أمك، في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر عنك، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، وحتى إذا كمُل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء: هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فرَكَضك الرحم منه كأن لم يضمك قط، ولم يشتمل عليك، فيا بُعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وُضعت نطفة وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، فكان مُبتهجًا بحملك فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ثقلك.

    فمـن الذي فتح لك بابه حتى ولجت، ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر؟! لم يخنقك ضيقه، ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه، فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب كل مذهب! فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نُطفة حتى لا تفسد هناك، ثم أوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا ولا لباس ولا متاع ولا مال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تلك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطُرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى يستوفي ما في الخزانة فيجري وينساق إليك، فهو بئر لا تنقطع مادتها، ولا تنسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطواف، ولا يسلكها الرجال.

    فمـن رققه لك وصفّاه وأطاب طعمه وحسّن لونه وأحكم طبخه أعدل إحكام؛ لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الرديء، ولا المر المالح، ولا الكريه الرائحة؟! بل قلبه إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشد أوقات الحاجة إليه على حين ظمأ شديد وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تول قد تلمّظت وحرّكت شفتيك للرّضاع فتجد الثدي المعلق كالإداوة قد تدلى إليك وأقبل بدرّه عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسك نقبًا لطيفًا بحسب احتمالك، ولم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضيقه فتمصّه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحته.

    فمـن عطَّف عليك قلب الأم ووُضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها؟! فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها على مدى الأنفاس، منقادة إليك بغير قائد ولا سائق إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيءٌ، وأن حياتها تزاد في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟! حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك، وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام وطواحين تطحنه بها؟! فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بك، فلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك؟ ولو أنك منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة التي لا تُسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها؟ وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات حتى تنتقي إلى النواجذ فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب، ثم إذا ازددت قوة زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس.

    فمـن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء؟!.

    ثم إنه اقتضت حكمته أن أخرجك من بطن أمك لا تعلم شيئًا، بل غبيًا لا عقل ولا فهم ولا علم، وذلك من رحمته بك؛ فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة، بل كنت تتمزق وتتصدع، بل جعل ذلك ينتقل فيك بالتدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفك ذلك وهلة واحدة، بل يُصادفك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك.

    واعتبر ذلك بأن الطفل إذا سُبي صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقل له فإنه لا يؤلمه ذلك، وكلما كان أقرب إلى العقل كان أشقّ عليه وأصعب، حتى إذا كان عاقلا فلا تراه إلا كالواله الحيران.

    ثـم لو ولدت عاقلا فهيمًا كحالك في كبرك تنغصت عليك حياتك أعظم تنغيص، وتنكدت أعظم تنكيد، لأن ترى نفسك محمولا رضيعًا معصبًا بالخرق مربطًا بالقمط مسجونًا في المهد عاجزًا ضعيفًا عما يحاوله الكبير، فكيف كان يكون عيشك مع تعلقك التام في هذه الحالة؟ ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ما يوجد للمولود الطفل، بل تكون أنكد خلق الله وأثقلهم وأعنتهم وأكثرهم فضولا.

    وكـان دخولك هذا العالم وأنت غبي لا تعقل شيئًا ولا تعلم ما فيه أهله محض الحكمة والرحمة بك والتدبير فتلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئًا فشيئًا حتى تألف الأشياء وتتمرن عليها، وتخرج من التأمل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحُسن التصرف فيها والتدبير لها والإتقان لها.


    دبرت أمرك عندما كنت الجنين ببطن أمّك
    وعليك قـد حننتها حتى لقد جادت بضمّك
    إنا لكـافـوك الذي يأتـي بهمك أو بغمّك
    فاضرع إلينا ناهضًا نأخذ بكفـك في مهمّك
    [/frame]

    ولكم فائق احترامي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-08-09
  3. الماجوحي

    الماجوحي عضو

    التسجيل :
    ‏2007-07-17
    المشاركات:
    237
    الإعجاب :
    1
    [frame="7 80"]قال الإمام ابن القيـم - رحمه الله -: “ فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية: من الذي دبرك بألطف التدبير وأنت جنين في بطن أمك، في موضع لا يد تنالك ولا بصر يدركك ولا حيلة لك في التماس الغذاء ولا في دفع الضرر عنك، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، وحتى إذا كمُل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء: هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فرَكَضك الرحم منه كأن لم يضمك قط، ولم يشتمل عليك، فيا بُعد ما بين ذلك القبول والاشتمال حين وُضعت نطفة وبين هذا الدفع والطرد والإخراج، فكان مُبتهجًا بحملك فصار يستغيث ويعج إلى ربك من ثقلك.

    فمـن الذي فتح لك بابه حتى ولجت، ثم ضمه عليك حتى حفظت وكملت، ثم فتح لك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر؟! لم يخنقك ضيقه، ولم تحبسك صعوبة طريقك فيه، فلو تأملت حالك في دخولك من ذلك الباب وخروجك منه لذهب بك العجب كل مذهب! فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليك وأنت نُطفة حتى لا تفسد هناك، ثم أوحى إليه أن يتسع لك وينفسح حتى تخرج منه سليمًا، إلى أن خرجت فريدًا وحيدًا ضعيفًا ولا لباس ولا متاع ولا مال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم، فصرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كما حملتك في بطنها، ثم ساقه إلى تلك الخزانتين ألطف سوق على مجار وطُرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفًا في طرقه ومجاريه حتى يستوفي ما في الخزانة فيجري وينساق إليك، فهو بئر لا تنقطع مادتها، ولا تنسد طرقها، يسوقها إليك في طرق لا يهتدي إليها الطواف، ولا يسلكها الرجال.

    فمـن رققه لك وصفّاه وأطاب طعمه وحسّن لونه وأحكم طبخه أعدل إحكام؛ لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الرديء، ولا المر المالح، ولا الكريه الرائحة؟! بل قلبه إلى ضرب آخر من التغذية والمنفعة خلاف ما كان في البطن، فوافاك في أشد أوقات الحاجة إليه على حين ظمأ شديد وجوع مفرط جمع لك فيه بين الشراب والغذاء، فحين تول قد تلمّظت وحرّكت شفتيك للرّضاع فتجد الثدي المعلق كالإداوة قد تدلى إليك وأقبل بدرّه عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب بالتقامها، ثم نقب لك في رأسك نقبًا لطيفًا بحسب احتمالك، ولم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضيقه فتمصّه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحته.

    فمـن عطَّف عليك قلب الأم ووُضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها؟! فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها على مدى الأنفاس، منقادة إليك بغير قائد ولا سائق إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأنه لم يطرقك منه شيءٌ، وأن حياتها تزاد في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟! حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك ليشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك، وضع في فيك آلة القطع والطحن، فنصب لك أسنانًا تقطع بها الطعام وطواحين تطحنه بها؟! فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمةً بأمك ولطفًا بك، فلو أنك خرجت من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال أمك بك؟ ولو أنك منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الأطعمة التي لا تُسيغها إلا بعد تقطيعها وطحنها؟ وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات حتى تنتقي إلى النواجذ فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز وكسر الصلب، ثم إذا ازددت قوة زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس.

    فمـن الذي ساعدك بهذه الآلات وأنجدك بها ومكنك بها من ضروب الغذاء؟!.

    ثم إنه اقتضت حكمته أن أخرجك من بطن أمك لا تعلم شيئًا، بل غبيًا لا عقل ولا فهم ولا علم، وذلك من رحمته بك؛ فإنك على ضعفك لا تحتمل العقل والفهم والمعرفة، بل كنت تتمزق وتتصدع، بل جعل ذلك ينتقل فيك بالتدريج شيئًا فشيئًا، فلا يصادفك ذلك وهلة واحدة، بل يُصادفك يسيرًا يسيرًا حتى يتكامل فيك.

    واعتبر ذلك بأن الطفل إذا سُبي صغيرًا من بلده ومن بين أبويه ولا عقل له فإنه لا يؤلمه ذلك، وكلما كان أقرب إلى العقل كان أشقّ عليه وأصعب، حتى إذا كان عاقلا فلا تراه إلا كالواله الحيران.

    ثـم لو ولدت عاقلا فهيمًا كحالك في كبرك تنغصت عليك حياتك أعظم تنغيص، وتنكدت أعظم تنكيد، لأن ترى نفسك محمولا رضيعًا معصبًا بالخرق مربطًا بالقمط مسجونًا في المهد عاجزًا ضعيفًا عما يحاوله الكبير، فكيف كان يكون عيشك مع تعلقك التام في هذه الحالة؟ ثم لم يكن يوجد لك من الحلاوة واللطافة والوقع في القلب والرحمة بك ما يوجد للمولود الطفل، بل تكون أنكد خلق الله وأثقلهم وأعنتهم وأكثرهم فضولا.

    وكـان دخولك هذا العالم وأنت غبي لا تعقل شيئًا ولا تعلم ما فيه أهله محض الحكمة والرحمة بك والتدبير فتلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد فيك العقل والمعرفة شيئًا فشيئًا حتى تألف الأشياء وتتمرن عليها، وتخرج من التأمل لها والحيرة فيها وتستقبلها بحُسن التصرف فيها والتدبير لها والإتقان لها.


    دبرت أمرك عندما كنت الجنين ببطن أمّك
    وعليك قـد حننتها حتى لقد جادت بضمّك
    إنا لكـافـوك الذي يأتـي بهمك أو بغمّك
    فاضرع إلينا ناهضًا نأخذ بكفـك في مهمّك
    [/frame]

    ولكم فائق احترامي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-08-09
  5. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8
    بارك الله فيك اخوي على الموضوع القيم

    وكثر الله من امثال


    الجوكر
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-08-09
  7. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8
    بارك الله فيك اخوي على الموضوع القيم

    وكثر الله من امثال


    الجوكر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-08-09
  9. غزال100

    غزال100 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-04-20
    المشاركات:
    1,050
    الإعجاب :
    0
    سبحان اللة واللة اكبر
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-08-09
  11. غزال100

    غزال100 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-04-20
    المشاركات:
    1,050
    الإعجاب :
    0
    سبحان اللة واللة اكبر
     

مشاركة هذه الصفحة