مســـــــــــــــــــــاجين في أعمـــار الزهـــــــور ... !

الكاتب : زكرياء   المشاهدات : 465   الردود : 0    ‏2007-08-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-08-09
  1. زكرياء

    زكرياء عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-03
    المشاركات:
    5
    الإعجاب :
    0
    بيانات سجين سياسي في سن الثـانية عشرة

    في خانة الاسم، كُتب بخط اليد: عبدالرحيم غالب مقبل مقبل
    الأهنومي. وأمام العمر. 15 سنة. المؤهل: إعدادي. العمل: طالب.
    والحالة المادية: لا بأس. ومقابل الحالة الاجتماعية، كتبت نفس
    اليد: "طبعاً عازب".


    يصعب عليك عدم التوقف لإطلاق ضحكة مدوية عند وصول عينك النازلة بالتدريج من
    قمة الصفحة إلى خانة "طبعاً عازب" في الاستمارة رقم 1 من ملف عرض الحالات
    الخاصة ببعض معتقلي سجن "النصيرية" في حجة. ولو نظرت إلى الطفل الموجود في
    الصورة على يسارك، فإنك ستتأكد من أنه يحدق في عينيك مباشرة وأن خانة عدد
    الأولاد– في استمارته- شاغرة، لاشك، من أي أبناء. إذ من غير المعقول أن تكون
    ابناً لطفل في الخامسة عشرة وأن يكون أبوك هذا معتقلاً سياسياً على ذمة حرب.
    يوم 3 أبريل الماضي، تلقى غالب الأهنومي اتصالاً من أمين عام المجلس المحلي في
    مديرية "المفتاح" عادل فرحان، يطلب منه إحضار نجله إلى مركز المديرية للتحقيق
    معه. وفي اليوم التالي، غادر عبدالرحيم قرية "بني الجرادي" رفقة مطلوبين آخرين
    للتحقيق: الطفل وائل العلوي (15 عاماً) والشاب يوسف العلوي (24 عاماً).
    عقب انتهاء أفراد البحث الجنائي من التحقيق مع عبدالرحيم ورفيقيه، زُج بهم في
    سجن "المفتاح". أمام "حالة السجن"، تقول استمارة عبدالرحيم: "رديئة، وسيئة،
    الأكل والشرب وحتى ماء الوضوء شراء، وحمام السجن كريه وقذر وليس للسجن أي
    نوافذ إلا بابه المغلق غالباً".
    قضى عبدالرحيم ورفيقاه 4 أيام في سجن المديرية، قبل نقلهم إلى سجن في مدينة
    حجة. أمام "طريقة النقل إلى السجن الثاني"، تقول الاستمارة: "سيئة وعار على
    مسؤول الأمن، إذ تم كلبشته مع بعض السجناء، ونقلوهم فوق طقم مكشوف متعرضين
    للرياح والشمس والشماتة والتفرج من قبل من مروا عليهم، ولمدى 4 ساعات بعضها
    على الخط السريع".
    التعرض للرياح والشمس والشماتة عبارة ملفتة قدمت، بإضافة "الشماتة" إلى
    "الرياح" و"الشمس"، صورة شعرية بالغة الروعة. وقد قررت للتو وضعها كعنوان
    لمادة أخرى في هذا الملف.
    في خانة اسم "السجن الثاني الذي نقل إليه"، كتبت اليد بالخط الجميل ذاته: "سجن
    النجدة المستعار من قبل الأمن السياسي". وأمام "حالته" (أي السجن)، كتبت:
    "جيدة". وفيما سجلت "الأمن السياسي والبحث" أمام "الجهة التي قامت بالتحقيق
    معه"، كتبت اليد في خانة "طريقة المعاملة": " كانت توجه إليهم بعض الأسئلة
    الاستفزازية والاتهامات بالإرهاب والحوثية وقاسية أيضاً".
    لم يستمر الطفل عبدالرحيم ورفيقاه في سجن "النجدة". بعد نحو يومين من وصولهم
    إليه، نقلوا إلى سجن آخر في نفس المدينة. في خانة اسم "السجن الثالث الذي نقل
    إليه"، سجلت اليد: "عنبر الأحداث في سجن النصيرية المركزي". وأمام "حالته"،
    كتبت: "قذرة وغاية في القبح، فلم يجدوا له مكاناً إلا في حوش السجن جنب الشبك
    معرض للرياح والأمطار والنامس والشمس والروائح الكريهة المنبعثة من غرفة تفتيش
    الحمامات، حتى تصدق عليهم أحد الناس بطربال وقاهم بعض الشر، حتى فترة قريبة".

    منذ نقله إلى هناك، ما يزال الطفل عبدالرحيم معتقلاً دون أن توجه إليه أي تهمة
    حتى الآن، وفقاً لما كتب بخط اليد في خانة علوية تلي خانة "تاريخ الاعتقال"
    مباشرة. بالعودة إلى أسفل الصفحة، وتحت خانة اسم "السجن الثالث الذي نقل
    إليه"، كتبت اليد كلمة "لا" رداً على "هل عرضت قضيته على النيابة العامة". في
    الخانة المجاورة، تسأل الاستمارة: "هل عرضت قضيته على القضاء"، فترد اليد بخط
    مستعجل: "لا".
    وقع عبدالرحيم ضحية كونه يمنياً ورطه والداه بأن أنجباه في زمن مجرم بطلاقة،
    وخارج عن القانون، بدأب. قبل نحو 3 أعوام، كان أكبر أبناء غالب الأهنومي في
    الثانية عشرة. كان العام 2004 في منتصفه تقريباً، وحرب صعدة الأولى بدأت
    لتوها، في مرَّان، بين السلطات وحسين بدر الدين الحوثي. آنذاك، اعتقل
    عبدالرحيم على ذمة تلك الحرب التي اندلعت في العام الـ 12 من عمره.
    شأن المرة الأخيرة، لم يقترف الطفل عبدالرحمن أي شيء يبرر اعتقاله سوى كونه
    ابناً للظروف السيئة بشدة. كان في طريق عودته من منطقة "ضحيان" في صعدة حيث
    كان يدرس. وكان قد وصل منطقة "مثلث عاهم" التابع لمحافظة "حجة"، حين قامت
    السلطات باعتقاله مع رفاقه من الطلاب العائدين. لم يكن الطفل أو رفاقه خارجين
    عن القانون. إذ أنهم قرروا العودة بعد اتخاذ السلطات إجراءات إغلاق المدارس
    والمعاهد الدينية. وفيما أتت عودتهم تلبية لتوجيهات السلطات، قامت الأخيرة
    باعتقالهم دون أية تهم تذكر، منتهكة بذلك الأسس الدستورية والقانونية التي
    تدعي حمايتها.
    كان عبدالرحيم يدرس المذهب الزيدي في مسجد "الرحمة" بمنطقة "آل الغالبي". كان
    هذا مشروعاً قبل اندلاع الحرب. وقد عوقب الطفل ورفاقه على أمر مشروع للغاية.
    بل إن ذلك المسجد– حسب غالب الأهنومي- معروف بعدم التقائه مع أفكار الحوثي:
    "المسجد معروف بخلافه مع الحوثي حتى الآن"، يقول.
    قضى عبدالرحيم أزيد من شهرين في معتقل الأمن السياسي بـ"حجة". ووفقاً لوالده،
    فقد أصيب بحالة نفسية جرّاء اعتقاله وغادر معتقله متضرراً بقسوة: "بعد السجن
    أصبح يحب الانعزال.. يعني ما عاد يحب الناس أو يجلس معاهم.. وبدأ يلخبط في
    كلامه.. حتى أنهم أسعفوه إلى صنعاء يعالجوه.. وأنا مش داري. أسعفه محمد
    الهادي". كان غالب يتدفق في حديثه، قبل أن أستوضح منه عن هوية الشخص الذي ذكر
    اسمه للتو، والذي رد أنه أحد زملاء عبدالرحيم يكبره سناً.
    ربما نجح الطفل في تجاوز الشروخ النفسية التي غادر بها معتقله الأول عام 2004.
    لكنه قد يفشل في تجاوزها بعد معتقله الأخير. في الخانة المخصصة لتقييم "الحالة
    النفسية"، تقول الاستمارة: "سيئة ومضطربة". فوق هذه الخانة، تجد "الحالة
    الصحية" مكتوباً فيها: "وضع سيء إذ لديه عمليتان لزرع عظام ساعده التي تكيست
    قريباً".
    قبل قرابة شهرين من اعتقاله، أجريت عملية جراحية له في أحد مستشفيات العاصمة
    صنعاء، إثر اكتشاف تكيّس في عظم ساعده الأيسر. وطبقاً لحديث والده، فقد تم
    استبدال العظم المتكيِّس بعظم مأخوذ من حوضه.
    في الخانات الأخيرة من استمارة الطفل المعتقل عبدالرحيم الأهنومي، واحدة كتب
    فيها "نعم" أمام "هل تعرض للأذى النفسي". وفوقها بفاصل 4 خانات، كتب أمام "هل
    سمح لأقاربه بالزيارة" الرد التالي: "لم يسمح لأحدٍ منهم".



    *نقلاً عن صحيفة الشارع
     

مشاركة هذه الصفحة