خطر العولمة الثقافية

الكاتب : الحسام   المشاهدات : 574   الردود : 1    ‏2002-11-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-11-03
  1. الحسام

    الحسام عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-22
    المشاركات:
    982
    الإعجاب :
    0
    خطر العولمة الثقافية



    حامد عبد الله العلي



    الحمد لله الذي لا إله إلا هو، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته وبعد :

    فإن الدعوة إلى العولمة الثقافية لا تخرج في حقيقتها عن محاولة لتذويب الثقافات والحضارات وإلغاء الخصوصيات الحضارية لصالح حضارة الغالب .. وعالم المسلمين بعد أول المستهدفين .. ذلك أن الثقافة الإسلامية التي تشكل هوية الأمة وقسمات شخصيتها الحضارية هي في ثوابتها من لأن الدين ليس أمرًا مفصولاً عن الثقافة.

    أعمدة الهيمنة الأربعة :

    ولقد أصبح من الواضح في تحميل السياسة العالمية بصورة عامة منذ تفرد الولايات المتحدة بكونها القوة الكبرى المهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أن العولمة ما هي إلا أحد الأعمدة الأربعة التي أوثقت بها دول القلب (الولايات المتحدة وأوروبا)، التي تشكل موقع صناعة القرار العالمي، ما حوتها من العالم في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية والتي غدت لا تعني سوى كونها سوقًا مريحة أو ساحة مصالح لدول القلب أو ثقلها بهذه العمدة لتجبرها على البقاء تحت هيمنة دول القلب، تجري في فلكها لتضمن تحقق السيطرة الكفيلة ببقاء تفوق الغرب على الشرق والشمال على الجنوب، وتدفق المصالح الاستراتيجية من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.

    وأما الأعمدة الثلاثة الأخرى فهي :

    الشريعة الدولية: حيث تحتكر دول القلب هذه الشرعية المتمثلة في (الأمم المتحدة) وتستعملها لإسباغ الشرعية أو نزعها عن أي دولة تحاول التخلص من الوثاق ذي الأعمدة الأربعة التي أوثقت به دول القلب العالم، ولم يعد بهم دول القلب أن تتعسف وتتناقض وتكيل بمكيالين في استعمال أداة (الشريعة الدولية) فتصدر قرارًا من مجلس الأمن لعقاب من تريد .. لأنه أعلن رفضه لقانون الهيمنة الذي فرضته دول القلب على العالم، بينما تكتفي بموقف المتفرج في حالات أشد خطورة وانتهاكًا لحقوق الإنسان وقيم الأمم المتحدة لسبب واضح وهو أن دول القلب لم تشعر بالحاجة على تحريك الشرعية، هنا لضمان مصالح أو تأديب خارج على قانونها. قانون الهيمنة والسيطرة.

    السلاح ، وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالحروب والتوترات العالمية وتأجج أو تخمد مناطق الصراع العالمية على وفق مصالحها.

    والخامات: مثل النفط والقمح، وبوسيلة هذا العمد تتحكم دول القلب بالتنمية والتطور والتكنولوجيا أيضًا في الدولة الواقعة في أحزمة مصالح دول القلب، وذلك وفق مصالحها وبما يضمن بقاء تفوقها وتدفق المصالح الاستراتيجية إليها.

    والعولمة تعتمد على محورين أساسيين :

    المحور الأول : التجارة العالمية .

    المحور الثاني : الإعلام الذي يحمل الثقافة والفكر .

    والعولمة التجارية يقصد بها ضمان تدفق رؤوس الأموال الغربية إلى أسواق العالم، وضمان تدفق المصالح المادية نحو دول القلب كما تقدم والعولمة الإعلامية يقصد بها إخضاع العالم لقيم العالم الغربي.

    الموقف من العولمة الفكرية والثقافية:

    يمكن تلخيص المواقف تجاه العولمة في أربعة:

    الأولى : الموقف القابل للعولمة الذائب فيها والمؤيد لها تأييدًا مطلقًا .

    الثاني: الموقف الرافض لها جملة وتفصيلاً.

    الثالث : الموقف الملفق الذي يحاول التلفيق بين ما تحمله العولمة والإسلام.

    الرابع : الموقف المتفاعل معها على أساس الانتقائية المشوبة بالحذر.

    أما الموقف القابل بإطلاق فهو موقف تابع، وقد جلب ولا يزال يجلب سلبيات الحضارة الغربية لأنه موقف قائم على الخلط بين مقومات الحضارة الإنسانية التي هي بناء فكري ينبثق منه منهج التعامل مع الخالق والحياة والإنسان والكون، وبين الآلات والتكنولوجيا التي هي منجزات علمية مشتركة بين الناس .. فالأول هي الحضارة وهي لا تستورد ولا تشتري ولا يمكن نقلها من أمة إلى أمة ولا بإحداث انقلاب جذري استئصالي.

    وأما الموقف الرافض فهو موقف خاسر غير واقعي وسيؤدي إلى الانكفاء والانعزال فالموت الحضاري.

    وأما الموقف الملفق وهو الموقف الذي يتزعمه بعض من يسمون أنفسهم الليبراليين في عالمنا العربي. والذين يعتبرون أنفسهم معتدلين لأن المتطرفين منهم هم أصحاب الموقف المؤيد تأييدًا مطلقًا للعولمة .. ويدندن حول هذا الموقف من يسمون أنفسهم (اليسار الإسلامي) أيضًا .. وهاتان اللفتتان تضيعان وقت الأمة بممارستهما عمليًا (قص والزق) وبتر لبعض قيم الأمة وعزلها من سياقها المتكامل لإخضاعها للفلسفات المعارضة، وما هذا الصنيع إلا تكريس لإلغاء الذات أو لتشويهها لصالح الأجنبي.

    وأما الموقف الرابع القائم على التفاعل الحضاري الناقد والانتقالي الحذر، الذي يقوم على الفحص والتدقيق وتقليب الشعارات والتنقيب عن المسميات، فيكشف ما تحت بريق العولمة من الظلمات كالإباحية والمادية النفعية، والميكافيلية الشريرة والاستغلال الرأسمالي للإنسان باسم التحرير، وفلسفة اللذة والمتعة وعبادة الدنيا، ثم يأخذ ما في العولمة من الصواب والخير بعد التمييز والتفتيش والنقد الموضوعي المنبثق من الثقة بالذات والاعتزاز بالهوية، ويرفض ما في العولمة من الشر والضلال.

    الموقف الصواب من العولمة :
    وهذا الموقف لا شك أنه هو الحق الذي يجب اتباعه، وأصله في الشريعة الإسلامية قول النبي صلى الله عليه وسلم : (.. حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وورد في بعض ألفاظه: (ولكن لا تصدقوهم.. ولا تكذبوهم) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .. ووجه الاستدلال به أنه إذن بالتفاعل الحضاري والتواصل الثقافي مع ما عند أهل الكتاب، غير أنه صلى الله عليه وسلم يرفض ما يعارض القرآن وقبول ما يوافقه والحذر مما لا يعلم صدقه من كذبه.

    وحتى نبرهن على صحة هذا الموقف من العولمة، نقف عند أهم أخطارها الثقافية والفكرية على اعتناء لتأخذ حذرها وتدرك كيفية التعامل مع وجهة العالم الجديد، مما يمكنها عن إبلاغ رسالتها وإلحاق الرحمة بالعالمين قيامًا بدورها في الشهود الحضاري.

    أهم أخطار العولمة :
    تعرف العولمة مطلقًا بأنها ظاهرة لانتماء العالمي بمعناه العام، وهي تعبير مختصر عن مفاهيم عدة فهي تشمل الخروج من الأطر المحدودة ـ الإقليمية والعنصرية والطائفية ـ وغيرها إلى الانتماء العالمي الأعم .. ففي جانبها الاقتصادي تشمل الانفتاح لتجذري وإلغاء القيود التجارية، وتوفير فرص لتتبادل التجاري الواسع محكومًا بقواعد السوق فقط بدون وجود إجراءات حمالية حكومية .. وفي جانبها الفكري والثقافي هي الانفتاح الفكري على الآخر وعدم الانغلاق على الذات، ورفض التعصب الفكري الذي يدعو لإلغاء الآخر: لا لشيء سوى أنه مغاير للفكر .. وفي جانبها السياسي هي شيوع تطبيق القانون على الجميع ومراعاة الحقوق السياسية للإنسان.. فهي باختصار الشعور بالانتماء الكبير العالمي بدلاً من الاقتصاد على الانتماء المحلي الإقليمي (الديني، العنصري، الطائفي).

    لكن هذا العرض اللطيف الذي حاول تجميل وجه العولمة ليس سوى محاولة لإخفاء حقيقتها التي ينطوي عليها أهدافها.

    أهداف العولمة :
    1 ـ محاولة سيطرة قيم وعادات وثقافات العالم الغربي على بقية دول العالم، خاصة الداعي منها وإذابة خصائصها.

    2 ـ تهميش تميز دين الإسلام، وإزالة الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الأديان الباطلة تمهيدًا لشن هجوم على مبادئه وتعليمه وصد الناس عن الإيمان به.

    3 ـ فرض مفهوم نهاية التاريخ بانتصار قيم العالم الرأسمالي الغربي انتصارًا نهائيًا، والتسليم بلزوم تعليم القيادة البشرية إلى ثقافة الغرب إلى الأبد.

    4 ـ إبقاء حال الهيمنة الغربية ـ بأعمدتها المذكورة آنفًا ـ أطول فترة ممكنة تحت شعار مصطلح العولمة.

    هوية بلا هوية :
    وباختصار العولمة هي في الحقيقة (هوية بلا هوية) وهدفها باختصار تفريغ ثقافة (الغير) من محتواها واستدراجها إلى الثقافة الغربية بحيلة وشعار مزيف يطلق عليه اسم (العولمة) لأنه لو قيل للعالم (الأمركة) لنفر كثير من الناس من هذه الدعوى، فاستبدل باسم (العولمة) فكأنهم يقولون تعالوا لنصير جميعًا عالمًا واحدًا، وننصهر في ثقافة واحدة ونحتكم إلى قوانين عالمية واحدة وتسيرنا ثقافة وعادات واحدة أو متقاربة حتى نتعايش ونتفاهم ولا تقع بيننا الحروب .. الخ، حتى إذا وقع المدعوون في هذا الفخ اكتشفوا أنهم في قفص الأمركة والعالم الغربي، ثم وجدوا اللافتة التي تحمل اسم (العولمة) تساقطت حروفها واختفت كهيئة الحبر السري، وظهر من تحتها اسم جديد وشعار جديد هو (التغريب) واكتشف المخدوعون أن حضارتهما سلبت من حيث لا يشعرون وثقافاتهم ذابت من حيث لا يعلمون وهويتهم طمست بالتدريج من حيث لا يدرون.

    إذن العولمة في النهاية هي نتيجة انهيار نظام عالمي كان يقوم على (القطبية الثنائية) بانهيار أحد قطبيه ـ وهو الاتحاد السوفياتي ـ وسيطرة قطب واحد وأخذ يهيمن بانتهاء الحرب الباردة على العالم سياسيًا وعسكريًا .

    هذا القطب الواحد ـ كما أشرنا في مطلع هذه المقالة ـ يستخدم آلات كثيرة خداعة للسيطرة الفكرية والثقافية على العالم تحت شعار كبير اسمه (العولمة) .. وقد بدأت تظهر آثار سياسية هيمنة وسيطرة القطب الواحد (دول القلب) بملامح حملة تغريب الإنسان في أفكاره ومنهاج تعليمه وفي طراز حياته وفي طعامه وشرابه حتى في صورته الظاهرية وشكله الخارجي التي أصبحت ظاهرة منتشرة في شباب اليوم الذي يحمل جراثيم التغريب، باتت هذه القبعات الجديدة تذكرنا بالقبعة التي فرضها أتاتورك على الشعب التركي عندما أعلن أول خطوات الانهزام أمام التغريب عند بدء عصر الانحطاط أول هذا القرن.

    المخاوف من العولمة على العالم الإسلامي :

    أولاً: تهديد العولمة لأصل العقيدة الإسلامية :

    لعل من أخطر ما تحمله العولمة هو تهديدها لأصل العقيدة الإسلامية، وذلك لأن العولمة تشتمل على الدعوة إلى وحدة الأديان، وهي دعوة تنفض عقيدة الإسلام من أساسها وتهدمها من أصلها، لأن دين الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى للبشرية الناسخة لكل الأديان السابقة التي نزلت من السماء، ثم أصابها التحريف والتعبير ودخل على أتباعها الانحراف العقائدي.

    والعولمة تحمل في طياتها اعتبار الأديان كلها سواء، وإن ألحق في هذه الدائرة نسبي يحسب اعتقاد كل أمة .. ولا يصح في العولمة الفكرية والثقافية اعتبار دين الإسلام هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولهذا تشجع العولمة ما يسمى (حوار الأديان) لا على أساس دعوة الأديان الأخرى إلى الإسلام بل على أساس إزالة التمييز بين الإسلام وغيره بالحوار الذي يتوقعون أنه سيحمل المسلمين على التنازل عن اعتزازهم بدينهم واعتقادهم ببطلان غيره، وبذلك يزول التعصب وتتقارب الأديان .. وتنجلي خطورة هذه الدعوة في كونها تنفض عقد الإسلام من أصله، فعقد الإسلام لا يستقيم إلا مع اعتقاد بطلان كل الأديان الأخرى، والإيمان لا يعد صحيحًا إلا على أساس قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرين لا أعبد ما تعبدون) [الكافرون: 1 ـ 2]، أي باعتقاد كفر كل من يعبد غير الله تعالى أو بزعم أنه يعبد الله تعالى بغير دين الإسلام وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران : 85]، وقوله: (إن الدين عند الله الإسلام) [آل عمران : 19].

    كما يعبر عن هذه الحقيقة علماء الإسلام بأن من نواقض الإسلام من لم يكفر المشركين والكفار أو شك في كفرهم أو صحح دينهم .. والكفار هم أتباع كل دين غير دين الإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. وقولهم : إن من نواقض الإسلام أيضًا من اعتقد جواز الخروج عن شريعة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

    ثانيًا : تهديد العولمة للمفاهيم الأساسية في العقيدة الإسلامية :

    كما أن العولمة تسعى لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون والإنسان والحياة عند المسلمين، والاستعاضة عنها بالمفاهيم التي يروج لها الغرب ثقافيًا وفكريًا.

    فالكون ـ في نظر العولمة الثقافية والفكرية ـ لم يخلق تسخيرًا للإنسان ، ليكون ميدان امتحان للناس ولابتلائهم أيهم أحسن عملاً؛ والإنسان لم يخلق لهدف عبادة الله تعالى، والحياة ليست صراعًا ابتدأ منذ خلق الإنسان بين الحق الذي يمثله الرسل والأنبياء وأتباعهم الذين يدعون إلى سبيل الله تعالى بالوحي، وبين الباطل الذي يدعو إليه الشيطان .. والشيطان ليس هو الذي يقود ـ في الحقيقة ـ معركة الباطل ويجند لها جنوده من الرجال والنساء. كما قال سبحانه وتعالى: (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) [الإسراء: 64]. وقال سبحانه وتعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا) [مريم: 83]، وقال الله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغون فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا) [النساء: 76]، وقال سبحانه : (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك ) [الحشر: 16]. هذه المفاهيم الأساسية للعقيدة الإسلامية، ليست في نظر العولمة الفكرية والثقافية سوى خرافة.

    كما أن الموقف من أمم الأرض ـ في نظر العولمة الفكرية والثقافية ـ ليس على أساس المفهوم القرآني القائم على التقسيم العقائدي إلى :

    أ ـ (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وأنه تجب موالاة المسلم لأخيه المسلم ونصرته، وأن يكونوا أمة واحدة تجمعهما العقيدة ولا تفرقهما أي وشيجة أخرى.

    ب ـ وإلى كفار تجري عليهم الأحكام الشرعية بحسب علاقتهم بالمسلمين.

    هذه المفاهيم القرآنية الإسلامية الأساسية كلها تنقضها العولمة الفكرية والثقافية من أصلها، وتهدمها من أساسها ـ فالكون ـ في نظر العولمة ـ ما هو إلا ميدان تنافس على المصالح الدنيوية، والإنسان حيوان دائب البحث عن ملذاته وشهواته ومنافعه، وليست الحياة سوى فرصة قصيرة لا ينبغي أ، تضيع في غير اللذة والشهرة والجنس والمال والثروة والجمال، وليس وراءها شيء آخر، وما هي إلا سباق بين الناس في هذا الميدان لا ينقصه سوى تعظيم هذه اللعبة لئلا تفسد على الجميع، ولا يصح التفريق بين الناس على أساس عقائدهم فهم أمة واحدة في الإنسانية تجري عليهم أحكام واحدة لا يجوز بحال أن تتفاوت هذه الأحكام بسبب الدين أو العقيدة.

    إن خطورة العولمة الفكرية والثقافية تكمن في أنها تعمل على إعادة تشكيل المفاهيم الأساسية التي تشكل أصول عقيدة المسلم . بل تنفضها وتستعيض عنها بمفاهيم غريبة كافرة ملحدة لا تؤمن بوجوب عبادة الله واتباع الوحي والاستعداد للآخرة.

    ثالثًا : تهديد العولمة لمبادئ الشريعة الإسلامية :

    كما أن العولمة تحمل في طياتها نقضًا لأحكام الشريعة الإسلامية بفرضها مبادئ تخالف الشريعة ومن الأمثلة :

    تسويق العولمة توهم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة.

    ومن الأمثلة الواضحة على هذا قضية فرض مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، فهذا المفهوم منصوص عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ومقتضاه إزالة جميع الفوارق على الأحكام والحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، وهو الأمر الذي يتناقض مع الشريعة الإسلامية التي تقوم على أساس الفرق الفطري والخلقي بين الرجل والمرأة، ذلك الفرق الذي يقتضي اختلافًا في بعض الأحكام والحقوق والواجبات بحسب اختلاف الاستعدادات الفطرية.

    والمؤهلات التكوينية بينهما، ولهذا تجد الشريعة الإسلامية تقرر أن مبدأ عدم المساواة المطلقة بين الرجال والنساء أمر قطعي الثبوت والدلالة ولا خلاف فيه، ولا مجال فيه للاجتهاد .. وفي المساواة المطلقة لا يقتضي نفي مطلق المساواة كما لا يخفى.

    الشريعة الإسلامية تقوم على أساس الفروق بين الجنسين:

    على هذا قام الفقه الإسلامي ودلت على ذلك نصوص الكتابة والسنة وإجماع العلماء وبدءًا من باب الطهارة إلى باب الشهادات، آخر أبواب الفقه الإسلامي، تجد المرأة والرجل يجتمعان في أحكام ويختلفان في أحكام أخرى .. ومن صدور الاختلافات ما جاء في أحكام الحيض والنفاس، وأحكام لباس المر’ وفي الصلاة وعدم وجوب الجمعة والجماعة عليها وكون صلاتها في بيتها أفضل، وأنها ممنوعة من الآذان بإجماع العلماء، ومن إمامة الرجال في الصلاة وخطبة الجمعة لهم بإجماع العلماء وأنها تصفق لتنبيه الإمام إذا سهى ولا تسبح كالرجال، وأن صفوف النساء في الصلاة وراء صفوف الرجال ولا يجوز لقدمهن ولاختلاطهن بصفوف الرجال بإجماع الفقهاء، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، أخرجها مسلم، بعكس الرجال.

    ومن الأمثلة أيضًا على الاختلاف إحرامها للحج والعمرة في بعض الأحكام، وفي عدم وجوب الجهاد عليها وفي اختلاف أحكام الميراث والنفقة وجعل الطلاق بين الرجل في الأصل، وتقديمها في الحضانة في الجملة وفي تحريم الخلوة بها وفي تحريم التبرج وعدم قبول شهادتها في الحدود والدماء.

    وهذا كله على سبيل المثال وإلا فثمة أحكام كثيرة غير هذه قد أجمع العلماء على أن المرأة لا تتساوى فيها والرجل، كما دل على ذلك صريح قوله سبحانه وتعالى: (وليس الذكر كالأنثى) [آل عمران: 36].

    وأما العولمة فإنها كما ترفض التمييز بين الناس على أساس الإيمان والكفر ترفض أيضًا التمييز بين الرجل والمرأة مناقضة لأحكام الشريعة الإسلامية التي بنيت على أساس التقسيم الوظيفي بين الرجل والمرأة في المجتمع وأن دور كل منهما مكمل لدور الآخر في النظام الاجتماعي الإسلامي بناء على أساس أن التكوين الخلقي للمرأة يختلف عن الرجل وأن مؤهلاتها واستعداداتها الفطرية تقتضي توليها دورًا في المجتمع يختلف عن دور الرجل، وهو الدور الأسري.

    إن الحقائق العلمية لتؤكد الفرق البيولوجي الأساسي بين الجنسين ولا بأس أن أستشهد هنا بما أورده مؤلفا كتاب جنس الدماغ (Brainsex) . الدكتور في علم الوراثة (أن غويره، ديفيد جييل)، وهو في الحقيقة مؤلف اشترك فيه أكثر من 350 اختصاصي على رأسهم رائدة علم الفروق الدكتورة (كوراين هت) لنهما نقلا نتيجة إجابات كل هؤلاء الأخصائيين في الكتاب.

    يقول مؤلفا الكتاب في المقدمة : (ثمت صياغة المادة الأساسية لهذا الكتاب من أبحاث قام بها علماء كثيرون من جميع أنحاء العالم) .. ثم قالا في وصف وفرق للحقيقة التي توصلا إليها بعد أبحاث مضنية : (الرجال مختلفون عن النساء) وهم لا يتساوون إلا في عضويتهم المشتركة في الجنس البشري .. والادعاء بأنهم متماثلون في القدرات والمهارات والسلوك تعني بأننا نقوم ببناء مجتمع يرتكز على كذبة بيولوجية وعلمية، فالجنسان مختلفان لأن أدمغتهم تختلف عن بعضهما، فالدماغ وهو العضو الذي يضطلع بالمهام الإرادية والعاطفية في الحياة، قد تم تركيبه بصورة مختلفة عند كل منهما، والذي ينتج عنه في النهاية اختلاف في المفاهيم والأولويات والسلوك.

    وإنما أصّلت في هذا المثال لأن حمى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أضحت موجة آخذة في الصعود في الخليج، منساقة مع تنامي الدعوة إلى العولمة الثقافية والفكرية، ولأنها قضية بالغة الخطورة لأن الغرب يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي في المجتمعات الخليجية وفقًا للمفاهيم الغربية.

    إنه مثال واضح لما تفرضه العولمة من مبادئ وتشريعات تناقض الشريعة الإسلامية ومبادئها.

    رابعًا : تهديد العولمة للأخلاق الإسلامية :

    كما أن العولمة تهدد النظام الأخلاقي الإسلامي، فمن خلال العولمة يروج للشذوذ الجنسي ويحاول الغرب استصدار قوانين لحماية الشذوذ الجنسي في العالم، ومن أحدث محاولات العولمة محاولة فرض مصطلح جديد يطلق عليه Gender بدل كلمة (***) يقول الدكتور محمد الركن في مجلة المستقبل الإسلامية: (ومن المسائل الجديدة المستحدثة التي تحاول بعض المنظمات والحكومات الغربية فرضها وإلزام شعوب العالم الأخرى بوجهة نظرهم فيها مسألة تعريف الجنس والأسرة، ومما حداني للحديث حول هذا الموضوع ما شاهدته في المستندات الرسمية، فقد تمت ترجمة الجنس الغربي إلى مصطلح Gender، باللغة الإنجليزية، وهي تنم عن عدم إلمام بما يسعى غليه الغربيون في فرض ثقافتهم على الآخرين، فلفظة الجندر لا تتطابق تمامًا مع لفظة (***) بل إن لها أبعادًا خطيرًا قلمًا تشبه إليها.

    والموسوعة البريطانية تعرف الجندر بأنه : (لقبل المرء لذاته، وتعريفه لنفسه كشيء متميز عن جنسه البيولوجي الحقيقي) .. فهناك من الأشخاص من يرون أن لا صلة بين الجنس والجندر، إذ أن ملامح الإنسان البيولوجي الخارجية الجنسية مختلفة عن الإحساس الشخصي الداخلي لذاته أو للجندر .. بعبارة أخرى أكثر تبسيطًا فأنا الجندر بعبارتهم تنصرف إلى غير الذر والأنثى كجنسين فقط. ونحن لا نعرف ولا نقر في ديننا وثقافتنا إلا بهما، فالجندر تشمل الشاذين جنسيًا من سحاقيات ولواطيين ومنحولي الجنس، إذ أنها ترتبط بتعريف المرء لذاته وهويته وليس بجنسه البيولوجي .. ومن هنا تأتي خطورة المسألة ولهذا نرى في المؤتمرات الدولية تسابقًا محمومًا من المنظومات الغربية وبعض الحكومات الغربية، وخصوصًا الأوروبية لفرض لفظة Gender بدل لفظ (***) التي تنصرف إلى الذكر والأنثى فقط، وذلك عند الحديث عن حقوق الإنسان أو محاولة التمييز ضد الإنسان أو تجريم أفعال ترتكب ضد الإنسان).

    خاتمة :
    وبعد هذا العرض لمخاطر العولمة لا يبقى مجال لشك أن الموقف الواجب تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي والانتقائي بحذر : حفاظًا على عقيدة الأمة وهويتها وأخلاقها من عبث العولمة الفكرية والثقافية .. ولا يتم ذلك إلا بإحياء مشروع نهضوي ثقافي شامل بعيد للأمة ثقتها بثقافتها واعتزازها بتاريخها وفخرها بهويتها، على أساس الالتفاف حول الإسلام النقي الخالص من شوائب الموروث المتخلف، بفهم صحيح يضع الثوابت والمتغيرات في مواضعها الصحيحة ويوجه الاجتهاد الشرعي العصري توجيهًا سليمًا جامعًا بين الأصالة والأسس السلفية، والاستفادة من المعاصرة النافعة، وسطًا بين الغلو والإجحاف .. وذلك أن الموقف الرافض المنكفئ العاجز عن التعامل مع حقبة العولمة، يحمل من المخاطر على الأمة المسلمة وطمس هويتها وتوهين قيمها وعزلها عن الواقع العالمي الشيء الكثير، لذلك لابد من التفكير بامتلاك الوسائل النادرة على حماية الأمة، الإفادة من وسائل العولمة وطروحاتها لتقديم البديل الإسلامي على المستوى العالمي.

    كما لابد من تفعيل كل جهود الوحدة التي تقرب الأمة حكومات وشعوبًا عن بعضها البعض، وتقرب الحكام من الشعوب والشعوب من الحكام، وتصلح بين السياسة والثقافة والحكام والعلماء وتجمع بين الكتاب والميزان والحديد تتعود هذه الأمة إلى مجدها من جديد .. حيث تتمكن من حشد قواها التي تمكنها من استئناف دورها.

    موقع مفكرة الإسلام
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-11-03
  3. الشريف ادريس

    الشريف ادريس عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-10-20
    المشاركات:
    427
    الإعجاب :
    0
    اسم على مسمى يا حسام أثابك الله ووفقك على هذا العمل المبارك
     

مشاركة هذه الصفحة