هذه هي حقيقة وتاريخ العلمانية .

الكاتب : الفيصل   المشاهدات : 675   الردود : 0    ‏2001-05-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-05-04
  1. الفيصل

    الفيصل عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-04-21
    المشاركات:
    1,574
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وبعد .

    لقد أحببت أن أجعل لهذا الطرح موضوعاً منفصلاً لكي تتضح الصورة بالتفصيل الواسع والبين لحقيقة العلمانية ليستفيد منها الأخوة جميعاً :ولنترك جانباً في هذا المقام نظريتنا التآمرية، ولندع كبار مخططي (الغزو العلماني التغريبي) في هذه المرحلة يحدثوننا عن النهج المقترح في ذلك، وعلى ذلك قمت بالنقل لكم ما سيأتي للإفادة وكمرجع لمن أراد أن يستزيد عن العلمانية فالملف المنقول لكم شامل لكل ما قد يطرأ في أذهانكم :


    يحدثنا أول مندوب سام بريطاني في مصر وأحد أبرز قادة الحملات التغريبية على العالم الإسلامي في العصر الحديث (إفلن بارنج) المعروف ب (اللورد كرومر) عن أهداف الإنجليز (الحضارية!) فيقول: "المصريون يتمسكون تمسكاً تاماً بالإسلام الذي هو أحد الكلمات المرادفة للوطنية في الشرق، والإنجليز لا يهدفون إلى نشر المسيحية ولكنهم يريدون نشر حضارة تقوم على أساس مسيحي"(1)، فإذا كان الأمر كذلك، فما مصير (الحضارة الإسلامية)؟ يوضح الإجابة لنا الدكتور محمد محمد حسين ملخصاً وجهة نظر المستشرق الإنجليزي المتأمرك هاملتون جب، فيقول: "المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو تفتيت وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه (حضارة إسلامية)"(2)، وفي مقال: (مصر وغربي آسيا) ضمن كتاب: (وجهة الإسلام) الذي أشرف عليه جب يلفت المستشرق الألماني كامبفماير النظر إلى عوامل وحدة هذه الحضارة حتى يمكن التركيز عليها، ويلخصها
    تور محمد محمد حسين في ثلاث نقاط: "أولها هي: أهمية الكتلة العربية وخطورتها في نظره، وثانيها هي: أن أهم العوامل التي تستمد منها هذه الكتلة وحدتها هي: اشتراكها في اللغة العربية الفصحى، واشتراكها في العناية بالتراث الإسلامي القديم وتاريخه وأدبه، وثالثها هي: ما يستتر وراء كلامه من أنه يتمنى أن يحدث في مصر ما حدث في تركيا من قطع كل صلة بالماضي الإسلامي واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية"(1).
    وهنا يتبين أن المعركة الفكرية ستدور حول عدة محاور: الهجوم على اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، ويتضمن ذلك: استهداف الحروف العربية التي تعد أداة لوصل الماضي بالحاضر ولربط الشعوب الإسلامية بعضها ببعض، والهجوم على التراث الإسلامي الذي صيغ بهذه اللغة واستنبط من أسس الإسلام وتصوراته ومقوماته لإفساح المجال أمام الثقافة الجديدة بما تحمله من قيم وتصورات مختلفة، أما المعركة السياسية: فتدور حول التفتيت الذي تحدث عنه جب، وبصفة خاصة تفتيت الكتلة العربية المميزة بموقعها المعنوي والجغرافي والتاريخي.
    ولكن على أرض الواقع، كيف ستنفذ المخططات التي وضعت لتحقيق هذه الأهداف؟ وكيف سيقضى على العوائق التي تواجه هذا الغزو في ظل وجود خلاف عميق بين الجديد والقديم والغازي والمغزو؟
    نعود إلى اللورد كرومر، فقد "لاحظ كرومر وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى...
    لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب. ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة.
    وقد اتخذت هذه الوسائل طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الإنجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير. ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا)، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر الحضارة الغربية(2)...
    أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثاراً... وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها معارضاً لقيمها وأساليبها..."(3)، "ومن ثم عمد رجال الاحتلال إلى العمل على زيادة عدد المصريين الآخذين بنصيب من الحضارة الأوروبية"(4).
    وماذا يتوخى رجال الاحتلال من ذلك؟ يقول كرومر: "... وإذا استمر المضي في هذا الطريق أصبح المصري الآخذ بحضارة أوروبا أقل مصريةً وأكثر ميلاً لأوروبا؛ إذ يصبح المصريون بهذا الفيضان المتدفق من الحضارة الأوروبية أقل إسلاماً، وهم في الوقت نفسه لم يحصلوا بعد على العمود الفقري في الحضارة الأوروبية"(5)، "أو كما يصفهم في عبارة قصيرة (بأنهم مسلمون وليست فيهم خواص إسلامية، وأوروبيون وليست فيهم خواص أوروبية)"(6) وهو المسخ العلماني التغريبي الذي نراه
    فما الذي حصله هؤلاء إذن؟ يذكرZetland Marquis of. أن الهدف النهائي لهذا المسعى هو: "القضاء على استخدام الأساليب الشرقية الموشاة بمدنية أوروبية زائفة، وأن تستبدل بها مدنية غربية حقيقية تقوم على أساس من مبادئ الأخلاق المسيحية"(1)، ويجيبنا كرومر نفسه بما يهدف إليه، فيقول: "الشباب المسلم الدائر في تيار الحضارة الأوروبية يفقد إسلامه أو على الأقل يفقد القدر الأكبر من دينه ويحرم نفسه من أهم مبادئ عقيدته، وفي الوقت نفسه: نادراً ما يتجه هذا الشخص إلى المسيحية... فالحضارة الأوروبية تقضي على دين دون أن تستبدل به غيره ... وهكذا فإنه بحرمان نفسه من عقيدته لن يجد رادعاً أخلاقياً، وفي الوقت نفسه: يحاول تقليد الأوروبي، ولا يترك هذا المصري عقيدته خلف ظهره فحسب، بل إنه يترفع عنها ويزدريها، وهكذا يندفع مغمض العينين بين أحضان الحضارة الأوروبية غير مدرك لحقيقة هامة، هي أن ما يراه ليس سوى المظهر الخارجي لتلك الحضارة، بينما تستقر المعنويات المسيحية تحت هذا المظهر وتتحكم في تحركاته..."(2)! يا لك من لورد خبيث!
    "ولكن هل يحيا المصريون هكذا دون عقيدة معينة؟... يوضح كرومر أنه (بمرور الوقت سيخلق المسلمون ديناً لا يقوم على الإسلام الأول، إنه سيقوم على مبادئ جديدة. وهكذا فإن المصري المتحضر بالحضارة الأوروبية هو الحجر الأول وليس الأخير في المجتمع الإسلامي المتطور)، وفي الوقت نفسه ينصح كرومر رجال السياسة الأوروبية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعد تحقيراً للعقيدة الإسلامية (ولندع هؤلاء الذين يقودون دفة الدولة على حذر يدكُّون في مكر الصرح الروحي للمجتمع الإسلامي؛ فإن ازدراء العقيدة الدينية للشعب بأسره أمر على جانب كبير من الخطورة سياسياً واجتماعياً)"(3)، وهذه السياسة تذكرنا بنظرة نابليون بونابرت إلى مكانة الدين عند المصريين، وبسياسته القائمة على ترويض الدين ومواجهته باستخدام لقاح من جنسه ضده.
    تتفق هذه النظرة مع نظرة (الشيخ) محمد عبده التي عبر عنها بقوله: "أنفس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعاً فيها؛ فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذراً غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك: ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم"(4)، وقد عبر عن هذه النظرة مرة أخرى عقب عودته من منفاه في نصيحة أسداها ضمن مذكرته المقدمة إلى اللورد كرومر؛ حيث نبه الإنجليز إلى أهمية الدين عند المصريين، فقال: إن "أعظم فاعل في نفوسهم {المصريين} (وأغلبهم مسلمون )أن يقال: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببغضه..."(5).
    وكما التقت النظرة في (المثير المانع) من التغيير، التقت أيضاً في منهجية هذا التغيير؛ فقد كان من أقوال محمد عبده التي سطرها لتوضيح هذه المنهجية معترضاً أيضاً على طريقة محمد علي في الإصلاح رغم تقبله لإنجازاتها : " ... ولو أنه {أي صاحب الفكر الرفيع الذي يريد كمال أمة} أراد تحويل أفكار شخص واحد وهو في سن الرجولة، هل يمكنه أن يبدلها بغيرها بمجرد إلقاء القول عليه؟ كلا، إن الذي تمكن في العقل أزماناً لا يفارقه إلا في أزمان، فلا بد لصاحب الفكر أن يجتهد أولاً في إزالة الشبه التي تمسك بها ذلك الشخص في اعتقاداته، وذلك لا يكون في آن واحد، ولا بعبارة واحدة... فما ظنك بحال أمة من الأمم... وإنما الحكمة: أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها، لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما
    و أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون..."(6).
    ويبدو أن الإنجليز استفادوا بالفعل من هذه النصائح؛ يقول الدكتور سامي عزيز: "واتبع الإنجليز الوسيلة التي كان ينادي بها محمد عبده بشأن محاولة تغيير المجتمع..."(1)، فيمكن القول: إن نظرية (الإصلاح) القريب المتدرج والمتصاعد التي آمن بها محمد عبده اتفقت مع أهداف الإنجليز وطباعهم، وإن كنا نمسك عن الخوض في الحديث عن إشكالية الدوافع لكلا الفريقين.
    ثم بالإلحاح والإصرار و(التعليم) و (الفن) سينشأ الجيل الجديد، الذي "يجب أن يجد من الإغراء أو الإرغام ما يجعله يمتص الروح الحقيقية للحضارة الأوروبية"(2).
    "وهكذا، فإن الاحتلال لن يأتي بشعب جديد إلى مصر؛ ولكنه يعمل في صبر على تغيير الأسس التي تقوم عليها مقومات الشعب، وفي الوقت نفسه وضع كرومر نصب عينيه أن يكون دخول المدنية الأوروبية دون زعزعة كيان المجتمع ثورياًّ"(3).
    لم يكن هذا النهج وجهة نظر آنية، بل كان مخططاً مدروساً أصبح فيما بعد أساس التغيير العلماني التغريبي في معظم العالم الإسلامي، حتى إن مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة المنعقد في برنستون عام 1953م (1372ه) جاء في كتاب أبحاثه: أن ".. هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين:
    إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر.
    وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتبرير القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب . وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم. ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص 192"(4).
    فالحل الأول هو العلمانية الصريحة، والتي كانت تركيا محلاً لتطبيقها، وقد تشاركها في هذا الوصف إندونيسيا وتونس وإيران رضا بهلوي، إضافة إلى تجربة أمان الله خان في أفغانستان، وهي التي أنشأ كرومر كلية فيكتوريا لتفريخ قادتها، أما الحل الآخر: فهو التوفيقية وما يصاحبها من (إصلاح ديني)، وهو ما طبق في مصر على نطاق واسع وكثير من البلدان الإسلامية الأخرى.
    لذا: ينبغي لكي نعي مسيرة العلمانية جيداً أن ندرس (التوفيقية) و (الإصلاح الديني).
    التوفيقية:
    كان التوفيق بين القيم الغربية والإسلام واقعاً في النشاط الفكري في هذه المرحلة، وتعود جذور هذا المنحى إلى رفاعة الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، وأحمد خان في الهند، وقد ساهم الأفغاني أيضاً في هذا المنحنى بنصيب.
    وقد أشار الأفغاني إجمالاً إلى طرف من منهجية هذه الحركة التجديدية في الدين بقوله: "إن الدين لا يصح أن
    خالف الحقائق العلمية، فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله!"(5)، وقد يكون بين الاعتماد على حقائق العلم (التجريبي) والقول ب (المادية) فارق دقيق يصعب المحافظة عليه والتنبه له، ولكن التوفيقية في المرحلة التي نتحدث عنها أخذت بعداً أكبر وأثراً أعمق من ذي قبل.
    وفي المرحلة التي نحن بصددها رأينا أكثر من اسم لامع، ومن هذه الأسماء: الشيخ اللبناني المولد الأزهري التعلم حسين الجسر (1845م 1909م- 1261ه 1327ه ) الذي "أسس (المدرسة الإسلامية الوطنية) في مسقط رأسه طرابلس، وكان منهج هذه المدرسة يشتمل على تعليم اللغات العربية والفرنسية والتركية، والعلوم الدينية، والمنطق، والرياضيات، والعلوم الطبيعية الأوروبية الحديثة"(1)، ومن جهود الشيخ في هذا المجال كتابه (الرسالة المحمدية في حقيقة الديانة الإسلامية وحقيَّة الشريعة المحمدية) حيث نحا في بعض أبحاثه هذا المنحى التوفيقي، ف "طريقة معالجته لشخصية محمد {#} وتعاليمه يمكن اعتبارها نهجاً جديداً وبالأخص إلحاحه على حق العقل في تفسير القرآن والحديث؛ فهو يدعو إلى تفسيرها حرفياًّ ما لم يتعارض هذا التفسير الحرفي صراحة مع أحد المبادئ العقلية، عندئذ يجب تفسيرها رمزياًّ؛ إذ لا يجوز قبول أي تفسير يتناقض والدليل العقلي القاطع، عندئذ يجب تفسيرها رمزياً"(2).
    وفي الشام أيضاً نشط عبد الرحمن الكواكبي في بداية حياته قبل أن يواصل هذا النشاط في مصر، وقد كان "ينتمي إلى مدرسة الأفغاني... التي كانت تفكر في المسائل الطارئة بعقل عصري، فتتدارسها في ضوء العلم والعقل النظري، ثم تنقلها إلى الدين وتربط بينهما برباط قوي متين... لذلك فإن آراء الكواكبي في الإصلاح الديني لا تخرج في جملتها عن آراء الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا... "(3)، ويشير بعض الكتاب إلى احتمال تأثر الكواكبي بكتاب (مستقبل الإسلام) لبلنت، كما يشيرون إلى وجود دلائل قوية لاقتباسه إطار وبعض أفكار كتابه عن الاستبداد من كتاب (رسالة في الاستبداد) للمفكر الإيطالي في عصر الثورة الفرنسية فيكتور ألفياري(4)، ومن ثم: فقد ربط الكواكبي متابعاً ألفياري بين الاستبداد والدين، زاعماً أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له، وإن نفى الكواكبي ذلك عن الإسلام الحقيقي(5).
    ولم يقف تأثر الكواكبي بالفكر الغربي عند حد الاقتباس، بل سعى إلى حركة توفيقية إصلاحية شاملة في الإسلام؛ إذ "يبدو من كلام الكواكبي {في كتابه أم القرى} على لسان المندوب الإنجليزي أنه يهدف إلى تكوين جماعة من المسلمين تنزع في تفكيرها منزع البروتستانت في تفكيرهم"(6)، ومن هنا لم يجئ طرحه لمبدأ العلمانية في فصل الدين عن الدولة من زاوية إلحادية كما طرحه شبلي الشميل مثلاً، بل جاء طرحاً مناسباً ل (عالم ديني كبير)(7)، فكانت من أقواله مخاطباً العرب غير المسلمين : " .. دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا... دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط! دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن.."(8).
    وفي تونس كانت مدرسة (الصادقية) التي كان خير الدين التونسي أسسها عام 1875م (1292ه) لتكون منافسة لجامع الزيتونة ولتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلاً عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي.. كانت قد خرَّجت أجيالاً من الطلاب مزودين بتربية عصرية(9)، وإضافة إلى مجموعة جريدة (الحاضرة) التي تأسست في أغسطس 1881م (1298ه) واستمرت حتى عام 1906م (1324ه) متخذة أفكار خير الدين التونسي نبراساً لها، إضافة إلى ما تركته من أثر ثقافي وسياسي في البلاد.. أنشئت عام 1896م (1314ه) بدعم أو حتى بمبادرة من السلطات الفرنسية (1) "(الخلدونية)، وهي رابطة توخت إطلاع الذين تربوا تربية تقليدية في المدارس القرآنية وفي جامع الزيتونة على العلوم العصرية"(2)، يعبر عن ذلك المنهج أحد إصلاحييها هو سالم بوحاجب في كلمة افتتاحها معتبراً "أن العلم نفسه كان سبب استخلاف الله لآدم وبنيه"(3).
    ولكن التوفيقية ارتبطت باسم آخر كان له أكبر الأثر في التنظير لها والمنافحة عنها ثم نشرها في العالم الإسلامي، ألا وهو الشيخ محمد عبده؛ فلقد تزعم محمد عبده اتجاه التوفيق بين الإسلام والغرب وما تبعه من الإصلاح الديني، وهو الاتجاه الذي نادى أصحابه بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا نصوصه تفسيراً جديدًا يقبل معه كثيراً من أساليب الحياة والتفكير الوافدة من الغرب، وعملوا على تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث(4).
    اضطلعت المدرسة التوفيقية وعلى رأسها محمد عبده بمهمة ذات شقين: أولاً: إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي من وجهة نظرهم، ثانياً: النظر في مقتضيات هذا الإسلام بالنسبة إلى المجتمع الحديث(5)، ومن هذا المنطلق نظر محمد عبده إلى التغييرات الاجتماعية التي أحدثها في عهده الخديوي إسماعيل متابعاً جده محمد علي باشا، فلم يأسف لهذه التغييرات وما أحدثته في القوانين والتعليم، بل رأى أن هذا التطور في خطوطه العريضة لا مرد له، وأنه في صالح مصر(6)، ولكن في الوقت نفسه كان يشغله خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين منفصلتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تسودها شرائع الإسلام ومبادئه الخلقية، وهي دائرة آخذة في الانحسار في ذلك الوقت، والدائرة الأخرى في اتساع مضطرد، وهي الدائرة التي قامت على المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية(7)، ومن ثم: عمل عبده وخاصة في آخر أيامه على رتق هذا الانقسام مع عدم إيقاف مجرى هذا التطور الذي بدأه محمد علي، "بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير، وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا فهم على حقيقته"(8)، وينبغي علينا وضع خط أسفل (حقيقته).
    وعلى خطى الطهطاوي وخير الدين التونسي
    لأفغاني سار محمد عبده، فكانت رؤوس الموضوعات هي نفسها: الوطنية الإقليمية، والعناية بالتاريخ القديم السابق على الإسلام الدعوة إلى الحرية وإلى الحياة النيابية الدعوة إلى إعادة النظر في وضع المرأة في المجتمع: في الحجاب، والحد من تعدد الزوجات، والحد من حرية الطلاق(9)... ولكن تلك المفاهيم أخذت بعداً أعمق على يد محمد عبده ومدرسته من بعده؛ فما قدمه رفاعة في ميدان التجديد كان بمثابة البراعم التي تفتحت على يد محمد عبده ومدرسته(10)، وعلى الخطى نفسها سار محمد عبده في المنهج الذي اختطه (الرواد) "في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة، وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجياً إلى المنفعة، و (الشورى) إلى الديمقراطية البرلمانية، و (الإجماع) إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفاً للتمدن.. ولا شك أنه كان من السهل باتباع هذا النهج تحوير إن لم نقل إبطال المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا، بل عن النظرة الإنسانية اللادينية، وهذا ما تنبه له بقلق نقاده المحافظون.."(1).
    وهكذا ولد الإصلاح الديني من رحم (المدرسة التوفيقية)؛ فعلى أسس التوفيق بين الإسلام والغرب تحددت معالم (الإصلاح)، وذلك بتضييق نطاق الثابت (الجوهري) في الإسلام الذي لا يقبل التعديل (الاجتهاد)، وهو الاعتقادات والعبادات (رغم أنها لم تسلم أيضاً من اجتهاداتهم)، وتوسيع نطاق المتغير (العرضي) الذي سيتماس مع أوجه الحياة؛ لأنه يشمل (المعاملات)، أو بتعبير الدكتور عزيز العظمة: تضييق مجال الدين وتوسيع نطاق الدنيا(2).
    ولكن المدرسة الإصلاحية إذا تعاملت مع هذه الدائرة الأخيرة بالنظرة الفقهية القديمة نفسها لا تكون قد حققت الغرض المرجو، لذا: كان لا بد من تحييد التراث الفقهي، ولا يتم ذلك إلا بمحاربة التقليد، ثم الدعوة إلى الاجتهاد في هذه المسائل من جديد.. "لقد كان {الأفغاني} يؤمن بالأصول ويترك لعقله الحرية في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين المتزمتين، فيرمى بالإلحاد، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد"(3)؛ فمن ثوابت دعوة الأفغاني "أن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه لمن حق الناس(!) لا، بل من واجبهم أن يطبقوا مبادئ(!) القرآن مجدداً على قضايا زمانهم، وإذا امتنعوا عن القيام بهذا وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة عن الدهرية؛ فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معاً"(4).
    وب (تحرير) العقيدة من قيد التقليد أهدت حركة الإصلاح طوق النجاة إلى حركة التحرر العلمانية، أو كما يقول المستشرق جب: ".. كان {محمد عبده} يرفض قبول مبدأ السلطة، أو التقليد بلا مناقشة كما يقال في الإسلام ، وكان هذا الرأي بمثابة خشبة إنقاذ للنزعة العلمانية الجديدة"(5).
    وب (تحرير) الفقه من القيد نفسه (التقليد) وصلت المدرسة الإصلاحية إلى فتح باب الاجتهاد؛ "لكي يتسنى للعالِم أن يؤول التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً يتلاءم مع روح العصر"(6)، وعلى هذا نستطيع فهم الهدف من دعوة هذه المدرسة إلى الرجوع إلى السلف الصالح في بعض جوانبها على أنه: "النفوذ إلى ما وراء النظم الفقهية المتحجرة كما تبدو في المذاهب الأربعة وفتح باب الاجتهاد، لكي يتمكن العالم من تأويل التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً حراً"(7).
    ثم تمخض عن فتح باب الاجتهاد على يد هذه المدرسة دعوة عريضة إلى إعادة تفسير الشريعة كلها، فبعد أن كانت الدعوة إلى الاجتهاد التي أطلقها (الإصلاحيون) الأوائل كالطهطاوي والتونسي مقتصدة
    غاية الاقتصاد تدعو إليه في أضيق الحدود... "أصبحت من بعد على يد محمد عبده ومدرسته ولا سيما رشيد رضا دعوة عامة تهاجم التقليد، وتطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد، فانفتح الباب على مصراعيه للقادرين ولغير القادرين، ولأصحاب الورع ولأصحاب الأهواء"(8)، ولم تتضح ضوابط شرعية واضحة أو حدوداً قصوى لهذه الدعوة عند المدرسة الإصلاحية، بل كان الهدف الثابت هو الوصول إلى التوفيق الذي مر إيضاحه، "فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحاً من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلاً، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلاد الإسلامية"(9).
    ولكن كيف سيكون الاجتهاد خادماً لذلك التوجه؟ سيكون ذلك من خلال قاعدة يقوم عليها وأصول تنبثق منها، أما القاعدة فهي: "أن العقل يجب أن يحكَّم كما يحكَّم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معاً حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنية الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا"(1)، أما أهم الأصول التي تستخدم في هذا الاجتهاد فنستطيع القول إنها تتمثل في:
    1- التوافق مع العقل والعلوم الحديثة، وقد مر بنا سابقاً ما يغني عن تكرار الحديث عن هذا الأصل.
    2 - تضييق نطاق النصوص الشرعية بالتشكيك في حجية أحاديث الآحاد، وتحييد النصوص القرآنية ظنية الدلالة، ثم تأويل ما تبقى من هذه النصوص إذا بدا (للمجتهد من هذه المدرسة) أن ظاهره مخالف للعقل كما يتصوره ، أو للعلوم العقلية في تطورها الآني .
    فإذا حوصرت الشريعة في هذا (الحيز الكمي) المحدود فإن ما يتبقى منها على زعمهم هو مبادئ واعتبارات وفضائل عامة تشترك فيها مع الإسلام جميع الأديان والمذاهب المنسوبة إلى السماء أو إلى الأرض، وبذا تتلاشى الفواصل بين الإسلام وغيره، وتذوب معالمه في فضائل إنسانية عامة، يقول الدكتور العظمة: "ولا يخبرنا الإصلاحيون: بأي اعتبار كانت هذه الأمور العامة شرعية إسلامية؟ وما الذي يميزها عن الأصول العامة لجل مجتمعات الدنيا وأسسها الأخلاقية والقانونية؟"(2).
    أما إذا تعارض ظاهر نص مع هذا المنحى فإن المدرسة الإصلاحية تلجأ إلى التأويل (التفسير الرمزي) حتى تتفق مع المعطيات الجديدة.
    فبالتأويل يصبح النص مرناً وفضفاضاً يمكن تشكيله حسب الحاجة، وتصبح الوقائع المحددة التي وردت في النص مجرد تمثيل لأخذ العبرة والحكمة: "إن النقطة المبدئية التي يؤكدها هذا الموقف {تفسير محمد عبده لعموم طوفان نوح عليه السلام أو عدمه} هي إمكانية الانصراف إلى التأويل بل ضرورته إذا قطع بأن الظاهر (غير مراد): ينسب بذلك مراد العصر إلى عصر النص، أي: إن تأكيد سلطة النص القطعية يجري بإضفاء معنى اليوم عليها مما لا يناسبها بالطبع، فيصبح اليقين والنص صنوين... "(3).
    وهكذا "أصبح النص القرآني وخصوصاً آياته الدالة على الأمور الكونية لا يفهم إلا على أن بعض مفرداته قائمة على شيفرة، مفتاحها المعارف العلمية الحديثة"(4).
    3 - أما في المسائل الفقهية: فقد عمدت المدرسة الإصلاحية إلى التوسع في استخدام بعض الأصول والقواعد الفقهية التي تلبي حاجتها (التجديدية)، كنظرية العرف، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والمقاصد الشرعية، مع التلفيق بين المذاهب الفقهية وإعادة إبراز الآراء الفقهية الشاذة إن لزم الأمر ، للوصول للفتوى التي تطمئن لها عقولهم.
    يقول ألبرت حوراني: "فعلى المسلمين اليوم في نظر محمد عبده أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة الحديثة، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من الاهتداء بمبدأين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعداً
    جديداً: الأول: مبدأ المصلحة... كان هذا المبدأ تقليديّاً بمثابة قاعدة لتأويل النصوص.. فيختار {الفقيه} التأويل الذي يحقق هذه الغاية، أما محمد عبده وأتباعه فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية؛ فالله لم ينزل في رأيهم سوى مبادئ عامة، تاركاً للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة، وبما أن هذه القضايا تتغير توجَّب تغيير تطبيق المبادئ عليها.. أما المبدأ الثاني: فهو مبدأ التلفيق... فدعا، لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضاً ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أياً منها بغية وضع (مذهب موحد) يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها، وقد تمكن بوصفه مفتي مصر من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ"(5)، وكانت المصلحة هي الأصل عند تلميذه رشيد رضا الذي توسع كما ذكر من قبل في المرونة (الاجتهادية) أكثر من شيخه، "فالعمل بموجب الحديث الصحيح عند السيد رشيد رضا أمر واجب إن لم ينافِ المصلحة، وإذا نافى المصلحة فإنه سيعتبر حكماً أنه معارض الأصول العامة المؤيدة بالكتاب والسنة، ولأن لا بد له إذن إلا أن يكون من أحاديث الآحاد التي لا تفيد إلا الظن دون اليقين أو الإلزام، فترفض بذلك الأحاديث لاعتبارات نفعية دون الإلماع إلى نواقصها التاريخية {علم الجرح والتعديل}"(1).
    4 - ومن الملحوظات في أسلوب عرض أصحاب المدرسة الإصلاحية لآرائهم: الجزم واليقين عندما تكون هذه الآراء متسقة مع منهجهم الجامع بين الإسلام والمعطيات العقلية والعلمية الحديثة وعندما يكون إمرارها بين الناس محتملاً، أما عندما يختل نظم هذا المنهج أو يصعب إمرار الرأي الذي خرجت به فإن التشكيك، أو التفويض و (اللاأدرية)، أو العرض في صورة المحتملات أو الحكاية.. هو الأسلوب المناسب.
    وهكذا عمدت المدرسة الإصلاحية إلى إيجاد منظومة من الآراء الجديدة (الفكرية والفقهية) تشمل مجالات الحياة المختلفة، تتسق مع مفاهيمهم العقلية ومعطيات الحياة الغربية، لتشغل الفراغ الكبير في الساحة الفكرية الموجود آنذاك(2)، محاولة رتق الشِّق البادي في توجهات المجتمع.
    فاجتهادات المدرسة الإصلاحية لم تقف عند حد التوفيق بين الإسلام والأفكار الغربية في المسائل الحياتية المرتبطة بالشريعة (أو الفقه)، ولكنها تجاوزتها إلى (التصورات) و (الغيبيات)، لتربط بينها وبين (العقل)، وهي في هذا المجال قاربت أن تنزلق من (العقلانية) إلى (المادية)، فحرصت ما أمكنها على أن يكون كل تصور مفسراً بالعقل، وأن ترد معظم
    بيات إلى أصل مادي أو تجريبي، وإلا أوَّلوها تأويلاً أقرب إلى نفيها.
    وقد كان هذا المنهج أقرب إلى مخطط الغرب الخبيث لإدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي بدون إثارة، ".. فإن دخول عناصر جديدة على الحياة الإسلامية كان يقتضي إبراز بعض تعليمات الدين، وتوجيه عناية أكبر إليها، ووضعَها في المكان الأول، ووضعَ تعليمات أخرى في مرتبة غير أساسية. وإذا حدث هذا، فمعناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية.
    ويقرر جيب أن في كل البلاد الإسلامية... حركات معينة تختلف قوة واتساعاً ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها، ثم يقول: وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشُعَبها نحو تحقيق هذا الهدف، بل لقد ظهر كثير من العلماء المستقلين الذين نادوا بآراء أكثر تقدماً وجرأة، لا سيما في الهند. ولكن الواقع هو أن معظم ما تم من تعديل وتحوير خفي لا يبدو للنظرة السطحية"(3).
    ويقول بولسون نيومان "... فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور، بدلاً من الارتباط بعالم خيالي لا يسمح للتطور الزمني أن يتطرق إليه... عند ذلك: سوف تصبح يقظة الشرق حقيقة واقعة، وليست أضغاث أحلام، وعند ذلك سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد الأثرية الشيباء ليأخذوا مكانهم بين الحركات الحديثة"(1).
    لذا: فقد لاقت فكرة الإصلاح الديني أو الاجتماعي "هوى في نفس كرومر؛ لأنها الفكرة التي تشغل بال الرأي العام المصري عن المطالبة بالاستقلال أو الجلاء، أو لأنها الفكرة التي لو نجحت في مهمتها(!)لأصبحت دليلاً على نجاح الاحتلال البريطاني في مهمته، وهذه المهمة في ظاهرها هي الأخذ بيد المصريين إلى الحضارة والسير بهم إلى حيث يلحقون بالأمم الأخرى"(2).
    من التوفيق إلى التقريب:
    لم تقف جهود المدرسة الإصلاحية عند حدود توفيق الإسلام (عقيدة وشريعة) مع الفكر الغربي وإذابة الفوارق والفواصل بينهما، بل سعى بعض رموز هذه المدرسة إلى (التقريب) بين الإسلام والأديان الأخرى.
    فمحمد عبده يقول: "إن القرآن وهو منبع الدين يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب حتى يظن المتأمل فيه منهم أنهم لا يختلفون عنهم إلا في بعض أحكام قليلة"(3).
    ولقد أخذ هذا الفهم النظري شكل السعي العملي؛ فها نحن نجده بعد إغلاق صحيفة العروة الوثقى وعودته من باريس إلى بيروت يؤسس (جمعية التأليف والتقريب بين الأديان السماوية)، وشاركه فيها آخرون من المسلمين والنصارى واليهود، من أبرزهم القس الإنجليزي إسحاق تايلور المعروف بالدعوة إلى ذلك، وجي دبليو لينتز، وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية بالآستانة، وكان محمد عبده صاحب الرأي الأول في إنشائها ونظامها، أما هدف الجمعية فكان: التقريب بين الأديان السماوية الثلاثة، وإزالة الشقاق بين أهلها، وإحلال التعاون بدل الفرقة والخصام(4).
    مكمن الخطر في المدرسة الإصلاحية:
    إننا لا نستطيع الآن وقد ماتت أنفس لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وطمرت أحداث لا نستطيع جلاءها أن نصدر حكماً بالإدانة أو البراءة على المدرسة الإصلاحية، وليس هذا من أهدافنا أصلاً، فهدفنا رصد الخطوات والمؤثرات والوقائع التي أدت إلى العلمنة والتغريب الذي تحياه معظم مجتمعاتنا المعاصرة بدرجات متفاوتة.
    قد يكون في أتباع هذه المدرسة مخلصون أرادوا في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة الدفاع عن
    الإسلام وإصلاح الواقع الاجتماعي والثقافي والوقوف دون انهيار إيمان المسلمين أمام المد الإلحادي... يحتمل !، وقد يكون فيهم عملاء مأجورون باعوا أنفسهم للغرب أو انبهروا به إلى حد الذوبان فيه وخدمته تلقائيّاً... ربما!، وقد يكون فيهم من تمثل فيه هذا الوصف وذاك ... ليس بمستبعد!
    ولكننا على العموم لا نستطيع أن ننظر بعين واحدة هي التي تنشط في دراسة كهذه عند تقييم هذه المدرسة؛ فقد كان لها بالفعل آثار ملموسة في نبذ الخرافات وكسر الجمود الفقهي وإعادة تشكيل الفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه: فإننا لا نستطيع تجاهل الانحرافات العقدية والعلمية والعملية التي وقعت فيها هذه المدرسة، وأيضاً لا نملك علميّاً وأدبيّاً حق التغاضي عن الدور الذي قامت به والأثر الملموس الذي أحدثه روادها قصدوا أو لم يقصدوا في تقريب العلمانية والتغريب إلى المجتمعات الإسلامية.
    لم يكن مستغرباً أن يتفق الإسلام مع العقل، ولم تكمن خطورة المدرسة الإصلاحية في انفتاحها على الفكر الغربي ونهلها من نتاجه، إنما تمثل مكمن الخطورة في المدرسة الإصلاحية في عدة أمور، منها:
    أولاً: أن تفسير الدين ونصوصه بالعقل المحض الذي وصل إلى حد أن يكون ذلك قاعدة الاستدلال الأساس، والذي انبنى عليه تأويل النصوص بحسب معطيات العلم التجريبي الغربي المعاصر.. كان ذلك بمثابة محاولة لإخضاع علم الله وقدرته المطلقين وغير المحدودين لإدراك العقل الإنساني وتصوراته ومعارفه وتجاربه التي تتسم بالقصور والمحدودية والنسبية، ليس بالنسبة لعلم الله وقدرته فقط، بل بالنسبة للعقل الإنساني نفسه الذي تختلف قدراته من شخص إلى آخر، وتختلف تجاربه ومكتسباته العلمية من عصر إلى آخر، كما أنه ليس في الوجود البشري عقل مطلق ومجرد نستطيع القياس عليه واتخاذه حَكَماً يرجع إليه البشر في تصوراتهم وأفكارهم ومناهجهم وأخلاقهم.
    فهم بهذا التوسع يعملون على تفسير المطلق وغير المحدود بالنسبي والمحدود، وفي ذلك ما فيه من مخالفة العقل نفسه، إضافة إلى خطورته على توحيد الله والإيمان به.
    ثانياً: أن محاولة إخضاع الغيبيات والخوارق المذكورة في الكتاب والسنة للتفسير المادي أو التجريبي... فيه نوع من اختزال الإيمان بالغيب لحساب عالم الشهادة؛ فإنه عندما يؤمن المسلم بتفسير غيبية أو خارقة بناءً على مشاهداته المحسوسة أو المتصورة التي قد تتكرر أو تفتعل بإرادة المخلوقين أو سيطرتهم.. فإنه لا يؤمن حينئذ بغيب، بل يؤمن بمشاهد أو مشهود، وهكذا: كلما فسرنا غيبية بهذا التفسير نقلناها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وفي النهاية يتقلص الإيمان بالغيب ويتمدد الإيمان بالشهادة، وهذه نقلة نحو المادية وابتعاد عن الدين الذي تقوم قاعدته الكبرى على الإيمان بالغيب: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون {البقرة: 2، 3}.
    ثالثاً: إذا كان القرآن، وكذلك السنة، لم يأتيا إلا بمبادئ وحدود عامة في التشريع بحسب اجتهادت المدرسة الإصلاحية ، وإذا فسرت الغيبيات والمعجزات التي ذكراها تفسيراً مادياً يمكن أن يحدث لأي أحد، وإذا كان ما ورد فيها من ذكر للأحداث والأسماء التاريخية ليس لذكر حقائق تاريخية بل فقط للاعتبار والتذكر، وإذا كان الأمر نفسه بالنسبة ل (إشارات القرآن) في الفلك والاقتصاد.. وإذا أهدرت أحاديث الآحاد ومعظم السنة أحاديث آحاد ثم أوِّل ما تبقى منها أو حيد عنها بدعوى تحقيق المصلحة وموافقة المقاصد ...فضلاً عن إهدار التراث الفكري الذي خرج من هذين المصدرين، وإذا كانت (الشريعة) يمكن التلاعب بها إلى الحد الذي رأينا في فتاوى هذه المدرسة... فماذا يتبقى من الإسلام إذن؟
    إن المدرسة الإصلاحية باتباعها ذلك المنهج تكون قد قامت بعملية الإخلاء اللازمة لاحتلال الفكر الغربي قواعد الفكر الإسلامي.
    رابعاً: كان من أثر روح الهزيمة النفسية التي سادت المدرسة الإصلاحية والتداعيات التي تمخضت عنها، والتفاعلات المستمرة مع أصحاب اتجاه العلمانية
    ريحة ... أن الإصلاحية لم تستطع الصمود أمام الهجوم العلماني والإلحادي المادي؛ فلقد "كانت قوة التحدي الأوروبي الحضاري والسياسي أعظم من أن تصمد لها توفيقية محمد عبده ومعادلته التي حاولت بعد أزمان من التنافر والعداء الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة ... "(1)، فكانت النتيجة تقهقر هذه المدرسة وتراجعها عن مواقعها شيئاً فشيئاً أمام اتجاه العلمانية الصريحة، متوسعة في منهجها التوفيقي الاعتذاري وتطبيقاته على أوجه الحياة.
    خامساً: نتج عن هذا التقهقر وذلك الإخلاء للمواقع أنَّ العلمانيين وجدوا في أدبيات المدرسة التوفيقية الإصلاحية أدوات ومسوغات يغزون بها المجتمعات الإسلامية على نطاق واسع، كما أن شهيتهم ازدادت شراهة لعرض أفكارهم، وفي الوقت نفسه: أصبح منهج المدرسة الإصلاحية وسيطاً مناسباً لحمل هذه الأفكار الغربية، أو كما يقول ألبرت حوراني عن رائد هذه المدرسة (محمد عبده): "لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسراً تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحداً بعد الآخر، وليس من المصادفة كما سنرى أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة"(2)، ويقول شيخ الإسلام بالدولة العثمانية مصطفى صبري: "فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنَّع بالنهوض والتجديد..."(3).
    سادساً: ومثلما ساهمت المدرسة الإصلاحية على إسقاط الحاجز الفكري بين الإسلام والغرب بتقريب الفكر الغربي إلى المجتمعات الإسلامية ساعدت على إسقاط الحاجز النفسي لدى النخبة المثقفة لقبول العلمانية والتغريب، ف "عند أولئك الذين تعلموا في المدارس الحديثة كانت جاذبية وجهة نظر الإمام محمد عبده للإسلام تكمن في أنها حررتهم لقبول أفكار الغرب الحديثة بلا أدنى إحساس بالتخلي عن ماضيهم..."(1).
    سابعاً: تطورت معادلة التوفيقية الإصلاحية على يد تلاميذ محمد عبده من القول: "إن المدنية الحقيقية تتوافق مع الإسلام" إلى القول: "إن الإسلام الحقيقي يتوافق مع ما تأتي به المدنية"(2)، أو بمعنى آخر: من شرح الحضارة (العمران) والأفكار الغربية بما يوافق الإسلام (الحقيقي)، إلى تطويع الإسلام وإعادة تفسيره لحمله على موافقة الحضارة (العمران) والعقل الغربي، والحقيقة أن هذا التطور في تلك المعادلة كان قد بدأ على يد محمد عبده نفسه، ولكن تلامذته خاضوا فيه بصورة أوضح.
    كما انهارت الموازنة بين قيم الإسلام وتصوراته وبين أفكار الغرب وعلومه، وهي الموازنة التي كان يحرص عليها إجمالاً محمد عبده، وافترقت خطى مدرسته من بعده، فمال رشيد رضا بفكره إلى سلفية أكثر، بينما اتجه سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعلي عبد الرازق... وغيرهم، إلى شبه قبول مطلق للفكر الغربي، مطالبين بعلمانية متشبهة بالغرب وبفصل الدين عن الدولة(3).
    وعليه: نستطيع القول: إن المدرسة الإصلاحية بعدإذا كنا بصدد الحديث عن الحصاد العلماني في مجال التعليم فلا يمكن عزل التعليم اليوم عن بقية أبعاد المخطط العلماني من إعلام واقتصاد وسياسة، وغير ذلك.
    وإذا كان هذا الحصاد لا يمكن التعبير عنه بدقة من خلال الأسلوب الكمي؛ فإن الأسلوب التوصيفي والتحليلي يمكن أن يتيح لنا نظرة تتسم بالدقة إلى حد بعيد.
    وإذا كان واجب ولي الأمر في الإسلام هو حفظ الدين وسياسة الدنيا به؛ فإن ذلك يقتضي منه تعليم هذا النشء أمور دينهم لتنبثق منهجية تفكيرهم وسلوكهم منه؛ ومن ثَمَّ يتأسس خط الحضارة على هذه المنهجية.
    وهذا الواجب لا تسقط تبعته حتى يقيم الكفاءات ويفرغ الطاقات التي تبني شخصية المسلم من خلال التربية سعياً في إبراز شخصية الأمة من خلال التعليم بمناحيه المختلفة بكماله وخصوصيته الجامعة المانعة التي تميز بها الإسلام عن غيره.
    من خلال هذا المنظور يمكن أن ندلف إلى قضية التعليم وعلمنته لنرصد أخطاءه وخطاياه.

    المسار .. والمصير:

    بدأت قضية العلمانية تطل برأسها وتتسرب رويداً رويداً منذ عادت البعوث العلمية من فرنسا لإقامة دولة محمد علي العصرية، وقد كانت فرنسا على ما فيها من ازدهار للفكر العلماني شأنها شأن أوروبا تتحين مثل هذه الفرصة لتغرس غرسها وتمضي مع الوقت لتحصد النتائج. بلع رفاعة الطهطاوي الطعم وعاد منهزماً نفسياً ولم يفرق بين النبيذ والإبريز، وقد كان في وسع محمد علي إقامة مثل تلك النهضة من داخل الأزهر؛ لكنه أراد ولاءاً خالصاً له خالياً من أي منازعة فكان ما كان. وأنشئت المدارس الفنية والابتدائية لتعليم الصنائع وأجريت عليها النفقات، لكن محمد علي لم يصمد للتجربة التي لم تنجح، وأُغلق كثير من تلك المدارس في عهده، وجاء عباس الأول فأغلق الباقي، وسار محمد سعيد باشا في نفس الخطى، مما أوجد فراغاً استغلته المدارس التنصيرية الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية المجانية، والحرة، والدولية، فضلاً عن المدارس اليونانية، والإيطالية، واليهودية، والأرمنية التي اندفعت لملئه منذ أوائل عهد إسماعيل، وقد كان التعليم في هذه المدارس يتم وفق نظام البلد الأم وبلغتها، وكان التعليم منصبّاً على توجيه ولاء الطلاب ناحية الثقافة التي يحملها المعلمون في هذه المدارس.
    كما تم إنشاء العديد من المدارس الابتدائية والثانوية على يد النصارى المصريين، وكانت تقتصر على تعليم التلاميذ المصريين الصغار!
    وكانت المدارس الأجنبية تتلقى العون المالي من الحكومة على عهد الخديوي إسماعيل الذي كان يهدف إلى خلق نظام تعليمي أجنبي ليستكمل (تغريب) مصر(1)، والذي كان عصره أكثر تأثيراً على الحياة الثقافية وعلى الشخصية المصرية حتى الآن، وفي عصره بدا المجتمع المصري مجتمعاً مزدوج الثقافة؛ فكان هناك من تعلموا في الكتاتيب وتخرجوا من الأزهر، وآخرون تخرجوا من التعليم العام(2) والأجنبي، ويقف على قمتهم من تعلموا في أوروبا، وكان القطاع الثاني يتسع على حساب القطاع الأول. يقول لورد سالسبري: "إن هذه المدارس هي أول خطوة لاستعمار الشعوب التي تنشأ فيها، فإنها تخرج فيها طائفة تخالف سائر أمتها في عقائدها وتفكيرها وتقاليدها فتحدث فيها صدعاً وشقاقاً تنقسم به على نفسها فيقتلها هون الانقسام بأيديها"(3).
    وكانت مدارس الإرساليات بما تقوم به ترسم الطريق والمناهج؛ حتى إذا جاء المستعمر فرض هذه المناهج على المدارس الوطنية مع تغيير طفيف(4).
    وحينما جاء الاحتلال البريطاني نجح في تحويل سياسة المستعمر التعليمية في مصر والهند من: (سياسة تجهيل الشعوب) إلى: (سياسة تضليل الشعوب) من خلال التعليم المحدود تحت شعار: (عقل بريطاني، ويد مصرية) وذلك ليستفيد من تلك الشعوب في خدمة سياساته بدلاً من معارضتها وثورتها.
    ومن هنا كان مجيء (دنلوب) ليرسم خطته لا كما فعل نابليون؛ بل سلك طريقاً أطول فأراد أن يكتسب أولاً قلوب الأطفال، وانتظر ثلاثين عاماً يضع في رؤوس التلاميذ ما يريده، ويمنع عنها ما لا يريده إلى أن تخرَّج في وزارة المعارف الجيل الأول والجيل الثاني، فلما صارت مقاعد الوزارات وكراسي النيابة والحكم ممتلئة بالذين رباهم انقلب إلى وطنه واطمأن قلبه إلى أنه صار لأوروبا في كل بيت مصري من يكمل برنامجه(5).
    وحتى ينجح الدور كان على المستعمر أن يربط مصلحته بمصلحة الطبقة الغنية المتنفذة، ففرض المصروفات المرتفعة على التعليم الأولي الابتدائي، والتي يعجز أبناء الفقراء عن تسديدها، وأضيف إلى هذا خطوة أخرى هي إنشاء مدرسة لتخريج المدرسين على النمط الغربي.
    ومن ثم جاء فؤاد جلال، وعبد العزيز القوصي، وإسماعيل القباني، وطه حسين؛ للسير في نفس المسار.
    وذهب دنلوب فعلاً وبقيت روحه تسري وسياساته تحكم نظم التعليم لا في مصر وحدها(1) بل في أغلب أقطار العالم الإسلامي(2).
    وظل الحال على نحو من ذلك حتى قامت ثورة يوليو 1952م، وجاء جمال عبد الناصر بمشروعه الذي رفع شعار: (التعليم كالهواء والماء ينبغي إتاحته للجميع).
    ولكن الحقيقة أن عبد الناصر أراد أن ينشئ أجيالاً ذات ولاء لثورته عن طريق التعليم الإلزامي، وفي خط مواز كان لا بد من التخفيف من ثقل الأزهر، فكان ما عرف بمشروع التطوير في عام 1961م، ولأول مرة في تاريخه أضيفت للجامع الأزهر تاء التأنيث(3)، وفرض الميثاق، ورفع الولاء للقومية العربية والاشتراكية. أما السياسة البريطانية فقد سارت في نفس الخط. وحين جاء السادات وانقلب على حكم عبد الناصر أراد البحث عن الذات من جديد، فبدت المناهج مترددة بين الإسلام وبين العروبة حيناً، ثم لم تلبث أن نحت منحى جديداً رُسم لها إبان الانفتاح وعقد الاستسلام مع إسرائيل؛ حيث ظهرت سياسة تعليمية جديدة تتواءم مع استراتيجية السلام الأمريكية التي لم تقنع بمجرد تهميش الإسلام أو تفريغه من محتواه أو حتى اختزاله في بعض الشعائر والآداب، وإنما الاستبعاد التام لكل ما هو إسلامي من أجل إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وبعد أن استوعب مخططو السياسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة درس الخمسينيات والستينيات بحيث استدعى استكمال تصميم ونجاح التغيير الذي حدث على مستوى القمة الحاكمة بعد الصلح إجراء تغيير مشابه في البيئة الثقافية والتعليمية التحتية بما يضمن عدم الصدام وبين تصرفات القمة وطموحات الفئات الاجتماعية الأدنى المحرومة فعلياً من المشاركة في صنع القرار أو التحكم في هذا الصدام من حيث النوع والمدى، وهو ما توفره سياسات التعليم الأساسي والنمط التعليمي التلقيني الراهن ثم بتعزيزه يومياً من خلال المؤسسات الإعلامية الجماهيرية.
    والفكرة الكامنة وراء ذلك هو أنه كلما تضاءلت مساحة الإدراك المعرفي لدى الأطفال والنشء والشباب في مراحل التعليم المختلفة بقضايا أمتهم والتحديات الخارجية التي تواجهها، وتعرضت ذاكرتهم للطمس، وأهيل التراب على القيادات التاريخية للأمة التي لعبت دوراً مهماً في استنهاض روح التحدي والكبرياء كلما سهل على الجماعة الحاكمة المرتبطة بدورها بمصالح أمريكا وتوجهاتها اتخاذ قراراتهم بما يتفق مع تكوينهم الفكري وخريطتهم العقلية وانصياعاً لمصالحهم الاقتصادية، وانسجاماً مع انتماءاتهم الاجتماعية حتى لو تعارضت هذه القرارات على المدى البعيد والمتوسط مع مصالح شعوبهم وأوطانهم، وما يجري هنا يجري هناك في تونس والجزائر والمغرب وغيرها.
    ومن هنا تمت أكبر عملية اختراق أمريكي لمجتمع من المجتمعات من خلال التنشئة الفكرية والعسكرية للقيادات في البرامج التدريبية، وربط مصالح رجال الأعمال بالمصالح الأمريكية من خلال مراكز البحث المنتشرة سواء منها الأمريكية الصريحة أو الوطنية التي تعمل بنظام المقاولات؛ مما أحدث خللاً في النظام الإعلامي والتعليمي والقانوني، وانعكس هذا بدوره على التركيبة النفسية والفكرية لقطاعات واسعة من السكان وبخاصة الشباب والأطفال بفعل الأثر السلبي المضاعف لوسائل الإعلام في عصر السلام(1).
    لقد ظل التحدي الخارجي يستنفر الطاقات حيناً في ظل غياب السياسات الناجحة، أما في ظل استراتيجية السلام فهل يمكن لنا أن نتخيل ما يحدث في ظل عوامل النحت والتعرية والتذويب والتفكيك العقدي والأخلاقي والسلوكي والعلمي في سائر البلاد الإسلامية؟ يقول الجنرال ألبرت ميرجلان خبير الاستراتيجية الدولية: "هناك حالياً اتجاه يسرف في الحكم على الدول وفقاً لعدد دباباتها وطائراتها المقاتلة! والواقع أن كَمَّ وكيف التعليم هو الذي سيكون العامل الأكثر حسماً في المستقبل القريب... فليست المعركة العسكرية هي التي ستحدد مصير الأمم الصغيرة والمتوسطة في العالم، بل إن الذي سيفعل ذلك هو النمو الفكري والفني الدائم للأفراد"(2) فحرب العقول والهوية والذاكرة الجماعية للشعوب هي الآن جوهر مفاهيم الاستعمار الحديث.
    وقد نجحت الولايات المتحدة في تخريب مناهج التعليم كاملة وكذلك سياساته عبر العديد من مؤسساتها التي منها هيئة المعونة الأمريكية، ومجلس الرئاسة المصري الأمريكي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنح بعض المؤسسات الأمريكية، بالإضافة إلى الخبراء الأمريكيين في مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية. وهنا لا يمكن تصور مجرد تعليم وطني فضلاً عن قومي أو إسلامي، وإنما تعليم أقرب ما يكون إلى وجهة النظر الصهيونية، وإن القارئ لا يمكن أن يدرك أبعاد المؤامرة في مجال التعليم إلا إذا أحاط بالسمات الغالبة على المنهج، والتي بها يمكن فهم مداخله ومخارجه وأهدافه ومقاصده.

    سمات المنهج التعليمي:
    أولاً: التبعية:

    وإن كانت التبعية واضحة وضوح الشمس ولا تخلو تصريحات المسؤولين من اعتراف بها، وأمامنا شهادتان من شخصيتين لهما ثقلهما في المجال الفكري والثقافي والتعليمي، ولهما مصداقيتهما عند كثير من العلمانيين:
    الأول: هو ساطع الحصري الذي يقول: "إن البلاد العربية تسير في شؤون التعليم على طرق تخالف المبدأ؛ فبعضها يتجه نحو النظم الفرنسية وحدها، وبعضها يسير نحو النظم الإنجليزية، وبعضها يستلهم النظم الأمريكية، ويقوم جدال وكفاح بين مؤيدي هذه الأنظمة بصورة علنية أو خفية. وعلى العرب أن يعدلوا عن الاستمرار في هذه الخطط"(1).
    والثاني: هو: د. محمد حسين هيكل؛ حيث يقول: "إن وزارة المعارف تخضع اليوم وأمس وستخضع غداً وبعد غد إلى أن يتاح لنا النصر السياسي(!) الذي نعمل له إلى السياسة التي كانت تخضع لها أيام كان مستر دنلوب مستشاراً مع فوارق في عدد المدارس وعدد الأساتذة وعدد التلاميذ أكثر منها في أساليب التعليم وفي الغاية منه، إن سياسة التعليم في وزارة المعارف ستظل اليوم وغداً كما كانت بالأمس وقبل الأمس خاضعة للسياسة الغربية والحضارة الغربية في روحها. فالحضارة الغربية بالمعنى الذي يفهمه مفكرو الغرب ومؤسسو هذه الحضارة الحقيقيون حضارة علمية بالمعنى المفهوم من العلم في العصر الحاضر؛ فالمعنى الذي يفهمه ساسة الغرب الذين ينشرون لواء هذه الحضارة في ربوع العالم حضارة استعمارية عدوة للعلم على خط مستقيم وهي كذلك حيثما ذهبت؛ حاربَت العلم وحاولت حصره في طبقة وفي حدود ضيقة لتتخذ من هذه الطبقة بطانة لها لتروج الاستعمار، أي لاستغلال البلاد التي تنزل فيها استغلالاً مادياً يذهب كل خيرها للغرب صاحب هذه الحضارة الاستعمارية.
    ولذلك وضعت هذه الحضارة يدها على وزارات المعارف حيثما ذهبت، وعملت دائبة على إفساد هذه المقومات النفسية والخلقية والقومية مكتفية بطائفة من المعلومات العملية التي تحتاج إليها إدارة الحكم(2).
    وواضح أن كلا الرجلين ذا نزعة قومية لا تخلو من ثقافة غربية؛ إلا أن قولهما يعبر عن واقع لمسوه عن قرب واطلاع على مسالكه وأغواره وما ستروه أكثر مما كشفوه.
    ويشهد رجل من تلك البطانة التي اتخذها الغرب طه حسين الذي استمات من أجل ما أراده الغرب: "والتعليم عندنا على النحو الأوروبي الخالص ما في ذلك شك ولا نزاع.. فقد وضعنا في رؤوس أبنائنا عقولاً أوروبية في جوهرها وطبيعتها، وفي مذاهب تفكيرها وأنحاء حكمها على الأشياء"(3).
    وهو يعلنها بلا مواربة أن الهدف من اتباع السياسات الغربية ليس مجرد تبعية النظام وتشابه السياسات وإنما هو أكثر من ذلك: تغريب الأبناء وأَوْرَبة عقولهم.
    وإذا كانت السمة الأولى لهذا التعليم المعلمن هي التبعية(1) فإن ما يمكن أن ينطبق عليه من عيوب وما يستخرج منه من قبائح إنما هو ناشئ من هذه العلة والله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور {آل عمران: 118، 119}.

    ثانياً: غياب الخطط الذاتية:

    إن العلمانية في بلادنا قد عقمت أن تكون لها أيديولوجية مستقلة ترسم أهدافها وفق الظروف العربية، ومن ثم رأوا أن تغريب المجتمع أولاً يساعدها في تطبيق الحلول الغربية ذاتها، ويعني ذلك أن الشعوب لا تدري من أين أتت، ولا إلى أين تسير!
    وإذا كان التعليم العلماني يقصر مفهوم التربية والتعليم على المرحلة السنِّية بين (5 23) عاماً، وهي بلا شك أخطر المراحل السنِّية التي يشكل المنتمون إليها في المجتمع الكتلة الحيوية الحرجة، هذه الكتلة تتحرك تعليمياً وسط أضلاع مثلث يتمثل في:
    - فلسفة النظام والتعليم التربوي (دالَّة الهدف).
    - سياسة تعليمية تجسد هذه الفلسفة (دالة السياسات).
    - وسائل تنفيذ هذه السياسات مالياً وإدارياً (دالَّة الإجراءات)(2).
    والواقعة المادية التي تشهد بغياب جل ذلك بالإضافة إلى شهادات أخرى وما يشهد به الواقع تتمثل في الدراسات التي أعدت لمؤتمر عمان في الفترة 12 15مايو 1990م، والمناقشات التي جرت في اجتماعاته والتي تشهد بأن أنظمة التعليم في البلاد العربية تعاني من عدم بلورة أهداف التعليم وسياساته، ومن جمود مناهجه، وأن هذه الأنظمة أصبحت تسهم في ضمور الطاقات المجتمعية، بحيث أضحى التعليم عبئاً على التنمية، وغدا مشدوداً إما إلى الافتتان بالماضي وتقليد نماذجه وحلوله، وإما محاكياً لنماذج الحضارة الغربية التي قد لا تتلاءم في توجهاتها، ومدى فاعليتها مع التطوير الحقيقي لأوضاع المجتمع العربي؛ وتلك هي الأوصاف التي وسم بها التعليم في (استراتيجية تطوير التعليم في مصر) التي صدرت في عام 1987م؛ ففي هذه الاستراتيجية تقرأ عن:
    - غياب الاستراتيجية التي تبلور سياسة التعليم، وغياب الطابع القومي في التعليم، وعدم إسهام من يعنيهم الأمر في تطويره! ص 22 23.
    - عجز التعليم عن مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعملية والتقنية.. وغض الطرف عن ذاتية المجتمع المصري وهويته الثقافية ص 24.
    - ضعف الثقة في التعليم، وعدم مساندته معنوياً، وعدم التنسيق بين التعليم النظامي، وتناقض ما تبثه وسائل الإعلام مع ما تقدمه المدارس ص 25 26.
    - إن مناهج التعليم صلبة لا تلبي مطالب المتعلم أو البيئة، ويغلب عليها الطابع النظري، وتهمل ميول الأفراد ومواهبهم، وإن الامتحانات تدرب على التذكر ولا تستثمر إمكانات العقل الإنساني ص 27 29(1).
    إن غياب مثل هذه الفلسفة الاجتماعية العامة للمجتمع يعتبر نقطة الضعف الأساسية في جهود تطوير التعليم؛ لأنه بغيابها تدفع أن تحل الرؤية "الخاصة" والاجتهاد "الفردي" لكل من فلسفة التعليم وسياساته في كل فترة، مما يعرض هذه الرؤية الخاصة إلى التبدل كلما اتفقت فترة لتحل أخرى(2).
    هذه الأزمة منشؤها غياب العقيدة والانتماء لها عن عقل وحس صانع القرار، والإنسان بلا عقيدة إنسان بلا هدف إلا إذا اعتبر أن نزواته وحاجاته الشخصية أهدافاً.
    وحين تغيب العقيدة في ظل ظروف محايدة فإنه لا بد من أمرين:
    الأول: أن يتحكم الثابت في المتغير في إطار اتخاذ الواقع مدخلاً لعملية التنظير وهو ما حدث ويحدث بالفعل. وهو في هذا متغير بطبعه مما يجعل منه نموذجاً متبدلاً لا نستطيع أن نميز فيه بين متطلبات الواقع الحقيقية وضروراته وبين تلك المتوهمة، بل إنه ابتداءاً لا يمكن التمييز بينهما وبين الأهواء المتعارضة والمصالح الأنانية المتناقضة لجماعة كانت أو لفرد أو لفئات مختلفة؛ وهذا التبدل ينعكس على نسق أساسي من المفاهيم يعززه النسق المعرفي والأيديولوجي الوضعي بحيث تعد مفاهيم يمكن تغييرها وتبديلها بلا ضابط ولا رابط.
    والثاني: هو عبث الأفراد وتدخلهم في عملية التأسيس بما يحقق مصالحهم الآنية والأنانية؛ فهو إذن تأسيس لا يتمتع بالثبات، كما لا يتمتع بالاستقلال. هذا في وضع الحياد، فإذا أضاف الواقع بعداً ثالثاً هو المسارات التي رسمتها القوى الغربية وقوى الجذب إليها والتي يصعب على الدول فضلاً عن المؤسسات والأفراد الخروج عنها إلا أن تحركها العقيدة وترسم لها خطها الحياتي، والواقع أن معظم الدول العربية والمسلمة بدرجة أو بأخرى تنطلق من هذا التأسيس الوضعي في حركتها وممارستها، والنتيجة هي التردي والإخفاق الذي لحق بكل الدعاوى والمثاليات الوضعية التي رفعتها منذ أن حصلت على استقلالها السياسي وحتى اليوم(3)، وهو واضح كل الوضوح في سياسات وزراء التعليم المتعاقبين؛ إذ كل واحد يأتي ليطبق ما يراه وفقاً لانتماءاته الفكرية وقناعاته الفلسفية وخبرته العملية وربما صداقاته وعلاقاته(4)!
    وهذا ينتج عنه سمة أخرى هي:

    ثالثاً: التسويغ الأيديولوجي:

    وهو من أخطر الأمور التي يمكن أن تراها في نظام في العالم؛ لأنه يقتل الوعي؛ فإذا كانت العقيدة هي التي تؤسس للعلم والتربية في بناء المجتمع فيأتي العلم منسجماً مع ذلك كله؛ فإن العلم وفق النظرة البراجماتية هو الذي يصنع المجتمع.
    ومناهج التعليم في بلادنا العربية تعتمد مبدأ تبرير الأيديولوجية المسيطرة وعرضها على المتعلمين، وكأنها أيديولوجية عامة تمثل مصالح كل القوى الاجتماعية، مما يزيف وعي المتعلمين بالواقع، خاصة حين يُكتفى بالدور التبريري للأيديولوجيات الرسمية فيقوم التعليم بوظيفة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية نظراً لطبيعة الأيديولوجية.
    ومن هنا يصدق القول بأن التعليم منذ عهد محمد علي وحتى اليوم إنما يقوم بخدمة الأهداف السياسية للنخب الحاكمة بعيداً عن الأهداف الحقيقية للمجتمع فضلاً عن المعاني الشرعية؛ وهي بهذا تقدم وعياً زائفاً بالحقائق التي يجب أن يعيها المسلم عن واقعه ماذا يريد منه، وماذا عليه أن يصنع فيه؟ وهذا بدوره يسلم للذي بعده.

    رابعاً: اتباع سياسة التلفيق:

    وهي سياسة اتبعها المستعمر لإفراز نوعية من البشر لا يمكن أن تفهم ما يقع إلا بعقل المعلم، وكما سبق أن أشرنا سياسة "عقل إنجليزي ويد مصرية". وفرق بين التلقين والاعتماد على ذاكرة اللفظ كأسلوب للتعليم وسيطرة التعليم اللفظي وعدم ربط التعليم بالعمل وبالواقع وبين بناء الإسلام للمنهج التجريبي بأدواته وأساليبه والذي يبني الذاتية العلمية المؤهلة المنضبطة القادرة على النمو والارتقاء.
    ولا شك أن هذه السياسة سياسة سلطوية لها بصمتها الواضحة اليوم على شخصية الأجيال العربية والمسلمة.
    وهذه السياسة تعكس أحد أمور أو أكثر مما يلي:
    أولها: عجز القائمين على أمر التربية عن التطوير الذي يواكب ما ينادون به من شعارات الحداثة والتنمية والتطوير.
    ثانيها: أن هناك انفصاماً بين المناهج وروح المجتمع وربما شخصيات واضعيها أيضاً، ومن ثم كان أسلوب "ابلع ما يأتي" هو الأسلوب المناسب في هذه الحال.
    ثالثها: وهو الأعجب : أن من مصلحة القائمين على التعليم أن يبقى الوعي عند أدنى درجاته.
    رابعها: أن هذه السياسات مرسومة، ودور القائمين هو مجرد التنفيذ لسياسات ومناهج هم غير مقتنعين بها وهم غير متفاعلين معها، ومن ثم فلا يصلح غير التلقين.
    وأياً كانت الحقيقة؛ فإنها إدانة قوية للتعليم الحداثي الذي جر على أمتنا الويلات.
    خامساً: المفاهيم المختلة لأركان العملية التعليمية، وأهم ركنين هما: (الإنسان والعلم):
    فالنظرة المادية للإنسان والتي تنحدر أكثر وأكثر حين يكون هذا الإنسان هو العربي أو المسلم. والتي تقيس الإنسان بشهواته ونزواته هذه النظرة هي التي تحكم عملية التعليم اليوم في بعض البلدان ويراد لها نفس الأمر في بلدان أخرى.
    والعلم الذي يستبعد ما وراء الحس ويحاول أن يفلسف الأمور الغيبية والشرعية فلسفة حسية مادية تفقدها روحها.
    فهو ضمناً يستبعد علوم الشرع من مسمى العلم؛ بينما يضم فيه الفلسفات الوضعية والنظريات الباطلة مما يتوهم أصحابها ومعتنقوها أنها مسلَّمات وهي ليست بعلم أصلاً؛ هذا العلم هو الذي تتبناه السياسات التعليمية العلمانية في غالب البلاد الإسلامية، وهو مع هذا محدود بمرحلة سِنِّية معينة.
    وكلا النظرتين مخالفة لنظرة المسلم؛ فالإنسان هو ركن الحضارة، والعلم هو عمادها وهو غير مناقض للإيمان الصحيح؛ لأن كلاً منهما يدل على الآخر ويحث عليه، والعلم شِقُّ الإيمان الذي يكمله شِقٌّ آخر هو العمل.

    سادساً: أزمة الهوية:

    وهي أظهر في مناهج الدول التي طُبِّعت تعليمياً، فعلى سبيل المثال قامت إحدى الباحثات بتحليل محتوى وثيقة الاستراتيجية السابق ذكرها بالنسبة للهوية والانتماء فوجدت أن الهوية المصرية قد احتلت فيها الأولى تليها الهوية العالمية، ثم الهوية العربية، واحتلت الهوية الإسلامية المرتبة الأخيرة، وتشير إلى أن أكثر التكرارات في الهوية الإسلامية جاءت مقرونة مثل: ثقافتنا المصرية العربية الإسلامية، وأن التناول كان للقيم الإسلامية العامة وليس للإسلام بوصفه ديناً وشريعة.
    وفي وثيقة "مبارك والتعليم" هبط الانتماء الإسلامي للصفر، وانخفض الانتماء العربي انخفاضاً ملحوظاً لصالح تأكيد الانتماء المصري.
    واستخلصت الباحثة من تحليلها أن طبيعة "الشخصية" التي يراد من التعليم الإسهام في صياغتها كانت واضحة في "استراتيجية تطوير التعليم" ولم تكن واضحة في كتاب "مبارك والتعليم" حيث زاد التركيز على الانتماء المصري، وتراجعت كل من الهوية العربية والهوية الإسلامية بصورة تثير القلق!(1).
    وتشير إحدى الدراسات أن مناهج التاريخ في المرحلة الابتدائية تؤكد على فرعونية مصر بنسبة 54%، وعلى الانتماء القومي المصري بنسبة 30%؛ بينما لا يشغل الانتماء العربي سوى 16% من المحتوى، وأن الكتب المصرية تؤكد على فكرة الوطنية المصرية بوصفها شيئاً مستقلاً عن القومية العربية والقومية الإسلامية.
    وفي دراسة أخرى لمناهج المرحلة الثانوية يبلغ التركيز على الهوية القطرية 45% بينما تحظى الهوية العربية بالمرتبة الثانية (27.8%). أما الهوية الإسلامية فتتراجع إلى المرتبة الخامسة (4.8%) وتلاحظ إحدى الدراسات حول عروبة التعليم المصري {وفقاً لمنظور الباحث} من عام 1952م إلى1981م مدى تذبذب مكونات الهوية بالعامل السياسي الرسمي(2). وهكذا تحولت الهوية الأصلية للشعب إلى سلسة من عمليات التغييب والتشويه والتزييف: حيناً بإعادة صياغة العقول عبر التعليم والإعلام، وحيناً بأدوات القهر والعنف حتى تلازمت العلمانية والدكتاتورية في مجتمعاتنا.

    سابعاً: فساد المناهج والمقررات:

    أول ما يطالعنا في ذلك هو مادة (الدين) التي تعد ثانوية كما يريد العلمانيون أن يُفهِموا النشء أن الدين شأن ثانوي في الحياة؛ وهي مع هذا مادة جامدة لا ترى الدين إلا أماني لا تحفظ ماءاً ولا تنبت كلأً، وهي في فلسفتها خاضعة للمفهوم العلماني للدين الذي يفصله عن العلم والمجتمع والحياة؛ وهذه المادة يُخطَّط لاستبدالها بمادة الأخلاق وهي لا شك خاضعة لكل النظريات اليهودية من روسو إلى دارون إلى دوركايم وفرويد وسارتر، بل وأينشتين أيضاً.
    - أما التاريخ فتم حذف كل ما يشير إلى الجهاد أو إلى عداء اليهود من أحاديث أو آيات أو وقائع وكذلك الحروب الصليبية، وتم تقليص مساحات السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لصالح التاريخ الفرعوني والأوروبي الحديث؛ والظاهر أن المراد في كل مرة هو الإسلام.
    - وبلغت العلمنة حدها حين استخرجت من كتب القراءة والنصوص كل ما يرمز إلى سمت الإسلام وسلوكه.
    - ومن ذلك التشويه المتعمد للشخصية الإسلامية سواء على المستوى التاريخي أو على مستوى المقارنة من خلال الرسم والتصوير الإيضاحي أو حتى على مستوى العمران، وقد بذلت عناية فائقة في هذا المجال.
    - أما كتب المنطق والفلسفة فقد ذكرت أقوال الفرق كلها دون أدنى توجيه أو تعليق.
    - وفي كتب اللغة العربية شوهت اللغة بمحاولة تسطيحها وإقحام التجارب الحداثية فيها دون معنى، وحذف النصوص ذات القيم الجمالية والدلالية العالية.
    - أما في الكتب الأجنبية فحدِّث ولا حرج عن الصور العارية والمشاهد الجنسية الفاضحة، والحوارات الساخنة، كما أنها لم تَخْلُ من إقحام لفقرات تنصيرية.
    - وحين يُستبعَد من القيام بعملية التدريس كل من له سمت إسلامي أو ولاء ظاهر للإسلام من أجل أن يقطع طريق العودة إلى الإسلام من كل سبيل وفق سياسة تجفيف الينابيع.
    - والمراد من وراء ذلك كله كما يقول الدكتور إبراهيم البحراوي رئيس وحدة الأبحاث الإسرائيلية بجامعة عين شمس بالقاهرة: هو تجريد المجتمع المصري من إرادة الصراع، وإيقافه بعيداً عن حالة اليقظة والاستعداد ليكون في وضع الفريسة(1).
    - كانت هذه بعض السمات الظاهرة والغالبة على التعليم العلماني عموماً وفي الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في العلمنة على وجه الخصوص، وما لم نذكره من سمات لا يقل أهمية وخطراً عما ذكرناه، ولكن ضيق المقام حال دون الاستطراد في هذا الباب، لكن بقي أن نشير إلى أن مدرسة المشاغبين التي عرضت في منتصف السبعينيات لم تكن يومها سوى تبشير بسياسات تعليمية علمانية، وهي مع هذا عادت لتطل علينا مرة أخرى مستفيدة مما استجد من تقنيات ومبتكرات فكرية ومادية؛ لكنها هذه المرة أطلت علينا من المدرسة والجامعة إلى جانب المسرح والتلفاز، وأبطالها وهم غير أبطال صاروا أكثر عدداً وأكثر تصريحاً وأعلى صوتاً، وفي كل مكان لن تعدم مشهداً أو مشاهد من تلك المسرحية.
    نتحدث عن نشرة أنبائهم السياسية؛ فالبث السياسي العلماني بث واسع الطيف متعدد الموجات، وأنى للاقط واحد أو معالج أحادي أن يستقبل كل نضالهم الثوري وكفاحهم التقدمي، ثم رؤيتهم الثاقبة وواقعيتهم الحكيمة وحنكتهم الراسخة، في السياسة الداخلية والخارجية؟
    ولكننا هنا نتعرض فقط بشيء من الإيجاز لجهودهم المعلنة والخافية في القضية التي زعموا أنها قضيتهم المركزية، والتي بالانشغال بها تذرعوا بهدم معظم مقومات الدولة والقضاء على بنية الإنسان العربي، ثم أسندوا إخفاقهم في جميع القضايا (غير المركزية) إلى انشغالهم بقضية العرب المقدسة!
    ولكن منذ متى كانت فلسطين مقدسة عند العرب؟
    النبأ الأول: فلسطين بين العروبة والإسلام:
    لم تكن فلسطين تحتل مكانة مرموقة في حس العربي الجاهلي قبل الإسلام، وفي معظم الأحوال كان ينظر هذا العربي إلى الشام وضمنها فلسطين على أنها لا تزيد عن كونها إحدى مناطق الاستقرار والنشاط الاقتصادي التي كان يرتبط بها في رحلاته التجارية الموسمية.
    ومع بعثة النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم نشأت مكانة مميزة في عقل وقلب العربي المسلم للشام عموماً ولفلسطين خصوصاً ولمدينة القدس بوجه أخص؛ وذلك من خلال إشارات قولية وعملية عديدة، تبدأ منذ ولادته صلى الله عليه وسلم عندما رأت أمه قصور الشام عند ولادته صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد بعثه صلى الله عليه وسلم بالنبوة كانت حادثة الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج منه، وإمامة النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في الصلاة فيه إحدى أكبر المعالم الواضحة في أهمية هذه البلاد، ثم كان بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى إلى الصلاة التي هي عماد دين المسلمين.
    ثم تتوالى الإشارات التوجيهية لفضل هذه البقعة وأهمية هذا الموطن: فالمسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، والصلاة فيه تعدل 250 صلاة في غيره من المساجد عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي، وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح الشام وبيت المقدس أكثر من مرة، ودعا صلى الله عليه وسلم للشام وأهلها ونصح بسكنها، وفي فضل الشام والمسجد الأقصى وما حوله وردت آيات قرآنية وأحاديث نبوية عديدة(1).
    ثم كان التحرك العملي ل (تحرير) هذا الموطن الغالي من ربقة الشرك والكفر بإنفاذ البعوث والسرايا العسكرية على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى فتح بيت المقدس وفلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستدعى هذا الفتح دون غيره أن يذهب الخليفة بنفسه ليتسلم
    فاتيح المدينة المقدسة، ويستلم معها أمانة محافظة المسلمين عليها.
    إذن: فقد عرف العرب أهمية هذا الوطن بالإسلام، وبالإسلام وحده وليس بالعروبة كانت قضية فلسطين قضية (مقدسة)، عرف هذا المعنى صلاح الدين الأيوبي عندما حررها مرة أخرى من براثن الصليبيين، ولم يكن صلاح الدين عربياً، بل كان كردياً، وعرف هذا المعنى العثمانيون الأتراك عندما حافظوا على الأمانة واستماتوا في الدفاع عنها حتى دفع السلطان عبد الحميد الثاني عرشه ثمناً لتمسكه بها وعدم التفريط فيها.
    النبأ الثاني: فلسطين قبل النفق العلماني:
    وإليك طرفاً من مقاومة هذا السلطان للضغوط والإغراءات التي مورست عليه من أجل (بيع) فلسطين، ورفضه ذلك رفضاً قاطعاً رغم ضعف دولته والمؤامرات والدسائس التي كانت تحاك ضده في داخل الدولة وخارجها؛ حيث اختار اليهود فترة عصيبة من فترات اضمحلال الدولة العثمانية، حين لم يعد لهذه الدولة أي ثقل سياسي معتبر أو قوة عسكرية مهابة.
    فمنذ أن بدأ المشروع الصهيوني بالاستيطان في فلسطين يأخذ خطوات عملية: سعى اليهود إلى إيجاد موطئ قدم لهم هناك بطريقين متوازيين: الأول: العمل على تهجير اليهود من شتى أصقاع العالم إلى فلسطين مع ما استلزم ذلك فيما بعد من محاولة تفريغ فلسطين من أهلها، الثاني: شراء الأراضي في فلسطين ليكون لهم قواعد ثابتة يتحركون منها لإتمام مشروعهم، وقد كانت القدس دوماً أحد المراكز المستهدفة بإلحاح في هذا السعي، فكانت الدولة العثمانية وخاصة في عهد السلطان عبد الحميد متيقظة لهذه المساعي(1) .
    يقسم الباحثون موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين فيما بين عامي 1882م و 1944م إلى خمس موجات، ويستفاد من إحصاء جرى للسكان عام 1839م أن عددهم في فلسطين كان بين 6000 و 6500 نسمة، نصفهم في القدس، في حين بلغ عدد العرب وقتها حوالي ثلاثة ملايين نسمة، أي أن نسبة اليهود إلى العرب كانت تدور حول 2%، وارتفع عدد اليهود في السنة التي تليها ليصل إلى 10500 نسمة.
    وإزاء النشاط الصهيوني أصدرت الدولة العثمانية منذ سنة 1855م قانوناً يمنع الأجانب من الاحتفاظ بالأرضي في فلسطين أو شرائها، وطوال أربعين عاماً (1840-1880م) وصل عدد المستوطنين اليهود بفلسطين إلى حوالي 25000 نسمة، يعيش أكثر من نصفهم في القدس، ثم بدأت أولى موجات الهجرة اليهودية الواسعة من روسيا وبلدان أوروبا الشرقية، وقد تزامنت هذه الموجة التي بدأت عام 1882م مع تحرك دولي للضغط على السلطان عبد الحميد للسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين؛ فماذا كان موقفه؟:
    أخفقت مساعي السفير الأمريكي وزملائه تماماً في هذا الخصوص، ثم أبلغ السلطان المبعوث اليهودي أوليفانت أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أي بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، ثم أرسل في يونيو 1882م رسالة إلى متصرف القدس يطلب فيها منع اليهود الروس والبلغار والرومان من الدخول إلى القدس، كما صدر قرار لمجلس الوكلاء العثماني يقضي بمنع اليهود الروس بصفة خاصة من استيطان فلسطين.
    وبعد ضغوط أوروبية صدرت في العام نفسه قوانين لا تسمح لليهود بدخول فلسطين إلا في حالة الحج والزيارة المقدسة، ولمدة ثلاثة شهور، كما صدرت في العام نفسه قوانين جديدة نصت على ضرورة حمل اليهود الأجانب جوازات سفر توضح ديانتهم اليهودية كي تمنحهم سلطات الميناء تصريحاً لهذه الزيارة المحددة المدة والهدف.
    ونظراً لتفشي الفساد في الجهاز الإداري التركي الذي كان يمثل ثغرة تنفذ منها موجات الاستيطان اليهودية، ونظراً للجهود الصهيونية والدولية المستمرة والمركزة للضغط في هذا الاتجاه آنذاك.. اتخذ السلطان عبد الحميد إجراءات حماية أكثر تشدداً للمحافظة على تلك البلاد، فجعل القدس عام 1887م سَنْجَقاً (2) مستقلاً عن ولاية دمشق، ومتصرفية لها اتصال مباشر بالباب العالي، وعززت الدولة قوة الشرطة في
    ميناء يافا، واستبعدت العناصر الفاسدة من بينها، كما وسعت مساحة الأراضي التي تسري عليها أوامر الحظر لتشمل أيضاً منطقة الجليل في شمال فلسطين بالإضافة إلى منطقة القدس، ثم أصدرت الدولة العثمانية في العام نفسه أوامر جديدة تقصر مدة المكوث لهذا الغرض إلى 31 يوماً بدل ثلاثة أشهر، وقد حدَّت هذه الإجراءات بالفعل من هجرة اليهود، وأدت إلى فرض حظر شبه كامل وفعال على هذه الهجرة، ثم قام سفراء أمريكا وبريطانيا وفرنسا بالضغط على الحكومة التركية، فتم لهم عام 1889م إلغاء القرارات الأخيرة والعودة إلى السماح بأشهر ثلاثة.
    وفي سنة 1892م صدر قانون يحرم بيع أراضي الحكومة في فلسطين إلى جميع اليهود، بما فيهم رعايا الدولة العثمانية اليهود، ويمنع أيضاً رعايا الدولة من بيع الأراضي لليهود، ولكن بريطانيا تدخلت أيضاً فاستطاعت التقليل من فاعلية هذه القرارات بطرق مختلفة تحت مظلة اتفاقيات الامتيازات والمعاهدات الدولية، أما عدد اليهود في هذه السنة فقد أصبح 40 ألفاً.
    وحتى عام 1897م (عام انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول) لم تفلح الجهود الصهيونية والضغوط الدولية في رفع عدد اليهود في فلسطين إلا إلى عدد يتراوح بين 50000 و 60000 يهودي، ولم يكن هذا العدد كفيلاً بتغيير التركيبة السكانية في فلسطين بما يحقق أهداف المشروع الصهيوني، كما أن مساحة الأراضي التي استطاعوا الاستيلاء عليها كانت ضئيلة للغاية.
    وإزاء ذلك، ولمعرفة اليهود بأن السلطان عبد الحميد هو أكبر عقبة في سبيل هذا المشروع بدأ الصهاينة يتوجهون بجهودهم لمحاولة التأثير عليه، عسى أن يُليِّن مواقفه، ومن ثم عاود هرتزل سعيه الذي كان بدأه عام 1896م، فقرر السفر مرة أخرى إلى إستانبول للاجتماع بالسلطان عام 1901م فقابله ثلاث مرات، عرض فيها مشروعاً صهيونياً بتوطين اليهود في فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً مقابل مساعدات مالية للدولة العثمانية تقضي بسداد ديونها وإصلاح اقتصادها، وتمخضت الاجتماعات عن رفض السلطان إعطاء فلسطين لليهود، إلا أنه وافق على هجرة اليهود إلى آسيا الصغرى والعراق لقاء دفع الديون المترتبة على الدولة، وهو عرض يدل على مدى حاجة الدولة العثمانية إلى الأموال لتحسين أوضاعها، ويدل في الوقت نفسه على أن رفض السلطان توطين اليهود في فلسطين كان لمكانتها الإسلامية والتاريخية والسياسية عنده.
    وبعدما حاول هرتزل عن طريق وسيط (رشوة) السلطان، أراد السلطان حسم الموقف بشكل نهائي وقطعي في موقف آخر يدل على ما ذكرناه من دوافع في محافظته على فلسطين، فقال للصدر الأعظم {رئيس الوزراء}: "انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض؛ فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى أرض فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة"، وهذا الرد يدل أيضاً على الدوافع الإسلامية للسلطان عبد الحميد والدولة العثمانية في الحفاظ على فلسطين.
    وبعد كل تلك الجهود الصهيونية والضغوط الدولية لم يزد مجموع من هاجر خلال سنوات الموجة الأولى الكبرى لهجرة اليهود (1882م 1903م) على عدد يتراوح بين 20 30 ألف مهاجر لا أكثر، وذلك بعد جهود مضنية وضغوط وإغراءات عرضنا بعضها، وعندئذ انقطع أمل اليهود في الالتفاف حول هذه الصخرة، فعزموا على تنفيذ أمر قد قرروه وأسروه من قبل: تحطيم هذه الصخرة.
    وبالفعل رَكِبَ اليهود جمعية الاتحاد والترقي العلمانية ذات العلاقات الماسونية واليهودية، واستطاعت هذه الجمعية في النهاية خلع السطان عبد الحميد، والإمساك بزمام الأمور في الدولة خاصة بعد إلغاء الخلافة على يد أتاتورك عام 1924م.
    لقد ناهض السلطان ما بوسعه الاستيطان اليهودي في فلسطين وقاومه باستمرار في حدود قدرات دولة آخذة في الاضمحلال تواجهها قوى أوروبية كبرى توافقت مصالحها مع مصالح الصهيونية، وهو وإن لم يستطع إيقاف هذا الاستيطان تماماً، إلا أنه لم يتنازل عن مبادئه قط، ولم يعط شرعية أو إذناً لهذا الاستيطان.
    وبوصول جمعية الاتحاد والترقي المنبثقة عن (تركيا الفتاة) إلى سدة الحكم إثر انقلاب عام 1908م، وخلع
    سلطان عبد الحميد الثاني عام 1909م خلعت قضية فلسطين الرداء السياسي الإسلامي، وفقدت آخر سند إسلامي رسمي وقتها، ودخلت بذلك هذه القضية النفق العلماني، لتكون في عهدة نظم ومنظمات جديدة لا تصطبغ بالصبغة (القديمة)، بل تدعي لنفسها (التقدمية).
    النبأ الثالث: فلسطين في عهدة العلمانية:
    بخروج فلسطين من المظلة السياسية الإسلامية عادت مرة أخرى كما كانت في سالف عهدها في الجاهلية: طريقاً إلى منافع مادية، أي إنها خرجت من إطار المبادئ إلى إطار المصالح، وهذه الأخيرة يمكن التفاوض والمساومة عليها، ولا مانع من إعادة تقييمها ومقايضتها إن لزم الأمر، بل لا مانع من التنازل عن بعضها أو استبدال غيرها بها.
    لم يخف اليهود غبطتهم لانقلاب الاتحاديين على السلطان عبد الحميد (مضطهد إسرائيل) على حد تعبير بعض الصحف اليهودية التركية ، وقد جنوا سريعاً ثمرات خروج فلسطين من المظلة الإسلامية ودخولها نفق العلمانية، فكان من الثمرات البادية للجميع: ارتفاع وتيرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وارتفاع نسبة الأراضي التي استولوا عليها، فعقب الانقلاب المشار إليه نقل الاتحاديون الموظفين الأتراك المعارضين للهجرة اليهودية من فلسطين إلى أماكن أخرى، ونظرت جمعية الاتحاد والترقي بعطف أكثر إلى الصهيونيين كمصدر للحصول على العون المالي للخزانة التركية المفلسة، وعليه وعلى الرغم من الاعتراضات العربية الشديدة : خففت القيود المفروضة على الهجرة وشراء الأراضي في وجه اليهود في العام 1913م، فأصدر الاتحاديون بعد نجاح انقلابهم تشريعاً يقضي ببيع جميع الأراضي السلطانية في الدولة بما فيها فلسطين بالمزاد العلني، ولولا يقظة عرب فلسطين، واندلاع الحرب العالمية الأولى، لضاعت فلسطين كلها منذ ذلك التاريخ(1).
    وهكذا ارتفعت نسبة اليهود إلى العرب في فلسطين إلى 9.7% في سنة 1914م، لتستمر في الارتفاع في ظل النظم والمنظمات العلمانية لتصل مقارنة بعرب فلسطين إلى 35.1 % قبيل سنة 1948م، وفي حين أن مجموع ما كان يحوزه اليهود من أراضي فلسطين قبل سنة 1914م لا يتجاوز 1.5 %، ارتفعت هذه النسبة لتصبح 7% قبيل سنة 1948م، وبينما كان مجموع عدد المستوطنات على عهد السلطان عبد الحميد عام 1907م لا يتجاوز 27 مستوطنة في فلسطين كلها، ارتفع هذا العدد ليبلغ 47 مستوطنة عام 1914م، ثم 71 مستوطنة عام 1922م، وفي عام 1944م قفز العدد إلى 259 مستوطنة، ليصل إلى 277 مستوطنة قبيل إعلان دولة إسرائيل عام 1948م(2).
    ولا شك أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية محلية ودولية متعددة ساهمت في ارتفاع وتيرة الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع إغفال (أخطاء) النظم والمنظمات العلمانية العربية التي ساهمت في هذه النتيجة، وعندما نقول (أخطاء) فإننا نصف محصلة الأفعال، أما أسباب هذه المحصلة فإنها تبدأ من الجهل والسذاجة وعدم الوعي، ولا تستثنى منها الخيانة والتآمر والعمالة.
    ومن هذه الأخطاء: ما ظهر مبكراً من ضعف الوعي السياسي لأهمية قضية فلسطين لدى النخبة العربية على المستوى الرسمي رغم ظهور كل هذه المؤشرات على الخطر الصهيوني ، ومن أمثلة ذلك الضعف: أنه "عندما عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913م، وردت إلى المؤتمرين عشرات رسائل التأييد للمؤتمر والتنديد بالخطر الصهيوني، وقد دعا مرسلوها إلى اتخاذ موقف حازم من الهجرة اليهودية، ومن مجموع 387 رسالة وردت إلى المؤتمر كان من بينها 139 رسالة وردت من فلسطين، ومع ذلك: تجاهل
    ؤتمر الخطر الصهيوني؛ مما أثار حفيظة عرب فلسطين.."(3).
    ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما ادعته بريطانيا عقب إعلان بلفور سنة 1917م من أن مراسلات حسين- مكماهون سنة 1915م 1916م قبل الثورة العربية ضد الدولة العثمانية.. تضمنت موافقة الشريف حسين بن علي الضمنية على استثناء فلسطين من المنطقة المتفق على إقامة دولة عربية عليها(4).
    لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد لتلك النخب، ولكن قبل أن نضع أيدينا على بقية الأخطاء التي استمرت حتى اليوم يحسن بنا أن نعرض لمعالم السياسة الصهيونية في الصراع على فلسطين:
    يمكن القول: إن أهم معالم السياسة الصهيونية في الصراع على فلسطين تتلخص في الآتي:
    1 - إخراج الإسلام من دائرة الصراع.
    2 - إيجاد قواعد أرضية للانطلاق منها في إيجاد واقع الكيان على أرض الواقع، ثم الانطلاق من هذه القواعد نحو التوسع والتغلغل.
    3 - هجرة أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين (ملء المجال الحيوي).
    4 - تهجير عرب فلسطين خارجها (تفريغ المجال الحيوي)، عن طريق:
    أ - طردهم من أراضيهم بالقوة المسلحة.
    ب - إرهابهم بالمذابح والحرب النفسية والدعائية.
    ج - تضييق منافذ العمل في وجوه العرب داخل فلسطين، مع تهيئة مواطن بديلة لاستقبالهم، والعمل على فتح مجالات العمل والاستقرار أمامهم في هذه المواطن.
    5- تفتيت التكتل المعادي (الإسلامي- العربي) بتعدد محاور تجمعه، وإثارة نزاعات داخلية بينه، وإقامة دويلات طائفية مسالمة حول الكيان الصهيوني.
    وفي المدى البعيد:
    6 - العمل على ربط المصالح الغربية الاستراتيجية في المنطقة بالمصالح الصهيونية.
    7 - إقامة دولة عصرية يمكنها الاعتماد على نفسها فيما بعد.
    8 - الاستقرار والأمن، بالانتقال إلى السلام والشراكة مع الدول المحيطة عن طريق المعاهدات والأحلاف خاصة مع دول الجوار .
    9 - غزو دول المنطقة بالتغلغل السلمي وقيادتها نحو منظومة إقليمية جديدة(1).
    النبأ الرابع: آثار دخول فلسطين النفق العلماني:
    نعود إلى السؤال: ما الذي طرأ على قضية فلسطين بدخول العلمانية إلى حلبة الصراع بديلاً عن الإسلام في الفكر والممارسة الواقعية ؟.
    إن المتأمل في المخطط الصهيوني السابق ذكره يدرك أن العلمانية كانت مفتاح تحقيق هذا المخطط، وإذا كان سقوط الدولة العثمانية باعتبارها دولة خلافة إسلامية أدى بشكل شبه تلقائي إلى تحقيق النقطة الأولى والخامسة من المخطط.. فإن التجربة العلمانية السياسية التي عملوا على إغراق بلادنا فيها عملت على ترسيخ هذه المكاسب الصهيونية مع تحقيق النقاط الأخرى من المخطط الصهيوني، ليس فقط في الواقع السياسي، ولكن أيضاً في أفكار الشعوب وسلوكياتهم، وذلك من خلال:
    أولاً: الافتقار إلى البعد الرسالي للقضية بتنحية الإسلام من الصراع:
    فالصراع في قضية فلسطين صراع حضاري تصادمي في أساسه، والإسلام في هذا الإطار هو القادر على المواجهة وهو المستهدف فيها.. هذا ما يدركه الصهاينة ويتجاهله العلمانيون، في الوقت الذي يضعون أنفسهم في الخندق المعادي للرؤية الإسلامية.
    ف (إسرائيل) لم تكن فقط مجموعة من البشر سكنت مساحة من الأرض، ولكنها قامت في الأساس على رؤية (حضارية)، فحاييم وايزمان أول رئيس للدولة الصهيونية يعلن في المؤتمر الصهيوني السابع قبل أكثر من أربعين سنة من إعلان دولتهم أن "... اجتذاب أنظار العالم إلى قضيتنا يستمد مفعوله وتأثيره من الهجرة والاستعمار والثقافة..."(2)، أما إعلان الدولة العبرية فقد تصدَّر بما يلي: "أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة
    رة الأولى، وخلق قيماً حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد"! ويقول أول رئيس وزراء في الدولة الصهيونية ديفيد بن جوريون: "علينا أن نشكل شخصية دولة إسرائيل وإعدادها للاضطلاع برسالتها التاريخية المثلثة: جمع الجوالي، بناء الإنسان، حياة الحرية والمساواة والعدالة"(3).
    ولذلك عرف الصهاينة أن عدوهم الحقيقي الذي يتصادم مع (رسالتهم التاريخية) هذه في المنطقة هو الإسلام، والإسلام الحقيقي وحده، يقول بن جوريون: "نحن لا نخشى الثوريات ولا الديمقراطيات ولا الاشتراكيات في هذه المنطقة!، نحن نخشى الإسلام فقط، هذا العملاق الذي طال نومه، ثم بدأ يتململ من جديد"(1)، فالعلمانية بأطيافها المتعددة لا تخيف قادة الصهاينة، ولكنه الإسلام فقط، لذا: عملوا جاهدين على محاربته وإخراجه من دائرة الصراع، وهو ما قامت به العلمانية.
    فإذا كان هذا هو موقف العدو (الرسالي) تجاه نفسه وتجاه خصمه (الحضاري)، فما هو موقف العلمانيين من أبناء جلدتنا؟!:
    من المعروف أن العلمانية اتجاه فكري حياتي نشأ في الغرب، ثم انتقل بألوانه المتغايرة وتطبيقاته المتعددة إلى بلادنا عن طريق نخب متغربة صريحة أو مستترة ، لذا: فإن هذه النخب عندما تخلت عن المذهبية الإسلامية لم تجد نفسها في وضع تناقضي مع (الحضارة الغربية) التي تعد (إسرائيل) ممثلتها في الشرق، وعليه: يصعب على هذه النخب الدخول في صراع تصادمي حقيقي (أساسه المبادئ وليس المصالح) مع هذه الدولة، وتبقى بعد ذلك مسألة (أرض) فلسطين وبعض الخلافات والنزاعات الثانوية الأخرى التي يمكن النظر فيها والتفاوض عليها برعاية آباء هذه الحضارة التي تظلهم وتظل (خصومهم) الصهاينة، لذلك: فمن الممكن عند العلمانيين الوقوف على أرضية مشتركة بينهم وبين دولة (إسرائيل) التي ولدت بشرعية دولية يحترمها جميع العلمانيين ، ومن الممكن أيضاً: إيجاد أنصاف (أو أخماس) حلول والالتقاء في منتصف الطريق مع هذه الدولة.
    والسبب الرئيسي في ذلك: أن العلمانية السياسية قامت في بلادنا على نفي مفهوم الولاء والبراء الإسلامي واستبعاد توجيهات الشريعة الإسلامية من دائرة صنع القرار، واستبدلت بهما إطار القومية العربية أو الوطنية الإقليمية، مع الدخول في لعبة الشرعية الدولية ومنظومتها، وليس بجديد أن نقول إن القومية العربية والقومية التركية والقومية اليهودية (الصهيونية) خرجت جميعها (فكرياً وعملياً) من معين واحد، أساسه فكرة الدولة القومية التي نشأت في الغرب.
    فحلول العلمانية السياسية محل الإسلام في الصراع على قضية فلسطين كان أكبر عامل خدم الصهيونية، عندما لم تجد أمامها طرفاً آخر مبايناً ومواجهاً لها.
    ثانياً: الافتقار إلى العداوة المبدئية وإرادة القتال:
    ولكن ما هو البعد العملي الذي ترتب على دخول العلمانية السياسية ممثلة في القومية العربية أو الوطنية الإقليمية حلبة الصراع في فلسطين بديلاً عن الإسلام؟
    طرأ بانتقال قضية فلسطين إلى الريادة العلمانية: إزالة الحاجز العقدي المتمثل في الولاء والبراء، ذلك الحاجز الذي كان قائماً بين المسلمين والصهاينة عندما كان الإسلام هو موجه المشاعر، وعليه: لم يصبح اليهود الصهاينة أعداء من منطلق عقدي ديني، ولم يصبحوا مغتصبين لبقعة تمثل جزءاً مهماً ومميزاً في البناء المعنوي للمسلمين، بل أصبحوا خصوماً (أو أعداءً) مغتصبين مثلهم مثل أي دولة إقليمية حتى ولو إسلامية أو عربية يمكن أن يكونوا اليوم معهم في حالة عداء (على المرعى والماء) كما يمكن أن تزول غداً هذه العداوة.
    وهذا البعد المستجد يتضح جليّاً في تلون العلمانيين وتبدل مواقفهم وسقوط ثوابتهم، بل لقد صرح بعضهم بسقوط هذه العداوة بلا مواربة، فلقد صرح أحد القادة العرب المشاركين في القضية بسقوط هذا الحاجز أثناء محادثات بينه وبين اليهود في شهر 1-1949م استهلها قائلاً: "يقال إننا أعداء، يشهد الله أننا لسنا أعداء ! "(2).
    وكلما ازدادت العلمانية بعداً عن الإسلام وتطرفت مشرقة أو مغربة كلما ازدادت فرصة تفاهمها والتقائها وتعايشها مع (إسرائيل) المجتمع والدولة؛د كانت تركيا (الأتاتوركية) وإيران (الشاهانية) أكبر مثال على ذلك، فهما أول دولتين في العالم الإسلامي تعترفان بدولة (إسرائيل)، كان ذلك في 17-3-1950م، ومعلوم مدى التطرف العلماني (ذي التوجه الغربي الليبرالي) الذي كانت تعيشه هاتان الدولتان، وغير خافٍ تعاون شاه إيران السابق مع (إسرائيل) ومدها بالبترول أثناء حرب 1973م، وغير خافٍ أيضاً التعاون المستمر حتى الآن عسكرياً واقتصادياًّ وسياسياًّ بين تركيا وإسرائيل.
    وعلى جانب آخر: وقفت قوى العلمانية المرتبطة بشرق أوروبا (أيام الشيوعية والاشتراكية) موقفاً مخزياً من قضية فلسطين في وقت مبكر، "فقد انتقدوا (التدخل) العربي في حرب عام 1948م، وطالبوا بسحب الجيوش العربية (الغازية)، واعتبروا الحرب مؤامرة استعمارية رجعية تهدف إلى منع قيام دولة يهودية، وطالبوا بإتاحة الفرصة للشعب اليهودي ليقيم دولته القومية في فلسطين، ولم يقتصروا على هذا، بل سيروا التظاهرات في العواصم العربية مطالبين بإقامة دولة يهودية!"(1).
    وبواكير دعاوي الصلح مع الدولة الصهيونية ظهرت وما زالت على أيدي (الرفاق) الشيوعيين واليساريين الذين تجمعهم مع (رفاقهم) الشيوعيين اليهود وحدة الفكر والانتساب إلى الأممية الشيوعية "حيث بدأ مسلسل مساعي الحوار (العربي الإسرائيلي) منذ عام 1965م حينما وجه المحامي المصري اليساري يوسف حلمي بالاشتراك مع الزعيم الشيوعي اليهودي المصري هنري كوريال رسالتين لكل من جمال عبد الناصر وبن جوريون يدعونهما فيهما باسم (الحركة الديمقراطية) و (حركة السلام المصرية) لعقد مؤتمر للسلام بمشاركة الدول العربية و (إسرائيل) ودول عدم الانحياز والدول الكبرى، ولكن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م أجهض تلك المحاولة...
    وبعد عدوان 1967م التقى النقيب السابق بالجيش المصري (أحمد حمروش) رفيق كوريال في الحزب الشيوعي المصري وعضو (الحركة الديمقراطية) و (حركة الضباط الأحرار) مع كوريال وأريك رولو في باريس، حيث رتبوا اللقاء بين جمال عبد الناصر وناحوم جولدمان رئيس (المؤتمر اليهودي العالمي)(2)، وقد أجهضت المحاولة بوفاة عبد الناصر عام 1970م"(3).
    ولا يستغرب أي عارف بحقيقة الشيوعية هذه المواقف من معتنقيها؛ فالأممية الشيوعية تتناقض مع غيرها من الأمميات وعلى رأسها الأممية الإسلامية ، بينما تتساوى عندها القوميات المختلفة عربية، أو يهودية (الصهيونية) ، ويمكن أن تتعايش معها بحظوظ مختلفة بحسب اقتراب هذه القوميات من مبادئها وتحقيقها لمصالحها، كما أن الشيوعيين العرب يعدون إخوانهم الشيوعيين اليهود في (إسرائيل) (رفاقهم) في الشيوعية.
    ولم يقف التلاقي والتعايش مع الصهاينة عند حد اليساريين العرب، بل تعداه أيضاً إلى اليساريين الفلسطينيين أنفسهم، فنايف حواتمة أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يطالب في حديث صحفي بتأسيس برنامج جديد لتصحيح الحالة الفلسطينية "باستراتيجية نضالية (!) بكل ما هو ممكن، واستراتيجية تفاوضية في إطار قرارات الشرعية الدولية"(4)، وهي القرارات التي سنعرض لها لاحقاً إن شاء الله تعالى، وهذا الموقف نفسه تقريباً هو موقف جورج حبش والجبهة الشعبية.
    وغير خاف مدى ضلوع اليساريين والشيوعيين السابقين في جهود التطبيع والدعوة إلى التعايش مع الدولة الصهيونية، ومن ذلك: إعلان تحالف كوبنهاجن عام 1997م وتأسيس (جمعية القاهرة للسلام) في العام الذي يليه، بدعم أوروبي وأمريكي.
    وهذه الجهود والمساعي إلى التعايش والسلام من قبل هؤلاء تجاه الدولة الصهيونية نراها منطقية في ضوء ما ذكرناه سابقاً عن منطلق العلمانيين وتوجهاتهم؛ فبعد سقوط العداء المبدئي بين العلمانيين والكيان الصهيوني نتيجة تنحية الإسلام عن ساحة الصراع:

    قد العلمانيون إرادة المواجهة والقتال تبعاً لذلك، وتوجهوا إلى شرعيتهم الدولية يسألونها (حقوقهم المشروعة) ويرضون بالفتات الذي يلقى إليهم في ظل الاستعداد للتعايش مع كيان لا يرونه مناقضاً لهم حتى ولو اختلفوا معه، أو رأوه ظالماً وغاشماً .
    وافتقدت الأنظمة العلمانية إرادة القتال حتى في أوج مدها الثوري المزعوم، ف "... منذ أن جاؤوا وهم يعدون العدة لحرب فلسطين! ويعلنون أنهم سيختارون مكان وزمان المعركة، ولن يسمحوا لإسرائيل بأن تجرهم إلى معركة لا يحددون هم مكانها وزمانها وسلاحها.. وكل الأمم التي فنيت، بل كل الكائنات التي اندثرت، كانت تحلم بمعركة تدور وفقاً لشروطها، تحدد هي مكانها وزمانها وأسلحتها، وراعها وهي تباد تحت ضربات خصمها أنه لم يلتزم بأمانيِّها وضربها قبل أن تنتهي من تحديد الزمان واختيار المكان وإتمام شحذ السلاح! وأنه نجح دائماً في جرها إلى المعركة الخاسرة.
    إن إرادة القتال هي التي يجب أن تتوفر أولاً، ويأتي بعد ذلك تخير أفضل الظروف للقتال..".
    "وفي كل مرة كان انفعالهم {بعد ضربات إسرائيل} ينعكس في شكل دهشة ومرارة العاتبين.. وليس أدق في الدلالة عن حالتهم هذه من التعبير المفضل عندهم وهو (العدوان الغادر)!..
    ونقبوا في جميع القواميس، إن وجدتم أحداً قبلهم وصف ضربات عدوه المصيري بأنها (غدر) !.. الغدر يأتي من الأصدقاء، أو ممن لا نحمل لهم أية نوايا عدوانية، ولا نتوقع منهم عدواناً.."(1).
    وليس أدل على عدم إرادتهم القتال من عدم استعدادهم الجدي له على مدى أكثر من تسعين عاماً، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة {التوبة: 46}.
    ثالثاً: هدر الطاقات والحيلولة دون مواجهة العدو:
    1 - وفي المقابل: وقف كثير من النخب السياسية العلمانية حائلاً دون منازلة القوى الشعبية مع الصهاينة عسكرياً وسلمياً ، بل إن هذه النخب اصطدمت دوماً بالحركة الإسلامية التي كانت رأس الحربة في هذه المنازلة بدل التعاون المفترض معها، وما ذلك إلا لأنها وجدت في هذه الحركة خطراً عليها، فناصبتها العداء؛ لتضع العلمانية بذلك نفسها في خندق واحد مع الصهيونية في مواجهة التيار المعبر عن رسالة هذه الأمة وأصالتها.
    وهكذا بات الإسلام الحقيقي (الذي يسمونه أصولياً) عدواً مشتركاً للعلمانية والصهيونية، فأصبح تحالفهما للقضاء على هذا الخطر الذي يهدد بقاءهما هدفاً مشتركاً تلتقي عليه جهودهما، ومن ثم: كانت النظم العلمانية حاجزاً تلقائياً بين المقاومة الإسلامية (العسكرية والسلمية) والعدو الصهيوني، بل أصبح ضرب الحركات الإسلامية وتصفيتها مؤشراً على مكاسب صهيونية قادمة مرتبطة بتنازلات أو إخفاقات علمانية تستلزم (تأمين الجبهة الداخلية) بإخلائها من المعارضين النشطين المتوقعين لهذه المكاسب وتلك التنازلات، أي: إخلائها من الحركات الإسلامية ورموزها الفعالة، بل أصبح الضغط أو تخفيفه على هذه الحركات (ورقة) تفاوضية ابتزازية تلوح بها هذه النظم العلمانية في وجه الغرب أو في المفاوضات مع الدولة الصهيونية كلما أحست بالإفلاس السياسي.
    ومسيرة الأحداث تؤكد ذلك التعاون بين العلمانية والصهيونية، أو على الأقل: تؤكد أن العلمانية كانت حاجزاً تلقائياً بين المقاومة الإسلامية والعدو:
    - فأولى التحركات العسكرية الشعبية الواسعة، وهي ثورة 1936م (1935م 1939م) والتي استمرت توابعها بعد ذلك، كان يحمل لواءها مجاهدون من جمعية الشبان المسلمين، وكان يقودها الشيخ عز الدين القسام، ثم نشط بعد ذلك جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني، وتمكن المتطوعون في هذه الثورة المسلحة من تحقيق انتصارات متلاحقة خلال عامي 1938و 1939م، ولكن بجانب تحرك القوى البريطانية والعصابات الصهيونية كان خذلان الأنظمة العربية العلمانية لهذه الانتفاضة، فشحُّوا بالدعم المادي لقادة الثورة وهم في أمس الحاجة إليه ليستمروا في جهادهم، بل سارعت هذه الأنظمة بإيعاز من بريطانيا إلى احتواء هذه الظاهرة تحت شعار الوساطة وحقن الدماء" معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل"، ولا شك أن هذه الثورة كانت خروجاً عن حسابات وسياسات الاستعمار والأنظمة العربية
    علمانية "خصوصاً أن الثورة أبرزت قيادات ثورية لا تعرف المهادنة أو أنصاف الحلول !"(2).
    - وقبل حرب 1948م وأثناءها تحرك الإخوان المسلمون على الصعيدين الشعبي والعسكري، فاستطاعوا تحريك الرأي العام المصري تجاه القضية الفلسطينية من الزاوية الإسلامية، وقد برز دور الإخوان المسلمون أثناء ثورة فلسطين الكبرى عام 1936م، عندما سارعوا إلى تنظيم المظاهرات، وألفوا اللجان لتلقي التبرعات وإرسالها إلى اللجنة العربية العليا، وقاموا بإرسال برقيات احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين ووزارة الخارجية البريطانية وعصبة الأمم، وأخرج الإخوان في مصر أكثر من نصف مليون متظاهر إلى شوارع القاهرة في اليوم الثاني لصدور قرار تقسيم فلسطين في 29-11-1947م، وأعلنوا رفضهم للقرار، مؤكدين عروبة فلسطين وإسلاميتها، مما مثل التجسيد المادي لحضور القضية الفلسطينية في الشارع المصري.
    وقد سطر متطوعو الإخوان في حرب 1948م ملاحم تغنى بها الفلسطينيون وأكسبت الجماعة الاحترام والتأييد، خصوصاً في ظل الموقف الداعم لقرار التقسيم من قبل الحزب الشيوعي الفلسطيني! النقيض الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين ومنافسهم الشعبي آنذاك، وفي ظل الضعف والعجز العربي الرسمي.(1) .
    فماذا كان الموقف العلماني الرسمي إزاء ذلك؟:
    عرقلت الحكومة برئاسة النقراشي باشا جهاد الإخوان المسلمون بطرق عديدة ؛ لأن "الحكومة تنظر بعين الريبة إلى حركات الإخوان وتخشى أن يؤلفوا جيشاً في فلسطين يكون بعد ذلك خطراً كبيراً على سلامة الدولة"(2)، وفي الوقت الذي كانت المعارك مستعرة بين هؤلاء المتطوعين وعصابات الصهيونية نصبت الحكومة ما عرف باسم (قضايا الإرهاب) و (قضايا الأوكار)، وتم حل الإخوان المسلمين رسمياً، وسيق زعماؤهم إلى المنافي والمعتقلات، واغتيل مؤسسها ومرشدها العام الشيخ حسن البنا، في وقت كان يعد العدة فيه لإعلان الجهاد العام والتعبئة الشعبية لتكوين قوات كبيرة يدخل بها فلسطين، وهكذا تم منع الإخوان من مواصلة جهادهم ضد اليهود(3).
    ولا يخفى الرابط بين هذه الإجراءات ودور هذه الحركة في قضية فلسطين: ففي إشارة ذات مغزى يعلق محررا مذكرات ديفيد بن جوريون على ما ذكره في يوم 6-12-1948م بأن حكومة النقراشي راغبة في الخروج من الحرب، ولكن النقراشي باشا يخشى (الوضع الداخلي) إذا بدأ محادثات سلام !.. يعلقا بقولهما: "ازداد غليان (الإخوان المسلمين) في مصر، وفي كانون الأول - ديسمبر فرض حظر على التنظيم واعتقل قادته (في حين كان أعضاؤه يقاتلون في أرض إسرائيل)"(4).
    - والآن من المعروف أنه بعد انتكاس حركات تحرير فلسطين (الفندقية) لم يبق في ساحة الصراع الحقيقي والعملي مع العدو الصهيوني سوى الحركات الإسلامية، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان، وهذا يعرفه الجميع.
    هذا في الوقت الذي تحولت فيه منظمات التحرير الفندقية إلى (جنين) نظام علماني يرتبط صراحة مع دولة العدو ومع أمريكا بتعهدات واتفاقات سياسية وأمنية واستخباراتية للتعاون في مواجهة (الإرهاب) الذي هو حركات مقاومة العدو الصهيوني، ووفقاً لهذه التعهدات والاتفاقيات تقوم أجهزة الأمن (الفلسطينية) بحملات اعتقال ودهم لعناصر هذه الحركات، كما يتم تبادل المعلومات مع أجهزة الأمن (الإسرائيلية) حول هذه الحركات، ويتم تأميم مساجدها ومؤسساتها وطرق اتصالها بالجماهير، بل يتبجح مسؤولو السلطة بهذا التعاون، باعتباره وفاءً بالتزامات لاتفاقيات دولية !، وهكذا كان "التعاون اللصيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن في إسرائيل،

    السلطة الفلسطينية، والأردن، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، هو الذي أجهض جزءاً كبيراً من عمل حماس العسكري، وكذلك الجهاد الإسلامي ؛ فقواعد المعلومات الأمنية بين هذه الأطراف أصبحت مشتركة (!) وواحدة، ولم يعد أحدها يبخل على الآخر بما لديه، وتبادل المعلومات والمراقبة اللصيقة يتمان بتنسيق وتناغم"(5).
    - ولم يقتصر الأمر على جهود النظم العلمانية لمحاصرة المقاومة العسكرية للعدو الصهيوني والوقوف حائلاً دونها، بل تعدتها إلى العمل على محاصرة المقاومة الشعبية غير العسكرية وإجهاضها، ففور اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة تسارعت جهود النظم العلمانية لعقد المؤتمرات باشتراك إسرائيل وأمريكا من أجل احتواء (العنف) وإيقافه والعودة إلى مسار المفاوضات، وتعالت صيحات بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين (الحكماء) من فوق مقاعدهم الوثيرة بأن تحرير فلسطين لن يتم بإلقاء الحجارة ونزف الدم الفلسطيني.
    وعندما تعاطفت جماهير العالم الإسلامي مع إخوانهم في فلسطين خرج من يلقي عليهم المواعظ السياسية التي تدعوهم إلى الواقعية الحكيمة؛ لأن مظاهر هذا التعاطف لا تفيد شيئاً في تحرير فلسطين، بل إن الدعوات إلى مقاطعة البضائع والشركات الأمريكية والإسرائيلية التي نشطت مؤخراً ولقيت تجاوباً شعبياً واسعاً.. لم تسلم من انتقادات حكومات ورموز علمانية، فتعالت مرة أخرى صيحات الحكماء العلمانيين بعدم جدوى هذه المقاطعة وعدم القدرة عليها، ولا شك أن هذه المواقف متوقعه ممن ربطوا بلادهم سياسياً واقتصادياً بالغرب، بحيث أصبح قطع حبل العلاقات بالغرب قطعاً لشريان حياتهم هم.
    رابعاً: التمزق والتشرذم في مواجهة عدو متكتل:
    لم يقتصر التأثير السياسي للعلمانية في قضية فلسطين على إخراج الإسلام من دائرة الصراع وما تبع ذلك من افتقار إلى البعد الرسالي في الصراع، وإلغاء العداوة (من أجل المبدأ)، والافتقار إلى إرادة القتال، وهدر الطاقات الإسلامية والشعبية في هذا الصراع.. ولكن هذا التأثير حقق أيضاً هدفاً آخر من المخطط الصهيوني، وهو تفتيت التكتل الإسلامي، وإدخال الأمة في دائرة تمزقات متشعبة، وإدخال الأفراد في متاهة اغتراب قيمي عندما ضاعت بوصلة هويته على يد العلمانية.
    فاختلاف مذاهب العلمانية وتطبيقاتها، وتباين كل قطر في توجهاته ومصالحه (التي لم تعد موحدة).. مزق جهود هذه الأقطار في مجالات عديدة فكرية وجغرافية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، فبين الليبرالية ودرجاتها، والاشتراكية ونظرياتها، والقومية وتطبيقاتها، وبين الارتباط بالغرب أو بالشرق أو محاولة التوسط والتوفيق بينهما ضاعت جهود الأمة، أو تحولت إلى تصريحات جوفاء ومشاهد مسرحية دعائية يقوم بها الزعماء العلمانيون؛ لإلهاء الشعوب وحفظ ماء الوجه أمامها.
    فالعلمانية عندما اعتمدت القومية العربية إطاراً للصراع تكون قضية فلسطين قد خسرت تلقائياً إمكانات وجهود الأقطار الإسلامية غير العربية من المشاركة في هذا الصراع، وليس أدل على ذلك من اعتراف إيران وتركيا مبكراً كما ذكرنا سابقاً بالدولة الصهيونية ومد يد التعاون معها.
    زد على ذلك: أن العلمانية لم تكتف بتحييد الشعوب الإسلامية غير العربية في الصراع، بل عملت أيضاً على تحييد الشعوب العربية نفسها، عندما كرست التوجه القائل بأن قضية فلسطين قضية فلسطينية تخص شعب فلسطين وحده، ولا يبقى للشعوب العربية الأخرى إلا أن (تتعاطف) مع هذا الشعب في محنته ومأساته.
    وقد كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وانحرافها العلماني إحدى الخطوات في (فلسطنة) الصراع، وجدير بالذكر في هذا المجال (التمزق والفلسطنة) أن (زعيم القومية العربية) جمال عبد الناصر، وقبيل بدء مغامراته الاستنزافية والتمزيقية في اليمن، كان قد أعلن في فبراير عام 1958م قيام دولة وحدة عربية بين مصر وسورية، ف "استبشر بها الفلسطينيون خيراً، وبنوا الآمال الكبار عليها متوقعين من دولة الوحدة اتخاذ خطوات إيجابية لعودة الفلسطينيين إلى بلادهم وتحرير أرضهم المحتلة، إلا أن

    خيبة أملهم كانت كبيرة عندما رفض عبد الناصر طلباً تقدم به الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا بقبول فلسطين في الاتحاد السوري المصري. ويبدو أن عبد الناصر كان متخوفاً من أن يؤدي قبوله بهذه الوحدة إلى تحمله مسؤولية تحرير فلسطين وممارسة الضغوط عليه لإعطاء المسألة الفلسطينية دوراً أكبر، بينما لم يكن عبد الناصر يعطي الأولوية للقضية الفلسطينية. ويقول باتريك سل: إن دولة الوحدة لم يكن القضاء على إسرائيل هدفاً من أهدافها"(1).
    وذلك يؤكد أن القومية العربية العلمانية في ممارستها العملية كانت أداة لتمزيق القوى المواجهة للعدو الصهيوني، ولم تكن أداة للتوحد العربي كما يزعمون أو يُنَظِّرون.
    وإذا أخذنا لدراسة هذا الأثر العلماني مجالاً يتأثر بغيره من المجالات ويؤثر في غيره أيضاً، وهو المجال العسكري، نموذجاً لهذا التمزق، نجد أن من أهم أسباب الهزيمة في فلسطين باعتراف جميع الأطراف هو ذلك التمزق الذي اعتراه.
    فإضافة إلى أخطاء النظم العلمانية العسكرية الأخرى، كالتهوين من قوة العدو والاستخفاف بها، والأسلحة الفاسدة، وضعف التدريب والتسليح، والافتقار إلى التخطيط الجيد... كان لتشرذم القوات العربية تحت قيادات مختلفة متخالفة أثر كبير في الهزيمة العسكرية، ففي حرب 1948م يعرض ديفيد بن جوريون وجهة نظره في أسباب هزيمة العرب التي ساهمت في انتصار اليهود عسكرياً عليهم بأنها:
    "1- خطتهم الاستراتيجية كانت سيئة، ولا سيما خطة المصريين.
    2- لم تكن لديهم قيادة موحدة {أثر العامل السياسي}.
    3 - تسليحهم لم يكن كافياً لم يكن هناك قوة جوية، ومصر كانت ضعيفة في البحر.
    4- الطاقة البشرية المجندة لم تكن كافية أيضاً. استطعنا تعبئة قوة أكبر من قوتهم .
    5 - معنوياتهم منخفضة {لافتقاد الهدف وضياع الهوية والتخبط العسكري}.
    6 - قدرة تعلم منخفضة.
    7 - لم تكن عندهم صناعة عسكرية {أثر العامل الاقتصادي والعلمي}(1).
    وهذا ما يقر به علمانيو العرب أنفسهم، ولكن بالطبع بعد انتهاء المعارك.
    بل وصل هذا التشرذم والتمزق إلى حد بعيد قد لا يتصوره أي (متعاطف) مع القضية الفلسطينية: فيذكر بن جوريون في يومية 16-1-1949م أن موشيه دايان عاد بعد حديث مع أحد القادة العرب ليخبره أن "العجوز يشكو من الإنجليز الذين هو عبدهم (!)، يطلب عدم ترك المصريين، لا سمح الله !، في غزة، من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان، أن نأخذها نحن، شرط ألا يأخذها المصريون (!)"(2)، أما النظرة الاستراتيجية عند هذا (العجوز) فيوضحها هو نفسه لليهود قائلاً: "إذا غادرت الدول العربية البلد فإننا سنقيم معاً"، وفي صراحة لا لبس فيها يوضح أنه "لا يريد محادثات مشتركة مع الدول العربية، وهذه عليها المغادرة"، بل إنه لا يعترف بحق أي دولة في أن تكون موجودة في البلد {فلسطين} باستثناء اثنتين: إسرائيل ودولته"(3).
    ولا شك أن هذا التمزق والتشرذم العسكري والسياسي كان عاملاً مهماً في الهزيمة العسكرية وما صاحبها ولحقها من تراجع سياسي، تمثل في اكتساب الصهاينة أرضاً جديدة وقبول العرب الهدنة التي مكنت العدو من إعادة تنظيم صفوفه وتعويض وتجديد تسليحه، والتفرغ لبناء دولته في ظل اعتراف عربي ضمني بحدودها، بينما تحطمت القوة العربية وتدنت الروح المعنوية في صفوف جنودها، أما عرب فلسطين: فكان لهم الشتات!.
    كان هذا أيام النكبة العلمانية، ولا يختلف الأمر كثيراً في نكستهم الثورية التقدمية الوحدوية... سنة 1967م:
    فقد وقعت هذه النكسة (هكذا يطلق إعلامهم على هذه الهزيمة وكأنهم كانوا منتصرين قبلها) وقعت
    د استنزاف طويل وصراع بين عدة أطراف عربية، ورطها فيها زعيم القومية العربية آنذاك جمال عبد الناصر، كان منها: حرب اليمن والوحدة الفاشلة بين مصر وسورية.
    ويؤكد مراسل حربي لجريدة الأوبزرفر على حقيقة تسبب التفرق والتشرذم في هذه الهزيمة، فيقول: "إن الإسرائيليين اعتمدوا في ذلك على أن القوات العربية ليست تحت قيادة موحدة، وإن الأحداث أكدت صحة هذا الاعتقاد".
    وقال: "... وعلى الجبهة الشمالية سورية، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين، وكانت عمليات القوات السورية محدودة جداً، فلم يقم السوريون بأية عمليات جدية لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وانحصرت مساعيهم في هجومات محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين"(4).
    وتعجب بعد ذلك لجريدة (الثورة) تخرج بعد اكتمال الهزيمة لتلقننا درساً وحدوياً قائلة "... كان يمكن أن تكون نتائج المعركة أعظم بكثير لو توافر تنسيق أوسع للاستراتيجية العربية ورافق ذلك توزيع أدق للقوات"(5).
    ولا شك أن العلمانية بتمزيقها للأمة وإدخالها في صراعات تستهلك قدراتها وتلهي شعوبها قد أسدت إلى الدولة الصهيونية خدمة كبرى وحققت لها هدفاً بعيداً، "وأي شيء هو أسعد لإسرائيل من أن تلقى دولاً مفككة، ممزقة، هزيلة، يمعن بعضه في تحطيم وتجريح البعض الآخر، ويضمر له من العداوة والضراوة والكره عشرة أمثال ما يضمر لإسرائيل؟ !"(1).
    وقد كان هذا الهدف لدولة العدو يخطط له من قديم بأسلوب ثانٍ تحقق في الواقع أيضاً، هو: إقامة دويلات طائفية حول الدولة الصهيونية، ولا يمنع إذا استدعى الأمر محاولة تقسيم بعض الدول الكبرى على هذا الأساس(2) ؛ لتكوّن هذه الدويلات حزاماً أمنياً يمثل خط دفاع متقدم عن اليهود، وهو أحد عناصر ما يعرف بتأمين المجال الحيوي(3)، وهنا يبرز المثال الواضح لذلك التخطيط، وهو دويلة الرائد سعد حداد التي انفصل بها في جنوب لبنان عام 1979م، ثم غزو لبنان الكامل ومحاولة فرض اتفاقية (سلام) مع قادة القوات اللبنانية الكتائبية المارون عام 1982م.
    ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المخطط مخطط قديم، دأب قادة العدو على تحين الفرصة المناسبة لتنفيذه، فيذكر بن جوريون في يومياته (19-20-12-1948م) اقتراحات بعض القادة بهذا الخصوص في إحدى جلسات الحكومة، من ذلك اقتراح مردخاي بنطوف: "يجب تحطيم الحلقة الأضعف، كان هذا في لبنان الماضي، كان يمكن الذهاب إلى بيروت وتأليف حكومة مارونية (بقيادة المسيحيين الموارنة) وإبرام سلام معها"، و "يقترح جوش {بلمون }، بموافقة يغئيل {يادين} جيشاً عربياً غير نظامي (غير إسلامي) كي يشكل حزاماً"(4).
    وهي الفكرة التي نوقشت مرة أخرى سنة 1954م وقت أن كان موشي شاريت رئيساً للوزراء، وقد وافق شاريت على مبدئها وإن اختلف مع بن جوريون في ظروف وتوقيت تنفيذها، ويذكر شاريت أن الفكرة نفسها نوقشت أيضاً في 16-5-1955م أثناء اجتماع مشترك لكبار موظفي وزارتي الدفاع والخارجية، فبعد أن أثارها بن جوريون عبّر دايان فوراً عن مساندته بحماس: "حسب رأيه (دايان) الشيء الوحيد الضروري هو العثور على ضابط، ولو برتبة رائد (!) فقط، وعلينا إما أن نكسب قلبه أو نشتريه بالمال، ليوافق على إعلان نفسه مخلِّصاً للسكان الموارنة، وعندئذ يدخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، ويحتل المنطقة الضرورية، ويخلق نظام حكم مسيحي يكون


    يتبع أن أردتم أن أزيد
    مع تحياتي أخوكم الفيصل
     

مشاركة هذه الصفحة