مقالات عن العصيان المدني

الكاتب : عبد الحكيم الفقيه   المشاهدات : 2,532   الردود : 45    ‏2007-07-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-07-22
  1. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007



    http://www.alkarama.net/article.php3?id_article=16


    العصيان المدني
    حسن حنفي
    تتعدد أشكال المقاومة طبقا لظرف كل وطن ومصدر العدوان عليه، من الخارج أم من الداخل، مثل المقاومة المسلحة، والحركات السرية، والسير نحو القصر الرئاسى. ومنها العصيان المدنى وهو أحد أشكال المقاومة السلبية المشروعة.


    ويعنى تحرك المجتمع المدنى فى كافة قطاعاته وبمبادرة من أحزاب المعارضة والمنظمات الأهلية للتعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية بعد أن تفاقمت وتراكمت عبر السنين. ولم يستطع النظام السياسى التعامل معها أو طرحها على الرأى العام بالمصارحة وليس بالخداع عن طريق البيانات الحكومية وبعض الصحف القومية وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة.

    كما يعنى أن العقد الاجتماعى بين الحاكم والمحكوم قد خرقه الحاكم من طرفه وإنكاره على الطرف الآخر المطالبة بفسخ العقد من أجل عقد جديد يلتزم به الطرفان. العصيان المدنى هو طريق للمقاومة السلمية بديلا عن الانقلابات العسكرية. فالجيوش الوطنية مازالت الآمنة على مصالح البلاد فى الداخل والأمين القومى فى الخارج، وبديلا عن التنظيمات السرية والخلايا النائمة، وعن المقاومة المسلحة للجماعات النشطة بعد أن تراكم الضغط من أعلى فازداد التفكك من أسفل، وفى غياب حوار بين الطرفين أو بتأخر حركة إصلاحية يقوم بها النظام السياسى مما أدى إلى انقسام الوطن بين الحاكم والمحكوم، والتعارض بين حقوق المواطن وواجبات الدولة.

    والعصيان المدنى هو المرحلة الثانية بعد تحرك الشارع فى مظاهرات سلمية أمام مجلس الشعب، ونقابة الصحفيين، ورياسة الجمهورية، ومقار الحزب الحاكم، ووزارة الداخلية، وكل رموز السلطة القائمة. الهدف منه هو زيادة الضغط على النظام السياسى للتسليم بمطالب الشعب والتى تمثلها المعارضة خارج السلطة وليس الحزب الحاكم بداخلها. الهدف منه مزيد من تحريك المجتمع المدنى بكافة قواعده الشعبية بعد أن تحركت منظماته وهيئاته، وقذفت حجرا فى مياه راكدة.

    وتتغير أشكال العصيان المدنى طبقا لظروف كل مجتمع وقدرات الشعب على التحرك. يبدأ بإيقاف العمل ساعة فى اليوم على مستوى الوطن كله حتى يتوحد فى المطالب أو الإضراب عن العمل لمدة يوم واحد تعبيرا عن أن الوطن هو الشعب وليس النظام السياسي، وأنه هو الذى ينتج فى حين أن النظام السياسى هو الذى يدير. والإنتاج أفضل من الإدارة.

    وتشارك كل قطاعات المجتمع فى العصيان المدنى مثل سائقى عربات الأجرة والنقل العام فى الطرق العامة، والعمال فى المصانع، والفلاحين فى الطريق الزراعي، والمعلمين فى المدارس، والطلبة وأساتذة الجامعات فى المدرجات، وموظفى الدولة فى دور الحكومة، والقضاة والمحامين فى المحاكم، وأصحاب المحال التجارية فى الدكاكين والمتاجر. ولكل هذه القطاعات مطالب مهنية. فالاحتجاج اجتماعى قبل أن يكون سياسيا. وظواهر البطالة والغلاء والفقر والإسكان تعم الجميع. بدايتها فى المجتمع ولكن نهايتها فى السياسة. الأزمة اجتماعية وحلها سياسى. وأساس الضنك الاجتماعى الخنق السياسى. وقد يقال إن العصيان المدنى تعكير للصفو العام، وتعطيل للمصالح، وإيقاف لحركة المرور، وشل للمدن. وهو غير صحيح. فالمدن مشلولة بطبيعتها. والوقت العام مهدر من قبل. وساعات الإنتاج فى اليوم معدودة. ومصالح الناس معطلة. ويقف الطريق أو الجسر العلوى لمرور الرئيس أو الوزير خاصة إذا كان وزير الداخلية. وتكثر الأجازات. ومع ذلك، فائدته فى الترابط الوطنى لا تقاس بمخاسره على مستوى تسيير الأعمال فى الحياة اليومية. وضعف الاستجابة الشعبية طبيعى نظرا لعدم تعود الناس على المشاركة السياسية أو على ممارسة الضغط الشعبى على الحكومات، واسترداد الحقوق باليدين وليس بانتظار خطاب الرئيس لصرف المنحة فى عيد العمال.

    لقد حصلت الهند على استقلالها بالعصيان المدنى كأحد أشكال المقاومة السلمية دون عنف. ووقف ملايين الهنود فى ساحات نيودلهى أمام قصر الحاكم البريطاني، وقعدوا القرفصاء أمام الجنود البريطانيين وقوات الخيالة. وهكذا فعلت الثورة الإسلامية فى إيران بوقوف الملايين من الإيرانيين فى الميادين العامة لمحاصرة قوى السافاك والجيش الإمبراطورى فى الثكنات. والعصيان المدنى أقوى وأكثر صلابة من الانقلاب العسكرى الذى قد ينجح أو يفشل طبقا لميزان القوى بين فرق الجيش الموالية والثائرة.

    واستعمل الكيان الصهيونى العصيان المدنى لتحقيق مآربه. فقد حشد المستوطنون خمسة عشر ألفا لاحتلال المسجد الأقصى لولا وجود عشرة آلاف من الفلسطينيين منذ صلاة الفجر فيه. كما يوقف الكيان الصهيونى كل شيء فى الثانية عشر ظهرا من الخامس عشر من مايو عام 1948 الذى أعلن فيه ولادته وضياع أكثر من نصف فلسطين. وليس الأمر غريبا أيضا على تاريخنا. فقد بدأت ثورة 1919 فى مصر بالعصيان المدنى لقاطرات السكة الحديد وخلع الفلاحون القضبان فى الريف. كما اعتصم الألوف من الطلاب فى ميدان التحرير فى 1971 احتجاجا على استمرار احتلال سيناء منذ 1967 مما كان له الأثر فى اندلاع حرب أكتوبر 1973 للتحرير. فكيف يقال إن الجماهير لم تتعود عليه وهى صاحبة الحق فيه؟

    إن الجميع يتساءل أين الشارع العربي؟ لقد تصورته أمريكا فارغا كما تصور مؤسسو إسرائيل من قبل فلسطين فارغة. وأن تحرك الشارع العربى فى لبنان وفى مصر لبداية لتحركه فى باقى العواصم العربية لأخذ الشعوب مصيرها بأيديها. ومن ثم تحترم الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية إرادتنا الوطنية، وتحسب ألف مرة حساب الرأى العام. وفى قراراتها المصيرية الخاصة بالمنطقة تمر عبر الشعوب وليس عبر الحكام.

    إن تعبير "العصيان المدني" قد يكون غير مألوف لدى الشارع العربى. فالعصيان كفر فى الدين، ومروق عن الملة، ومفارقة للجماعة، وخروج فى السياسة. و"المدني" ضعيف نظرا لسيادة العسكرى عليه. فمن يتحكم فى الشارع هو ضابط الشرطة وليس المواطن. فكيف يتحرك الشارع بدعوته إلى القيام بشيء لم يتعود عليه؟ والحقيقة أن الهبات الشعبية التى حدثت فى السنوات الأخيرة، والنزول إلى الشارع فى هذا العام، وتحرك الطلاب والمحامين والقضاة والحركة الإسلامية، كل ذلك قد يكون مقدمة للعصيان المدنى. وهو هبة شاملة ليست وقتية بل دائمة. لا تقمعها أجهزة الأمن لأنها ليست تجمهرا فى مكان واحد. هى انتفاضة شعب واقفا كالسد فى مواجهة نظام قد تجرفه المياه وراءه.

    وهو حركة طبيعية تنشأ من تراكم الأحداث، وتوالى الاعتراضات، ونشوب المظاهرات. وفى نفس الوقت يرتبك النظام السياسى ويتردد بين الاستسلام لمطالب الشعب ويكون هو الخاسر كنظام تسلطى والكاسب كنظام شعبي، وبين الوقوف ضدها والقبض على قادتها فتدخل البلاد فى مذبحة سبتمبر جديدة بعد ما يقرب من ربع قرن هو عمر الجمهورية الثالثة فتتحول أفراح أكتوبر إلى أحزان إنك ميت وإنهم ميتون.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-07-22
  3. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007


    http://www.al-akhbar.com/ar/node/23800

    العصيان المدني.... كيف؟ ولماذا؟
    أمين حطيط *

    في تنظيرهم للدولة وسلطتها، اتجه الفلاسفة الذين اعتنوا بالفرد وحقوقه، الى تصور العقد الاجتماعي في صيغ متعددة، كان أهمها ما قال به روسو الذي اعتبر ان السلطة في الدولة الديموقراطية (أي حكم الشعب لنفسه) ليست إلا نتيجة إرادات الأفراد الذين دخلوا في العقد فكوّنوا الإرادة العامة التي تمارس من جانب فئة يختارها الشعب، فإن تعذر الإجماع على جهة ما لتمارس السلطة هذه عُمل برأي الأكثرية، إذ ان من صلب الديموقراطية خضوع الأقلية للأكثرية لينتظم عمل الدولة... فالسلطة في الدولة تُمارس إذاً ممن اختاره الشعب وأنابه عنه.. وتكون السلطة شرعية ما دام الشعب هو الذي اختار وأبدى قبوله بها للاستمرار. ويفترض ان تكون السلطة مستجيبة دائماً لنبض الشعب ما دامت منتدبة من جانبه للسير به في ما يحقق تطلعاته، ولكن لا يظهر الواقع دائماً كما هو المفروض في المبدأ، إذ ان كثيراً من الهيئات الحاكمة المنتخبة (ونتحدث هنا عن الأنظمة الديموقراطية) تستقل برأيها عن شعبها في بعض أو كثير من قراراتها وهنا يكون للشعب موقفه...
    موقف يحمله صوت الإعلام والصحافة التي تمثل الرأي العام للفت النظر الى الخطأ أو الرغبة التي تبديها فئة أو فريق منه، وإن لم تصغ السلطة لهذا الصوت، قد يطور هذا الفريق من الشعب موقفه الى الاحتجاج والتعبير عن ذلك بالتظاهر لإسماع السلطة صوته، وإن لم تستجب يكون له ان يطور الاحتجاج الى التوقف عن العمل وهو ما يعبّر عنه بالإضراب الظرفي (لوقت محدد)، أو الإضراب المستمر وهو المسمى الاعتصام في مكان العمل أو الساحات العامة.. ويبلغ الرفض والاحتجاج السلمي ضد السلطة قمته عندما ترفضها الأكثرية الشعبية وتعلن إعراضها عن طاعتها وهو ما يسمى العصيان المدني... وهو السلوك الذي أطلق مصطلحه للمرة الأولى الكاتب الأميركي «ثوراو» عام 1849، حيث رأى ان الامتناع عن دفع الضرائب، احتجاجاً على العبودية والقمع والاضطهاد والحرب التي كانت تخوضها الولايات المتحدة الأميركية ضد المكسيك، أمر من شأنه إلزام السلطة بتغيير سلوكها ليلائم ما يريده الشعب حقيقة. ثم تطور مفهوم العصيان بعد ذلك الى ان وصل الى حد عدم طاعة السلطة في كل ما تأمر به وقد استقر مفهوم العصيان المدني اليوم على ما يلي:
    ــ للشعب كل الحق في مراقبة السلطة التي أنتجها ليحكم نفسه بها... فإن انحرفت عما يريد كان له ان يقوّمها أو يرفضها ويأتي بغيرها.
    ــ ان عملية تقويم السلطة تنطلق متدرجة من لفت النظر الى الاحتجاج ثم الرفض والعصيان، والحالة الأخيرة لا تكون إلا إذا كان الرافضون هم الأكثرية، فليس للأقلية ان ترفض حكم الأكثرية وإلا كان طعناً بالنظام الديموقراطي، وتمرداً.
    ــ يبدي الشعب رفضه للسلطة بالسلبية تجاهها، وعدم الإنصات لها، من دون ان يتعدى ذلك الى استعمال أي نوع من أنواع العنف، وإلا انقلب العصيان المدني الى ثورة مسلحة تتغير أساليب معالجتها وفلسفة شرعيتها ومبرراتها.
    أما الترجمة العملية للعصيان المدني، فتكون عادة في الأنظمة الديموقراطية (لأن الاستبدادية لا يُطرح فيها الموضوع أصلاً، وتُواجه مباشرة بالثورة) عبر ما يلي:
    ــ الامتناع عن أداء الأموال الى السلطة (ضرائب ورسوم) لشل قدرتها على العمل.
    ــ الامتناع عن ولوج المكاتب الرسمية، بكل أشكالها ووظائفها باستثناء المرافق التي تمس بعملها مباشرة حاجات الفرد المعيشية.
    ــ امتناع الموظفين عن تنفيذ أوامر رؤسائهم مع ملازمتهم مكاتبهم وتنفيذ الملح من المعاملات التي لا يكون للسلطة منفعة من تنفيذها.
    ــ إبلاغ السفارات الأجنبية والهيئات والمنظمات الدولية بحالة العصيان، ونزع الثقة من السلطة والطلب إليها وقف التعامل معها وإشعارها بأن السلطة التي ستشكل بعد تقويم الوضع لن تعترف بأي معاهدة أو اتفاق دولي يبرم مع هذه السلطة المرفوضة طاعتها.
    ــ تجنب تشكيل السلطات البديلة لمنع تشرذم الدولة وانقسام الشعب.
    ــ المحافظة على المرافق العامة وعدم المس بها، وإلا تحول العصيان المدني السلمي الى فوضى وأعمال عنف.
    ان العصيان المدني الناجح هو الذي يؤدي الى محاصرة السلطة داخلياً بحيث ترى نفسها معزولة لا تملك إلا الألقاب الفارغة من أي مزية للحكم، وإسقاطها بنظر الخارج الذي سيتحمل وحده مسؤولية التعاطي معها.
    في ضوء هذه المفاهيم يطرح السؤال في الحالة اللبنانية الراهنة: أين الشعب اللبناني اليوم؟ خاصة وأن الحكومة القائمة انقلبت الى حال اعتبرها فيها رئيس الجمهورية أنها غير موجودة بعدما سقطت شرعيتها الدستورية، ثم فقدت شرعيتها الميثاقية، وبعدما تقلصت شرعيتها الشعبية إذ رفضها الشعب في تظاهرة واحدة شارك فيها أكثر من نصف اللبنانيين المقيمين... وعلى رغم كل ذلك ما زالت مستمرة في مكابرتها تنظر الى شعبها بازدراء وخفة متغنيةً بدعم الخارج لها فأسقطت عن نفسها الصفات الاجتماعية الأخلاقية... وازداد الأمر سوءاً بعدما ذهب أحد المشاركين في السلطة اليوم وهو الأبرز فيها، الى الولايات المتحدة الأميركية يطلب عونها العسكري ليقمع فئة لبنانية تعارض السلطة القائمة، ويكون بهذا الطلب قد أكمل مواصفات الوضع الأول، ويذكّر اللبنانيين بما قام به أسلافه سابقاً عامي 1958، و1983، من استدعاء للقوات الأميركية والأجنبية لمواجهة الشعب اللبناني.
    بهذا السقوط المتتابع والخروج عن المألوف وضعت حكومة الأمر الواقع القائمة في لبنان الشعب أمام حلين لا ثالث لهما:
    ــ إما الخضوع لها كما تخضع البلدان المحتلة لسلطة المحتل الذي لا يقيم وزناً لإرادة الشعب، ما يجعل الوطن يشبه البلد المستعمر أو المحتل الخاضع لسلطة أجنبية لم تنبثق منه ولم يرتضها.... وهذا أمر قد يبدأ ولكنه لا يطول إذ يكون علاجه لاحقاً كما تنبئ سير التاريخ بالمقاومة التي تستعيد للشعب حقوقه في قراره وثرواته، مقاومة يلجأ فيها الى كل وسيلة تتاح كما فعل الفرنسيون مثلاً مع سلطة بيتان.
    ــ وإما رفض الطاعة وعزل السلطة لإفساح المجال أمام إنتاج سلطة تكون صدى للإرادة الشعبية العامة على ما قال به فلاسفة القانون الذين نظّروا للديموقراطية، والذين يشترطون في إبداء الرفض هنا التزام السلوك اللاعنفي على ما تقدم ذكره.
    ان لبنان اليوم في مأزق لا شك في تعقيداته، واننا لا ننكر ترابط مسألته مع مسائل أخرى في الشرق الأوسط، كما رسمت أميركا مسار الأحداث فيه.. ولكن مهما كانت درجة التعقيد والارتباط فإن وضعاً كهذا لا يمكن ان يستمر، وأمام السلطة الواقعية اليوم طريق من ثلاثة وقد بلغ السيل الزبى: إما حل وطني يعطى فيه كل ذي حق حقه، وإما انتظار ردة الفعل السلبية من المواطنين حيالها بعدما جربوا كل الوسائل الديموقراطية للاعتراض والاحتجاج ولم يبق منها سوى العصيان المدني، وإما يكون الأمر الأسوأ من ذلك على الجميع، وخاصة إذا استجابت أميركا لطلب التدخل العسكري المباشر أو شجعت حرباً أهلية تريدها مخرجاً للمأزق الذي وقعت هي وحلفاؤها فيه، وها هي كما يبدو بدأت تحضر وتستقبل زعماء الميليشيات اللبنانية ليوزع بوش المهمات عليهم مباشرة، فهل سيكون سباق بين العصيان السلمي والانفجار العسكري؟... أو هل يحكم العقل قبل الندم؟ نسأل الله الهداية للجميع...
    * باحث استراتيجي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-07-22
  5. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007


    العصيان المدني... الأسلوب الأمثل للمعارضة والدفاع عن الحقوق

    http://www.alshirazi.com/world/article/17.htm




    المحامي جميل عودة*

    تجربة العنف والعنف المضاد في العالمين، العربي والإسلامي معا، بدأت تفقد حرارتها، ولا ندري، ماذا سيكون عليه المستقبل؟ فربما تسخن من جديد، وربما ستلفظ أنفاسها، الشيء الذي ندركه ان العنف المنتشر في بلادنا لم يحل مشاكلنا بل زادها تعقيدا وحول حياة الشعوب الى نحو مزيد من الاحباط واليأس والفوضوية.

    واليوم قد يكون للتفاؤل وجود لان هناك ادراك جديد لسلبيات العنف وتحول في منظومة القيم، ليس فقط لأن حكومات هذه الدول، أخذت تزحف – طواعية أو كراهية- نحو النهج الديمقراطي وحسب، بل لأن الشعوب العربية والإسلامية اقتنعت في نهاية المطاف، بأن إستراتيجية المقاومة اللاعنفية هي السبيل الأمثل لاستحصال حقوقها السياسية والاقتصادية على وجهها الأصح.

    فهل تتحقق مطالب شعوبنا المشروعة من حكومتها عندما تلجأ كتل المعارضة إلى استخدام العصيان المدني، كوسيلة ضغط من اجل التغيير؟

    العصيان المدني، هو ببساطة، أن تعصي القانون وتطيعه في آن واحد، فهو أرقى صور التمرد والمقاومة والرفض والاحتجاج... ولكن بالشكل السلمي المتحضر. له صور متعددة، مثل أن يخرج المعارضون بشكل جمعي، وفي أوقات محددة، لإجبار السلطات الحاكمة على الانصياع لمطالب المحتجين الهادئين. ومثل رفض الموظفين للذهاب إلى دوائر الدولة، والمدارس والجامعات والمصانع والمعاهد، مع إغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية والأفران. ومثل امتناع سائقي السيارات العامة والخاصة ومحطات الوقود وسيارات الأجرة في داخل المدن وخارجها. ومثل أن يخرج "العاصون" وهم يرتدون الثياب السود أو البيض رجالا ونساءا ولكن بهدوء، لا شعارات، لا صراخ، ولا نداءات معادية، ولكن عصيان بهدوء. وكالجلوس في الشوارع الكبرى، وعلى أرصفتها، وفي وسطها، ولكن بصمت.

    يتوجب على الممارس للعصيان المدني ان يكون هادئا مالكا لزمام نفسه حتى يتحقق هدفه، فعندما يمسك به رجال الأمن والشرطة، لابد أن يكون مطيعا لهم تماما، يبتسم في وجوههم على الدوام، ولو سبوه أو شتموه؛ يجادلهم بالتي هي أحسن، أو يسكت؛ فان السكوت ابلغ من الكلام. إذا اقتادته مفرزة الشرطة إلى المعتقلات ومراكز الشرطة، لا يقاوم؛ لان المقاومة عنف والعنف ينافي جوهر العصيان المدني!

    العصيان المدني هو أن يعاهد ممارس اللاعنف نفسه وضميره ووطنه أن يتحمل المسؤولية بمفرده، وكأنه وحده في الساحة، ثم يحاول أن يقنع الآخرين بقضيته.

    لقد كان "لغاندي السبق في اتخاذ العصيان المدني كوسيلة لتحدي القوانين الجائرة؛ متخذًا أسلوب اللاعنف. وجاء من بعده "مارتن لوثر كينج"، في إطار حركته المطالبة بالحقوق المدنية؛ فسار على خطا غاندي مبتكرًا أسلوبي المسيرة والجلوس الاحتجاجيين، لخلق موقف متأزم مستحكم يُرغم الحكومات والأنظمة على فتح باب النقاش والتباحث".

    ولكن هل ينجح أسلوب العصيان المدني في دول تحبو في طريق الديمقراطية كالدول العربية والاسلامية؟

    هناك من يرى أن اللجوء إلى العصيان المدني في الدول العربية والإسلامية، كأسلوب متطور لانجاز المطالب وتحصيل الحقوق، ما هو إلا ضرب من الخيال، وكلام سفسطة لا معنى له..، فأنت تستطيع أن تتحدث عن العصيان المدني، في دولة مثل أمريكا وكندا وسويسرا، وما شاكلها من دول العالم المتحضر، ولكن لا يمكن أن تتحدث عن مفهوم العصيان المدني، فضلا عن تطبيقه في الدول "المتوحشة" كالدول العربية، إلا إذا كنت مجنونا؛ لان استخدام الأسلوب اللاعنيف راسخ في الدول التي تكون معاييرها أسس العمل الديمقراطي، وحقوق الإنسان وحرياته، وتحكيم مبادئ العدالة والمساواة الاجتماعيين، أما في الدول العربية الجامدة أو الزاحفة نحو الديمقراطية، لا يمكن اللجوء إلى هذا السلوك على سبيل الحقيقة، لأجل استبدال الحكومة المستبدة أو تغيير منهجها، لان قيام نهج العصيان المدني غير العنيف في هذه الدول يحتاج إلى ترويج ثقافة اللاعنف والعصيان المدني عند الجماهير والسلطة على حد سواء، وهو ما زال في طور التكوين، يموت حينا، ويفيق آخر.

    وبالتالي، فأن الكلام عن العصيان المدني في بلد عربي أو إسلامي، مثل مصر أو تونس، أو في الخليج العربي التقليدي، كلام قد لا يمت للواقع بصلة، كيف تستطيع حشود مطوقة بطوق من رجال الأمن والشرطة ومكافحة الشغب، وعيون الجواسيس والمخبرين السرين، ولا تملك إرادتها في التعبير عن غضبها إلا في نطاق أسلوب العصيان المدني، أن تغير نظام مستبد مسلح، لا يفهم إلا منطق القوة والعنف والسلاح؟

    هل من عاقل، كان يتحدث عن إزاحة حكومة البعث العراقية سابقا، أو عزل رأس النظام، بطريق اللاعنف والعصيان المدني اللاغاضب!؟. كلام اقرب إلى الهزل من الجد. قال متحديا كل الضمير العالمي "لقد وصلنا إلى السلطة بقوة السلاح، ومن أراد انتزاعها منا عليه أن يجرب حظه بقوة السلاح" هذا ما ذكره طارق عزيز!.

    وخلاصة أنصار هذا الرأي: أنهم يؤيدون عمل العصيان المدني، كأسلوب حضاري في إحداث التحولات السياسية، ولكن الحديث عنه في إطار الدول العربية حديث غير واقعي، إذ لم تترسخ قيم السلام واللين، ولا الإستراتيجية اللاعنفية في المجتمعات العربية.

    بينما يرى آخرون أن العصيان المدني، هو الطريق الأمثل للمقاومة السلمية، وهو الأسلوب الأسلم والأضمن لتغيير النظام حتى لو كان في دول متوحشة كالدول العربية بل ان ذلك اكثر جدوائية لان هذه الانظمة الشمولية تعيش وتتغذى بالعنف والعنف المضاد، واللاعنف المضاد او العصيان المدني يشلها ويجعلها عاجزة ومكشوفة على حقيقتها. كما ان أساليب المقاومة اللاعنفية تتطور مع التطور الحضاري لسلم القيم الانسانية والثقافة والمعرفة، لأن قوة الاستبداد ووحشيته تنبع من تنامي الجهل والفوضى وبدائية المجتمع المدني.

    وبدراسة بسيطة لوقائع التاريخ العربي المعاصر تثبت لنا ان الثورات المسلحة والعنيفة تحولت الى حركات رعب ارهابية انقلبت على الشعوب المضطهدة لتتحول الى انظمة شمولية كاسرة التهمت حقوق الشعوب واجسادهم وثرواتهم.

    لان المقاومة العنيفة بالتجربة هي من افشل المقاومات على الإطلاق، بدليل أنها ظلت استثناء من قاعدة عامة، هي قاعدة السلم العام.

    وبالتالي، لا يشترط في قيام العصيان المدني في الدول العربية والاسلامية أن تكون المعارضة والحكومة قد اتفقتا على العمل اللاعنفي، لكي نقول بصحة الممارسة من الناحية النظرية، فسواء اقتنعت الحكومة والمعارضة معا، أو أحدهما دون الآخر، فان اللاعنف السياسي، لابد أن يكون الخيار المتجدد للشعب في كسب الحقوق والحفاظ عليها، لانه يعبر عن قوة المجتمع المدني وقدرته على تنظيم نفسه وتنامي المعرفة السياسية وتطور الحس العقلاني في مقابل تدني الاحساسات العاطفية والحماسية والانفعالية.

    وهو يدل على تجذر المبادئ للمطالبين بحقوقهم وتفاعلهم العميق مع اهدافهم بالتحمل والصبر الطويل دون ان يضحوا بها لصالح الوسائل والغايات الوقتية.

    فصاحب الهدف الأسمى يكون دائما على هبة الاستعداء للتضحية بنفسه، ولا يسمح لها في لحظة ضعف ما أن يؤذي أحد ولو بالكلام، وهذا ما دل عليه سلوك الأنبياء والصالحين من هذه الأمة الذين آثروا الموت من أجل المبادئ.

    يرى الإمام محمد الشيرازي أحد اكبر دعاة منهج اللاعنف واللاعنف السياسي أن كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة، وهي سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين. فهذا هابيل عندما هدّده أخوه بالقتل أجابه مباشرةً بجواب يكشف عن التزامه بسياسة السماء الداعية إلى اللين واللاعنف، حيث قال : (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِي إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(المائدة : 28. وعندما أمر الله تعالى نبيه موسى (ع) ووصيّه هارون (ع) بالذهاب إلى فرعون الطاغية، أوصاهما بالتزام اللين واللاعنف إبّان دعوته إلى الله، فقال عزّ من قائل: "فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً" سورة طه : 44. وكذلك التزم نبيّ الله عيسى(ع) بقانون اللين واللاعنف في دعوته، بل كان يوصي أتباعه به حيث قال لبعضهم يوماً : « ما لا تحبّ أن يفعل بك فلا تفعله بأحد وإن لطم خدّك الأيمن فأعط الأيسر».

    وحول قدرة العصيان المدني والانتصار باللاعنف وتحقيق الاهداف دون حدوث اضرار كبيرة خاطب الامام الشيرازي الفلسطينيين في ثورتهم التي سميت بثورة الحجارة: إن التظاهرات الحالية لو تحولت إلى مظاهرات سلمية لكانت أقرب إلى النجاح، لأن الاستناد إلى قوة الروح أمضى وأنفع.

    ولكي يتحول العصيان المدني الى حركة حقوقية احتجاجية شعبية ناجحة لابد من التأكيد على المبادئ التالية:

    -اعتبار العصيان المدني حق طبيعي من حقوق الشعب، لا يمكن التنازل عنه بأي صورة من الصور.

    -اعتبار العصيان المدني وسيلة حضارية من وسائل التحول السياسي والمعارضة في البلاد العربية والإسلامية.

    - ضرورة تعميم العصيان المدني عبر نشر ثقافة اللاعنف وتنميط ادواتها واساليبها، وعبر تحولها الى قيم ثقافية راسخة في المجتمع والجماعات الكبيرة والصغيرة والاسرة.

    - ضرورة توعية المواطن وخصوصا المواطن العربي بأهمية العصيان المدني كوسيلة من وسائل المطالبة بحقوقه المشروعة وممارسة المعارضة السلمية، وإخراجه من دائرة اللامبالاة والخوف وعدم تحمل المسؤولية.

    - ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بتدريس الاسلوب وتعميمه على كافة طبقات المجتمع وبالتالي مما قد يحول قوة المجتمع او الاحتقانات الداخلية والنفسية الى قوة ايجابية وليس تخريبية عنيفة.

    - ضرورة تفهم السلطات العربية والإسلامية لأهداف العصيان المدني، وأخذها بنظر الاعتبار، والتأكيد على تحقيقها، لان يضمن مصالح البلاد حيث يتم احتواء التخريب والعنف والفوضى الناجمة عن الاحتقانات الغوغائية.

    - ضرورة تطوير أدوات العصيان المدني واستحداث أساليب جديدة لأداه على وجهه الصحيح.

    - ان يجعل المجتمع المدني العربي والاسلامي العصيان المدني هو الاسلوب الاوحد في ممارسة المعارضة، مع ضرورة وجود مواثيق بين الدول الاسلامية بالخصوص تمنع ضرب وقمع التجمعات السلمية.

    - الاستفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة المتمثلة بالانترنت من اجل تعميم اساليب العصيان المدني ودعم الشعوب المقهورة التي تمارسه عبر نشر قضاياها واهدافها.

    واخيرا نجد ان اللاعنف هو فلسفة قادرة على تحريك قوة العقل وطاقة المعرفة وبالتالي القضاء فوضوية الجهل والامية المتلبسة بالعنف والانفعال والحماس واللعب بالاهواء والعواطف.

    العصيان المدني هو حركتنا المستقبلية التي تنبع من خياراتنا الذاتية نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي قائم على حقوق المواطنة والمشاركة والعدالة.

     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-07-22
  7. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007

    تحـدي العصيان المدني -بقلم: عبد الغفار شكر

    http://www.saveegyptfront.org/news/?c=165&a=9709



    5th July

    • هدد المعلمون بالإضراب عن تصحيح أوراق الإجابة في امتحانات الثانوية العامة ما لم يصدر القانون الخاص بالكادر الجديد فأسرعت الحكومة بعرض القانون علي مجلس الشعب وتم إصدار الكادر الجديد في ساعات معدودة. بعدها أضرب المدرسون بالمعاهد الأزهرية عن تصحيح أوراق الإجابة في امتحان الإعدادية وامتحان الثانوية الأزهرية ما لم يطبق عليهم الكادر الجديد

    ورغم تهديدات مباحث أمن الدولة وكبار رجال الأزهر فإنهم واصلوا الأضراب دون أي تنسيق مسبق في جميع لجان التصحيح في العديد من محافظات مصر. ولم تنفع الوعود بالعمل علي تطبيق الكادر مستقبلا، بل أصر مدرسو الأزهر علي عدم استئناف التصحيح ما لم يصدر قرار من شيخ الأزهر بتطبيق الكادر الجديد عليهم. في نفس الوقت هناك العديد من الإضرابات والاعتصامات التي تنظمها فئات مختلفة من أجل تنفيذ مطالب تتعلق بأحوالهم المعيشية وظروفهم الحياتية، ومنذ عام تقريبا لا يمر يوم دون أن يشهد إضرابا جديدا. تعددت الأسباب والأضراب واحد. بدأها عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري وتلاهم عمال شبين الكوم وعمال شركات الأسمنت، وقدم عمال شركة مصر إسبانيا بالمنصورة نموذجاً واضحاً للاصرار علي مواصلة الأضراب إلي أن يحصلوا علي حقوقهم وقامت العاملات بدور بارز في هذا الإضراب واصطحبن أطفالهن إلي الإضراب.
    وتوالت الإضرابات من فئات مختلفة كأهالي قلعة الكبش وغيرهم. وقد شارك الآلاف في كل إضراب من هذه الإضرابات، ويقدر عدد المشاركين في الإضرابات هذا العام بأكثر من مائتي ألف مواطن إلا أننا نلاحظ أن هذه الإضرابات والاعتصامات كلها كانت لأسباب اقتصادية مباشرة وليس لها أي بعد سياسي، وأنه بالمقابل كانت هناك تحركات ومظاهرات ووقفات احتجاجية حول قضايا سياسية عامة تتعلق بالحريات ومواجهة الفساد وتحقيق خطوات أبعد علي طريق التحول الديمقراطي لكنها لم تجتذب سوي العشرات من المواطنين معظمهم من القيادات السياسية ونشطاء المجتمع المدني والشباب، ولعل السؤال الجدير بالبحث هنا هو: لماذا يبادر المصريون إلي الاحتجاج لأسباب تتعلق بأوضاعهم الاقتصادية المباشرة ولا يتجاوبون مع مطالب الاحتجاج من أجل القضايا السياسية التي تشكل الإطار الذي ساهم في خلق مشاكلهم الاقتصادية؟ ألا يعلم المصريون أن مشاكلهم الاقتصادية تعود إلي السياسات التي يطبقها الحكام؟ وأن الفساد الذي يعانون منه هو نتيجة لهذه السياسات؟ وأن تحسين أحوالهم المعيشية يتطلب أولا تغيير هؤلاء الحكام الذين تحركهم مصالحهم الطبقية علي حساب مصالح الشعب؟ هناك أكثر من إجابة عن هذه التساؤلات.
    القارعة
    كان سعد زغلول باشا يعلق علي الجمود المسيطر علي الحياة السياسية لمصر بأنه لابد من قارعة تجعل الناس يفيقون ويتحركون، والمقصود بالقارعة هنا الحدث الجلل. وعندما ذهب الوفد المصري إلي دار المعتمد البريطاني يطلب السماح له بالسفر إلي فرنسا لعرض قضية مصر علي مؤتمر الصلح رفض المعتمد البريطاني وأعتقل أعضاء الوفد برئاسة سعد زغلول باشا فانتفضت مصر من أقصاها إلي أقصاها احتجاجا علي اعتقال زعمائها وتفجرت ثورة 1919 التي شارك فيها كل فئات الشعب المصري من مثقفين وعمال وفلاحين وموظفين وطلاب. كانت القارعة أن الحدث الجلل المتمثل في اعتقال زعماء الأمة هي المفجر للشرارة ولكن عوامل أخري كانت موجودة في الواقع المصري منذ سنوات يتمثل أهمها في شباب الحزب الوطني الذي أسسه مصطفي كامل وقاده من بعده محمد فريد والذين تثقفوا داخل الحزب وتشبعوا بمبادئ الوطنية والأفكار الثورية وعندما انهار الحزب أسسوا عشرات الجمعيات السرية، وعندما اعتقل زعماء الأمة كانوا جاهزين بأفكارهم وعلاقاتهم للثورة في ثورة 1919 التقت عوامل متعددة منها الحدث الكبير والقيادة والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.. ومن تفاعل العوامل الثلاثة تشكلت الأحداث الكبري لثورة 1919 وما شهدته من إضرابات واعتصامات جماهيرية حاشدة، أطاحت بالنظام القائم وأسست نظاما جديدا يقوم علي الحكم الدستوري مهما كانت نواقصه.
    الفلاحون يقاومون
    هناك مثال آخر عشته بنفسي عندما كنت في العاشرة من عمري وكان أحد الأسباب القوية لانجذابي إلي العمل السياسي، ففي إبريل 1946 عندما كانت الحركة الوطنية المصرية مشتعلة ضد الاحتلال البريطاني وحكم الإقطاع والرأسمالية وسلطة السراي الملكية، أجريت انتخابات لمجلس النواب ترشح فيها لدائرتنا الانتخابية مرشح لحزب الوفد في مواجهة حسن باشا بدراوي عاشور ابن السيد باشا البدراوي عاشور عميد الإقطاع في مصر والذي كان يملك مع أسرته أكثر من أربعين ألف فدان موزعة علي زمام أربع عشرة قرية منها قريتنا يملك الباشا أراضيها ومقدرات الفلاحين فيها. اختارت قريتنا ان تتمرد علي الباشا وأن تنتخب مرشح الوفد ممثل المعارضة في هذا الوقت، وخرج الفلاحون لمساندة مرشحهم الذي تعرض له رجال الباشا لمنعه من المرور بالدائرة فهاجمهم الفلاحون وطاردوهم ومكنوا الموكب الانتخابي لمرشح الوفد من مواصلة طريقه بعد سقوط العديد من الجرحي من رجال الباشا الذي اعتبرها إهانة لا تغتفر وأعلنت الأحكام العرفية في قريتنا وسيطر عليها جنود الهجانة لمنع التجوال فيها بعد غروب الشمس. كان الفلاحون يجتمعون يوميا في بيتنا يستمعون إلي ما تنشره الصحف من أنباء المظاهرات في القاهرة وأصداء حادثة كوبري عباس وغيرها. كما كانوا يستمعون لأخبار المهاتما غاندي في الهند ومقاومته السلمية للاحتلال الإنجليزي وكيف كان الهنود يجلسون علي قضبان السكك الحديدية بالملايين ليمنعوا القطارات المحملة بالجنود من الوصول إلي مناطق المقاومة في الهند. كان نموذج المقاومة السلمية أو السلبية جديدا علي العالم في ذلك الوقت وهو أقرب ما يكون إلي العصيان المدني في الوقت الراهن حيث يمتنع الشعب بإرادته الحرة عن التعاون مع الحكم. وكما واجه الفلاحون في قريتنا رجال الباشا بالعصي رأيتهم ينفذون نوعا من المقاومة السلمية أو العصيان المدني عندما امتنعوا عن المشاركة في التصويت في الانتخابات احتجاجا علي نقل صناديق الانتخاب من القرية إلي القرية التي يقيم بها الباشا. اتفق الفلاحون علي الاختباء بغرفة التبن في منزل يتوسط كل حارة، وغرفة التبن هي غرفة داخلية ليس بها شبابيك بل كوة صغيرة تسمح بتجدد الهواء فيها. وجن جنون الباشا عندما اكتشف امتناع الفلاحين عن التصويت وجاء إلي القرية يسب النساء ويسأل أين الرجال فكانت النساء ترد عليه ببساطة لقد ذهبوا إلي الحقول يا سعادة الباشا. هكذا نجح الفلاحون في إحدي قري مصر 1946 في استخدام المقاومة الإيجابية والمقاومة السلبية جنبا إلي جنب في معركة واحدة وجربوا العصيان المدني ونجحوا فيه.
    ثورة 1964 في السودان
    هناك نموذج ثالث تابعته عندما قررت الحركة العالمية الديمقراطية في السودان ممارسة العصيان المدني ضد الحكم العسكري، وتابعت من إذاعة الخرطوم أنباء هذا العصيان وأذكر أن آخر ما سمعته في الإذاعة السودانية خبر اشتراك العاملين في الخرطوم والمراقبين الجويين في الإضراب عن العمل وكان آخر ما سمعته بعد هذا الخبر إعلان المذيع أن العاملين بالإذاعة قرروا أيضا المشاركة في الإضراب وأنهم سوف يتوقفون فورا عن العمل. بعدها سقط الحكم العسكري في السودان دون طلقة رصاص واحدة فقد أثبت الشعب السوداني قدرته علي تحويل البلاد إلي ساحة خالية من أي حياة. ولم يكن بإمكان هذا النظام أن يواصل الحكم بدون تعاون الشعب.
    وماذا عن مصر؟
    من هذه الأمثلة والوقائع نستطيع أن نكتشف الحقيقة الكبري وهي أن الشعوب مهما كانت ظروفها صعبة إلا أنها قادرة علي اتخاذ المواقف التي تمليها عليها تطورات الأحداث. وأنها تستطيع أن تقاوم إيجابيا وتواجه النظام مقدمة التضحيات اللازمة، وهي قادرة في نفس الوقت علي ممارسة العصيان المدني إذا لزم الأمر. ولكن ذلك يتطلب وجود قيادة قادرة علي إلهام الشعب وحثه علي المقاومة، فإذا كانت هذه القيادة ممثلة في الأحزاب السياسية المصرية غير مستعدة لهذه المواجهة حاليا. فإننا مطالبون بتشكيل قيادة جديدة من الأجيال الشابة التي تمتلك من أدوات العصر ما يمكنها من خوض هذه المواجهة بشجاعة. وإذا كانت مصر قد أنجبت علي مدار تاريخها أجيالا متتالية من القيادات فإنها قادرة هذه المرة علي إنجاب الجيل الذي نتطلع إليه من القيادات. وهذا هو التحدي الذي نواجهه حاليا.
    عبد الغفار شكر
    الكرامة
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-07-22
  9. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007

    http://www.balagh.com/islam/jo0lg57t.htm

    هل يمكن للعصيان ان يكون الأسلوب الأمثل للمعارضة ؟

    * جميل عودة
    تجربة العنف والعنف المضاد في العالمين، العربي والإسلامي معا، بدأت تفقد حرارتها، ولا ندري، ماذا سيكون عليه المستقبل؟ فربما تسخن من جديد، وربما ستلفظ أنفاسها، الشيء الذي ندركه ان العنف المنتشر في بلادنا لم يحل مشاكلنا بل زادها تعقيدا وحول حياة الشعوب الى نحو مزيد من الاحباط واليأس والفوضوية.
    واليوم قد يكون للتفاؤل وجود لان هناك ادراك جديد لسلبيات العنف وتحول في منظومة القيم، ليس فقط لأن حكومات هذه الدول، أخذت تزحف – طواعية أو كراهية- نحو النهج الديمقراطي وحسب، بل لأن الشعوب العربية والإسلامية اقتنعت في نهاية المطاف، بأن إستراتيجية المقاومة اللاعنفية هي السبيل الأمثل لاستحصال حقوقها السياسية والاقتصادية على وجهها الأصح.
    فهل تتحقق مطالب شعوبنا المشروعة من حكومتها عندما تلجأ كتل المعارضة إلى استخدام العصيان المدني، كوسيلة ضغط من اجل التغيير؟
    العصيان المدني، هو ببساطة، أن تعصي القانون وتطيعه في آن واحد، فهو أرقى صور التمرد والمقاومة والرفض والاحتجاج... ولكن بالشكل السلمي المتحضر. له صور متعددة، مثل أن يخرج المعارضون بشكل جمعي، وفي أوقات محددة، لإجبار السلطات الحاكمة على الانصياع لمطالب المحتجين الهادئين. ومثل رفض الموظفين للذهاب إلى دوائر الدولة، والمدارس والجامعات والمصانع والمعاهد، مع إغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية والأفران. ومثل امتناع سائقي السيارات العامة والخاصة ومحطات الوقود وسيارات الأجرة في داخل المدن وخارجها. ومثل أن يخرج "العاصون" وهم يرتدون الثياب السود أو البيض رجلا ونساءا ولكن بهدوء، لا شعارات، لا صراخ، ولا نداءات معادية، ولكن عصيان بهدوء. وكالجلوس في الشوارع الكبرى، وعلى أرصفتها، وفي وسطها، ولكن بصمت.
    يتوجب على الممارس للعصيان المدني ان يكون هادئا مالكا لزمام نفسه حتى يتحقق هدفه، فعندما يمسك به رجال الأمن والشرطة، لابد أن يكون مطيعا لهم تماما، يبتسم في وجوههم على الدوام، ولو سبوه أو شتموه؛ يجادلهم بالتي هي أحسن، أو يسكت؛ فان السكوت ابلغ من الكلام. إذا اقتادته مفرزة الشرطة إلى المعتقلات ومراكز الشرطة، لا يقاوم؛ لان المقاومة عنف والعنف ينافي جوهر العصيان المدني!
    العصيان المدني هو أن يعاهد ممارس اللاعنف نفسه وضميره ووطنه أن يتحمل المسؤولية بمفرده، وكأنه وحده في الساحة، ثم يحاول أن يقنع الآخرين بقضيته.
    لقد كان "لغاندي السبق في اتخاذ العصيان المدني كوسيلة لتحدي القوانين الجائرة؛ متخذًا أسلوب اللاعنف. وجاء من بعده "مارتن لوثر كينج"، في إطار حركته المطالبة بالحقوق المدنية؛ فسار على خطا غاندي مبتكرًا أسلوبي المسيرة والجلوس الاحتجاجيين، لخلق موقف متأزم مستحكم يُرغم الحكومات والأنظمة على فتح باب النقاش والتباحث".
    ولكن هل ينجح أسلوب العصيان المدني في دول تحبو في طريق الديمقراطية كالدول العربية والاسلامية؟
    هناك من يرى أن اللجوء إلى العصيان المدني في الدول العربية والإسلامية، كأسلوب متطور لانجاز المطالب وتحصيل الحقوق، ما هو إلا ضرب من الخيال، وكلام سفسطة لا معنى له..، فأنت تستطيع أن تتحدث عن العصيان المدني، في دولة مثل أمريكا وكندا وسويسرا، وما شاكلها من دول العالم المتحضر، ولكن لا يمكن أن تتحدث عن مفهوم العصيان المدني، فضلا عن تطبيقه في الدول العربية، إلا إذا كنت مجنونا؛ لان استخدام الأسلوب اللاعنيف راسخ في الدول التي تكون معاييرها أسس العمل الديمقراطي، وحقوق الإنسان وحرياته، وتحكيم مبادئ العدالة والمساواة الاجتماعيين، أما في الدول العربية الجامدة أو الزاحفة نحو الديمقراطية، لا يمكن اللجوء إلى هذا السلوك على سبيل الحقيقة، لأجل استبدال الحكومة المستبدة أو تغيير منهجها، لان قيام نهج العصيان المدني غير العنيف في هذه الدول يحتاج إلى ترويج ثقافة اللاعنف والعصيان المدني عند الجماهير والسلطة على حد سواء، وهو ما زال في طور التكوين، يموت حينا، ويفيق آخر.
    وبالتالي، فأن الكلام عن العصيان المدني في بلد عربي أو إسلامي، مثل مصر أو تونس، أو في الخليج العربي التقليدي، كلام قد لا يمت للواقع بصلة، كيف تستطيع حشود مطوقة بطوق من رجال الأمن والشرطة ومكافحة الشغب، وعيون الجواسيس والمخبرين السرين، ولا تملك إرادتها في التعبير عن غضبها إلا في نطاق أسلوب العصيان المدني، أن تغير نظام مستبد مسلح، لا يفهم إلا منطق القوة والعنف والسلاح؟
    هل من عاقل، كان يتحدث عن إزاحة حكومة البعث العراقية سابقا، أو عزل رأس النظام، بطريق اللاعنف والعصيان المدني اللاغاضب!؟. كلام اقرب إلى الهزل من الجد. قال متحديا كل الضمير العالمي "لقد وصلنا إلى السلطة بقوة السلاح، ومن أراد انتزاعها منا عليه أن يجرب حظه بقوة السلاح" هذا ما ذكره طارق عزيز!.
    وخلاصة أنصار هذا الرأي: أنهم يؤيدون عمل العصيان المدني، كأسلوب حضاري في إحداث التحولات السياسية، ولكن الحديث عنه في إطار الدول العربية حديث غير واقعي، إذ لم تترسخ قيم السلام واللين، ولا الإستراتيجية اللاعنفية في المجتمعات العربية.
    بينما يرى آخرون أن العصيان المدني، هو الطريق الأمثل للمقاومة السلمية، وهو الأسلوب الأسلم والأضمن لتغيير النظام حتى لو كان في دول متوحشة كالدول العربية بل ان ذلك اكثر جدوائية لان هذه الانظمة الشمولية تعيش وتتغذى بالعنف والعنف المضاد، واللاعنف المضاد او العصيان المدني يشلها ويجعلها عاجزة ومكشوفة على حقيقتها. كما ان أساليب المقاومة اللاعنفية تتطور مع التطور الحضاري لسلم القيم الانسانية والثقافة والمعرفة، لأن قوة الاستبداد ووحشيته تنبع من تنامي الجهل والفوضى وبدائية المجتمع المدني.
    وبدراسة بسيطة لوقائع التاريخ العربي المعاصر تثبت لنا ان الثورات المسلحة والعنيفة تحولت الى حركات رعب ارهابية انقلبت على الشعوب المضطهدة لتتحول الى انظمة شمولية كاسرة التهمت حقوق الشعوب واجسادهم وثرواتهم.
    لان المقاومة العنيفة بالتجربة هي من افشل المقاومات على الإطلاق، بدليل أنها ظلت استثناء من قاعدة عامة، هي قاعدة السلم العام.
    وبالتالي، لا يشترط في قيام العصيان المدني في الدول العربية والاسلامية أن تكون المعارضة والحكومة قد اتفقتا على العمل اللاعنفي، لكي نقول بصحة الممارسة من الناحية النظرية، فسواء اقتنعت الحكومة والمعارضة معا، أو أحدهما دون الآخر، فان اللاعنف السياسي، لابد أن يكون الخيار المتجدد للشعب في كسب الحقوق والحفاظ عليها، لانه يعبر عن قوة المجتمع المدني وقدرته على تنظيم نفسه وتنامي المعرفة السياسية وتطور الحس العقلاني في مقابل تدني الاحساسات العاطفية والحماسية والانفعالية.
    وهو يدل على تجذر المبادئ للمطالبين بحقوقهم وتفاعلهم العميق مع اهدافهم بالتحمل والصبر الطويل دون ان يضحوا بها لصالح الوسائل والغايات الوقتية.
    فصاحب الهدف الأسمى يكون دائما على هبة الاستعداء للتضحية بنفسه، ولا يسمح لها في لحظة ضعف ما أن يؤذي أحد ولو بالكلام، وهذا ما دل عليه سلوك الأنبياء والصالحين من هذه الأمة الذين آثروا الموت من أجل المبادئ.
    أن كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة، وهي سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين. فهذا هابيل عندما هدّده أخوه بالقتل أجابه مباشرةً بجواب يكشف عن التزامه بسياسة السماء الداعية إلى اللين واللاعنف،
    ولكي يتحول العصيان المدني الى حركة حقوقية احتجاجية شعبية ناجحة لابد من التأكيد على المبادئ التالية:
    -اعتبار العصيان المدني حق طبيعي من حقوق الشعب، لا يمكن التنازل عنه بأي صورة من الصور.
    -اعتبار العصيان المدني وسيلة حضارية من وسائل التحول السياسي والمعارضة في البلاد العربية والإسلامية.
    - ضرورة تعميم العصيان المدني عبر نشر ثقافة اللاعنف وتنميط ادواتها واساليبها، وعبر تحولها الى قيم ثقافية راسخة في المجتمع والجماعات الكبيرة والصغيرة والاسرة.
    - ضرورة توعية المواطن وخصوصا المواطن العربي بأهمية العصيان المدني كوسيلة من وسائل المطالبة بحقوقه المشروعة وممارسة المعارضة السلمية، وإخراجه من دائرة اللامبالاة والخوف وعدم تحمل المسؤولية.
    - ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بتدريس الاسلوب وتعميمه على كافة طبقات المجتمع وبالتالي مما قد يحول قوة المجتمع او الاحتقانات الداخلية والنفسية الى قوة ايجابية وليس تخريبية عنيفة.
    - ضرورة تفهم السلطات العربية والإسلامية لأهداف العصيان المدني، وأخذها بنظر الاعتبار، والتأكيد على تحقيقها، لان يضمن مصالح البلاد حيث يتم احتواء التخريب والعنف والفوضى الناجمة عن الاحتقانات الغوغائية.
    - ضرورة تطوير أدوات العصيان المدني واستحداث أساليب جديدة لأداه على وجهه الصحيح.
    - ان يجعل المجتمع المدني العربي والاسلامي العصيان المدني هو الاسلوب الاوحد في ممارسة المعارضة، مع ضرورة وجود مواثيق بين الدول الاسلامية بالخصوص تمنع ضرب وقمع التجمعات السلمية.
    - الاستفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة المتمثلة بالانترنت من اجل تعميم اساليب العصيان المدني ودعم الشعوب المقهورة التي تمارسه عبر نشر قضاياها واهدافها.
    واخيرا نجد ان اللاعنف هو فلسفة قادرة على تحريك قوة العقل وطاقة المعرفة وبالتالي القضاء فوضوية الجهل والامية المتلبسة بالعنف والانفعال والحماس واللعب بالاهواء والعواطف.
    العصيان المدني هو حركتنا المستقبلية التي تنبع من خياراتنا الذاتية نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي قائم على حقوق المواطنة والمشاركة والعدالة.

     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-07-22
  11. elwashlai

    elwashlai عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-15
    المشاركات:
    34
    الإعجاب :
    0
    الهدف منه هو زيادة الضغط على النظام السياس ......... هذا يحتاج الي قاعده شعبيه واعيه بما فيها السلطه ايضا لكي تنجح ويكون لها مفعولها الايجابي ... والا فسوف تكون ذريعه للدوله لتحويلها الي قضية امنيه او اتها م اصحابها بالعماله والخيانه وما الي ذلك في قاموس السلطه الديكتاتوريه
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-07-22
  13. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007


    http://www.ikhwanweb.com/images/Civil Disobedience.doc

    العصيان المدني
    هنري ديفيد ثورو
    ما فتئتُ أقبَلُ عن حماسة مبدأ: "خيرُ الحكومة ما حَكَمَ أقل"؛ ووددت لو أني رأيته معمولاً به على نحوٍ أسرع وأكثر منهجية. فبإنفاذه يؤول أخيراً إلى المقولة التالية التي أومن بها هي الأخرى: "خير الحكومة ما لا يحكم إطلاقاً." وعندما يكون البشر مستعدين له فذلك نوع الحكومة الذي سيحصلون عليه. ليست الحكومة، في أحسن الأحوال، غير وسيلة يُتذرَّع بها إلى حين تيسيراً للمصلحة؛ لكن معظم الحكومات عادة، وكل الحكومات أحياناً، لا ييسِّر المصلحة. والاعتراضات المقدَّمة ضد جيش قائم – وهي عديدة وذات وزن وتستحق أن تعمَّم – قد تُقدَّم أيضاً في المآل ضد حكومة قائمة. فالجيش القائم ما هو إلا ذراع للحكومة القائمة. والحكومة نفسها، التي هي الكيفية الوحيدة التي اختارها الناس لإعمال إرادتهم، معرَّضة بالمقدار نفسه للشطط في الاستعمال وللشذوذ قبل أن يستطيع الناس العمل من خلالها. دونكم مثلاً الحرب المكسيكية الحالية، بما هي فعلة بضعة أفراد يستخدمون الحكومة القائمة أداة لهم؛ إذ إن الناس، في المآل، ما كانوا ليوافقوا على هذا الإجراء.
    هذه الحكومة الأمريكية، ما هي إنْ لم تكن تقليداً – وإنْ يكن حديثاً – يسعى إلى نقل نفسه غير منقوص إلى الأخلاف، لكنه يفقد كل لحظة شيئاً من كرامته؟ ليست لها حيويةُ رجل فرد حيٍّ ولا قوَّته؛ إذ إن بوسع رجل فرد أن يجعلها طوع بنانه. إنها، في نظر الجماهير نفسها، ضربٌ من السلاح الخشبي. لكن هذا لا ينتقص من ضرورتها؛ إذ إن على الجماهير أن تملك نوعاً ما من الآلة المعقدة، وتسمع ضوضاءها، من أجل أن تلبِّي فكرتها عن الحكم. وبذلك تبرهن الحكوماتُ إلى أيِّ حدٍّ بوسع البشر أن تُفرَض عليهم أمورٌ، بل حتى أن يفرضوها على أنفسهم، من أجل مصلحتهم. ويجب علينا جميعاً أن نقرَّ بأن هذا ممتاز. غير أن هذه الحكومة لم تدعم قط من تلقاء نفسها أية مبادرة إلا بمقدار ما لم تعرقل سيرها. إنها لا تهتم بصون حرية البلاد؛ لا يهمها أن تسوِّي أمور الغرب؛ لا يهمها أن تربِّي. فالطبع الذي فُطِرَ عليه الشعب الأمريكي هو الذي قام بكل ما تمَّ إنجازه؛ ولعله كان سيفعل المزيد نوعاً ما لو أن الحكومة لم تعرقل سيره في بعض الأحيان. ذلك أن الحكومة وسيلة يتذرَّع بها البشر طوعاً للنجاح في ترك واحدهم الآخر وشأنه. وكما قيل، عندما تكون الحكومةُ هذه الوسيلةَ على أتمِّ وجه فإن المحكومين يُترَكون وشأنهم على أتمِّ وجه كذلك. فلو لم تكن المقايضة والتجارة في مرونة المطاط لما أفلحتا في تخطِّي العقبات التي ما انفك المشرِّعون يضعونها في طريقهما. ولو كان لنا أن ندين هؤلاء الرجال كلياً بنتائج أفعالهم، وليس جزئياً بنواياهم، لاستحقوا أن يصنَّفوا مع أولئك الأشخاص الأشقياء الذين يضعون العوائق على الطرق السككية.
    أما إذا شئتُ أن أتكلم عملياً وكمواطن، على غير ما يفعل أولئك الذين يلقبون أنفسهم بالفوضويين، فإني لا أطالب على الفور بزوال الحكومة، بل على الفور بحكومة أفضل. فليجهر كلُّ امرئ بنوع الحكومة الذي يستأهل احترامَه، فتكون هذه خطوة أولى باتجاه الحصول عليها.
    إن السبب العملي، بعد كل اعتبار، إذا ما آل السلطان إلى أيدي الجماهير، في السماح للأكثرية بالحكم، وبالاستمرار فيه لفترة طويلة، ليس على الأغلب لأنها على صواب، ولا لأن هذا يبدو الأنصف في نظر الأقلية، بل لأنها الأقوى. لكن حكومة تحكم فيها الأكثرية في كل الحالات لا يمكن أن تتأسَّس على العدل، حتى في حدود فهم البشر له. ألا يمكن أن توجد حكومةٌ لا تقرر فيها الأغلبياتُ الحقَّ والباطلَّ، بل يقررهما الضمير؟ – حكومةٌ تقرر فيها الأغلبياتُ تلك المسائل فقط التي تنطبق عليها قاعدةُ تيسير المصلحة؟ هل ينبغي أصلاً على المواطن للحظة، أو في الحدِّ الأدنى، أن ينزل عن ضميره للتشريع؟ علام لكلِّ إنسان ضمير إذن؟ أعتقد أننا يجب أن نكون بشراً أولاً، وبعدئذٍ رعايا. إذ ليس من المرغوب أن يُحرَص على احترام القانون بقدر ما يُحرَص على الحق. إن الفرض الوحيد الذي يحق لي أن أُسأل عنه هو أن أفعل في أيِّ وقت ما أراه حقاً. لقد صدق إلى حدٍّ كبير من قال بأن الجَمْعَ لا ضمير له؛ لكن جَمْعاً من أصحاب الضمائر هو جَمْع ذو ضمير. لم يجعل القانونُ البشرَ أعدل بمقدار ذرة؛ وبواسطة تهيُّبهم منه، يصير يومياً ذوو النية الحسنة منهم حتى أدواتٍ للظلم. إن النتيجة الشائعة والطبيعية للاحترام المفرط للقانون هو احتمال رؤيتك رتلاً من الجند – عقيداً ورائداً وعريفاً وجندياً عادياً وغلام مدفعية وغيرهم – يمشون في نظام يبعث على الإعجاب ويقطعون التلال والوهاد إلى الحروب، رغماً عنهم – أجَلْ، ضد سليقتهم وضميرهم – الأمر الذي يجعل مشيهم مشقة كبيرة فعلاً، ويسبب خفقاناً في القلب. لا ريب عندهم أن الأمر الذي تورطوا فيه أمر بغيض؛ لكنهم يذعنون له مستكينين. أما وهذه هي الحال، ما يكون هؤلاء؟ أهم بشر أصلاً؟ – أم هم حصون ومخازن ذخيرة صغيرة متحركة في خدمة رجل صاحب نفوذ لا يتورع عن شيء؟ زُرْ رحبة السفن، فتملَّى جندي بحرية، رجلاً كالذي وحدها حكومة أمريكية بوسعها أن تصنعه، أو ما يمكنها أن تصنع من رجل بسحرها الأسود – تجد مجرد ظل للإنسانية وذكرى منها، رجلاً معروضاً حياً للفرجة وواقفاً، ومدفوناً سلفاً، إذا جاز القول، تحت الأسلحة مع الموكب الجنائزي، مع أنه
    لم يُسمَع طبلٌ، ولا نغمة جنائزية،
    ونحن نعجِّل بجثته إلى المتراس؛
    ما من جندي أطلق رصاصة وداع
    على القبر الذي ووري فيه بطلُنا.
    إن جمهور البشر يخدم على هذا النحو الدولةَ، ليس كبشر أساساً، بل كآلات، بأجسامهم. إنهم الجيش المرابط، والكتائب، والسجَّانون، والشرطة، والمكلَّفون بالأمن، إلخ. وفي معظم الحالات ينعدم أي إعمال حرٍّ، أياً كان، للمحاكمة أو للحسِّ الأخلاقي؛ بل هم يضعون أنفسهم على صعيد واحد مع الخشب والتراب والحجارة؛ ولعل بالإمكان تصنيع رجال من خشب يفون بالغرض على حدٍّ سواء. ومثل هؤلاء الرجال لا يستدرون من الاحترام بأكثر مما يستدر رجال من قش أو كومة من الوسخ؛ قيمتهم من قيمة الخيل والكلاب وحسب. ومع ذلك فإن لأمثالهم حتى على العموم منزلة مواطنين صالحين. وغيرُهم – كغالبية المشرِّعين والساسة والمحامين والوزراء وأصحاب المناصب – يخدمون الدولة بعقولهم على الأكثر؛ وبما أنهم قلما يقومون بأيِّ تمييز أخلاقي، فإن حظهم في خدمة الشيطان، من غير أن يدروا، لا يقل عن حظهم في خدمة الله. وحدها ثلة صغير – كالأبطال والوطنيين والشهداء والمصلحين بالمعنى العظيم والرجال – يخدمون الدولة بضمائرهم أيضاً، وبالتالي يقاومونها بالضرورة في معظم الأحيان؛ وهي عموماً ما تُعاملهم معاملة الأعداء. أما الرجل الحكيم فلا يكون مفيداً إلا كإنسان، ولسوف يأبى أن يكون مجرد "صلصال"، "يسد ثغرة درءاً للريح"، تاركاً تلك المهمة لرفاته على الأقل:
    أنا أشرف نَسَباً من أن أكون ملاَّكاً،
    من أن أكون معاوِناً مسلَّطاً،
    أو مستخدماً وأداة فعالة
    لأية دولة سيدة في العالم بأسره.
    مَن يهب نفسه بكليتها لرفاقه البشر يبدو لهم غير ذي نفع وأنانياً؛ أما مَن يهب نفسه لهم جزئياً فيُكرَّس فاعل خير ومُحسناً.
    كيف ينبغي للرجل أن يتصرف حيال هذه الحكومة الأمريكية اليوم؟ أجيب بأنه لا يستطيع أن يكون على صلة بها بدون أن يجلِّله الخزي. لا أستطيع برهة واحدة أن أعترف بذلك التنظيم السياسي حكومةً لي وهو حكومة العبيد أيضاً.
    البشر جميعاً يعترفون بحق الثورة؛ أي الحق في رفض الولاء للحكومة والحق في مقاومتها عندما يصير استبدادُها أو تقصيرُها عظيماً أو لا يطاق. لكن الجميع تقريباً يقولون إن الأمر ليس كذلك الآن. إنما كان الأمر كذلك، على حدِّ قولهم، في ثورة عام 75. فلو اتفق لأحدهم أن يخبرني بأن الحكومة آنذاك كانت سيئة لأنها فرضت المكوس على بعض السلع الأجنبية المجلوبة إلى موانئها فمن المرجَّح جداً ألا أثير جلبة حول الأمر لأني أستطيع أن أستغني عنها. لكلِّ آلة احتكاكُها؛ ومن الممكن أن يجلب هذا ما يكفي من الخير لموازنة الشر. وعلى كل حال، فإن من عظيم الشر أن يثار لغطٌ بخصوص هذا الأمر. ولكن عندما يصل الأمر بالاحتكاك إلى امتلاك آلته، وتنظيم الجور والنهب، أقول إننا يجب أن نتخلص من آلة كهذه. بعبارة أخرى، عندما يكون سدسُ تعداد أمة، نهضتْ لتكون ملاذاً للحرية، عبيداً، وتتعرض بلادٌ بأسرها ظلماً لاعتداء جيش أجنبي وغزوه، وتخضع للقانون العسكري، أعتقد أن الأوان يكون قد آن لكي يتمرد شرفاءُ القوم ويثوروا. وما يجعل هذا الواجب عاجلاً أكثر هو أن البلاد المعتدى عليها على هذا النحو ليست بلادنا، بل إن جيش بلادنا هو الغازي.
    إن بيلي – وهو مرجع عام في العديد من المسائل الأخلاقية – في الفصل الذي عقده على "واجب الامتثال للحومة المدنية"، يختزل كل التزام مدني إلى تيسير المصلحة؛ ويمضي قائلاً إنه "مادامت مصلحة المجتمع بأكمله تتطلب ذلك، أي مادامت مقاومةُ الحكومة القائمة أو تغييرُها متعذرين بدون حصول بلبلة عامة، فإن الله قد شاء... أن تطاع الحكومة القائمة – إلى حين. وبقبول هذا المبدأ فإن عدالة كلِّ حالةِ مقاومةٍ خاصة تُختزَل إلى حسابٍ لمقدار الخطر والضيم الواقع، من جانب، وإلى احتمال وكلفة تصحيحهما، من جانب آخر." وكل إنسان، على حدِّ قوله، يحكم في ذلك بنفسه. لكن يبدو أن بيلي لم يمعن النظر قط في تلك الحالات التي لا تنطبق فيها قاعدة تيسير المصلحة، والتي ينبغي فيها على الشعب، كما وعلى الفرد، أن يقيم العدل، مهما كلف الأمر. فإذا انتزعتُ ظلماً من رجل يغرق لوحَ خشب عليَّ أن أعيده إليه، حتى إذا جازفتُ بالغرق. وهذا، بحسب بيلي، غير ملائم. لكن من يفوز بحياته، في حالة كهذه، يخسرها. على هذا الشعب أن يكف عن استعباد الناس، وعن شنِّ الحرب على المكسيك، وإن كلَّفه ذلك حياته كشعب.
    الأمم، في ممارساتها، تتفق مع بيلي؛ ولكن هل من أحد يستصوب ما تفعل ماساتشوستس بالدقة في هذه الأزمة الراهنة؟
    دولة كدْراء، فاسقة في ثوبٍ خَلِقٍ من فضة،
    ترفع حاشية ثوبها، وتمرِّغ روحَها في الوحل.
    من الناحية العملية، ليس المعارضون للإصلاح في ماساتشوستس مئة ألف سياسي في الجنوب، بل هم مئة ألف تاجر ومزارع هنا، همُّهم التجارة والزراعة أكثر من الإنسانية، وليسوا مستعدين لإنصاف العبد والمكسيك، مهما كلف الأمر. لست على خصام مع الأعداء البعيدين، بل مع القريبين في الوطن الذين يتعاونون مع أولئك البعيدين ويزايدون عليهم، القريبين الذين بدونهم يكون البعيدون مأموني الجانب. لقد اعتدنا أن نقول بأن جمهور البشر عير مستعد؛ غير أن التحسين بطيء لأن الصفوة ليسوا مادياً أوفر حكمة أو أفضل من الجمهور. فليس من الأهمية بمكان أن يعادلك الكثيرون خيراً، بقدر ما يهم أن يوجد خير مطلق ما في مكان ما؛ إذا إن به يختمر المجموعُ كله. هناك الألوف ممَّن يعارضون في الرأي الرقَّ والحرب، لكنهم بالفعل لا يحركون ساكناً لوضع حدٍّ لهما؛ الألوف ممَّن، إذ يحسبون أنفسهم أبناء واشنطن وفرانكلين، يجلسون وأيديهم في جيوبهم، ويقولون إنهم حيارى فيما يفعلون، ولا يفعلون شيئاً؛ ممَّن يقدِّمون حتى التجارة الحرَّة على مسألة الحرية، ويقرؤون بعد العشاء بهدوء الأسعارَ الجاريةَ مع آخر الاستشارات الواردة من المكسيك، ولعلهم ينامون على كليهما قريري العين. فما هو السعر الجاري اليوم لرجل نزيه ووطني؟ إنهم يترددون، ويأسفون، يرفعون العرائض أحياناً؛ لكنهم لا يفعلون شيئاً جدياً وفعالاً. ولسوف ينتظرون، حَسَني النية، أن يقوم آخرون بتدارك الشر، لكيلا يضطرهم شيءٌ بعدُ إلى الأسف. وفي أحسن الأحوال، يمنحون صوتاً رخيصاً وتأييداً واهناً للحق، إذا صادفوه، ويدعون له بالسلامة. هناك تسعمئة وتسعة وتسعون وصياً على الفضيلة مقابل رجل فاضل واحد. لكن من الأيسر التعامل مع المالك الحقيقي لشيء من الوصي المؤقت عليه.
    كل تصويت فهو ضرب من اللعب، مثل الدَّامة والنرد، عليه مسحةٌ خفيفة من الأخلاق، فهو تلاعبٌ بالحق وبالباطل، تلاعب بالمسائل الأخلاقية؛ وهو يترافق بالطبع مع الرهان. إن طبع المصوِّتين ليس موضع رهان. أدلي بصوتي، ربما، لصالح ما أظنه حقاً؛ لكني لست معنياً حيوياً بأن يسود الحق. أوثر أن أفوض الأمر إلى الأكثرية. لذا فإن التزامها لا يتعدى الالتزام بتيسير المصلحة. وحتى التصويت لصالح الحق لا يفعل من أجله شيئاً. إنه تعبيرك للناس تعبيراً واهناً عن رغبتك في سيادته، ليس إلا. أما الرجل الحكيم فلن يترك الحق لرحمة المصادفة، كما لن يتمنى له أن يسود عبر سلطان الأكثرية. ليس في عمل جماهير البشر إلا القليل من الفضيلة. وإذا اتفق للأكثرية أن تصوِّت أخيراً على إلغاء الرق فسيكون ذلك لأنهم غير مكترثين للرق، أو لأنه لم يبقَ إلا القليل من الرق يلغيه تصويتهم. وإذ ذاك لن يكون من عبيد سواهم. وحده مَن يؤكد بصوته على حريته هو يستطيعُ صوتُه أن يعجِّل في إلغاء الرق.
    سمعتُ عن مؤتمر سوف ينعقد في بلتيمور، أو في غير مكان، لاصطفاء مرشَّح للرئاسة، مؤلَّف في غالبيته من ناشرين ومن رجال يحترفون السياسة؛ لكن ما همَّ أيِّ رجل مستقل وعاقل ومحترم أيَّ قرار يتوصلون إليه؟ ألن نحظى، مع ذلك، بميزة حكمته ونزاهته؟ ألا نستطيع أن نتكل على عدد من الأصوات المستقل؟ أليس هناك أفرادٌ عديدون في البلاد لا يحضرون المؤتمرات؟ ولكن كلا: أرى أن الرجل المحترم قد تخلَّى من فوره عن موقعه، وقد يئس من بلاده عندما وجدتْ بلادُه ما يستوجب اليأس منه. لذا فهو يسارع إلى تبنِّي واحد من المرشحين المُصطَفَيْن على هذا النحو بوصفه المرشح الوحيد المتيسر، مبرهناً بذلك أنه هو مستباح لأي مقصد من مقاصد الديماغوجي. وصوته لا يزيد قيمة عن صوت أيِّ أجنبي لا يراعي حرمة أو ابن بلد مرتزق قد اشتُرِيَ. طوبى لرَجُلٍ رَجُل، في ظهره عظمٌ ليس خَرِعاً، كما يقول جاري! إحصاءاتنا على غلط: إذ لقد بالغتْ في تقدير عدد السكان. كم من الرجال يوجد في كل ألف ميل مربع في هذه البلاد؟ يكاد لا يوجد رجل واحد. ألا توفر أمريكا أي ترغيب للرجال لكي يستقروا هنا؟ لقد تضاءل الأمريكي حتى أمسى مخلوقاً عجيباً – مخلوقاً يُعرَف من نموِّ عضو قطيعيَّته ومن نقصٍ في عقله وفي اتكاله البهيج على النفس؛ مخلوقاً همُّه الأول والرئيسي، لدى قدومه إلى العالم، هو التأكُّد من أن دُورَ الإحسان في حالة صالحة؛ همُّه، حتى قبل أن يرتدي شرعاً زيَّ الرجولة، أن يجمع التبرعات لدعم الأرامل واليتامى المفترضين؛ مخلوقاً، باختصار، لا يغامر بالعيش إلا بمعونة شركة التأمين التعاونية التي وعدت أن تدفنه دفناً لائقاً.
    من المفروغ منه أنه ليس من واجب المرء أن ينذر نفسه للقضاء على أيِّ باطل، حتى أشده فداحة؛ قد تكون له بحق اهتمامات أخرى ينشغل بها؛ لكن من واجبه، على الأقل، أن يغسل يديه منه، وإذا لم يولِ الأمر المزيد من التفكير، ألا يمحضه عملياً تأييدَه. إذا نذرت نفسي لمساعٍ ومطالب أخرى، فعليَّ أن أستيقن، على الأقل، من أنني لا أسعى إليها على كتفي رجل آخر. عليَّ أن أفسح له المجال أولاً بحيث يستطيع أن يسعى إلى مطالبه هو الآخر. فانظروا أي تناقض فظ يُتساهَل فيه. لقد سمعت بعض رجال بلدتي يقولون: "ليتهم يأمرونني بالخروج لأساعد في إخماد تمرد للعبيد، أو بالسير إلى المكسيك – فيروا إذا امتثلت"؛ غير أن كلاً من هؤلاء الرجال أنفسهم قد أتى بالبديل، مباشرة بولائه، وعلى نحو غير مباشر قطعاً، على الأقل، بماله. يصفِّق للجندي الذي يرفض أن يخدم في حرب ظالمة أولئك أنفسُهم الذين لا يرفضون تأييد الحكومة الظالمة الذي تشن الحرب؛ وكأن الدولة تائبة إلى درجة أن المرء يتورع عن ضربها بالسوط وهي ترتكب الإثم، لكن ليس إلى درجة أن تكفَّ عنه للحظة. وهكذا فإنه تحت عنوان النظام والحكومة المدنية نُرغَم جميعاً في النهاية على تأدية فروض الولاء لخِسَّتنا وعلى تعزيزها. فبعد حياء المعصية الأول تأتي اللامبالاة بها؛ وهذه من مُنكَرة تصير لاأخلاقية، إذا جاز القول، وليست غير ضرورية تماماً لتلك الحياة التي صنعناها.
    إن الثبات أمام الغلط الأوسع والأشيع يتطلب الفضيلة الأكثر زهداً. إن المأخذ الطفيف الذي تتعرَّض له عموماً فضيلةُ الوطنية يؤخَذ على النبلاء في الأعم الأغلب. فالذين، وإن اعترضوا على طبع حكومة ما وعلى إجراءاتها، يرضخون لها في ولائهم ودعمهم، هم مؤيِّدوها الخُلَّص وهم، وفي الكثير من الأحيان، أخطر العراقيل أمام الإصلاح. بعضهم يرفع العرائض إلى الدولة لكي تحلَّ الاتحاد، وتضرب كشحاً عن إيعازات الرئيس. فلم لا يحلُّونه بأنفسهم – أي الاتحاد بينهم وبين الدولة – فيرفضون دفع أقساطهم إلى خزينتها؟ أليس موقفهم في علاقتهم بالدولة مماثلاً لموقف الدولة في علاقتها بولايات الاتحاد؟ أليست الأسبابُ التي منعت الدولةَ من مقاومة ولايات الاتحاد هي عينها الأسباب التي منعت الولايات من مقاومة الدولة؟
    كيف يرتضي إنسان لنفسه مجرد النظر في رأي والتمتع به؟ هل ثمة أية متعة في ذلك إذا كان رأيُه هو مصدر الضيم النازل به؟ إذا أخذ منك جارُك بالحيلة دولاراً واحداً فإنك لا ترتضي الاكتفاء بمعرفتك أنه احتال عليك، أو بقولك إنه احتال عليك، أو حتى بالتوسل إليه أن يدفع لك مستحَقَّك عليه؛ بل تتخذ فوراً خطوات فعلية للحصول على المبلغ كاملاً، وتستيقن من أنه لن يحتال عليك من جديد. إن العمل بمقتضى مبدأ، وإدراك الحق وإحقاقه، يغير في الأشياء وفي العلاقات؛ وهو ثوري من حيث الجوهر، ولا يتسق بالتمام مع أي شيء كان. إنه لا يشطر الدول والكنائس وحسب، بل والعائلات أيضاً؛ لا بل ويشطر الفرد، مُفرِزاً الشيطاني فيه من الإلهي.
    القوانين الظالمة موجودة: فهل نقنع بطاعتها، أم نسعى إلى تعديلها، فنطيعها حتى ننجح في مسعانا، أم ننتهكها على الفور؟ في ظل حكومة كهذه، يظن الناس عموماً أن عليهم أن ينتظروا ريثما يُقنِعون الأكثريةَ بتغييرها. وهم يظنون أنهم، إذا ما قاوموا، فإن الدواء سيكون أسوأ من الداء. لكن الحكومة هي المسؤولة عن كون الدواء أسوأ من الداء؛ فهي التي تجعله أسوأ. فلم لا ترى من الأنسب أن تستبق الأمور وتمهد للإصلاح؟ لم لا تراعي أقليتَها الحكيمة؟ لماذا تصرخ وتقاوم قبل أن يصيبها الأذى؟ لم لا تشجع مواطنيها أن يكونوا على أهبة الاستعداد لتنبيهها إلى أغلاطها، وتفعل خيراً مما تتطالبهم أن يفعلوا؟ لماذا تصلب المسيح دائماً، وتعلن الحرم على كوبرنيكوس، وتَصِمُ واشنطن وفرانكلين بالتمرد؟
    يتراءى للمرء أن الإنكار العملي المقصود لسلطتها هو الإساءة الوحيدة التي لم تحتطْ لها الحكومة قط؛ وإلا فلم لم تخصَّص له العقوبة المحددة والملائمة والمتناسبة معه؟ إذا رفض رجل لا يملك شروى نقير مرة واحدة أن يؤدي تسعة شلنات للدولة فإنه يودَع السجن لفترة لا يحددها أي من القوانين التي أعرفها، ولا يعيِّنها إلا اجتهادُ الذين سجنوه؛ لكن إذا اتفق له أن يسرق من الدولة تسعين مرة تسعة شلنات فإنه سرعان ما يُسمَح بإطلاق سراحه.
    إذا كان الظلم جزءاً من الاحتكاك الضروري بين تروس آلة الحكومة، ليكن، ليكن: فربما اهترأتْ حتى الملاسة – لكن الآلة سوف تبلى حتماً. إذ خصَّ الظلمُ نفسَه بنابض، أو ببكرة، أو بحبل، أو بعتلة، فلكَ ربما أن تنظر فيما إذا لم يكن الدواء أسوأ من الداء؛ لكن إذا كان الظلم من طبيعةٍ تتطلب منك أن تصير أداة ظلم لغيرك، عندئذٍ، أقول لك: خالِف القانون؛ ولتكن حياتك احتكاكاً مضاداً لوقف الآلة. فما ينبغي عليَّ أن أفعله هو التيقن، في كل حال، من أني لا أشارك في الباطل الذي أدينُه.
    أما عن تبنِّي الطرق التي أتاحتْها الدولةُ لمعالجة الداء، فلا أعرف شيئاً عن مثل هذه الطرق. فهي تستغرق وقتاً من الطول بما قد يودي بحياة إنسان. عندي شؤون أخرى أنصرف إليها. لم آتِ إلى هذا العالم أساساً لكي أجعل منه مكاناً طيباً أحيا فيه، بل لكي أحيا فيه وحسب، حسناً كان أم سيئاً. ليس على الإنسان أن يفعل كل شيء، بل شيء واحد؛ ولأنه ليس في وسعه أن يفعل كل شيء، ليس من الضروري أن يفعل شيئاً خاطئاً. ليس من شأني أن أرفع عريضة إلى الحاكم أو المشرِّع بأكثر مما هو من شأنهما أن يرفعا عريضة إليَّ؛ وإذا لم يحملا عريضتي على محمل الجد ماذا عليَّ أن أفعل حينئذٍ؟ بيد أن الدولة في هذه الحالة لم تتحْ طريقاً: دستورها نفسه هو الشر. قد يبدو هذا من قبيل القسوة والعناد وعدم الموادعة؛ لكن قوامَه معاملةُ الروح الوحيدة التي بوسعها أن تقدِّره أو تستحقه بأقصى ما يكون من اللطف والاعتبار. كذلك هو كل تغيير نحو الأفضل، مثل الولادة والموت، اللذين يختلج لهما الجسم.
    لا أتردد في القول إن على أولئك الذين يسمُّون أنفسهم دعاةَ إبطال الرق أن يسحبوا فعلاً على الفور دعمَهم من حكومة ماساتشوستس، شخصياً ومالياً، ولا يلبثوا بانتظار أن يشكِّلوا أكثرية رجل واحد، قبل أن يتولوا الحق بالسيادة من خلالها. أعتقد أن حسبهم أن يكون الله في صفهم، بدون أن ينتظروا ذلك الرجل الآخر. علاوة على ذلك، فإن أي رجل على حقٍّ أكثر من جيرانه يشكِّل أصلاً أكثرية رجل واحد.
    أقابل هذه الحكومة الأمريكية، أو ممثلتَها حكومة الولاية، مباشرة، ووجهاً لوجه، مرة كل عام – لا أكثر – في شخص جابي ضرائبها؛ وهذه هي الكيفية الوحيدة المتاحة بالضرورة لرجل في موقعي لمقابلتها؛ وهي تقول حينئذٍ بصراحة: اعترف بي. إن الكيفية الأبسط، والأكثر فاعلية، وفي الوضع الحالي للأمور، الكيفيةَ التي لا غنى عنها إلى أبعد حد، للتعامل معها على هذا الصعيد، وللتعبير عن رضاك الصغير عنها وعن محبتك لها، هي إنكارُها إذن. إن جاري المدني، جابي الضرائب، هو بعينه الرجل الذي يتعين عليَّ أن أتعامل معه – إذ إني، في المآل، أخاصم بشراً ولا أخاصم كاغداً – وهو قد اختار بإرادته أن يكون وكيلاً عن الحكومة. فكيف له أن يعرف يوماً معرفة جيدة ما هو وما يفعل كموظف للحكومة، أو كإنسان، حتى يكون مُجبَراً على النظر فيما إذا كان سيعاملني – أنا، جاره الذي يكنُّ له الاحترام – كجارٍ وكإنسان طيب السريرة، أو كمهووس مثير للشغب، ويرى إن كان يستطيع أن يتخطى هذا الحائل دون جيرته بدون خاطر أو كلام أكثر رعونة وهياجاً يتناسب مع فعله. غير أني أعرف هذا جيداً: إذا قام ألف رجل، مئة رجل، عشرة رجال أستطيع أن أسميهم – عشرة رجال شرفاء – لا بل إذا قام فعلاً رجل شريف واحد فقط، في ولاية ماساتشوستس، وقد أعتق عبيده، بالانسحاب من هذه الشراكة، وحُبِسَ من أجل ذلك في سجن المقاطعة، لكان ذلك هو إلغاء العبودية في أمريكا. إذ إنه لا يهم مطلقاً ما تبدو عليه البداية من صِغَر: فما يتم على الوجه الصحيح مرة يتم للأبد. لكننا نؤثر أن نتكلم على الأمر: تلك، نقول، هي رسالتنا. غير أن الإصلاح يحتفظ بأعداد غفيرة من الصحف في خدمته، لكنه لا يحتفظ برجل واحد. إذا اتفق لجاري الموقر – سفير الدولة، الذي سوف يخصِّص أيامه لتسوية مسألة حقوق الإنسان في قاعة المجلس، بدلاً من أن يُهدَّد بسجون كارولينا – أن يقاضي سجين ماساتشوستس، فإن تلك الولاية التي تحرص كل الحرص على أن تلقي بتبعة إثم الرق على شقيقتها – مع أنها في الوقت الحاضر لا تتورع عن الكشف في مسلك لا إكرام للضيف فيه فقط أساساً لخصومة معها – والمشرِّع لن يرجئ النظر في القضية إلى الشتاء التالي.
    في ظل حكومة تسجن أياً كان ظلماً فإن المكان الصحيح للإنسان العادل هو أيضاً السجن. المكان اللائق اليوم، المكان الوحيد الذي خصَّصته ماساتشوستس لأكثر أرواحها حرية وأقلها قنوطاً، هو في سجونها، يودَعون فيها وتوصَد أبوابُها دونهم والدولةَ بفعل الدولة نفسه، بما أنهم وضعوا نفسهم خارجها إذ عملوا بمبادئهم. هناك يجدهم العبدُ الهارب، والسجينُ المكسيكي المفرَج عنه على شروط، والهنديُّ القادم للترافع عن الضيم النازل على قومه؛ ذلك المكان المعزول – لكن الأشرف والأكثر حرية، حيث تودِع الدولة أولئك الذين لا يوالونها، بل يناوئونها – هو الدارُ الوحيدة في دولة عبيد يستطيع فيها إنسانٌ حرٌّ أن يقيم كريماً. أما إذا ظن بعضهم أن تأثيرهم سوف يضيع هناك، وأن أصواتهم لن تعود تطرق أذن الدولة، وأنهم لن يعودوا كالأعداء بين جدرانه، فإنهم لا يعرفون إلى أي حدٍّ يتفوق الحقُّ قوةً على الباطل، ولا إلى أيِّ حدٍّ أبلغ وأفعل يقدر الذي ذاق المقامَ قليلاً في سجنه أن يجاهد ضد الظلم. أدْلِ بصوتك كلِّه، وليس بقصاصة ورق وحسب، بل بتأثيرك برمَّته. الأقلية منزوعة القوة حين تنصاع للأكثرية؛ وهي إذ ذاك ليست أقلية حتى؛ لكنها لا تُقاوَم عندما تنوء بوزنها المعنوي كلِّه. فإذا كان البديل إما إبقاء الرجال الأبرار في السجن، وإما التخلِّي عن الحرب وعن الرق، فإن الدولة لن تتردد في أيهما تختار. هب أن ألف رجل استنكفوا عن دفع فواتير ضرائبهم هذا العام، فهذا لن يكون إجراءً عنيفاً ودموياً، كما سيكون فيما لو دفعوها، ومكَّنوا الدولة بذلك من ارتكاب العنف وسفك دم بريء. وهذا، في الواقع، هو تعريف الثورة السِّلمية، إذا أمكن أن توجد ثورة كهذه. فإذا سألني جابي الضرائب، أو أي موظف دولة آخر، كما سألني أحدُهم فعلاً: "ولكن ماذا سأفعل؟" فجوابي سيكون: "إذا أردت حقاً أن تفعل شيئاً، استقلْ من وظيفتك." إذ عندما يرفض الفردُ من الرعية الولاءَ، ويستقيل الموظفُ من وظيفته، فإن الثورة ناجزة. ولكن حتى على افتراض أن الدم سوف يُسفَك، أليس ثمة نوعٌ من سفك الدم عندما يُجرَح الضمير؟ عبر هذا الجرح تنزُّ رجولةُ المرء وخلودُه، وينزف حتى الموت الأبدي. وإني لأرى هذا الدم ينزُّ الآن.
    لقد افترضتُ حبس المخالِف بدلاً من الاستيلاء على ماله – مع أن كليهما سوف يخدم الغاية نفسها – لأن الذين يصرون على الحق الأنقى، وهم، بالتالي، الأخطر على دولة فاسدة، لم يصرفوا غالباً وقتاً طويلاً في تكديس الأملاك. لمثل هؤلاء لا تقدِّمُ الدولةُ بالمقارنة إلا خدمات ضئيلة، وإن ضريبةً طفيفة من دأبها أن تبدو في نظر هؤلاء باهظة، ولاسيما إذا اضطروا إلى كسبها بعمل خاص بسواعدهم. فلو كان ثَمَّ امرؤ يعتاش بالكلية بدون استعمال المال فإن الدولة نفسها قد تتردد في مطالبته به. غير أن الرجل الثري – لئلا نقوم بأية مقارنة باعثة على الحسد – مباع دوماً للمؤسَّسة التي تجعله ثرياً. وبكلام مطلق، كلما ازداد المال، تضاءلت الفضيلة؛ إذ إن المال يتوسط بين الإنسان وأغراضه، ويحصل له عليها؛ وبالتأكيد ليس الحصول عليه من عظيم الفضائل. فالمال يُخمِد العديد من الأسئلة التي لولاه لاضطر إلى الإجابة عليها؛ في حين أن المسألة الجديدة الوحيدة التي يطرحُها المالُ هي المسألة الصعبة، لكن النافلة: كيف ينفقه؟ وبهذا فإن أساسه الأخلاقي ينسحب من تحت قدميه. وفرصُ الحياة تتناقص في تناسب عكسي مع تزايد ما يسمى "الوسائل". لذا فإن خير ما يفعله المرء لتثقيف نفسه إذا كان غنياً هو أن يسعى إلى تنفيذ تلك الخطط التي وضعها حين كان فقيراً.
    لقد أجاب المسيح الهيروديين بحسب سؤالهم. قال: "أروني مال العِشر"؛ – فأخرج أحدُهم من جيبه درهماً؛ – فإذا استعملتم مالاً عليه صورة قيصر، وصيَّره قيصر سارياً وقيِّماً، أي إذا كنتم من رجال الدولة، وكنتم تتمتعون مسرورين بامتيازات حكومة قيصر، إذ ذاك ردُّوا له بعض ماله عندما يطلبه. "أعطوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله" – تاركين إياهم أجهل مما سبق فيما يخص أي شيء سيكون لمن؛ إذ إنهم لم يكونوا أصلاً يودون أن يعرفوا.
    كلما تحادثت مع أكثر جيراني تحرراً، أدركت أنه أياً كان ما قد يقولون في سعة المسألة وجدِّيتها، ومهما كان مبلغ اعتبارهم للأمان العام، فإن لبَّ المسألة هو أنهم لا يستطيعون أن يستغنوا عن حماية الحكومة الحالية، وهم يخشون عواقب عصيانها على أملاكهم وعائلاتهم. من جانبي لا أحبذ فكرة الاتكال أصلاً على حماية الدولة. لكني إذا تنكَّرت لسلطة الولاية عندما تقدِّم لي كشفها الضريبي فإنها سرعان ما سوف تستولي على أملاكي كلها وتبدِّدها، وبذلك تتحرش بي وبأولادي بغير حد. وهذا يشق عليَّ. إن هذا ما يجعل من المتعذر على المرء أن يحيا حياة شريفة، وفي الوقت نفسه مريحة، من حيث الأمور الخارجية. ولن يكون من المجدي كنز الأملاك، إذ لا بدَّ للأمر من أن يتكرر. ينبغي عليك أن تستأجر أو تستحلَّ مكاناً، ولا تزرع إلا محصولاً قليلاً تأكله سريعاً. ينبغي عليك أن تحيا في دخيلة نفسك، وتتكل على نفسك دوماً، مشمِّراً عن ساعديك، مستعداً للانطلاق، ولا تملك الكثير من الأغراض. بوسع امرئ أن يصير غنياً حتى في تركيا، إذا حرص أن يكون من كلِّ وجهٍ من الرعايا الصالحين للحكومة التركية. لقد قال كونفوشيوس: "إذا حُكِمَت الدولةُ وفق مبادئ العقل فإن الفقر والبؤس يكونان وصمتي عار؛ أما إذا لم تُحكَم الدولةُ وفق مبادئ العقل فإن الثروة والمفاخر يكونان وصمتي عار." أقول لا: فإلى أن أحتاج أن تشملني حماية ماساتشوستس وأنا في ثغر جنوبي بعيد، حيث تتعرض حريتي للخطر، أو إلى أن أصمِّم فقط على تعمير ضيعة لي في موطني بالمساعي السلمية، يجوز لي أن أرفض البيعة لماساتشوستس ولحقِّها على مُلكي وحياتي. وإنه ليكلِّفني أقل من كلِّ الوجوه أن يُنزَل بي عقابُ عصيان الدولة من أن أنصاع. الأحرى بي عند ذاك أن أشعر وكأن قيمتي تضاءلت.
    منذ بضع سنوات استدعتْني الدولة لمصلحة الكنيسة وأمرتني بدفع مبلغ معيَّن مقابل إعالة رجل دين كان أبي مواظباً على حضور مواعظه، ولم أكن قط. قالت لي: "ادفع، أو دونك الحبس في السجن." فرفضت أن أدفع. لكن، لسوء الحظ، وجد رجل آخر أن من اللائق أن يدفعه. ما كنت لأفهم لماذا ينبغي على ناظر المدرسة أن يؤدي الضريبة لإعالة الكاهن، وليس العكس؛ ذلك أني لم أكن ناظر مدرسة الدولة، بل كنت أقوم بأودي من الهبات الطوعية. ما كنت لأفهم لماذا لا تقوم المدرسة الثانوية بتقديم كشفها الضريبي وتكلف الدولة بدعم طلبها، وكذلك الكنيسة. غير أني، نزولاً عند طلب اللجنة الناظرة في القضية، تنازلت وصرحت كتابة بما مفاده: "أنا، هنري ثورو، أعلن على رؤوس الأشهاد أنني لا أود أن أُعتبَرَ عضواً في أية هيئة اجتماعية لم أنتسب إليها." وهذا التصريح سلَّمتُه إلى كاتب البلدة، وهو في حوزته. عندئذٍ فإن الدولة، إذ تنامى إليها أنني لم أكن أود اعتباري عضواً في تلك الكنيسة، كفَّتْ منذئذٍ عن مطالبتي بشيء مثل هذا – وإن تكن قالت إنه ينبغي عليها أن تتقيد بإجرائها الأصلي في تلك المرة. ولو كنت أستطيع أن أحصي كافة الجمعيات التي لم أنتسب إليها قط لاستقلتُ منها جميعاً على التفصيل؛ لكني لم أعرف أين كنت أستطيع أن أجد قائمة مستوفية بها.
    امتنعتُ عن تأدية ضريبة الخِراج مدة ست سنوات. ولقد أودِعتُ السجن مرة من جراء ذلك مدة ليلة واحدة؛ ثم، وأنا واقف شاخصاً في جدران الحجر الصلب، ذات القدمين أو الثلاثة سماكةً، وباب الخشب والحديد، ذا القدم سماكةً، وقضبان النافذة الحديدية التي كانت تصفِّي الضوء كالمخلاة، لم يسعني إلا أن أنصعق بجنون تلك المؤسَّسة التي كانت تعاملني وكأني مجرد لحم ودم وعظام، لا أصلح إلا للحبس. تفكَّرتُ في أنها قطعاً خَلُصَتْ أخيراً أن هذه أحسن معاملة كان في وسعها أن تخصَّني بها، ولم تفكِّر قط في أن تنتفع بخدماتي في صورة أو في أخرى. تبيَّن لي أنه لئن كان هناك جدار من الحجر بيني وبين سكان بلدتي هناك جدار أشد عصياناً على التسلق أو الاختراق دونهم وبلوغ مقام الحرية الذي أنا فيه. لم أشعر ولا للحظة أنني محتجَز، وبدت لي الجدران مضيعة هائلة للحجر والملاط. شعرت وكأني وحدي من بين سكان بلدتي قد سدَّدتُ ضريبتي. لقد أُسقِط في يدهم صراحةً في كيفية معاملتي، لكنهم تصرفوا كأشخاص سيئي التربية. فكلُّ تهديد وكلُّ إطراء من جانبهم انطوى على حماقة؛ إذ إنهم ظنوا بأني أتحرق رغبة في الوقوف على الجانب الآخر من ذلك الجدار الحجري. لم أملك إلا أن أبتسم لرؤية مبلغ اجتهادهم في إغلاق الباب على تأملاتي، التي كانت تتبعهم من جديد خارجاً بدون عارض أو عائق، وكأن مكمن الخطر كلِّه كان فيها. ولما لم يقدروا على الوصول إليَّ، عزموا على معاقبة جسمي؛ مثل الصبية، إذا لم يتمكنوا من شخص يكيدون له فإنهم يؤذون كلبه. تبيَّن لي أن الدولة معتوهة، وأنها كالمرأة العزباء المتخوفة على ملاعقها الفضية، وأنها لم تكن تميِّز أصدقاءها من أعدائها، وهكذا فقدتْ كلَّ احترام متبقٍّ فيَّ حيالها، فأشفقتُ عليها.
    بذلك فإن الدولة لا تواجه أبداً حسَّ المرء، العقلي أو الأخلاقي، بل جسمه وحواسه فحسب. فهي ليست مسلحة بالفطنة وبالصدق الرفيعين، بل بالقوة الجسمانية المتفوقة. لم أولد لكي أُكرَه على شيء. ولسوف أتنفس على سجيتي. ولنرَ من منَّا الأقوى. أية قوة يتصف بها الجمع الغفير؟ وحدهم يستطيعون إكراهي مَن يمتثلون لقانون أعلى من القانون الذي أمتثل له. إنهم يُكرهونني على أن أصير مثلهم. لم أسمع برجال أكرهَهم جمهورُ الناس على اتخاذ هذه الطريق أو تلك. فأي ضرب من الحياة كان هذا سيكون؟ عندما أقابل حكومة تقول لي: "مالك أو حياتك"، لماذا أتعجل الدفع إليها بمالي؟ قد تكون واقعةً في ضائقة عظيمة وليست تعرف ما ينبغي عمله: وهذا لا حيلة لي فيه. فعليها أن تساعد نفسها، فتفعل كما أفعل. والأمر لا يستحق التباكي عليه. لست مسؤولاً عن الدوران الناجح لآلة المجتمع؛ إذ لست من أبناء المهندس. أدرك أنه عندما تسقط بلوطة وكستناءة جنباً إلى جنب فما من واحدة منهما تبقى ساكنة لكي تفسح المجال للأخرى، بل كلتاهما تنصاع لقوانينهما، فتنبتان وتنموان وتزدهران بأحسن ما تستطيعان، إلى أن يتفق لإحداهما أن تلقي بظلها على الأخرى وتدمرها. إذا لم تستطع نبتة أن تحيا بحسب طبيعتها فإنها تموت – وكذلك الإنسان.
    كانت الليلة في السجن جديدة وممتعة إلى حدٍّ كبير. كان السجناء في قمصانهم يتمتعون بتجاذب أطراف الحديث وبهواء المساء في المدخل عندما دخلت. غير أن السجان قال: "هيا، يا شباب، حان وقت الإغلاق"؛ وهكذا تفرَّقوا، وسمعت صوت خطواتهم تؤوب إلى مقصوراتهم المجوفة. قدَّم السجانُ لي رفيقَ سكني بوصفه "صاحباً من الدرجة الأولى ورجلاً ذكياً". وعندما أوصِدَ البابُ أرشدني الرجلُ إلى مكان تعليق قبعتي وكيفية تدبُّره الأمورَ هناك. كانت الحجرات تُطلى ببياض الكلس مرة كلَّ شهر؛ وهذه، على الأقل، كانت أشدها بياضاً، مؤثثة على أبسط ما يمكن، ولعلها أنظف مقصورات البلدة وأكثرها ترتيباً. كان بالطبع يريد أن يعرف من أين أتيت وماذا جاء بي إلى هناك؛ وعندما أخبرته سألته بدوري كيف جاء إلى هناك، مفترضاً أنه رجل مستقيم، بالطبع؛ وعلى مرِّ الأيام، أعتقد أنه كان كذلك. قال: "عجباً لهم يتهمونني بإحراق مخزن للتبن – وأنا لم أفعل ذلك قط." لعل أقرب ما استطعت اكتشافه إلى الواقع، أنه، أغلب الظن، ذهب إلى فراشه في المخزن مخموراً، ودخَّن غليونه هناك؛ وهكذا احترق المخزن. لقد ذاع صيتُه كرجل ذكي، وكان ينتظر هناك منذ حوالى ثلاثة أشهر منتظراً أوان محاكمته، وربما كان عليه أن ينتظر مدة أطول بكثير؛ لكنه ألِفَ الحياة هناك ورضي بها تماماً، بما أنه يحصل على الطعام والمأوى مجاناً، ويعتقد بأنهم يُحسِنون معاملته.
    خصَّ نفسه بنافذة وخصصت نفسي بالأخرى؛ وقد رأيت أنه لو قُيِّض للمرء أن يمكث هناك طويلاً لوجد أن عمله الرئيسي يقتصر على النظر من النافذة. سرعان ما قرأت كلَّ الكراريس المتروكة هناك، وعاينت المكان الذي فرَّ منه سجناء سابقون، وأين جرى نشر قضبان إحدى النوافذ، واستمعت إلى قصص عن مختلف شاغلي تلك الحجرة؛ إذ إنني وجدت أنه حتى هنا كان ثمة تاريخ وثرثرة لا تسري أبداً خارج جدران السجن. فلعل هذا هو البيت الوحيد في البلدة الذي تُقرَض فيه أبياتُ شعر، لا تلبث فيما بعد أن تُطبَع على شكل تعميم، لكنها لا تُنشَر. ولقد اطلعت على قائمة طويلة فعلاً من الأبيات التي ألَّفها بعض الشبان ممَّن ضُبِطوا في محاولة للفرار، فثأروا لأنفسهم بغنائها.
    استخلصتُ من رفيقي السجين كلَّ ما استطعت، مخافة ألا أحظى برؤيته ثانية؛ لكنه أخيراً دلَّني على فراشي وتركني أطفئ المصباح.
    كان مبيتُ ليلة هناك أشبه بالسفر في بلاد بعيدة، بلاد ما كنت لأتوقع أبداً أن أشاهدها. لاح لي أنني لم أسمع قط صوت ساعة البلدة تطرق من قبل، ولا أصوات المساء في القرية؛ ذلك أننا نمنا تاركين النوافذ التي كانت داخل القضبان مفتوحة. كان الأمر أشبه برؤية القرية التي شهدتْ مولدي في ضوء العصور الوسطى، فتحول نهر كونكورد فيها إلى مجرى الراين، وتتابعت رؤى الفرسان والحصون أمام ناظري. تلك كان أصوات الأهالي التي كنت أسمعها في الشوارع. كنت رغماً عني مشاهداً ومستمعاً لكل ما كان يحصل ويقال في مطبخ فندق البلدة المجاورة – وتلك كانت تجربة جديدة ونادرة تماماً لي. كانت نظرةً إلى مسقط رأسي أقرب. كنت في داخله نوعاً ما. لم أكن قد رأيت مؤسَّساته من قبل قط. وهذه واحدة من مؤسَّساته غير المألوفة؛ ذلك أنها مركز ناحية. وبدأت أفهم ما كان عليه سكانها.
    في الصباح كان إفطارنا يمرَّر لنا من الفتحة في الباب، في صينيات صغيرة مستطيلة مربعة، جُعِلَتْ لتناسب الفتحة، وعليها مكيال من الشوكولاتة، مع خبز أسمر، وملعقة حديدية. وعندما نادوا علينا لاسترداد الأوعية من جديد، كنت غشيماً إلى حدِّ أني أعدت ما تركته من الخبز؛ لكن رفيقي قبض عليه على عجل وقال إنني يجب أن أستبقيه للغداء أو للعشاء. وبعيدئذٍ سُرِّح للعمل في جمع التبن في حقل مجاور، كان يذهب إليه كل يوم ولا يؤوب منه إلا ظهراً؛ لذا فقد تمنى لي يوماً طيباً، قائلاً إنه يشك أنه سيراني من جديد.
    عندما خرجت من السجن – ذلك لأن أحدهم تدخل ودفع تلك الضريبة – لم ألحظ تغيرات عظيمة حصلت على العموم،، كالتي يلحظها من يدخل شاباً ثم يخرج رجلاً شابَ شعرُه وترنحت مشيتُه؛ ومع ذلك فإن تغيراً ما طرأ على المشهد في نظري – البلدة، والولاية، والإنسان – أعظم من أيِّ تغيُّر يمكن لمجرَّدِ الزمن أن يُحدِثَه. رأيت الولاية التي أعيش فيها بوضوح أكبر أيضاً. رأيت إلى أيِّ حدٍّ يمكن للناس الذين أحيا بين ظهرانيهم أن يؤتَمَنوا كجيران وأصدقاء طيبين؛ أن صداقتهم تقتصر على فصل الصيف وحسب؛ أنهم لا يبالون كثيراً بعمل الحق؛ أنهم سلالة مختلفة عني بسبب من تحاملاتهم وخرافاتهم، شأنهم شأن الصينيين والملاويين سواء بسواء؛ أنهم في تضحياتهم من أجل الإنسانية لا يخاطرون بشيء، ولا حتى بممتلكاتهم؛ أنهم في المآل ليسوا بهذا النبل، بل يعامِلون السارق كما عاملهم، ويأملون، بفضل تديُّن خارجي وبضع صلوات، وبفضل السير، من حين لآخر، على درب مستقيم معين لكنه عقيم، أن يخلِّصوا نفوسهم. قد يكون في هذا تحاملٌ في الحكم على جيراني؛ فإني أعتقد أن الكثيرين منهم لا يدرون أن لديهم في قريتهم مؤسَّسة كالسجن.
    لقد جرت العادة في قريتنا سابقاً، أنه عندما يخرج مدين مسكين من السجن، يقوم معارفه لتحيته، ناظرين من خلال أصابعهم المتقاطعة بما يشبه قضبان نافذة السجن: "كيف حالك؟" غير أن جيراني لم يحيُّوني هكذا، بل نظروا إليَّ أولاً، ثم إلى بعضهم بعضاً، وكأني عدت من رحلة طويلة. لقد أودِعتُ السجن وأنا ذاهب إلى الإسكافي لاسترداد حذاء لي كان يصلحه. وعندما أخلي سبيلي في صباح اليوم التالي، مضيت لإنهاء مأموريتي، ثم، وقد احتذيت حذائي المتعافي، انضممت إلى فريق من جامعي العنَّبية كانوا يتحرقون إلى وضع أنفسهم تحت قيادتي؛ وفي غضون نصف ساعة – ذلك أن الجواد سرعان ما لُجِمَ – وجدت نفسي وسط حقل من العنَّبية، على واحد من أعلى التلال، على مسافة ميلين، وهناك توارت الولاية عن الأنظار.
    تلكم هي قصة سجوني برمَّتها.
    ***
    لم أرفض قط دفع ضريبة الطريق العام، لأني لا أقل رغبة أن أكون جاراً طيباً مني أن أكون من الرعايا السيئين؛ أما عن دعم المدارس فإني أؤدي دوري لتربية أبناء وطني الآن. ولست أرفض دفع الكشف الضريبي بسبب بند معين وارد فيه. أود ببساطة رفض البيعة للولاية، وذلك للانسحاب والوقوف منحازاً عنها بالفعل. لا أبالي باقتفاء مسار دولاري، لو استطعت، اللهم إلا عندما يشتري رجلاً أو بارودة يقتل بها رجلاً – والدولار بريء – لكني حريص على اقتفاء آثار بيعتي. والواقع أنني أعلن الحرب بهدوء على الولاية، على طريقتي، على الرغم من أني سأدأب على استعمالها والاستفادة من أية ميزة لها، كما جرت العادة في مثل هذه الحالات.
    إذا دفع غيري الضريبة المطلوبة مني، تعاطفاً مع الدولة، فهم يفعلون ما سبق أن فعلوه في حالتهم، أو هم بالحري يحضُّون على الظلم إلى حدٍّ أكبر مما تتطلبه الدولة. أما إذا دفعوا الضريبة اهتماماً في غير محلِّه في الفرد المضروب، حرصاً على ممتلكاته، أو للحيلولة دون ذهابه إلى السجن، فذلك لأنهم لم يتمعَّنوا في حكمةٍ إلى أيِّ حدٍّ يَدَعون مشاعرهم الخاصة تتدخل في الخير العام.
    ذلك، إذن، هو موقفي في الحاضر. لكن مهما بلغ حذر المرء في حالة كهذه فهذا لا يكفي، مخافة أن يجنح عملُه من جراء المعاندة أو الاعتبار المفرط لآراء الناس. فليحرص على أن يعمل فقط ما يخصُّه ويخصُّ الساعة.
    يخطر ببالي أحياناً – عجباً كيف أن هؤلاء القوم طيبوا النوايا، لكنهم جاهلون وحسب؛ ولكانوا أحسنوا العمل لو أنهم كانوا يعرفون كيف: لماذا تكلف جيرانك مشقة معاملتك بما ليسوا ميالين إليه؟ لكني أعود فأقول: هذا ليس سبباً يجعلني أفعل كما يفعلون، أو أسمح للآخرين أن يكابدوا شقاءً أكبر بكثير، لكنْ من نوع آخر. كذلك، أقول لنفسي أحياناً: عندما يطلب ملايين الناس منك، بدون احتداد، بدون سوء نية، بدون شعور شخصي من أيِّ نوع، بضعة شلنات فقط، بدون أن يستطيعوا – فذلك هو تكوينهم – الرجوعَ عن طلبهم أو تغييره، وبدون أن تستطيع، من جانبك، التماسَ ملايين آخرين، لماذا تعرِّض نفسك لتلك القوة العجماء الجارفة؟ أنت لا تقاوم البرد والجوع، الرياح والأمواج، بهذا العناد، بل تخضع بهدوء لألف ضرورة مشابهة. أنت لا تزج برأسك في النار. ولكن كما أنني نسبياً لا أعتبر هذه القوة قوة عجماء تماماً، بل قوة بشرية جزئياً، وأعتبر أن العلاقات التي تربطني بأولئك الملايين هي علاقات بعدد مماثل من البشر، وليست بأشياء عجماء أو جامدة، أرى أن هذا الالتماس ممكن، أولاً وآنياً، منهم إلى باريهم، وثانياً، منهم إليهم. لكني إذا وضعت رأسي في النار عامداً فلا التماس ممكناً للنار أو لباري النار، ولا أنحو باللائمة إلا على نفسي. فإذا استطعت أن أقنع نفسي بأن لي حقاً ما بأن أرضى بالبشر كما هم، وبأن أعاملهم على هذا الأساس، وليس، من بعض الوجوه، على أساس متطلباتي وتوقعاتي لما يجب أن يكونوا وأكون إياه، إذ ذاك فإني، كالمسلم والجبري الطيب، لا بدَّ أن أسعى إلى الرضى بالأشياء على حالها، وأقول بأنها مشيئة الله. وفوق ذلك كله، هناك هذا الفارق بين مقاومة هذا ومقاومة قوة محض عجماء أو طبيعية، المتمثل في أنني أستطيع أن أقاومه بشيء من الفعالية؛ إنما لا يمكنني أن أتوقع، مثل أورفيوس، تغيير طبيعة الصخور والأشجار والبهائم.
    لا أود أن أتخاصم مع أيِّ رجل أو أمَّة. لا أود أن أماحك في الكلام، أن أقيم تمييزات دقيقة، أو أضع نفسي في منزلة أحسن من منزلة جيراني. أفتش بالحري، إذا جاز لي القول، عن عذر حتى للانصياع لقوانين البلاد. لا بل إني أكثر من متأهب للانصياع لها. أجل، عندي ما يبرر لي الشك في نفسي في هذا الصدد؛ وكل عام، عندما يزورني جابي الضرائب، أجدني مستعداً لاستعراض أعمال ومواقف الحكومتين، الحكومة العامة وحكومة الولاية، وروح الناس، حتى أكتشف عذراً للامتثال.
    علينا أن نحنَّ على وطننا كما نحنَّ على والدينا،
    وإذا اتفق لنا ذات مرة أن نربأ
    بحبنا أو بجهدنا أن يكرِّمه،
    يجب أن نتحمل النتائج ونعلِّم النفس
    أمور الضمير والدين،
    وليس الرغبة في الحكم أو المنفعة.
    أعتقد أن الولاية سرعان ما ستتمكن من انتزاع عملي النوعي هذا كلَّه من بين يدي، وعندئذٍ لن أكون وطنياً أحسن من أبناء وطني. الدستور، منظوراً إليه من وجهة نظر أدنى، مع مثالبه كلِّها، جيد جداً؛ القانون والمحاكم محترمة جداً؛ وحتى هذه الولاية وهذه الحكومة الأمريكية، من وجوه عديدة، تستحقان الإعجاب، وهما شيئان نادران يستوجبان الامتنان، كما وصفهما عدد كبير من الناس؛ أما منظوراً إليهما من وجهة نظر أعلى قليلاً، فهما على ما وصفتُهما؛ ومن وجهة نظر أعلى، ومن وجهة النظر العليا، مَن ذا يستطيع القول ما هما، أو فيما إذا كانتا تستحقان النظر إليهما أو التفكير فيهما أصلاً؟
    غير أن الحكومة لا تهمني كثيراً، ولسوف أخصص لها أقل ما يمكن من الخواطر. فاللحظات التي أحيا فيها تحت لواء حكومة ليست كثيرة، حتى في هذا العالم. فإذا كان المرء حرَّ الفكر، حرَّ المخيِّلة، حرَّ التصور، أي ما لا يبدو أنه ملك له طويلاً قط، فإن الحكَّام أو المصلحين غير الحكماء لا يستطيعون حتماً أن يمنعوه.
    أعرف أن غالبية القوم تفكر على غير ما أفكر؛ لكنْ حسبي أولئك الذين حيواتهم منذورة مهنةً لدراسة هذا الموضوعات أو موضوعات أخرى نسيبة مهما قلَّ عددهم. أما رجال الدولة والمشرِّعون الواقفون بكليتهم ضمن المؤسَّسة، فلا يميزون أنفسهم عنها ولا ينظرون إليها على حقيقتها. يتكلمون على تحريك المجتمع، لكنْ ليس لهم مستقر بدونها. قد يكونون رجالاً لديهم شيء من الخبرة والتمييز، ولا ريب في أنهم اخترعوا نظماً مبتكَرة وحتى مفيدة، الأمر الذي نشكرهم عليه خالص الشكر؛ لكن فطنتهم وفائدتهم تكمن ضمن حدودٍ معينة ليست واسعة جداً؛ فدأبهم أن يتناسوا أن العالم غير محكوم بالسياسة وبالذرائع. إن [رجل القانون] وبستر لا يتخلف أبداً عن الحكومة، وبالتالي لا يستطيع أن يتكلم عليها كلام ذي سلطان. كلماتُه حكمةٌ بنظر أولئك المشرِّعين الذي لا يتطلَّعون إلى أيِّ إصلاح في الحكومة الراهنة؛ أما المفكرون، وأولئك الذين يشرِّعون لكلِّ الأزمنة، فإنه لا يكلف خاطره إلقاءَ نظرة واحدة على الموضوع. أعرف أناساً من شأن تفكُّرهم الرصين الحكيم في هذه المسألة أن يكشف سريعاً حدود مداه الذهني وأريحيته. ومع ذلك فإنه، بالمقارنة مع المزاعم الرخيصة لغالبية المصلحين، ومع الحكمة والبلاغة الأرخص أيضاً للسياسيين إجمالاً، فإن كلماته تكاد تكون الكلمات الوحيدة الحساسة والقيَّمة، ونحن نشكر السماء على وجوده. إنه، بالمقارنة، قوي دوماً، أصيل، وفوق كلِّ شيء، عملي. ومع ذلك فإن صفته ليست الحكمة بل الحيطة. إن حقيقة المحامي ليست الحقيقة، بل التماسك أو الذريعة المتماسكة. فالحقيقة متناغمة دوماً مع نفسها، ولا يهمها في المقام الأول الكشف عن العدل الذي يتوافق مع ذلك بارتكاب الشر. إنه يستحق بحق أن يدعى، كما دُعِيَ فعلاً، المدافع عن الدستور. فلا ضربات ثمة يضربها، بل ضربات دفاعية. إنه ليس قائداً، بل تابع. قادتُه هم رجال 1787 [من واضعي الدستور]. يقول: "لم أبذل جهداً قط، ولا أقترح بذل جهد؛ لم أستحسن جهداً، ولا أنوي استحسان أيِّ جهد، من شأنه أن يخلخل الترتيب كما وُضِعَ أصلاً، الذي انضمت وفقاً له الولايات المختلفة إلى الاتحاد." ومفكراً كذلك في التأييد الذي يقدمه الدستور للرقِّ يقول: "بما أنه كان جزءاً من العهد الأصلي – فليبقَ." وعلى الرغم من حدة ذهنه وقدرته الخاصين فإنه لا يقدر أن يستخلص واقعة من علائقها السياسية المجردة وينظر إليها كما لو أنها مطروحة فقط لكي يُعمِل العقلُ فيها النظرَ – ماذا، على سبيل المثال، ينفع المرء أن يفعل هنا في أمريكا اليوم فيما يخص الرق – بل يخاطر أو ينقاد إلى تقديم إجابات مثل الإجابة اليائسة التالية، بينما يتظاهر بالكلام مطلقاً، وكرجل فرد – فأي قانون للواجبات الاجتماعية جديد وفريد يمكن أن يُستنبَط منها؟ يقول: "إن الوسيلة التي ينبغي على حكومات تلك الولايات التي يوجد فيها الرقُّ أن تضبطه بها تعود إلى تقديرها هي، تحت طائلة مسؤوليتها حيال ناخبيها، حيال القوانين العامة للملكية، والإنسانية، والعدالة، وحيال الله. أما الجمعيات التي تشكلت في أماكن أخرى، نابعةً من شعور إنساني، أو من أي سبب آخر، فلا تمت بصلة من أيِّ نوع إلى تلك الوسيلة. لم يسبق لها أن تلقَّتْ أيِّ تشجيع مني، ولن تتلقَّى." ] تم إدراج هذه المقتطفات لأن المحاضرة كانت تقرأ-إتش دي تي [.
    إن هؤلاء لا يعرفون أي مصادر أنقى للحقيقة، الّذين لم يتتبعوا أعلى جدولها ، وقفوا وبحكمة كان وقوفهم مع الإنجيل والدّستور ونهلوا منه بتبجيل وإنسانية ولكن هؤلاء الّذين يرونها تأتي وتسيل في هذه البحيرة أو حمّام السّباحة هذا، يتأهّبون مرّة أخرى ويواصل مسيرهم نحو مصدرها.
    لم يظهر رجل عبقري في التشريع في أمريكا. فهم نادرون في تاريخ العالم. هناك خطباء، سياسيون، ورجال بليغون، بالآلاف؛ لكنْ ما من خطيب فتح فاه متكلماً حتى الآن بقادر على تسوية المشكلات الراهنة الشديدة الإقلاق للراحة. إننا نحب البلاغة من أجل ذاتها، وليس من أجل حقيقة ما قد تنطق بها، أو أية بطولة قد تُلهمُها. لم يتعلَّم مشرِّعونا بعدُ القيمة النسبية للتجارة الحرة والحرية، للاتحاد، وللاستقامة، بالنسبة للأمة. ليست لديهم عبقريةٌ أو موهبةٌ للمسائل المتواضعة نسبياً لفرض الضرائب والتمويل، للتجارة والصناعة والزراعة. ولو تُرِكنا ترشدُنا فطنةُ المشرِّعين المطنبين في الكلام في الكونغرس وحدها، لا تقوِّمها الخبرة التي تأتي في أوانها والشكاوى الفعلية للناس، لما استطاعت أمريكا أن تحافظ طويلاً على منزلتها بين الأمم. منذ ألف وثمانمائة سنة، مع أني ربما لا يحق لي أن أقول ذلك، كُتِبَ العهد الجديد؛ ومع ذلك، أين هو المشرِّع الذي يملك ما يكفي من الحكمة والموهبة العملية لكي ينتفع بالنور الذي يلقيه على العلم أو على التشريع؟
    إن سلطة الحكومة، حتى إذا كانت من النوع الذي أنا مستعد للخضوع له – إذ إنني سوف أطيع مبتهجاً أولئك الذين يعلَمون ويمكنوا أن يعملوا أحسن مني، وفي أشياء كثيرة حتى الذين ليسوا يعلَمون وليس بمقدورهم أن يعملوا خيراً مما أعمل – مازالت سلطةً غير طاهرة: فحتى تكون عادلة بالدقة، يجب أن تحوز على إذْنِ المحكومين وموافقتهم. ليس لها أيُّ حقٍّ محضٍ على شخصي أو ملكي إلا ما أنزل لها عنه. إن التقدم من المَلَكية المطلقة إلى المَلَكية المحدودة، ومن هذه إلى الديمقراطية، هو تقدم نحو احترام حقيقي للفرد. وحتى الفيلسوف الصيني كان من الحكمة بحيث اعتبر الفرد أساس الإمبراطورية. فهل الديمقراطية، كالتي نعرفها، آخرُ تحسين ممكن في الحكم؟ أليس من الممكن أن نخطو خطوة إلى الأمام نحو الاعتراف بحقوق الإنسان ونحو تنظيمها؟ لن تكون ثمة دولة حرة ومتنوِّرة حتى تؤول الدولةُ إلى الاعتراف بالفرد كسلطان أعلى مستقل، تُستَمَدُّ منه قدرتُها وسلطانُها، فتعاملَه على هذا الأساس. يلذ لي أن أتخيل دولةً على الأقل تطيق أن تكون عادلة مع البشر قاطبة، وتعامل الفرد باحترام كأنه جار؛ دولة لا تجد حتى أنه من لا يتناقض مع راحة بالها أن يتفق لثلة منهم أن يحيوا بمنأى عنها، لا يخالطونها، ولا تضمُّهم، وقد قاموا بواجباتهم كجيران وكرفاق بشر على التمام. إن دولةً جادت بمثل هذه الثمرة، وتمنَّت عليها أن تسقط حال نضجها، من شأنها أن تعبِّد الطريق لدولة أكمل منها وأمجد – دول تخيَّلتُها هي الأخرى، لكني لم أرها بعدُ في أيِّ مكان.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-07-22
  15. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007

    http://www.etccsy.com/node/114

    حول فكرة العصيان المدني عند الدكتور برهان غليون
    بقلم: عبد الله الأحمد
    غالباً ما يدور الحوار العربي حول الاصلاح حول مجموعة من الأفكار و المصطلحات غير المتفق عليها أصلاً بين المتحاورين...
    و تنبع أزمة المفاهيم أصلاً من أزمة الواقع نفسه، و أيضاً من (مشاريع الأزمة) المطروحة علينا و التي تدور حولها النقاشات حيث في أغلب الأحيان تبقى (أي النقاشات) أسئلة معلقة في الهواء لاتجد بالمقابل إلا مجموعات من الأجوبة تتناقض بشدة فيما بينها بالعلاقة مع المشارب الفكرية التي ينتمي إليها الفكر نفسه ، ولاتبدُ الصورة وردية بالمطلق حتى ولو حدثت انقلابات (ديموقراطية) حيث الخطورة تكمن في أنه هل الفعل السياسي الجاري الحديث عنه في الحقيقة إصلاح للأنظمة السياسية في الواقع أو ما يجري الحديث عنه هو (اصلاح) أو اعادة بناء الكيانات السياسية نفسها؟
    لنأخذ مثال العراق :
    إن ما حدث في العراق نتيجة إرادة و فعل الاحتلال جاء ليس فقط لنسف النظام السياسي العراقي القائم على مفهوم الدولة الواحدة الجامعة وهي القائمة على وحدة الهوية العراقية وعدم الاعتراف بأية هوية أخرى طائفية كانت أم عنصرية أم عشائرية .
    لقد قام الاحتلال بنسف الهوية العراقية الوطنية الواحدة و هاهو يؤسس لهويات عراقية تحت مسميات مختلفة قاسمة لاجامعة و مهددة لوحدة العراق...
    من الصحيح القول أن الأنظمة الشمولية قامت أصلاً على أحادية النظرة و الأداء و إلغاء الآخر إلى حد كبير و بالتالي يبدو نظرياً أن ممارسة التميّز يؤدي إلى خطر احلال هوية محل هوية أخرى ، وجاء الاحتلال ليكرس بل و يدعم هذا على الواقع العملي خدمة لمصالحه لكي يستطيع السيطرة و تنفيذ ماجاء لأجله...
    وهنا يصح القول أن أي إصلاح أو تغيير يجب أن يقتصر على إصلاح النظام السياسي فقط دون الخوض في قضايا تصل إلى تغيير في مفهوم الدولة و الهوية نفسه ، فإن الدول التي بقيت لنا ونحن كنا نعمل لتوحيدها أصبحت اليوم مكاسب لابد من النضال من أجلها و أجل بقائها بعدما رأينا ما عرض على العراقيين.
    نعيد القول الاصلاح هو اصلاح النظام السياسي و التغيير هو تغيير النظام السياسي ولكن لاحظوا أن حديث الغرب لا يقتصر على ذلك أبداً!!إن مجرد استخدام الغرب للتقسيم الديني و الطائفي و البناء عليه هو أكبر دليل أنه يخفي رغبة داخلية ليس بإصلاح الأنظمة بل بالدخول في عملية تاريخية كبرى هدفها إقلاق الكيانات السياسية العربية كلها و الهدف هو إلغاء هوية المنطقة و إعادة تشكيل البناءات السياسية فيها على أساس يسمح بقبول اسرائيل فيها ليس فقط ككائن طبيعي بل كحامي للكيانات المحيطة به ، حيث يقتتل الجميع مع الجميع ، على أمتار الأرض و أشبارها و على الثروة و على وعلى وعلى .....
    مرة أخرى نقول إن رفع شعار دمقرطة الأنظمة صحيح ولابد من النضال لتحقيقه ولكن آلية العمل للوصول للهدف تخبئ الكثير من المخاطر التي لابد من الانتباه اليها..فهناك سينياريوهات تخبئ الخطر أيضاً خطر تهديد الكيان السياسي حتى دون احتلال ، فمثلاً يعتقد الدكتور برهان غليون و هو المفكر السوري المعروف أن لاجدوى من تغيير النظام من الداخل و يتحدث الرجل عن عصيان مدني سلمي و لكنه لا يحدد أية تفاصيل تتعلق بالخطوة اللاحقة أي أنه يرمي فكرته ويمشي....اذا أخذنا نحن الفكرة و عالجناها بالفكر التطبيقي .أي أننا نفترض أن الناس سمعت منه و قررت أن تبدأ عصيان مدني ، فالسؤال ما هو مطلب هذا العصيان المدني ؟في التاريخ لم يحدث أن طلب أحد عاقل من أحد عاقل أن ينتحر العاقل الثاني و فعل!!أي أن الدكتور برهان إذن يقول سنستمر بالعصيان حتى يقرر (العاقل) أن ينتحر!!
    نحن نجيب بأن هذا التصور بعيد عن الواقع و بالذات في سورية التي يركز حضرته بالحديث عنها...ولنلاحظ :
    "إن الفترة الطويلة التي مورس فيها انطباق بالقوة بين مفهوم الدولة ككيان سياسي و مفهوم النظام (كإدارة) جعلت من أي تغيير غير سلمي و تفاهمي و ناتج عن آلية حوار،تغييراً كارثياً بمعنى الكلمة"
    إن الاستخدام المفرط للقوة و العقلية الأمنية المستخدمة لفرض الوحدة الوطنية و ذلك في سورية بسبب قيام الإخوان المسلمين بحرب عسكرية دموية لضرب الوحدة الوطنية ،إن هذا الاستخدام كانت إحدى أركانه النظرية ترسيخ مفهوم الانطباق بين الكيان السياسي و النظام نفسه و بالتالي فإنه لا النظام يقدر ولاحتى الناس يستطيعون الفصل بينهما بسهولة...هذا الأمر يجدر الإنتباه إليه و التعامل معه ، ولهذا فإني لا أجد بداً لكل من النظام و الإصلاحيين من خارج النظام أو الذي يؤمنون بفكرة ضرورة التغيير إلى التداول السياسي...لا أجد بداً للطرفين من.. التعاقد!!
    نعم....التعاقد!!؟
    النظام يحتاج للعقد لأنه لا ينتمي لمنظومة سياسية عالمية قوية تضمن له أسباب البقاء دون تغيير...و بالتالي لابد أن مفكريه قد قالوا له أنه لامفر من الاصلاح الساسي الجذري وليس الكوزميتيك حسبما يخشى الدكتور برهان غليون....ولابد أن يحسب النظام حساب التهديد الخارجي و سيناريوهاته...
    الإصلاحيون لابد أن يدركوا أن أي سقوط دراماتيكي خارجي أو داخلي للنظام هو سقوط موازي لجزء كبير من مفهوم الدولة و أركان الكيان السياسي و لقد شرحنا أغلب الأسباب و نضيف عليها مخاطر الانقسام المذهبي و انتشار الفكر و الفعل الثأريين و بالتالي الفعل و رد الفعل...ودخول الدولة في حالة ضعف تاريخي طويل لا تحقق أي اصلاح....وعليه فإن العقد أو التعاقد المطلوب لبناء برنامج اصلاحي هو أرقى ما يمكن الوصول اليه و انجازه و هذا يعني أن كلاً من الطرفين أدرك اللحظة التاريخية و أدرك مسؤولياته و أدرك حجم الخطر المحدق.
    إذن و ليعذرني الدكتور غليون فلا أسلوب العصيان المدني سيجدي و ليعذرني أي ركن من أركان الدولة الذي يعتقد أن أساليب العمل القديمة سوف تبقي المركب محميّاً من العواصف.... ... .............ما الحلّ؟؟
    الحل بالتعاقد بمؤتمر حوار وطني عام يحضره ممثلوا القوى الوطنية لوضع صيغ وطنية مستقبلية لسورية المستقبل....
    حيث أن مقوّم أساسي يصح اطلاق صفة التاريخي عليه هو متوفر بين الطرفين لإنشاء التعاقد ، إضافة لمقومات أخرى ، هذا المقوّم التاريخي الذي قليلاً ما يحدث توفره في ظرف مشابه هو الأجندة المتعلقة باسرائيل و حتى حيال المشاريع الأمريكية (نلاحظ ضحالة و ضآلة عدد و أهمية الموافقين من القوى السياسية على تنفيذ سيناريو عسكري أمريكي في سورية و حتى الأمريكان أنفسهم يعدّون للألف قبل التفكير بها )...
    إذن بتوفر هذا المقوِّم المشترك و بوجود قوى وطنية داخل الجبهة الاصلاحية تنتمي للتيار القومي العربي والاشتراكي و هذا أيضاً مقوّم فكري مشترك مع النظام إضافة إلى أنه لابد من ملاحظة أن النظام في سورية (يتميز عن كافة الدول العربية) هو أقرب لنبض الشارع السياسي تجاه القضايا الساخنة مثل فلسطين و العراق و القضايا التاريخية مثل حلم الوحدة و التضامن العربي .
    حيث لابد للمعارضة الاصلاحية من أخذ ذلك بعين الاعتبار...
    وهكذا فإنه على النظام أن ينتبه إلى أن التعاقد الوطني هو السبيل الوحيد إلى تفادي الوقوف على رجل واحدة (زمناً) لا نعرف مقدراه و هذه حسابها يتعلق بالخارجي و الداخلي الشاملين.
    وعلى الاصلاحيين المعارضين إدراك خطورة التفكير التناحري بكافة صنوفه.....لابد من التعاقد.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-07-22
  17. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007
    عندما يكون العصيان المدني إلكترونيا!
    http://www.islamonline.net/arabic/science/2001/05/Article6.shtml

    12/5/2001
    هشام سليمان


    موقع العصيان المدني الإلكتروني

    العصيان المدني الإلكتروني ECD أو Electronic Civil Disobedience هو شكل من أشكال الضغط - غير العنيف -على المؤسسات الحكومية أو الرسمية المنخرطة في أعمال غير أخلاقية أو غير قانونية، أو تضر بالإنسانية بطريقة أو بأخرى؛ حيث يمكن من خلال بيئة إلكترونية، تدويل وحشد وتنظيم وتأليب الرأي العام عالميا، وهو ما ظهر جليا في عيد العمال أول مايو الحالي؛ حيث اشتعلت الأرض بالتظاهر في معظم أرجاء المعمورة مرة واحدة ضد العولمة!!.

    لقد كان لغاندي السبق في اتخاذ العصيان المدني كوسيلة لتحدي القوانين الجائرة؛ متخذًا أسلوب اللاعنف. وجاء من بعده "مارتن لوثر كينج"، في إطار حركته المطالبة بالحقوق المدنية؛ فسار على خطا غاندي مبتكرًا أسلوبي المسيرة والجلوس الاحتجاجيين، لخلق موقف متأزم مستحكم يُرغم الحكومات والأنظمة على فتح باب النقاش والتباحث.

    إلا أنه مع إطلالة عصر العولمة، وسَنّ العديد من القوانين الدولية، وإبرام الكثير من المعاهدات التي ترتب حقوق ومصالح الدول والشركات الكبرى في العالم على حساب الشعوب الفقيرة منها والغنية على حد سواء -سعت بعض الجماعات النشطة سياسيا والمناهضة لتلك الهيمنة إلى ابتكار شكل جديد للعصيان المدني يفي بمستجدات العصر ومشاكله ذات الطابع العالمي، وهو ما صار يُعرف بالعصيان المدني الإلكتروني.

    ويبلور "هنري ثورو" منظر حركات العصيان المدني الإلكتروني الفكرة عندما يقول: "كل الناس يتمسكون بحق الثورة، وهو حق رفض الولاء لحكومة ما، بل مقاومتها عندما يصبح استبدادها وطغيانها وعدم كفايتها أمورًا غير محتملة".. وجاء دور العصيان المدني الإلكتروني كبديل عصري أو على الأقل مؤازر للاحتجاج البدني، كما أنه يُعَدّ حلا مثاليا للذين يودون لو شاركوا المتظاهرين، ولكنهم يؤثرون السلامة على المشاركة في التظاهرات الفعلية في الشوارع.

    النظرية والتطبيق

    يحاكي العصيان المدني الإلكتروني ECD ما يحدث في الشارع دون إحداث خسائر مادية، مقارنة بما يحدث على أرض الواقع؛ فبينما يقوم المتظاهرون بسد المداخل والمخارج والممرات؛ لمنع تدفق المسؤولين، يعترض ناشطو العصيان الإلكتروني التدفق المعلوماتي لمختلف الهيئات لشلها وتعطيلها، وهو ما يُحدِث ضغطا ماليا، لا يمكن للتظاهر البشري الذي يجري في الشارع أن يحدثه؛ حيث إن تدفق المعلومات ورؤوس الأموال من أهم عناصر الحياة في المجتمعات الرأسمالية.

    وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تشكل مدارس العصيان المدني الإلكتروني، وهي ليست منفصلة بعضها عن البعض تمامًا، بل إن التداخل والتكامل فيما بينها هو الأقرب للحاصل عن التصنيف الذي يفصل بينها، وهذه المدارس هي:

    1- المؤيدون لتظاهرات الشوارع والمتجاوبون معها على الإنترنت.

    2- الذين يمارسون اقتحام المواقع والشبكات والتسلل للنظم لدوافع سياسية، وهو علاج ناجح عندما تستعصي الحلول على المظاهرات العادية عن طريق خبراء في تكنولوجيا المعلومات فيما يسمى بالـ hacktivism.

    3- الذين ينادون بحلول خلاقة على يدي خبير تكنولوجي بدلا من ممارسة الضغوط، كما في الحالتين السابقتين.

    والمدرسة الأولى تستفيد من اختفاء العنف في العصيان المدني الإلكتروني لطبيعته؛ حيث لا تكون هناك مواجهة بدنية، فيكفي جلوس عدد كبير من الناشطين سياسيا وراء شاشات الحواسب والاتصال بالإنترنت للتظاهر أو لتكوين رأي عام ما، ولكن بصور ووسائل قد تكون أحيانا أكثر فلاحا من المواجهة الحقيقة مع السلطات مثل:

    القيام بإرسال آلاف الرسائل الاحتجاجية والمنددة… إلخ، إلى شتى الجهات المعنية بصورة ضاغطة مزعجة عن طريق البريد الإلكتروني؛ فيما يعرف في دنيا الأعمال باسم الـ "spamming"، غير أنه يستخدم هنا لغرض سياسي لا لترويج سلعة أو الدعاية لها.

    الدخول إلى غرف الدردشة في الإنترنت للقيام بحوارات، وتكوين رأي مناصر أو مناهض لقضية من القضايا؛ فيما يعرف باسم political chatting، كذلك تكوين التحزبات السياسية lobbies political داخل مجموعات المناقشة discussion groups في الإنترنت.

    القيام بتعطيل موقع ما عن طريق دخول عدد كبير من المستخدمين على ذلك الموقع في وقت واحد؛ مما يعني ورود عدد هائل من الطلبات التي يجب أن يلبيها الخادم الذي ينطلق من خلاله هذا الموقع، وإغراق الخادم تحت هذا الطوفان من الطلبات؛ حيث يقوم الناشطون بالدعوة لذلك العمل المنظم قبلها بفترة كافية؛ حتى يتسنى لأكبر عدد من المشاركين الدخول في توقيت واحد دقيق بفتح عدد غير محدود من نوافذ المتصفح، وكتابة عنوان الموقع فيه، والضغط عليه في ساعة صفر معروفة سلفا فيما يعرف بـ "denial of service attack" أو "DoS" اختصارا.. كل ذلك يؤدي إلى حرمان المستخدم العادي غير المنخرط في ذلك النشاط من الوصول إلى الموقع أو الخدمة التي يقدمها الموقع، وهو عقاب للموقع، ومَن وراءه.

    الوصول للهدف نفسه السابق بإحدى الوسائل السهلة غير المكلفة من حيث الوقت، ولا تحتاج لأي خبرة، وتدعى Packet Internet Groper أو ping اختصارا، وهو في الأصل أمر يُستخدم لاختبار وجود موقع ما، غير أنه قد يستخدم من خلال مستخدم عادي ليكتب سطرا واحدا عبارة عن عنوان الموقع يتقدمه أمر ping؛ ليقوم الجهاز بذلك الاختبار بشكل متكرر.

    إرسال الرسائل إلى البُرُد الإلكترونية وتداولها، بالإضافة إلى عمل المواقع لنشر الأفكار والرؤى الخاصة في شكل مظاهرة لخلق رأي عام ضد قضية ما، أو في سبيل تعضيد قضية أخرى، بالإضافة إلى إبراز عيوب الأولى ومخاطرها، في مقابلة واضحة لمزايا وفوائد الثانية.

    ثم ارتقت المدرسة الثانية، وطورت في وسائلها؛ حيث استعانت بذوي القدرات التقنية المتفوقة، أو الـ hackers الذين أضجرتهم رقابة السلطات على المعلومات واحتكارها، ونُحِت لهذه المدرسة اسم اشتق من كلمتي activism وhacker لنحصل على مصطلح الـ hacktivism.. وينخرط سحرة تكنولوجيا المعلومات في هذه الأعمال، إما لنزعة سياسية لديهم، أو لضيق وضجر من احتكار الحكومات والمؤسسات للمعلومات، وفرضها ستارا كثيفا حول المعلومات؛ مما يحرم هؤلاء التقنيين من الوصول إليها، وهو ما يدفعهم للحرب ضد تلك الحكومات والمؤسسات، ويصح فيهم المثل القائل: "لا حبا في علي، ولكن بغضا في معاوية".

    وظهر مع انخراط هؤلاء التقنيين في الأنشطة السياسية، أنواع وفنون جديدة، أو على الأقل تمّ توظيف القديم منها للوفاء بمتطلبات تكتيك الاختراق مثل ما يُعرف باسم automated e-mail bombs؛ وهو نوع من الفيروسات التي تنتشر عبر البريد الإلكتروني، وتقوم بعمل تخريبي بناء على زمن أو حدث تم ضبط انفجار الشحنة المتفجرة عند الوصول لأي منهما، وكذلك الفيروسات الشبكية التي تستهدف خادما أو شبكة بعينها لقطع الاتصال بين جهازين أو شبكتين بعينهما، وكذلك الاختراق المباشر وكسر الحاجز الأمني firewall لشبكة أو نظام مستهدفين للتشويه والتدنيس أو الحصول على معلومات حساسة سرية أو غير ذلك.

    وبالإضافة إلى ما سبق، فإن رفض الصدام المباشر، يعد عاملا مشجعا على خوض البارعين تقنيا لذلك الميدان، فإذا بهم يوفرون الجهد والوقت، ويُكْسِبون ذلك النوع من العصيان المدني فاعلية ما كان للناشطين سياسيا (activists) وحدهم أن يصلوا إلى النتائج الباهرة التي يحققها هؤلاء الـ hackers، فمهمات تكتيك الحصار التي كانت تحتاج لكثير من المشاركين لإرسال الرسائل الاحتجاجية مثلا، أو إغراق الخوادم، فضلا عن الجهود المبذولة للتنسيق والدعوة والمشاركة الكثيفة، وغير ذلك من الأمور التي تجعل الوصول للهدف صعب المنال أو غير موات في كل الأحيان -أصبحت كلها عند أطراف الأصابع وبالتوقيت المراد، دون جهد كثير إذا ما جلس أحد هؤلاء السحرة وراء شاشة حاسب آلي متصل بالإنترنت، بعد أن طوروا أنواعا من البرامج تقوم بالجزء الأكبر من العملية بشكل آلي تلقائي؛ فيما يعرف باسم برامج DdoS Distributed Denial of Service، وهم يتناقلونها على الإنترنت بجعلها متاحة مجانية وموزعة على مواقع متخصصة.

    ولأن الحد الفاصل بين أعمال اللصوصية الإلكترونية، وأنشطة سياسية إلكترونية تجد قبولاً واستساغة، عبارة عن خيط دقيق قلما يأخذ صفة الدقة، وكثيرًا ما يكون مائعا لا حادا؛ فإن الأعمال التي تقوم بها عناصر الـ hacktivism تتأرجح كل واحدة منها – على حدة لا ككل – بين المباركة والاستهجان؛ إذ إنها تعتمد في المقام الأول على الاقتحام غير الشرعي أو غير القانوني للنظم والمواقع والشبكات، فتخضع بذلك للتقويم الانطباعي حتى بات يطلق عليها E-Guerrillas:

    ومن أمثلة هؤلاء الناشطين وما يقومون به:

    جماعة X-Pliot : اقتحمت موقع وزارة المالية في المكسيك، واستبدلت الصفحة الرئيسية بوجه الثائر "إميليو زباتا"؛ متعاطفة بذلك مع جبهة زباتيستا في منطقة تشيباس بجنوب المكسيك.

    مهاجمة مواقع حكومية هندية، وعرض صور تحكي المأساة التي يعيشها شعب ولاية كشمير.

    جماعة Milworm: اقتحمت موقع الأبحاث النووية الهندي؛ للاعتراض على التجارب النووية الهندية.

    جماعة kaotik البرتغالية: اقتحمت 45 موقعا إندونيسيا تابعا للحكومة؛ لمؤازرة أهالي تيمور الشرقية للحصول على حكم ذاتي لهم.

    مهاجمة موقع نيويورك تايمز؛ للمطالبة بالإفراج عن المقتحم الأشهر "كيفين ميتنيك".

    اقتحام المواقع الإسرائيلية في مناصرة للقضية الفلسطينية.

    ثم ظهرت المدرسة الثالثة التي تتبنى خط الحلول الإلكترونية الخلاقة المباشرة، لا أسلوبي الضغط أو التسول؛ حيث يضيع في الأخيرين الوقت انتظارا لما سيسفر عنه استخدام أي منهما من نتائج، وهم يعتبرون تلك الأساليب لم تعد مجدية أو ذات نفع، على حسب زعمهم.

    وليس من المعروف- حتى الآن- ما هي الوسائل التي تستخدمها هذه المدرسة؟ فبجانب أنها ما زالت في طور التكوين والبلورة، هناك نوع من الغموض يكتنفها.. وبالرغم من إعلان عناصرها عن أنفسهم أنهم hackers أو hacktivists فإنهم يرون أن الاقتحام وإغراق الخوادم DoS تكتيكات لم تعد ذات قيمة.

    وكل ما يُعرف عن تلك المجموعات مجرد إعلان عن مناصرة عدد من القضايا، مثل جماعة Hong Kong Blondes المناصرة للديمقراطية في الصين، والتي تتخذ من هونج كونج مقرا لها، وكذلك جماعة عبادة البقرة الميتة (Cult of the Dead cow) التي تعدّ مشروعا يسمى (hacktivismo).

    المستقبل

    وبرغم ما سبق ذكره من نشاط، فإن العصيان المدني الإلكتروني ECD ما زال في طور الطفولة؛ سواء من ناحية النظرية والتطبيق، فإن عواصف مناهضة العولمة في يوم العمال الماضي، وما يحمله الغيب من أحداث يمكن أن تقوم بها ميليشيات العصيان المدني الإلكتروني –تشي بتغيير قد يكون جذريا في أساليب مناهضة القوانين والمنظمات والحكومات والمعاهدات، وأن المتمردين على الديكتاتورية التي تحكم بالحديد والنار، وأحزاب الخضر، وجماعات السلام الأخضر، والمهتمين بشئون البيئة، وأنصار الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمطالبين بحقوق العمال، والمنددين بالعولمة، إلى آخر هذه القائمة المعروفة -قد وجدوا ضالتهم التي ينشدونها في هذا النوع من العصيان المدني "الإلكتروني"!.

    اقرأ أيضًا:

     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-07-22
  19. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007
    عندما يكون العصيان المدني إلكترونيا!
    http://www.islamonline.net/arabic/science/2001/05/Article6.shtml

    12/5/2001
    هشام سليمان


    موقع العصيان المدني الإلكتروني

    العصيان المدني الإلكتروني ECD أو Electronic Civil Disobedience هو شكل من أشكال الضغط - غير العنيف -على المؤسسات الحكومية أو الرسمية المنخرطة في أعمال غير أخلاقية أو غير قانونية، أو تضر بالإنسانية بطريقة أو بأخرى؛ حيث يمكن من خلال بيئة إلكترونية، تدويل وحشد وتنظيم وتأليب الرأي العام عالميا، وهو ما ظهر جليا في عيد العمال أول مايو الحالي؛ حيث اشتعلت الأرض بالتظاهر في معظم أرجاء المعمورة مرة واحدة ضد العولمة!!.

    لقد كان لغاندي السبق في اتخاذ العصيان المدني كوسيلة لتحدي القوانين الجائرة؛ متخذًا أسلوب اللاعنف. وجاء من بعده "مارتن لوثر كينج"، في إطار حركته المطالبة بالحقوق المدنية؛ فسار على خطا غاندي مبتكرًا أسلوبي المسيرة والجلوس الاحتجاجيين، لخلق موقف متأزم مستحكم يُرغم الحكومات والأنظمة على فتح باب النقاش والتباحث.

    إلا أنه مع إطلالة عصر العولمة، وسَنّ العديد من القوانين الدولية، وإبرام الكثير من المعاهدات التي ترتب حقوق ومصالح الدول والشركات الكبرى في العالم على حساب الشعوب الفقيرة منها والغنية على حد سواء -سعت بعض الجماعات النشطة سياسيا والمناهضة لتلك الهيمنة إلى ابتكار شكل جديد للعصيان المدني يفي بمستجدات العصر ومشاكله ذات الطابع العالمي، وهو ما صار يُعرف بالعصيان المدني الإلكتروني.

    ويبلور "هنري ثورو" منظر حركات العصيان المدني الإلكتروني الفكرة عندما يقول: "كل الناس يتمسكون بحق الثورة، وهو حق رفض الولاء لحكومة ما، بل مقاومتها عندما يصبح استبدادها وطغيانها وعدم كفايتها أمورًا غير محتملة".. وجاء دور العصيان المدني الإلكتروني كبديل عصري أو على الأقل مؤازر للاحتجاج البدني، كما أنه يُعَدّ حلا مثاليا للذين يودون لو شاركوا المتظاهرين، ولكنهم يؤثرون السلامة على المشاركة في التظاهرات الفعلية في الشوارع.

    النظرية والتطبيق

    يحاكي العصيان المدني الإلكتروني ECD ما يحدث في الشارع دون إحداث خسائر مادية، مقارنة بما يحدث على أرض الواقع؛ فبينما يقوم المتظاهرون بسد المداخل والمخارج والممرات؛ لمنع تدفق المسؤولين، يعترض ناشطو العصيان الإلكتروني التدفق المعلوماتي لمختلف الهيئات لشلها وتعطيلها، وهو ما يُحدِث ضغطا ماليا، لا يمكن للتظاهر البشري الذي يجري في الشارع أن يحدثه؛ حيث إن تدفق المعلومات ورؤوس الأموال من أهم عناصر الحياة في المجتمعات الرأسمالية.

    وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تشكل مدارس العصيان المدني الإلكتروني، وهي ليست منفصلة بعضها عن البعض تمامًا، بل إن التداخل والتكامل فيما بينها هو الأقرب للحاصل عن التصنيف الذي يفصل بينها، وهذه المدارس هي:

    1- المؤيدون لتظاهرات الشوارع والمتجاوبون معها على الإنترنت.

    2- الذين يمارسون اقتحام المواقع والشبكات والتسلل للنظم لدوافع سياسية، وهو علاج ناجح عندما تستعصي الحلول على المظاهرات العادية عن طريق خبراء في تكنولوجيا المعلومات فيما يسمى بالـ hacktivism.

    3- الذين ينادون بحلول خلاقة على يدي خبير تكنولوجي بدلا من ممارسة الضغوط، كما في الحالتين السابقتين.

    والمدرسة الأولى تستفيد من اختفاء العنف في العصيان المدني الإلكتروني لطبيعته؛ حيث لا تكون هناك مواجهة بدنية، فيكفي جلوس عدد كبير من الناشطين سياسيا وراء شاشات الحواسب والاتصال بالإنترنت للتظاهر أو لتكوين رأي عام ما، ولكن بصور ووسائل قد تكون أحيانا أكثر فلاحا من المواجهة الحقيقة مع السلطات مثل:

    القيام بإرسال آلاف الرسائل الاحتجاجية والمنددة… إلخ، إلى شتى الجهات المعنية بصورة ضاغطة مزعجة عن طريق البريد الإلكتروني؛ فيما يعرف في دنيا الأعمال باسم الـ "spamming"، غير أنه يستخدم هنا لغرض سياسي لا لترويج سلعة أو الدعاية لها.

    الدخول إلى غرف الدردشة في الإنترنت للقيام بحوارات، وتكوين رأي مناصر أو مناهض لقضية من القضايا؛ فيما يعرف باسم political chatting، كذلك تكوين التحزبات السياسية lobbies political داخل مجموعات المناقشة discussion groups في الإنترنت.

    القيام بتعطيل موقع ما عن طريق دخول عدد كبير من المستخدمين على ذلك الموقع في وقت واحد؛ مما يعني ورود عدد هائل من الطلبات التي يجب أن يلبيها الخادم الذي ينطلق من خلاله هذا الموقع، وإغراق الخادم تحت هذا الطوفان من الطلبات؛ حيث يقوم الناشطون بالدعوة لذلك العمل المنظم قبلها بفترة كافية؛ حتى يتسنى لأكبر عدد من المشاركين الدخول في توقيت واحد دقيق بفتح عدد غير محدود من نوافذ المتصفح، وكتابة عنوان الموقع فيه، والضغط عليه في ساعة صفر معروفة سلفا فيما يعرف بـ "denial of service attack" أو "DoS" اختصارا.. كل ذلك يؤدي إلى حرمان المستخدم العادي غير المنخرط في ذلك النشاط من الوصول إلى الموقع أو الخدمة التي يقدمها الموقع، وهو عقاب للموقع، ومَن وراءه.

    الوصول للهدف نفسه السابق بإحدى الوسائل السهلة غير المكلفة من حيث الوقت، ولا تحتاج لأي خبرة، وتدعى Packet Internet Groper أو ping اختصارا، وهو في الأصل أمر يُستخدم لاختبار وجود موقع ما، غير أنه قد يستخدم من خلال مستخدم عادي ليكتب سطرا واحدا عبارة عن عنوان الموقع يتقدمه أمر ping؛ ليقوم الجهاز بذلك الاختبار بشكل متكرر.

    إرسال الرسائل إلى البُرُد الإلكترونية وتداولها، بالإضافة إلى عمل المواقع لنشر الأفكار والرؤى الخاصة في شكل مظاهرة لخلق رأي عام ضد قضية ما، أو في سبيل تعضيد قضية أخرى، بالإضافة إلى إبراز عيوب الأولى ومخاطرها، في مقابلة واضحة لمزايا وفوائد الثانية.

    ثم ارتقت المدرسة الثانية، وطورت في وسائلها؛ حيث استعانت بذوي القدرات التقنية المتفوقة، أو الـ hackers الذين أضجرتهم رقابة السلطات على المعلومات واحتكارها، ونُحِت لهذه المدرسة اسم اشتق من كلمتي activism وhacker لنحصل على مصطلح الـ hacktivism.. وينخرط سحرة تكنولوجيا المعلومات في هذه الأعمال، إما لنزعة سياسية لديهم، أو لضيق وضجر من احتكار الحكومات والمؤسسات للمعلومات، وفرضها ستارا كثيفا حول المعلومات؛ مما يحرم هؤلاء التقنيين من الوصول إليها، وهو ما يدفعهم للحرب ضد تلك الحكومات والمؤسسات، ويصح فيهم المثل القائل: "لا حبا في علي، ولكن بغضا في معاوية".

    وظهر مع انخراط هؤلاء التقنيين في الأنشطة السياسية، أنواع وفنون جديدة، أو على الأقل تمّ توظيف القديم منها للوفاء بمتطلبات تكتيك الاختراق مثل ما يُعرف باسم automated e-mail bombs؛ وهو نوع من الفيروسات التي تنتشر عبر البريد الإلكتروني، وتقوم بعمل تخريبي بناء على زمن أو حدث تم ضبط انفجار الشحنة المتفجرة عند الوصول لأي منهما، وكذلك الفيروسات الشبكية التي تستهدف خادما أو شبكة بعينها لقطع الاتصال بين جهازين أو شبكتين بعينهما، وكذلك الاختراق المباشر وكسر الحاجز الأمني firewall لشبكة أو نظام مستهدفين للتشويه والتدنيس أو الحصول على معلومات حساسة سرية أو غير ذلك.

    وبالإضافة إلى ما سبق، فإن رفض الصدام المباشر، يعد عاملا مشجعا على خوض البارعين تقنيا لذلك الميدان، فإذا بهم يوفرون الجهد والوقت، ويُكْسِبون ذلك النوع من العصيان المدني فاعلية ما كان للناشطين سياسيا (activists) وحدهم أن يصلوا إلى النتائج الباهرة التي يحققها هؤلاء الـ hackers، فمهمات تكتيك الحصار التي كانت تحتاج لكثير من المشاركين لإرسال الرسائل الاحتجاجية مثلا، أو إغراق الخوادم، فضلا عن الجهود المبذولة للتنسيق والدعوة والمشاركة الكثيفة، وغير ذلك من الأمور التي تجعل الوصول للهدف صعب المنال أو غير موات في كل الأحيان -أصبحت كلها عند أطراف الأصابع وبالتوقيت المراد، دون جهد كثير إذا ما جلس أحد هؤلاء السحرة وراء شاشة حاسب آلي متصل بالإنترنت، بعد أن طوروا أنواعا من البرامج تقوم بالجزء الأكبر من العملية بشكل آلي تلقائي؛ فيما يعرف باسم برامج DdoS Distributed Denial of Service، وهم يتناقلونها على الإنترنت بجعلها متاحة مجانية وموزعة على مواقع متخصصة.

    ولأن الحد الفاصل بين أعمال اللصوصية الإلكترونية، وأنشطة سياسية إلكترونية تجد قبولاً واستساغة، عبارة عن خيط دقيق قلما يأخذ صفة الدقة، وكثيرًا ما يكون مائعا لا حادا؛ فإن الأعمال التي تقوم بها عناصر الـ hacktivism تتأرجح كل واحدة منها – على حدة لا ككل – بين المباركة والاستهجان؛ إذ إنها تعتمد في المقام الأول على الاقتحام غير الشرعي أو غير القانوني للنظم والمواقع والشبكات، فتخضع بذلك للتقويم الانطباعي حتى بات يطلق عليها E-Guerrillas:

    ومن أمثلة هؤلاء الناشطين وما يقومون به:

    جماعة X-Pliot : اقتحمت موقع وزارة المالية في المكسيك، واستبدلت الصفحة الرئيسية بوجه الثائر "إميليو زباتا"؛ متعاطفة بذلك مع جبهة زباتيستا في منطقة تشيباس بجنوب المكسيك.

    مهاجمة مواقع حكومية هندية، وعرض صور تحكي المأساة التي يعيشها شعب ولاية كشمير.

    جماعة Milworm: اقتحمت موقع الأبحاث النووية الهندي؛ للاعتراض على التجارب النووية الهندية.

    جماعة kaotik البرتغالية: اقتحمت 45 موقعا إندونيسيا تابعا للحكومة؛ لمؤازرة أهالي تيمور الشرقية للحصول على حكم ذاتي لهم.

    مهاجمة موقع نيويورك تايمز؛ للمطالبة بالإفراج عن المقتحم الأشهر "كيفين ميتنيك".

    اقتحام المواقع الإسرائيلية في مناصرة للقضية الفلسطينية.

    ثم ظهرت المدرسة الثالثة التي تتبنى خط الحلول الإلكترونية الخلاقة المباشرة، لا أسلوبي الضغط أو التسول؛ حيث يضيع في الأخيرين الوقت انتظارا لما سيسفر عنه استخدام أي منهما من نتائج، وهم يعتبرون تلك الأساليب لم تعد مجدية أو ذات نفع، على حسب زعمهم.

    وليس من المعروف- حتى الآن- ما هي الوسائل التي تستخدمها هذه المدرسة؟ فبجانب أنها ما زالت في طور التكوين والبلورة، هناك نوع من الغموض يكتنفها.. وبالرغم من إعلان عناصرها عن أنفسهم أنهم hackers أو hacktivists فإنهم يرون أن الاقتحام وإغراق الخوادم DoS تكتيكات لم تعد ذات قيمة.

    وكل ما يُعرف عن تلك المجموعات مجرد إعلان عن مناصرة عدد من القضايا، مثل جماعة Hong Kong Blondes المناصرة للديمقراطية في الصين، والتي تتخذ من هونج كونج مقرا لها، وكذلك جماعة عبادة البقرة الميتة (Cult of the Dead cow) التي تعدّ مشروعا يسمى (hacktivismo).

    المستقبل

    وبرغم ما سبق ذكره من نشاط، فإن العصيان المدني الإلكتروني ECD ما زال في طور الطفولة؛ سواء من ناحية النظرية والتطبيق، فإن عواصف مناهضة العولمة في يوم العمال الماضي، وما يحمله الغيب من أحداث يمكن أن تقوم بها ميليشيات العصيان المدني الإلكتروني –تشي بتغيير قد يكون جذريا في أساليب مناهضة القوانين والمنظمات والحكومات والمعاهدات، وأن المتمردين على الديكتاتورية التي تحكم بالحديد والنار، وأحزاب الخضر، وجماعات السلام الأخضر، والمهتمين بشئون البيئة، وأنصار الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمطالبين بحقوق العمال، والمنددين بالعولمة، إلى آخر هذه القائمة المعروفة -قد وجدوا ضالتهم التي ينشدونها في هذا النوع من العصيان المدني "الإلكتروني"!.

    اقرأ أيضًا:

     

مشاركة هذه الصفحة