أخطاء في المنهج

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 500   الردود : 0    ‏2007-07-22
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-07-22
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    أخطاء في المنهج



    يكثر اليوم الحديث عن المنهج وطرح التساؤلات وإثارة النقاش حوله، ويكثر استخدام هذا المصطلح في الخطاب الدعوي، وتقويم الجهود والأعمال الدعوية.

    والحديث عن المنهج مظهر من مظاهر النضج في التفكير وتجاوز الوقوف عند المسائل الفرعية وتكرارها والجدل فيها على حساب الأصول

    لكن ما طبيعة الحديث:-

    أهو حشد للطاقات والجهود داخل إطار الطائفة الناجية لاستكشاف معالم المنهج، وتحديد الثوابت الدعوية في مثل هذا العصر وظروفه أم أن الجهود اتجهت للتشاجر والتطاحن داخل الصف الإسلامي بل داخل صف أهل السنة

    إن الغيرة وسلامة النية وحدها ليست كافية لتزكية كمل عمل يطرح في الساحة الدعوية، وليست وحدها عاملاً لقبول ما يطرح، بل لابد من المناقشة والمراجعة للكثير مما يطرح حول المنهج.

    وما أسطره هنا ليعدو كونه اجتهاداً فردياً ومحاولة شخصية آمل من القارئ الكريم أن لا يؤدي به اختلافه معي في قضية أو جزئية إلى رفض ما يوافقني عليه، وكل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم .

    المنهج في اللغة:-

    قال ابن فارس:"النون والهاء والجيم أصلان متباينان: الأول النهج، الطريق. ونهج الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج. والمنهج الطريق أيضاً، والجمع المناهج.

    والآخر الانقطاع. وأتانا فلان ينهج، إذا أتى مبهوراً مقطوع النفس، وضربت فلاناً حتى أنهج أي: سقط".

    وحين نعود إلى لسان العرب نستطيع أن نستنبط من معاني المنهج ومشتقاته:-

    1 - الوضوح: "طريق نهج: بين واضح، وهو النهج، قال أبو كبير:

    فأجزته بأفَلَّ تحسب أثْرَه نهجاً أبان بذي فريغ مَخْرَف

    وطرقٌ نهجةٌ، وسبيل منهج: كنهج. ومَنْهَجُ الطريق: وَضَحُه. والمنهاج كالمنهج.

    وأنهج الطريق: وضح واستبان، صار نهجاً واضحاً بيناً، قال يزيد بن الحذاق اعبدي:

    ولقد أضاء لك الطريق، فنهجت سبل المكارم، والهدى تعدي

    والمنهاج الطريق الواضح. واستنهج الطريق صار نهجاً.

    2 - سلوك الطريق : نهجت الطريق: سلكته، وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك مسلكه، والنهج الطريق المستقيم.

    3 - الانقطاع : وهو ليس من هذا الباب بل من الأصل الثاني.

    المنهج في الكتاب والسنة:-

    ورد المنهج في القرآن في قوله تعالى ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً))

    وفي السنة النبوية جاء استخدام هذا المصطلح في حديث :" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون.....ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" (رواه أحمد).

    وفي حديث الرؤيا التي عبرها أبو بكر رضي الله عنه :"ثم يكون من بعدك رجل على منهاجك"(رواه أحمد).

    وروى الدارمي عن العباس رضي الله عنه :"إن رسول الله ز والله ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً: فأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم..."



    أخطاء في المنهج:-

    أولاً:- اعتبار أقوال الرجال مقياساً للمنهج

    مما لا جدال فيه ولا يحتاج لاستدلال أن لأقوال أهل العلم قيمة ومكانة، ولا أدل على ذلك من أنك لا تقرأ لأحد من المعتبرين في مسألة من المسائل إلا وتراه يثني على اختياره قولاً من الأقوال في الإشارة إلى من قال بهذا القول م، أهل العلم. لكن هذا شيء واعتبار أقوالهم وآرائهم حجة شرعية ومصدراً للتلقي شيء آخر.

    وفي ميدان التقرير النظري فلن تجد أحداً من أهل السنة يعتقد العصمة لرجل من الرجال، أو يرى أن قوله حجة ملزمة للأمة كلها، لكنك حين تنتقل إلى ميدان العمل والتطبيق فسترى الكثير ممن يتحدث عن قضايا كبرى تتعلق بالمنهج ينطلق من رأي فلان وفلان من الناس، ويظهر أثر ذلك في جوانب عدة منها:-

    1- استفتاء البعض من أهل العلم فيما كل ما يجد ويحدث واعتبار هذه الفتوى أو الرأي حجة دون اعتبار الدليل الشرعي.

    2 - في مجال تقويم الأعمال الدعوية والجهود والبرامج، أو تقويم البعض من الدعاة قد يُكتفى بسؤال فلان أو فلان من الناس، واعتبار رأيه حجة قاطعة.

    3 - الحكم بالانحراف عن المنهج على فرد أو داعية بحجة أنه خالف ما قرره العالم الفلاني أو الجماعة الفلانية، أو الهيئة العلمية الفلانية.

    ومع تأكيدنا لقيمة أقوال أهل العلم وضرورة استفتائهم إلا أن هذا شيء، واعتبار أقوال بعضهم حجة على الأمة شيء آخر.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :"وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالاً باجتهادهم، فهذه يسوغ القول بها، ولا يجب على كل مسل أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"

    وقال رحمه الله:"والمقصود أن من نصب إماماً فأوجب طاعته مطلقاً اعتقاداً أو حالاً فقد ضل في ذلك، كأئمة الضلال الرافضة الأمامية... وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا استثناء... وكذلك من دعا إلى اتباع إمام من أئمة العلم فيما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقاً كالأئمة الأربعة، وكذلك من أمر بطاعة الملوك والأمراء والقضاة في كل ما يأمرون به وينهون عنه من غير تخصيص ولا استثناء"

    ومن يقرأ في كتب أهل العلم السابقين واللاحقين فسيجدهم قد تواصوا بالعيب على التقليد ونعي أصحابه وذمهم.

    يا سائلي عن موضع التقليد خــذ عني الجواب بفهم لب حاضــر

    وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتــي واحفظ علي بوادري ونـــوادري

    لا فرق بين مقلد وبهيمـــــة تنقاد بين جنادل ودعائـــــر

    تباً لقاض أو لمفت لايـــــرى عللا ومعنى للمقال السائــــر

    فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الــــ مبعوث بالدين الحنيف الطاهـــر

    ثم الصحابة عن عدمك سنــــة فأولاك أهل نهى وأهل بصائــــر

    ويعاني المصلحون دوماً من هذا الصنف من الناس الذين يقفون حجر عثرة في طريقهم باسم اتباع أقوال أهل العلم، يقول المنذر بن سعيد رحمه الله شاكياً ما يلقاه من أمثال هؤلاء:

    عذيري من قوم يقولون كلمــــا طلبت دليلاً هكذا قال مالـــك

    فإن عدت قالوا هكذا قال أشهـــب وقد كان لا تخفى عليه المسالـك

    فإن زدت قالوا قال سحنون قبلـــه ومن لم يقل مقاله فهو آفـــك

    فإن قلت قال الله ضجوا وأكثــروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحــك

    وإن قلت قد قال الرسول فقولهـــم أتت مالكاً في ذاك المسالـــك



    وقد يعتذر البعض بأنه يسوغ له التقليد، وأن غيره يدرك مالا يدرك، وأنه لم يصل إلى مرتبة معرفة الأدلة ومناقشتها فقد يسوغ له التقليد في ذات نفسه لكن لم يجعل ذلك معياراً يحكم به على الآخرين فيضللهم أو يخرجهم عن دائرة المنهج محتجاً بأقوال الرجال، وحين يناقش بالدليل الشرعي يقول إنه ليس صاحب علم وفرضه أن يقلد.

    ثانياً: - اعتبار واقع المجتمع معياراً للمنهج

    رفض كل وافد وجديد تتفاوت مجتمعات المسلمين اليوم في مدى قربها أو بعدها عن الهدي الشرعي، ومدى سلامتها من البدع والمحدثات، وقد يتميز مجتمع منها بأنه أكثر محافظة وأقل ابتداعاً من غيره، فيشعر أهله أن الكثير مما يفد إليهم من سائر المجتمعات بدعة وانحراف، ويعطي الواقع المشاهد بعض المصداقية لهذه النظرة.

    لكن قد تتحول القضية إلى اقتناع راسخ بأن أي وافد على هذا المجتمع فذلك دليل انحرافه، فيرفض هؤلاء الكثير مما لم يألفوه بحجة أنه وافد، أو لم يكن يعرف من قبل، ولو قالوا ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) لكانوا أكثر واقعية مع أنفسهم.

    نعم قد يكون هذا الوافد مخالفاً فينبغي أن يرفض لأنه مخالف للشرع لا لأنه وافد، وقد يكون موافقاً للشرع فكونه غير معروف لدى مجتمع معين أو طبقة معينة من الناس مهما علا قدرهم فليس مبرراً لرفضه.

    ثالثاً:- تعميم الحالات الاستثنائية

    لكل قاعدة شواذ والشذوذ يؤكد القاعدة كما يقال، وهو منطق يغيب عن أولئك الذين يأخذون موقفاً أو صورة شاذة ليعممونها على سائر الناس والمواقف.

    إنه حين يوجد شاب متدين يسيء التعامل مع والديه فهل يعني أن نصم المتدينين جميعاً بذلك وحين يوجد لدى أحد طلبة العلم جفاء وغلظة فهل هذا يدل على أن الجفاء والغلظة والقسوة صفة لازمة لطلاب العلم

    إن العدل والموضوعية تقتضي منا أن نضع النموذج الشاذ في إطاره الطبيعي، وأن لا ننطلق من مجرد موقف نراه لنصدر حكماً عاماً.

    رابعاً: الخلط في المصطلحات الشرعية

    هناك مصطلحات شرعية رتب الشرع عليها المدح والذم، والوجوب والتحريم، وبعضها مصطلحات عامة تحتاج للفقه في تنزيلها على الوقائع والمواقف، وقد يتكأ على مثل هذه المصطلحات، وينطلق منها، ويستثمر أثرها على الناس في تقرير ما يريده المرء باسم المنهج، ومن ذلك:-

    1 - المصلحة : فالمصالح والمفاسد مصطلح شرعي يكثر الحديث عنه في كتب الأصول والمقاصد، بل قد ذهب البعض من أهل العلم إلى اعتبار أن الدين كله قائم على مراعاة المصالح والمفاسد، لكن البعض من الدعاة قد يقف مواقف ويعمل أعمالاً دعوية تخالف المنهج الشرعي، وحين يطالب بالحجة والبرهان لا يجد لنفسه مستنداً إلا أن المصلحة تقتضي هذا الأمر وينسى هؤلاء أن المصلحة وصف شرعي لابد من تنزيله على مناطه الشرعي فعلاً، وليست لباساً يلبسه من شاء على ما راق له من عمل.

    وأحياناً قد يوصف العمل بأنه يترتب عليه مفاسد، وينسى هؤلاء أنه واجب شرعي وأن المفاسد المعتبرة هي ما اعتبرها الشرع، إن الأصل الشرعي المستقر أن يجب إنكار المنكر إلى إذا ترتب على إنكاره مفسده؛ فالقاعدة والأصل وجوب الإنكار وترتب المفسدة استثناء، فتحول الاستثناء عند البعض إلى قاعدة.

    2 - الفتنة: والفتنة جاءت نصوص الشرع بذمها وعيب أهلها والداعين إليها والساعي لإثارتها، لكن قد ينطلق البعض اليوم من الذين يسعون لتشويه سير الدعاة إلى الله عز وجل والآمرين المعروف والناهين عن المنكر، من هذا المعنى المستقر وهذا الرفض لدى جمهور المسلمين للفتن؛ ينطلقون من ذلك ليحولوا جهد هؤلاء وبلاءهم إلى جرم وضلال، وفي ضل هذا الزخم الهائل من التهم بإثارة الفتنة للدعاة إلى الله عز وجل نسي الكثير من المسلمين أو جهلوا المعاني الشرعية للفتنة.

    فالصد عن سبيل الله، والكفر به، والصد عن سبيله، وعن المسجد الحرام جرم عظيم لا يوازيه القتال في الشهر الحرام ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل))

    وإيذاء المؤمنين لصدهم عن دينهم فتنة ((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق))

    والكفر والشرك بالله فتنة تستوجب الجهاد والقتال وإراقة الدماء لإزالتها ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله))

    3 - البدعة: وهي مصطلح أطلق في الشرع على كل ما أحدث في دين الله اقترن هذا المصطلح بالذم في نصوص الكتاب والسنة، بل كان صلى الله عليه وسلم لا يدع التحذير منه في خطبة أو مناسبة "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله" وحين استوصاه أصحابه بعد موعظته قال :"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

    والخطأ هنا يقع في تنزيل هذا الوصف الشرعي على عمل معين أو شخص معين، فالبعض من أهل البدع يقصر هذا الوصف على نوع واحد من البدع وهي البدع الحقيقية، ويخرج البدع الإضافية من وصف البدعة.

    والبعض يغلو فيحكم بالابتداع على من لا يستحقه، ويصف بذلك كل من أخطأ في مسألة ولو كانت من المسائل الخفية، بل وربما كانت من مسائل الاجتهاد.



    خامساً: - الانطلاق من ردود الفعل

    تترك الأحداث آثارها وتهز النفوس هزاً قد يفقدها بعض التوازن فتتجه إلى طرف آخر، ومن هنا تساهم ردود الفعل في صرف البعض من الناس عن موقف الاعتدال:

    أ - فقد تكون ردة الفعل تجاه موقف أخطأ فيه شخص فعالجه آخر بتطرف مقابل، ولعل إهمال شأن الحكم بغير ما أنزل الله وتهميش قضية الحاكمية ردة فعل تجاه طائفة اختزلت مشكلات المسلمين كلها في هذه المشكلة.

    ب - وقد تكون ردة الفعل مدرسة في مقابل مدرسة أخرى، فمدرسة أهل الظاهر ما هي إلا ردة فعل لمدرسة أهل ا لرأي التي تطرفت في الأخذ بالقياس وإهمال النص.

    ج - وقد تكون من الإنسان نفسه تجاه خطأ اكتشفه في نفسه، أو تقصير في جانب من الجوانب، فيتحول إلى الطرف المقابل ويعالج الأمر بالتطرف بعيداً عن الاعتدال والموضوعية.

    د - وقد تكون تجاه حدث أو أزمة مرت بالأمة وتركت آثارها وخلفت ظلالها الثقيلة على النفوس.

    "إن الناموس العام لردود الأفعال هو عدم الاتزان وعدم الموضوعية وغن الكسالى والعاجزين والفوضويين سيظلون باستمرار على هامش الفعل، وفي بؤرة ردود الأفعال تتقاذفهم الأمواج العاتية"

    فالانطلاق في رسم المنهج من ردة الفعل أياً كان سببها يفقد هذا المنهج التوازن والاعتدال.

    سادساً:- اعتبار النتائج مقياساً لفشل ونجاح المنهج

    لاشك أن كل عامل يتطلع إلى نجاح عمله وإلى تحقيق أهدافه ومقاصده، والدعاة إلى الله عز وجل شأنهم شأن سائر العاملين يسعون لتحقيق أهدافهم من نشر الخير في المجتمعات وكف الفساد والشر عنها، وقد يفشل البعض من الدعاة في تحقيق الأهداف التي يتطلعون إليها.

    والفشل تحكمه عوامل عدة منها خطأ المنهج، لكن قد يكون ناشئاً عن تقصير في الأخذ بالأسباب، أو الذنوب والتقصير، أو عدم تمام صفاء النية، فقد يكون لدى المسلم شيئاً من ذلك لكنه في الجملة سليم المنهج فلا يسوغ أن نرفض طريقته ونحكم بفشلها، فالفشل هنا له هو لا للمنهج، لقد هزم المسلمون في غزوة أحد، وفروا يوم حنين، وأخبر القرآن أن ذلك بما كسبته أيدي المسلمين، فهل يجرؤ مسلم على اتهام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالخلل في منهجهم إذ ذاك إذاً فيجب التفريق بين التقصير وإتيان بعض الذنوب والتي يتم علاجها بتصفية النفوس وتزكيتها، وبين الخلل في المنهج والذي يعني المراجعة له.

    وقد يكون ذلك ابتلاءً وامتحاناً لرفعة درجة أولياء الله، فقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم ((يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس)) وأثنى على أصحاب الأخدود الذين حرقوا جميعاً في النار في مجزرة جماعية لم يكن الغلام إذ ذاك هو المسئول عنها، ولم تكن تلك الدماء ثمناً لتهوره، وحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته وجهر بها أوذي من أوذي من المسلمين، بل منهم من قتل، وأخرجوا من ديارهم أكانت دعوته صلى الله عليه وسلم هي المسئولة عن هذا الذي أصابهم، أم أن ذلك كان يعني الخلل في المنهج معاذ الله وأثنى صلى الله عليه وسلم على من بذل نفسه في سبيل الله فقال :"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" أيسوغ أن نجرد هذا المجاهد من الثناء الشرعي عليه لنحمله مسئولية إزهاق نفسه ولنقرر أن ذلك كان يعني فشل منهجه فلا هو حقق أهدافه ولا حمى نفسه من بطش الظالمين، وإن تجرأ أحد أن يقول ذلك فليقله عن النبيين الذين قتلهم بنو إسرائيل.

    إننا كثيراً ما نسمع الطعن في بعض المناهج الدعوية بحجة أنها فشلت في تحقيق أهدافها، والفشل جزء منه قد يعود للمنهج، لكنه ليس بالضرورة ملازماً له.

    سابعاً: الخلط في تحرير منهج السلف

    لقد كان من منجزات الدعوة السلفية المعاصرة أن اتفق الرأي العام الإسلامي على قبول منهج السلف في الجملة، وصار من دلائل ذلك أن أحداً لا يمكن أن يجرؤ على التصريح بأنه يرفض منهج السلف، وصارت الوصف بالخروج عن منهج السلف تهمة لدى الجميع، يسعى إلى نفيها ولو كان متصفاً بها في الحقيقة.

    وهي قضية إيجابية هامة، لكن كثر الحديث الآن عن منهج السلف ووصف عمل من الأعمال بأنه على منهج السلف ووصف آخر بأنه على خلاف منهج السلف، ولاشك أن السعي لتوضيح منهج السلف والسير عليه ودعوة الناس له قضية لا مجال للمناقشة فيها، بل ذلك أمارة على الانحراف والزلل.

    ولكن: هل كل ما ادعي أنه منهج السلف هو منهج السلف فعلاً وهل يحق لكل مدع أن يتهم فلاناً من الناس بأنه على خلاف منهج السلف

    إن هناك أخطاء ترتكب في تحديد منهج السلف ومنها على سبيل المثال:-

    1 - إهمال اعتبار تغير الزمان والمكان هناك أمور مستقرة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وهناك أمور تختلف باختلافهما، فقد يقول أحد السلف قولاً ينطبق على عصره ووقته لكنه لو عاش إلى عصرنا لربما تغير اجتهاده، ومن ذلك أن السلف رضوان الله عليهم تواتر النقل عنهم بالنهي عن صحبة الأمرد ولو لمصلحة تعليمه وتأديبه وهو مسلك ينم عن وعي وعمق لديهم وإدراك لأدواء النفوس، لكن هل يمكن أن نعمم ذلك على عصرنا فنقول لأولئك الذين يتصدون لتعليم الشباب في حلق القرآن أو البرامج التربوية إنه لا ينبغي لكم أن تصحبوهم ولو لمصلحة تعليمهم إن هذا يعني أن يترك هؤلاء في الشوارع للمفسدين وأصحاب السوء، وقد كانت الحال في عصر السلف تختلف عن عصرنا فشوارعهم وأسواقهم ليست كأسواقنا، وهذا لا يعني أن نهمل الورع في هذا الجانب وأن نتساهل به بل لابد من أن يتربى الدعاة على هذا الورع لكن هذا لا يعني ترك العمل مطلقاً إذ مفاسده أعظم وأجل.

    إن اعتبار العصر وظروفه لا يعني بحال نسف آراء السلف وأقوالهم، لكن البعد الزماني المطلق ليس إلا لنصوص الوحي، بل حتى أقوالهم المرتبطة بزمن معين أو مكان معين يجب أن نستفيد منها ونعنى بها مراعين اختلاف الزمان والمكان.

    2 - تعميم اجتهادات آحاد السلف قد يقرر أحد رأياً في مسألة من المسائل ويثني على تقريره بسرد بعض أقوال من قال بذلك من السلف لينطلق من ذلك إلى أن هذا هو منهج السلف، وقد يجاريه القارئ في هذه النتيجة لعدم استحضاره لسائر الأقوال والنصوص، ويغيب عن القارئ أن الكاتب قد تعمد اختيار الأقوال التي توافق ما يذهب إليه، وتجاوز ما تعارضه، والأمانة العلمية تقتضي بلا شك نقل جميع النصوص، أو بالأصح عدم الاقتصار على جانب واحد منها.

    يستطيع أي فرد أن يدعي أن منهج السلف هو الاستثناء في الإيمان، ويستطيع آخر أن يدعي أن منهج السلف عدم الاستثناء في الإيمان ويستطيع كل منهم أن يأتي بالنقول الكثيرة عن السلف تؤيد ما يذهب إليه، لكن ذلك لا يعني أن هذا هو منهج السلف.

    إذا فلابد من التفريق بين منهج السلف وآراء آحاد السلف.

    3 - دعوى اعتبار روح ما عليه السلف وهو منهج يسلكه أولئك المتميعون الذين يسيرون وفق يحلو لهم وحين يناقشون في ذلك ويطالبون بسلوك منهج السلف يحتجون بأن المقصود اتباع روح ما عليه السلف، فالأقوال والآراء المبتدعة، والمناهج المنحرفة، والتسيب الفقهي والعلمي عند هؤلاء لا يمكن أن يترتب عليه مجاوزة منهج السلف ما دمنا متمسكين بروح ما عليه السلف.

    ثامناً: النظر إلى جانب واحد من النصوص

    إن من العدل في التعامل مع النصوص الشرعية أن ينظر الباحث فيها إليها جملة، وأن يجمع النصوص الواردة في الباب الواحد، وحين ينظر إلى جانب واحد منها فقط فسيخرج بنتيجة غير شرعية.

    ففي مقابل النصوص التي تتوعد أهل الكبائر بالعقوبة والنكال هناك نصوص تفتح أمامهم باب الرجاء، وفي مقابل النصوص التي فيها الإغلاظ على أهل الفسق هناك نصوص تأمر بالرفق والتلطف معهم، وفي مقابل النصوص التي تأمر بطاعة الولاة والصبر على جورهم هناك نصوص تأمر بقول كلمة الحق والصدع بها في وجوهم ولو أسخطتهم.

    لذا فالذي ينظر لجانب واحد من النصوص يكون كما قال الحافظ ابن القيم رحمه الله:-

    نظروا بعيني أعور إذ فاتهم نظر البصير وغارت العينان



    تاسعاً: اعتبار المسائل الاجتهادية من المنهج

    هناك مسائل مما يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف، ولا ينبغي أن تكون مجالاً وميداناً للإنكار والتهارج، فضلاً عن التأثيم والتضليل، لكنك تجد البعض حين يتبنى اجتهاداً في مسألة ينطلق من هذا الاجتهاد ليلزم الأمة به، ويقرر أن هذا الأمر مما لا يسوغ خلافه، وأن المخالفة فيه دليل على انحراف في المنهج.

    ألسنا نرى أن البعض يتبنى اجتهاداً في مسألة من مسائل الوسائل الدعوية والتي اختلف فيها أهل العلم في هذا العصر فيتبنى رأياً من هذه الآراء ويحشد أقوال مؤيديه ويطوي صفحاً عن الآراء الأخرى في المسألة وهو يعلم أنها تخالف رأيه وهي لعلماء يحترمهم، فيصور للقارئ أن هذه المسألة من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم فأولئك الذين يخالفونه في اجتهاده منحرفون في منهجهم، بعيدون عما عليه السلف، فاقدون للورع والديانة...

    إنه من حق أي فرد أو جماعة تبني رأي في مسألة اجتهادية، لكن ذلك لا يمكن بحال أن ينقلها لتكون من قضايا المنهج، ومن ثم يوصم من خالف فيها بالانحراف والضلال.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله : "وأيضاً فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين مالا يكفر مخالفه، بل ولا يفسق، بل ولا يأثم، مثل الخطأ في الفروع العملية"

    عاشراً: اعتبار التلازم بين الغيرة على المنهج، وحجم من يخرجون من دائرته

    لاشك أن من مقتضيات خدمة المنهج الذب عنه، والدفاع عن حياضه، وكشف المتربصين الدوائر به، والرد على أهل البدع عند أهل السنة من أصول الدين، لكنه قد ساد لدى الناس مفهوم خاطئ يقتضي أنه يمكن الاستدلال على عظم غيرة المرء على الدين والعقيدة من خلال حجم أولئك الذين يستطيع الحكم عليهم بالخروج من المنهج والانحراف.

    إن الرد على المخالف منهج شرعي لا نقاش فيه، والمجاملة لأهل الأهواء تمييع للمنهج، لكن القسوة على الخلق، ونصب النفس حكماً لتصيد الأخطاء والعثرات والزلات، والاجتهاد في البحث عن دليل إدانة على امرئ أو جماعة تثبت خروجهم من دائرة السنة ليس بالضرورة غيرة محمودة على المنهج.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم إن لم يقصد فيه بيان الحق وهد الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحاً"

    11 - الخلط بين الخلاف في الأصل وفي تحقيق المناط

    هناك فرق في المسائل الخلافية قد لا يتفطن له البعض من المختلفين، والغالب في الخلاف الدائر اليوم بين أهل السنة هو من هذا الباب، ألا وهو الخلاف في الأصل أو في تحقيق المناط.

    فقد يتفق الجميع على أنه لا يكفر مسلم بكبيرة من الكبائر، وليكفر إلا بما سماه الشرع كفراً، فيجتهد أحدهم ويحكم بالكفر على معين لما ظهر له، يكفره من خلال عمل موجب للكفر عند أهل السنة فإن ذلك لا يجوز للآخر اتهامه بأنه يرى رأي الخوارج وينتحله.

    ولعل ما حصل في قضية الخلاف بين المجاهدين الأفغان يعكس صورة من ذلك إذ صور البعض الخلاف والصراع بين بعض الفصائل على أنه صراع عقدي وخلاف بين السنة والبدعة، في حين رأى فيه الطرف الآخر خلاف ذلك، فهل يسوغ للطرف الأول أن يتهم الثاني بأنه يقعد عن نصرة قضية العقيدة والتوحيد بحجة أنه لم يقف موقفه ولم ير رأيه.

    بل هذا هو الشأن في الخلاف بين الأمة في سائر مسائل الفروع، فهم يتفقون على اتباع الدليل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل مسألة صغرت أم كبرت، لكن الخلاف قد ينشأ بينهم في تحديد ما هو مقتضى الدليل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم
    للشسخ محمد الدويش منقول من http://www.arabiyat.com/forums/showthread.php?t=13854
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة