بعد سبع سنوات من تنفيذه.. قراءة في نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي

الكاتب : الحسام   المشاهدات : 462   الردود : 0    ‏2002-10-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-26
  1. الحسام

    الحسام عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-22
    المشاركات:
    982
    الإعجاب :
    0
    بعد سبع سنوات من تنفيذه.. قراءة في نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي - د. سيف العسلي /أستاذ الاقتصاد - جامعة صنعاء


    د. سيف العسلي

    --------------------------------------------------------------------------------

    في عام 1996م بدأت الحكومة بالشراكة مع كل من البنك والصندوق الدوليين بتنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي وسط تصريحات حكومية ومن مسؤولي المنظمتين الدوليتين متفائلة إلى حد المبالغة المتعمدة. لقد توقعت الحكومة زيادة كبيرة في معدل النمو الاقتصادي قد تصل إلى 9% وانخفاضاً في معدل البطالة وزيادة في الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتحسناً في مستوى المعيشة، واستقراراً في سعر صرف الريال وثباتاً في الأسعار وزيادة في الصادرات ....الخ، وهي توقعات لم تراعِ حتى المعلومات التي كانت متوفرة آنذاك. وهانحن اليوم وبعد مرور حوالي سبع سنوات على البدء بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، نستطيع أن نقيّم النتائج التي ترتب عليها وكذلك التوقعات التي بنيت عليه، فعلى رغم النجاحات الجزئية التي حققتها

    بعض سياسات هذا البرنامج، وخصوصاً في المجال المالي، حيث أدى الانضباط المالي المعقول الذي مارسته وزارة المالية من خلال السيطرة على عجز الموازنة العامة إلى تخفيض معدل التضخم وتحقيق قدر من الاستقرار المالي إلا أن النتائج الأخرى لم تكن كما كان متوقعاً لها بل كانت مخيبة للآمال حتى المتواضعة منها. إذ يمكن القول إن السنوات السبع الماضية كانت عجافاً بكل ماتعنيه الكلمة من معنى، ويمكن رؤية ذلك بوضوح من خلال مناقشة المؤشرات الاقتصادية المهمة والصادرة من الحكومة أو من البنك الدولي أو من صندوق النقد. في مايخص معدل النمو الاقتصادي فالبيانات الرسمية المعتمدة من قبل الحكومة والمنظمات الدولية تشير إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي كان في عام 1996م حوالي 7%، في حين كان في عام 2001م حوالي 1.8% إذ كان من المفترض أن يكون معدل النمو في عام 2001م أكبر منه في عام 1996م على اعتبار أن عام 1996م كان الأساس لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقصتادي، ومن المعروف أن النمو الاقتصادي في عام الأساس يمكن أن ينخفض بسبب التركيز على سياسات الاستقرار على حساب سياسات النمو الاقتصادي. إن تدني معدلات النمو الاقتصادي في اليمن في السنوات الأخيرة مقارنة بالسنوات الأولى من عمر برنامج الإصلاح ومقارنة بمعدلات النمو المستهدفة أيضاً لأمر يثير الكثير من الدهشة والاستغراب. ويتأكد فشل برنامج الإصلاح الاقتصادي من خلال النظر إلى البيانات الخاصة بالاستثمار. إذ أن هناك علاقة وثيقة بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل الزيادة في الاستثمار. تشير البيانات الرسمية أن نسبة الاستثمار الإجمالي إلى الناتج المحلي كانت في عام 1996م حوالي 23.2% بينما انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 18% في عام 2001م، لقد كان من المتوقع أن تعمل سياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى زيادة الاستثمارات سواء الاستثمارات العامة أو الخاصة المحلية أو الخارجية. لكن ذلك لم يحدث. صحيح أن الاستثمارات العامة ظلت ثابتة خلال هذه الفترة، لكن الصحيح أيضاً أنه كان من المفترض أن تزيد. وصحيح أيضاً أن الاستثمارات المحلية لم تنخفض كثيراً لكن الصحيح أيضاً أنها لم تزد كما كان يتوقع لها من قبل الحكومة والمنظمات الدولية، لكن الأكثر أهمية هو أن الاستثمارات الخارجية لم تزد على الإطلاق بل أصبح صافي الإستمارات الخارجية سالباً، وبنسبة 20% في عام 2000م، إن ذلك يعني أنه بدلاً من تدفق الاستثمارات إلى الداخل أصبحت تتدفق إلى الخارج. بذلك صارت اليمن منطقة طرد بدلاً أن تتحول إلى منطقة جذب. فإذا لم تنجح سياسات برنامج الإصلاح في تحقيق ذلك فماالذي يمكن أن ينجح؟ وإذا كان شعبنا قد قدم التضحيات الكبيرة نتيجة لسياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي، فما الذي كسبه مقابل فشل سياسات البرنامج في تحقيق حتى أبسط أهدافه والمتمثلة في زيادة الاستثمارات. لقد ترتب على انخفاض الاستثمار وتدني معدل النمو الاقتصادي استمرار تزايد عدد العاطلين، فوفقاً لبيانات الإحصاء العام للمساكن والسكان في عام 1994م كان عدد العاطلين يمثلون حوالي 9.64% من إجمالي القوى العاملة، وفي الفترة من 1996- 2000م ارتفعت هذه النسبة إلى حوالي 37% وفقاً لنتائج مسح القوى العاملة الذي نفذته الحكومة، ووفقاً لتقديرات البنك الدولي فإن نسبة الباحثين عن عمل في عام 1995م كانت في حدود 63% من عدد السكان الذين تقع أعمارهم بين سن 15-64 سنة. وفي عام 2001م بلغ عدد السكان حوالي 18.9 مليون شخص وعدد الذين يبحثون عن عمل حوالي 7.7 مليون شخص، وعدد العاملين حوالي 3.9 مليون شخص، وعدد العاطلين 3.7 مليون سخص بنسبة 46.7%. لاشك أن بطالة بهذا الحجم تعد كارثة بكل ماتعنيه الكلمة من معنى، والأكثر أهمية أن نلاحظ أن معدل البطالة ينمو بمعدل 4% سنوياً. وإذا ماعرفنا أن نسبة الداخلين إلى سوق العمل هي 4.3%، مما يعني أن الذين يمكن أن يحصلوا على عمل هم فقط 0.3% وأن 4% سينضمون إلى صفوف العاطلين. ويتضح حجم الكارثة التي تنتظر الجيل القادم إذا ماعرفنا نوعية التعليم الذي سيحصلون عليه. تبلغ نسبة الأمية بين البالغين حوالي 53% في عام 2000م أي نسبة من يجيد القراءة والكتابة حوالي 47% بلغت نسبة الإلتحاق بالتعليم الأساسي حوالي 65% أي أن حوالي 35% من الأطفال في الفئة العمرية 0-15 سوف لن يتمكنوا من الحصول على أي تعليم، أما نسبة الذين يلتحقون في التعليم الثانوي فهي 27% أي أن حوالي 73% ممن هم في سن التعليم الثانوي سوف لن يستطيعوا الالتحاق فيه، ومن لم يتمكن من الالتحاق بالتعليم الثانوي سوف لن يلتحق بالتعليم الفني أو المهني، ذلك أن القدرة الاستيعابية لهذا النوع من التعليم تقل عن 1% ممن هم مؤهلون للالتحاق به. أما التعليم الجامعي فلا يمثل فرصة إلا لنسبة ضئيلة ممن هم في سن التعليم الجامعي. فإذا كانت هذه المؤشرات الكمية للتعليم في اليمن تدل على التخلف الذي يعاني منه في هذا المجال فإن الصورة تصبح أكثر قتامة إذا ماحاولنا تقييم نوعية التعليم. فمن الدراسات القليلة في هذا المجال يمكن الاستنتاج إن نوعية التعليم رديئة للغاية. إذ أن نظام التعليم يعاني من نسبة كبيرة للتسرب مقارنة حتى بالدول الأقل نمواً، ولذلك تتفوق اليمن على هذه الدول في نسب الإعادة والرسوب، وقد ترتب على ذلك كله ضعف القدرات التي يتمتع بها مَنْ تمكن من الانتظام في سلك التعليم، ولا يوجد في الأفق مايدل على حدوث أي تحسن في مستويات التعليم في المستقبل القريب أو المتوسط.

    للأسف الشديد لم تشهد فترة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي أي تحسن يذكر في مجال البنية التحتية، وهذا يعد فشلاً للبرنامج حيث بررت سياسات رفع الدعم عن السلع الأساسية بتحسين البنية التحتية والخدمات العامة. فهذه تقارير البنك الدولي تشير بوضوح إلى تردي حالة الكثير من مرافق البنية التحتية الاجتماعية. ففي مجال الطرق يتوفر لليمن حوالي 6586 كيلومتراً من الطرق الممهدة، وحوالي 3915 كيلومتراً من الطرق المعبدة، وحوالي 60000 من الطرق الوعرة، هناك فقط 50% من الطرق المعبدة والممهدة بحالة مقبولة، أما البقية فهي في حالة يُرثى لها. أما وسائل المواصلات فهي في الغالب تتكون من العربات والباصات الصغيرة والكبيرة التي قد استنفدت عمرها الافتراضي في الخارج، لقد تحولت اليمن إلى مركز نفاية عالمية لوسائل النقل. أما مجال الكهرباء فحدث ولا حرج. إذ لازال الريف يفتقد خدمات الكهرباء، أما المدن فلا تجد إلا التغطية الجزئية للاستخدام المنزلي ناهيك عن الاستخدام الصناعي. فلازالت سياسة «لصّي، طفّي» هي السائدة على الرغم من الوعود التي قطعتها الحكومة لتحسين هذه الخدمة. ونفس الشيء ينطبق على الخدمات الصحية. إذ يمكن القول إن الريف اليمني محروم من أي نوع من الرعاية الصحية، فحتى لو توفر مبنى يمكن تشغيله كعيادة أو مستوصف لتقديم الرعاية الأولية فإنه يظل بدون استخدام لانعدام الطبيب أو الدواء أو المعدات. أما في المدن فعلى الرغم من توفر عدد من المستشفيات والمستوصفات العامة والخاصة؛ إلا أن عدد كبيراً من الناس لايتمكنون من الحصول على الرعاية الصحية المناسبة إما بسبب سوء إدارة المستشفيات العامة مما يؤدي إلى تقديم خدمة ناقصة لروّادها، أو بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتدني جودة الخدمات التي تقدمها المستشفيات الخاصة لغياب الرقابة عليها من قبل الجهات المختصة. لقد وعدت الحكومة أن برنامج الإصلاح الاقتصادي سوف يؤدي إلى محاربة الفقر، على الأقل في الأجل المتوسط، وبالتالي فإن على الشعب أن يصبر على الآثار السلبية لسياساته في الأجل القصير. لكن هذا الوعد لو يتحقق هو الآخر. بل إن الفقر قد ازداد اتساعاً وباعتراف الحكومة نفسها، فوفقاً لنتائج مسح الفقر الذي نفذ في عام 1998م فإن 18% من السكان لايحصلون على الغذاء المناسب وذلك مقارنة بنتائج مسح الفقر لعام 1992م، والذي أوضح أن نسبة فقر الغذاء في ذلك الوقت لاتتجاوز 9%. أما نسبة الفقر العام التي تتضمن فقر الغذاء والملبس وغيرها فقد بلغت حوالي 43%، أي أن حوالي نصف سكان البلاد يعانون من الفقر. ويعاني سكان الريف، أكثر من غيرهم، من الفقر بسبب رفع الدعم عن السلع الأساسية حيث حدة الفقر في الريف ضعفها في المدن. يمثل العاملون جزءاً كبيراً من الفقراء مما يشير إلى خطورة هذه الظاهرة، فهي لاترتبط بالعاطلين فقط مما يعني أن توفير وظائف لهم سوف يحد من هذه الظاهرة، ولا بالعاجزين والذي يعني أن توفير شبكة ضمان اجتماعي فاعل يمكن أن يخفف من فقرهم. فنسبة الفقراء العاملين تصل إلى حوالي 84% من إجمالي اقراء، فقط 2.6% من الفقراء هم عاطلون وفقط 6.4% من الفقراء هم عاجزون. إنها تنخر كل فئات المجتمع مما يعني أنه لاينفع معها المعالجات الجزئية، وإنما تتطلب مكافحتها سياسات جذرية وشاملة. لقد أوضحت عدد من الدراسات أن ظاهرة الفقر ترتبط بعدد من المسببات ولعل من أهمها برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تسبب في حدوث ركود اقتصادي حاد ومزمن، وتسبب أيضاً في إعادة توزيع الداخل لصالح الفئات الغنية. ومن أهم هذه الأسباب تردي المستوى التعليمي حيث أن حوالي 87% من الفقراء هم من الأميين أو حملة الشهادة الابتدائية، وثالث أسباب ظاهرة الفقر هو انخفاض انتاجية العامل وخصوصاً في المجال الزراعي حيث يمثل العاملون في هذا القطاع حوالي 47% من إجمالي الفقراء. إنه من الواضح أن الأوضاع الاقتصادية تسبب الألم لعدد كبير من أفراد الشعب. ومع ذلك فلا يوجد أي مؤشر يدعو للتفاؤل، فالحكومة مصرّة على الاستمرار في تطبيق سياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي، على الرغم من مظاهر الفشل التي ناقشناها سلفاً، وغير مستعدة لإعادة النظر حتى في بعض السياسات الأكثر ضرراً مثل سياسات رفع الدعم وبرنامج إصلاح الخدمة المدنية وسياسات الخصخصة وسياسات الإصلاح القضائي والإصلاح المؤسسي وغيرها. ففي ظل بقاء الأوضاع على ماهي عليه لايمكن إلا توقع تدهور الأوضاع الاقتصادية خلال المستقبل المنظور. ومما يزيد من أهمية هذا الموضوع أن المتغيرات الاقتصادية القادمة أقل ملاءمة من السابق. على سبيل المثال من المتوقع أن يبدأ إنتاج النفط بالانخفاض من العام الثقادم مما سيعرض الاقتصاد لهزات كبيرة سوف تتسبب في تدهور سعر صرف الريال وزيادة الأسعار وتوسع الفقر، وسوف يكون الأمر أكثر خطورة إذا رافق الانخفاض في إنتاج النفط انخفاض في أسعاره كما هو متوقع. وفي هذه الحال لايمكن السيطرة على الأوضاع الاقتصادية إلا إذا تم اتباع سياسات يأتي في مقدمتها تحسين ثقة المستثمرين المحليين والخارجيين بالاقتصاد الوطني، ولايمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال تحقيق إصلاح قضائي حقيقي وتطبيق سيادة القانون الذي سيعمل على توفير الحماية المطلوبة للملكية الخاصة سواء ملكية الأراضي أو المصانع أو الأصول الأخرى، وكذلك تحسين سمعة الإدارة الحكومية من خلال إصلاح الوظيفة العامة ومحاربة الرشوة والمحسوبية والوساطة، وبث روح الثقة بين المواطنين من خلال زيادة المشاركة وإزالة العوائق وتقديم القدوة الحسنة وتشجيع المبدعين والموهوبين. يتطلب الأمر استراتيجية حقيقية لمحاربة الفقر تعتمد على سياسات واقعية يكون من أهم بنودها إعادة النظر في دعم السلع الأساسية أو توسيع شبكة الضمان الاجتماعي. والاهتمام بالتعليم باعتباره أهم نافذة على المستقبل، وبالتالي تكثيف الجهود لإصلاح التعليم وزيادة مخرجاته كماً ونوعاً. في هذه الحال فقط يمكن أن يكون مستقبل اليمن الاقتصادي واعداً، فهل يمكن أن يتحقق ذلك؟ إننا نعتقد أن ذلك ممكن لكن بشرط حصول تغير في السياسات الاقتصادية، ولايمكن أن يتحقق ذلك إذا استمرت الحكومة الحالية على سياستها الحالية أيضاً.
     

مشاركة هذه الصفحة