تقارير: حـرب صعـدة ..معضـلات بنـاء الـدولـة الحـديثـة في اليمـن

الكاتب : yameni   المشاهدات : 570   الردود : 1    ‏2007-07-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-07-04
  1. yameni

    yameni عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-11-26
    المشاركات:
    801
    الإعجاب :
    0


    تقارير: حـرب صعـدة ..معضـلات بنـاء الـدولـة الحـديثـة في اليمـن


    الوسط - خاص - الأربعاء 04 يوليو 2007


    أثـارت حـرب صعدة في اليمـن اهتمـام َ كثيـر من السياسيـين ووسـائـل الإعـلام المحلـيـة والعربية والإقليـميـة ، كمـا أثارت قلـق َ الكثيـر من أشقاء اليمـن وأصـدقـائهـا الحـريصيـن على وحدة هـذه البلاد وسلامة بنيـانها الإجتمـاعي وسلمهـا الداخلـي . وقـد اعتـبـر كثـيـرون هذه الحـربَ حربا ً غامضـة لايعـرفـون لهـا سببـا ولايجدون لهـا دافعا ، وذهـب البعض إلى أنها نبتـة ٌ شيطـانيـة ، بينمـا هـي في الحقـيقـة ليست كذلـك البـتة . فالحرب نتاج ٌ طبيعي للبـنـية الاقتصادية والاجتماعية والسياسيـة في اليمـن وهـو ماسنعـرضـه في هـذه الورقـة المـوجزة .

    ومما لاشك فـيه أن معـرفـة الأسبـاب العمـيـقـة لهذه الحرب وتسليـط الضوء علـى طبيعـة الظـروف والعوامـل التي أحاطـت باندلاعهـا ، تفيـد كثـيرا في ابتكـار الأسـاليـب الناجعـة لإطفـاء لهيبـها ، وتقديـم الحلـول التي تحـول دون انـدلاع شـرارتهـا مرة أخـرى في مستقبـل الأيـام ، كمـا تساعـد الراغبيـن من أشـقاء اليمـن في طـي صفحتهـا على تصويب وسـاطتهـم وجهـودهـم وتجـنـبهـم الوقـوع في الزلـل والخطـأ ومـا يفضيـان إليـه من إخفاق في الجهـد .

    إن حـرب صعدة في اليمـن وثيـقـة الصلـة بالبـيئـة الإقتصادية الإجتماعـية والبنـيان السياسي للـدولة والذي هو في طبيعته وجوهـره بنـيان قبـلي مهما زعم القـوم حـداثـة النظام وصلتـه بالعـصر. صحيـح أن اليمـن فيـه قوانين مكتوبـة تضـاهي مثيـلاتـها في الدول الحـديثة ، ولكـن ماإن تظهر مشكلة هنا أوهناك حتى تسـارع الحكـومة إلى وضع تلك القوانين على الـرّف واللجـوء إلى الأعـراف القبليـة للسيـطـرة على تـلـك المشـكـلـة .

    والحـال أن القـبـيـلة في اليمـن تـقف فوق سقف القـانـون ، وما من عمـل ٍ يقـدِم ُ عليـه أفـرادُهـا مُخل ٍ بالنـظام العـام وسمعـة الدولة وهيبـتها مثـل اختطـاف السيـاح الأجـانـب والتعـرض للشـركات الأجنبيـة العاملـة في اليمن والمستثـمرين ، حتى تبـادر الـدولـة إلى استـرضـائهم بضـخ ملايـيـن الريـالات إلى جـيـوب الخـاطـفـين ومشائخهم والوسطاء وهلمجرا . واعتـاد القـوم على هـذا الأمر في ظـل محـابـاة وعدم اعتـراض أولـي الأمـر مما شجعـهـم على الاستمرار فيـه والتمـادي أكثـر فأكثـر.

    وبالإضافـة إلى ذلك فـإن أبنـاء المناطـق القـبليـة فيما يسمـى في اليمـن بشمـال الشمـال وهي مناطق صعدة والجـوف ومارب وحجـة ، استفـادت من وقـوعهـا على الحـدود اليمنية السعـودية ، وعلاقتها التاريخيـة مع المملكـة ، فمارسـت تهـريب السلـع والبضائـع من المملكـة إلى الجمهورية اليمنـية دون حسيـب أو رقيـب ، وجنـت من ذلك أرباحا طائلة مكنتهـا من تكـويـن بيـوت تجارية وشركـات ومصـالح مـالـية ضخـمة . وهذا الأمر ليـس وليـد اليـوم بـل يمـتـد إلى ثمـانـيـنات القرن الماضي .

    ولكن دوام الحال من المحال. فقـد طرأت في السنوات الأخيرة تغيّـرات مهمة على الساحة اليمنية كان للعـامـل الخارجي أثـر كبيـرفيهـا على الوضـع الداخلي . ويمكـن القـول إن البـداية جـاءت مع توقـيـع اتفـاقـيـة الحدود اليمنية - السعـوديـة منتصف عام 2000م . فمـا إن تم توقيع هذه الإتفـاقيـة حتى أراد الرئيس علي عبدالله صالح استثمارها في تحجيـم دورمشـائخ القبـائل وذلك عن طريق الحـد من الدعم التقليدي الذي يحصلون عليه من النظـام السعـودي . ومع أن الرئيس صالح قـد تعايش لعقود من الـزمـن مع هذا الدعـم والهبات الماليـة من جـانب الحكومة السعـودية لمشـائـخ القبـائل ، إلا أنـه شـعـر الآن أن اللحظـة بـاتـت مناسـبـة لاستـثمـار اتفـاقيـة الحـدود كـي تخـفف المملكـة من دعمهـا للمشـائـخ بما يمكـنـه من إحكـام قبضتـه وإخضـاع المشـائخ لمـزيـد من نفوذه خاصـة وهـو يضع نصب عينيه مسـألة ترتـيب وضع السلطـة والتهيـئـة لمرحلة مابعد عهـده . وبالتـالي فـإن النتيجـة الطبيعيـة لهـذا المسعـى كـانت تقـليـص حجـم الفرص وتقـلـيـل مصـادر الدخـل التقليدية التي اعتـاد مشـائخ القبائل في هـذه المناطـق علـى التمتع بهـا.

    وماهي إلا بضـعـة أشهر حـتى جـاءت حـادثة تفجـيـر المـدمـرة الأمـريكيـة " يو. إس. إس.كـول " في مينـاء عـدن ( أكتوبر 2000) ، لتـفـتـح عيـون الغربيـيـن والأمريكـان بخاصـة على نشـاط تنظـيم " القاعـدة " في اليمـن . وبـدأت العيون الغربيـة تـتجـه صوب تلـك المناطـق التي لاتخضـع لسلـطـة الدولـة والتي يرى الغربيـون أنها توفـر ملاذا آمنا للعناصر الإرهابيـة . وتلك المناطق في نظـرهم هي نفـس المحافظـات الآنفة الـذكـر: صعـدة والجـوف ومارب وحجة . ولهـذا فلـيس مستـغـربـا أن يكـون السفـير الأمريكي الأسبـق في صنعـاء السيد إدمـونـد هول، وهـو المتخصـص والخبير في مكافحـة الإرهـاب ، قـد قضـى زهـاء نصف فـتـرة عمـله في اليمـن مـتـنـقـلا بين هـذه المحافظـات .

    وكانـت تصـريحات المسـئولين الغربيـين في اليمن بهذا الشأن واضحة لالبس فـيهـا . يقول دبلوماسي أوروبي في اليمـن : " هنـا تجد نفـسـك أمام نظـامـيـن : الحكـومـة والنظـام القبـلي الـذي يحكم الـبـلاد فعـلا " . وأضـاف الـدبلـوماسـي الأوروبـي: " هذا بلدٌ مفـتوح ٌ جـدا للارهـاب. يقـول عـلـي صالـح نحن نسيطرعـلـى كل المناطق ... ولـكـن هـذا غيـر صحيح " . " الحياة " ، لندن ، 15 أكتوبر 2000

    ثم جـاءت الطـامـة الكبـرى ، أحـداث الحـادي عـشـر من سبتـمبـر 2001 الإرهـابـية ، لـتـزيد من ملاحقة الولايات المتحدة لعناصر تنظيـم " القاعدة ". وقـد تصـدّر تلـك الحملـة نائـب وزيـر الـدفـاع الأمريكي السـابق بـول وولفويتـز الذي جعل يـركـز هـجـومـه فـيـمـا يخـص الـيـمن على غـيـاب سـيـطرة الـدولـة على بعض المـحـافظات. يـقـول وولـفويـتز: " إن في اليـمـن جيـوبـا ومحـافظات لايسـودها القـانـون وهـي خارجة عن سيـطـرة الحكـومـة المـركـزيـة". وأضـاف : " هـذه حالة بـهـا جزء مـن الـبلاد غير محـكوم ". " الأيـام " ، عدن ، 9 ينـايـر 2002

    وتبعا لـذلـك فـقد ازداد الضغـط الأمـريكي على الرئـيس صالح واشتدت مطـالبة واشنـطن لـه بنشر سلطـة الـدولة لتشمل كافـة مناطق اليمـن . ولعـلـه ليـس من باب المصادفة أن تنـدلـع حـرب صعدة الأولى (2004م ) غداة عودة الرئيـس صالح من مؤتمـر قـمـة الدول الكبرى الثمـان في واشنطـن . والحال أن نشر سلـطـة الـدولة ، وبسط قـانـونـهـا ونـظامـهـا إنمـا يكـون على حساب السلـطة التقـليديـة لمشائـخ القـبـائـل والتي هـي الأساس المتـيـن لنـفـوذهـم وقوتهـم ومـصدر ثـرائهم . وبالتـالي فـإن التعرّض لهذه السـلطـة التقلـيـديـة وهـذا النـفـوذ ، ومحاولـة إحـلال سلطـة الدولـة على أنقـاضـهمـا دون إيجـاد بـدائـل لمصـادر مشروعـة للثـروة والجاه ، كـان لابد لـه أن يـولد صدامـا وانفـجارا في العـلاقة بـين الدولة والقـبيلـة عاجلا أو آجلا ، وهذا هو مانـشـاهـده الآن عـيـانـا في محافـظـة صعدة .

    لقـد تعرضـت حـرب صعـدة لكثـيرمن التشـويه. فقـد صورتهـا الدولـة بـادئ الأمـرجـزءا من الحـرب الـدوليـة ضد الإرهاب ، ثم هي حـرب هـدفهـا القضـاء على النظـام الجمهوري وإحلال نظام الإمامـة محلـه ، وهي تـارة حـرب دينية مذهبيـة ، ثـم هي جـزء من حـرب إقليـميـة وتصفـيـة حسـابات بيـن أنظمة خارجيـة على جبال صعـدة .. وهلمجرا. والحقيقـة أن حرب صعـدة في جوهـرهـا ومضمونها هـي حربٌ بيـن بسط سلـطـة الـدولـة ونشـر النظام والقـانـون في كـل مناطق اليـمـن وبين سلـطـة ونـفوذ القـبـيـلة ومشائخها . ولعـل مما لـه دلالاته هـنا هـو أن الحكـومـة الأمريكـيـة ماتـفتـأ تصرّح على لسـان مسئولـيهـا في صنعـاء حيـن يـدورالحـديث عـن حرب صعـدة أنهـا " تقف إلى جانب الحكـومة اليمنيـة وأنهـا مع الدولـة وحقهـا في فـرض سلطة القـانـون في كـل أنحـاء البـلاد". " الأيـام " ، عدن ، 1 مـايـو 2007 إنـه لمن الصعـب التصـديق أن بضع عشـرات أو مئات أو حتى بضعـة آلاف من الحـوثيـين يمكـن أن يصمـدوا في وجـه جيش جـرار يعدّ بعـشرات الآلاف من الجـنـد والضـبـاط المحترفـين مـع ترسـانـة ضخـمـة من الدبـابـات والـمـدافـع والطـائرات الحـديثـة . كما لايمكـن التسـلـيم بـأن مقـاتـلـي الحوثي يمكـن أن يخـوضـوا حـربـا ويفـتحـوا جبهـات للقـتـال على امتـداد ثـلاث عشرة مـديـريـة من مـديـريـات محافـظـة صعـدة التي يبـلـغ تعـدادها جميعـا خمـس عـشـرة مـديريـة .

    إن هـذا الـواقع لايتـرك لنـا سـوى استـنـتاج أمـر واحد ألا وهـو أن الذي يقـاتـل الدولـة في صعـدة ليـس فقـط مجاميـع الشـباب الموسـومين بالحوثيـين ، وإنما من يقـاتـل الدولة في صعـدة هي محافظـة صعدة بكاملـهـا. ولعل مايعـززهـذا الإستـنـتاج هـو دعوة الرئيس صالح ومنـاشدتـه مشائخ المحـافظة ثم لـقـاؤه علمـاء صعـدة ومنـاشدته إيـاهم أيضـا إدانة الحوثييـن وإصـدار بيـان ضـدهم ولكـن لامشـائخ صعـدة استجـابـوا لـدعـوة فخامتـه ولا العلمـاء.

    وحيـن استـبـد اليـأسُ بالرئيس صالح وفـقد الأمـلَ في استجـابـة مشـائخ صعدة وعلمـائهـا لدعـوتـه بالـوقـوف في صـفـه ، استنـجـد بالشيـخ عبـدالله الأحمر شـيـخ مشائـخ اليمـن كي يتـدخـل في الأمـر ويستـخـدم نفوذه القبـلي ، ولكـن حتى دعـوة الشيـخ عبـدالله الأحمـر لم تثـمر استـجـابـة ً مـن مشائـخ صعدة ولا إنهـاءً للقـتال .

    والآن وبعـد أن وقفـنـا على الأسبـاب الحقيـقيـة لحرب صعدة ، وأدركنـا أنهـا حرب ٌ بيـن سلطـان الـدولـة ونفـوذهـا وهـيـبتـهـا وبسط الـقـانون والنـظـام في كـافة منـاطق اليمـن من جهـة ، وبين سلطـة الـقـبـيلة ونفوذهـا التـقـليدي من جهـة أخـرى ، بقي لنـا أن ننظر في المـآ ل الـذي يمكن أن تـؤول إلـيـه .

    لقـد شعر الكثـير من الحريصيـن على وحدة اليمـن وسـلامـة أمنـه واستقـراره بضـرورة التـدخـل في الأمـر والعمـل على حـقن الـدمـاء ، وإيقاف الدمار، وصون أعـراض المشردين الأبرياء ، وطـي صفحـة الصراع ، وإنهاء النـزاع . وأبـدت الحكـومـة الأمريكـيـة رغبتهـا ونصيحتهـا بالعمـل على إيقـاف الحـرب وعبـرت عن قلقهـا وخشيتهـا من توسـع الإضـطرابـات . كما تقـدمت الحكـومة القطـرية بمشروع للوسـاطـة بيـن الطـرفيـن المتحـاربيـن لإنهـاء النـزاع .

    ولاشك أن اليمنيـين يضـرعـون إلى الله ليـل نهـار أن تكـلـل تلـك الجهـود بالنجـاح ، ويحـل السلام في ربـوع اليمـن السعـيـد كـي يتفـرغ المجتمـع لحـل قضـايـا التنميـة والتطـور. بيـد أن هنـاك قـلـقا مفهومـا ومبررا مـن ألا ّ تصل تلـك الجهـود إلى غايتها المنشودة . وإذا مـا حصل ذلـك وأخـفـقـت جهود الوسـاطـة فإن ذلـك الإخفاق سيكون مردّه إلى عامليـن رئيـسيين أحـدهمـا له علاقـة بالمؤسسة القبـليـة في صعدة والآخـر له صلة بأطـراف السلـطـة اليمنيـة .

    أما الأول فسببه أن مشائخ القبـائـل لايـرغبون في رؤيـة الـدولة حاضـرة بمؤسساتها وأجهزتهـا في مناطقهم ، وهـم غـير مستعـدين بعـد للتسـليـم بإحـلال سلطـة الدولـة محـل سلطاتهم . ولهـذا فـهـم سيقـاومـون أيـة محاولـة من جانـب الدولـة لتنفـيذ التـزاماتهـا الداخلية والخارجية ببسـط سلطة الدولة في مختـلف أنحـاء اليمن . وهـذا الـرفض والممـانعـة من جـانـب زعمـاء القـبائـل يجعلان فـتـيـل الحـرب قـابـلا على الـدوام للإشتعـال .

    وأما الآخـرفسببه أن قيادات الحملة العسكرية وجدت في هـذه الحـرب مصدرا ً لدخـل كبيـرومـوارد هائلـة تتـدفق إلى جيـوبهـا ، وبالتالي فإن إيقـاف الحـرب يحـرمها هـذا الـدخـل ويحـول بينـها وبـين الإستحواذ على هـذه الموارد الضخمـة . ولهـذا فإنـه من المتوقـع أن تعمد هـذه القيـادات العسكـرية إلى افتـعال أحداث هنـا وهنـاك بغرض تفجـير الموقف والعودة إلى إشـعال فتـيل الحرب مرة أخـرى مالـم تكـن هـناك إرادة سيـاسيـة قوية وحـازمـة من جانب الرئيس صـالـح لمنع تنفيـذ مثل هذا السيناريـو الـدمـوي الخطـيـر.

    ويبـقى السؤال: هل يمكـن للـدولـة أن تسـلم بالأمـر الـواقع وتـترك المـناطق القـبـلية الواسـعـة خارج سلـطـة الدولة خشيـة َ مـقاومة القـبـائل وتجـنبـا ً لإشـعال حـرائـق داخـلية ؟

    والجواب بالطبـع انه لايمكـن للدولة التسليـم بذلك ، فـنـشـر سلطان الدولة على كافة الأراضي اليمنية أمـرٌ لامنـدوحـة عنـه وهـو لـيس فقط مطلبـا خارجـيا ، بل هـو في الأصـل مطلب داخلي يشترطه تحقيـق الإستقـراروالتنمـية في اليمـن. ولكـن ربمـا استطـاع اليمـن تحقيـق هذا الهدف ليـس من خلال الدبابة والمدفع ، فنتائج اللجـوء إلى الـدبابـة والمـدفـع ظاهرة ٌ للعيـان ، ولكـن يمكن تحقـيـق ذلك من خـلال برامـج تنـمـوية إقتصـادية واجتمـاعيـة بـل وقـبـل كل شيء برامـج توعية فكـريـة هـدفهـا التأثيـر المنهجي المنظـم على وعـي أبنـاء القبـائـل ومشـائخهم كمـا سائر سكان اليمـن بأهمية بناء الـدولة وبسط سلطـانها لتحقـيـق التنمية والتطور في اليمن وشرح الجـدوى والمكاسب الفعلـية التي ستجنـيها القبـائـل اليمنيـة أفـرادا ومشـائـخ إذا ماتحقـق الأمن والإستقـرار وما يتبعهما ويقوم عليهما من ازدهار اقتصادي في ربوع بـلاد اليمن. إن المشـكلة الأساس التي يواجههـا النظام السياسـي في اليمـن هـي أنه يريـد أن يبسـط سلطتـه و يلبي استحقاقـات بنـاء الـدولـة الحـديثـة ولكن على حسـاب مواطنـيه في المـدن والأريـاف دون مواجهـة رجالات الفسـاد في النظام. وإذا كـان لـدى سكـان المـدن من الوسـائل السلميـة مايلفتون به اهتمام الرأي العام ويقـاومـون به من تظـاهرات واعتصامات واضرابات في الجامعات والمستشفيات ووسـائط النقـل والمـوانئ وغيـرها ، فليـس لـدى أبنـاء القبـائـل مايثيرون به الإهتمـام ويـدفعون به الجـور سـوى رفـع السـلاح في وجـه الـدولة للتعبيـرعن ضيـقهم وتبـرّمهـم من إجراءاتهـا وسياسـاتها التي تضيـّق عليهـم مصـادر عيشهم التقليديـة القائمة على النفوذ والقوة دون أن تـوفـر لهـم مصـادر مشـروعـة لعيش كـريـم في ظـل نظـام وقـانون الـدولـة . والحال إن ذلك يتطلب رسم برنامـج واسع مسـنود بـإرادة سيـاسيـة حقيقية من جانـب الـرئـيس صالـح ، وتشجيـع له من جانـب أشقائه وأصـدقـائه ، ومشاركة فعلـية من كـافـة الأحزاب السيـاسيـة وقـوى التـنويروالتحديـث في اليمـن لإحداث النقلة النـوعية المطـلوبة في الوعـي والممـارسة.

    ولاشـك بأن رغبـة حكومـة قطـر في تأسيس صنـدوق لإعـادة إعمار مادمـرته الحـرب هي موضـع ترحيب وتقديـرمن كـافـة أبنـاء اليمـن ، وهـم يـرون في ذلـك لفـتة كريمة وبلسـما تحتـاج إليـه الجـراح التي أحدثـتها الحـرب ، ولكن مثـل هذا الصنـدوق سيكـون أعظمَ نـفـعا وأكثرَ فـائدة إذا ماكـان جزءا من برنامـج واسـع كالـذي ألمحنا إلـيه بـدلا من أن يكـون مجرد مهدئ مرحلي سرعان ماينتهي مفعوله عند انتهـاء موارده . وحينهـا قـد يجد القـائمـون على ذلك الصندوق أنفسهم أمـام واقع يقتضـي تغـذيـة ذلـك الصنـدوق مرات ومرات ومرات دون أن يحدث النتيـجـة المـأمـولة أو يؤتي الثـمـرة المنشـودة .​


    *روبـرت مـايـر

    معهـد دراسـات الشرق الأوسط

    نـورث كارولينا - الولايات المتحدة الأمريكية

    http://www.alwasat-ye.net/modules.php?name=News&file=article&sid=4677

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-07-04
  3. yameni

    yameni عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2006-11-26
    المشاركات:
    801
    الإعجاب :
    0


    تقارير: حـرب صعـدة ..معضـلات بنـاء الـدولـة الحـديثـة في اليمـن


    الوسط - خاص - الأربعاء 04 يوليو 2007


    أثـارت حـرب صعدة في اليمـن اهتمـام َ كثيـر من السياسيـين ووسـائـل الإعـلام المحلـيـة والعربية والإقليـميـة ، كمـا أثارت قلـق َ الكثيـر من أشقاء اليمـن وأصـدقـائهـا الحـريصيـن على وحدة هـذه البلاد وسلامة بنيـانها الإجتمـاعي وسلمهـا الداخلـي . وقـد اعتـبـر كثـيـرون هذه الحـربَ حربا ً غامضـة لايعـرفـون لهـا سببـا ولايجدون لهـا دافعا ، وذهـب البعض إلى أنها نبتـة ٌ شيطـانيـة ، بينمـا هـي في الحقـيقـة ليست كذلـك البـتة . فالحرب نتاج ٌ طبيعي للبـنـية الاقتصادية والاجتماعية والسياسيـة في اليمـن وهـو ماسنعـرضـه في هـذه الورقـة المـوجزة .

    ومما لاشك فـيه أن معـرفـة الأسبـاب العمـيـقـة لهذه الحرب وتسليـط الضوء علـى طبيعـة الظـروف والعوامـل التي أحاطـت باندلاعهـا ، تفيـد كثـيرا في ابتكـار الأسـاليـب الناجعـة لإطفـاء لهيبـها ، وتقديـم الحلـول التي تحـول دون انـدلاع شـرارتهـا مرة أخـرى في مستقبـل الأيـام ، كمـا تساعـد الراغبيـن من أشـقاء اليمـن في طـي صفحتهـا على تصويب وسـاطتهـم وجهـودهـم وتجـنـبهـم الوقـوع في الزلـل والخطـأ ومـا يفضيـان إليـه من إخفاق في الجهـد .

    إن حـرب صعدة في اليمـن وثيـقـة الصلـة بالبـيئـة الإقتصادية الإجتماعـية والبنـيان السياسي للـدولة والذي هو في طبيعته وجوهـره بنـيان قبـلي مهما زعم القـوم حـداثـة النظام وصلتـه بالعـصر. صحيـح أن اليمـن فيـه قوانين مكتوبـة تضـاهي مثيـلاتـها في الدول الحـديثة ، ولكـن ماإن تظهر مشكلة هنا أوهناك حتى تسـارع الحكـومة إلى وضع تلك القوانين على الـرّف واللجـوء إلى الأعـراف القبليـة للسيـطـرة على تـلـك المشـكـلـة .

    والحـال أن القـبـيـلة في اليمـن تـقف فوق سقف القـانـون ، وما من عمـل ٍ يقـدِم ُ عليـه أفـرادُهـا مُخل ٍ بالنـظام العـام وسمعـة الدولة وهيبـتها مثـل اختطـاف السيـاح الأجـانـب والتعـرض للشـركات الأجنبيـة العاملـة في اليمن والمستثـمرين ، حتى تبـادر الـدولـة إلى استـرضـائهم بضـخ ملايـيـن الريـالات إلى جـيـوب الخـاطـفـين ومشائخهم والوسطاء وهلمجرا . واعتـاد القـوم على هـذا الأمر في ظـل محـابـاة وعدم اعتـراض أولـي الأمـر مما شجعـهـم على الاستمرار فيـه والتمـادي أكثـر فأكثـر.

    وبالإضافـة إلى ذلك فـإن أبنـاء المناطـق القـبليـة فيما يسمـى في اليمـن بشمـال الشمـال وهي مناطق صعدة والجـوف ومارب وحجـة ، استفـادت من وقـوعهـا على الحـدود اليمنية السعـودية ، وعلاقتها التاريخيـة مع المملكـة ، فمارسـت تهـريب السلـع والبضائـع من المملكـة إلى الجمهورية اليمنـية دون حسيـب أو رقيـب ، وجنـت من ذلك أرباحا طائلة مكنتهـا من تكـويـن بيـوت تجارية وشركـات ومصـالح مـالـية ضخـمة . وهذا الأمر ليـس وليـد اليـوم بـل يمـتـد إلى ثمـانـيـنات القرن الماضي .

    ولكن دوام الحال من المحال. فقـد طرأت في السنوات الأخيرة تغيّـرات مهمة على الساحة اليمنية كان للعـامـل الخارجي أثـر كبيـرفيهـا على الوضـع الداخلي . ويمكـن القـول إن البـداية جـاءت مع توقـيـع اتفـاقـيـة الحدود اليمنية - السعـوديـة منتصف عام 2000م . فمـا إن تم توقيع هذه الإتفـاقيـة حتى أراد الرئيس علي عبدالله صالح استثمارها في تحجيـم دورمشـائخ القبـائل وذلك عن طريق الحـد من الدعم التقليدي الذي يحصلون عليه من النظـام السعـودي . ومع أن الرئيس صالح قـد تعايش لعقود من الـزمـن مع هذا الدعـم والهبات الماليـة من جـانب الحكومة السعـودية لمشـائـخ القبـائل ، إلا أنـه شـعـر الآن أن اللحظـة بـاتـت مناسـبـة لاستـثمـار اتفـاقيـة الحـدود كـي تخـفف المملكـة من دعمهـا للمشـائـخ بما يمكـنـه من إحكـام قبضتـه وإخضـاع المشـائخ لمـزيـد من نفوذه خاصـة وهـو يضع نصب عينيه مسـألة ترتـيب وضع السلطـة والتهيـئـة لمرحلة مابعد عهـده . وبالتـالي فـإن النتيجـة الطبيعيـة لهـذا المسعـى كـانت تقـليـص حجـم الفرص وتقـلـيـل مصـادر الدخـل التقليدية التي اعتـاد مشـائخ القبائل في هـذه المناطـق علـى التمتع بهـا.

    وماهي إلا بضـعـة أشهر حـتى جـاءت حـادثة تفجـيـر المـدمـرة الأمـريكيـة " يو. إس. إس.كـول " في مينـاء عـدن ( أكتوبر 2000) ، لتـفـتـح عيـون الغربيـيـن والأمريكـان بخاصـة على نشـاط تنظـيم " القاعـدة " في اليمـن . وبـدأت العيون الغربيـة تـتجـه صوب تلـك المناطـق التي لاتخضـع لسلـطـة الدولـة والتي يرى الغربيـون أنها توفـر ملاذا آمنا للعناصر الإرهابيـة . وتلك المناطق في نظـرهم هي نفـس المحافظـات الآنفة الـذكـر: صعـدة والجـوف ومارب وحجة . ولهـذا فلـيس مستـغـربـا أن يكـون السفـير الأمريكي الأسبـق في صنعـاء السيد إدمـونـد هول، وهـو المتخصـص والخبير في مكافحـة الإرهـاب ، قـد قضـى زهـاء نصف فـتـرة عمـله في اليمـن مـتـنـقـلا بين هـذه المحافظـات .

    وكانـت تصـريحات المسـئولين الغربيـين في اليمن بهذا الشأن واضحة لالبس فـيهـا . يقول دبلوماسي أوروبي في اليمـن : " هنـا تجد نفـسـك أمام نظـامـيـن : الحكـومـة والنظـام القبـلي الـذي يحكم الـبـلاد فعـلا " . وأضـاف الـدبلـوماسـي الأوروبـي: " هذا بلدٌ مفـتوح ٌ جـدا للارهـاب. يقـول عـلـي صالـح نحن نسيطرعـلـى كل المناطق ... ولـكـن هـذا غيـر صحيح " . " الحياة " ، لندن ، 15 أكتوبر 2000

    ثم جـاءت الطـامـة الكبـرى ، أحـداث الحـادي عـشـر من سبتـمبـر 2001 الإرهـابـية ، لـتـزيد من ملاحقة الولايات المتحدة لعناصر تنظيـم " القاعدة ". وقـد تصـدّر تلـك الحملـة نائـب وزيـر الـدفـاع الأمريكي السـابق بـول وولفويتـز الذي جعل يـركـز هـجـومـه فـيـمـا يخـص الـيـمن على غـيـاب سـيـطرة الـدولـة على بعض المـحـافظات. يـقـول وولـفويـتز: " إن في اليـمـن جيـوبـا ومحـافظات لايسـودها القـانـون وهـي خارجة عن سيـطـرة الحكـومـة المـركـزيـة". وأضـاف : " هـذه حالة بـهـا جزء مـن الـبلاد غير محـكوم ". " الأيـام " ، عدن ، 9 ينـايـر 2002

    وتبعا لـذلـك فـقد ازداد الضغـط الأمـريكي على الرئـيس صالح واشتدت مطـالبة واشنـطن لـه بنشر سلطـة الـدولة لتشمل كافـة مناطق اليمـن . ولعـلـه ليـس من باب المصادفة أن تنـدلـع حـرب صعدة الأولى (2004م ) غداة عودة الرئيـس صالح من مؤتمـر قـمـة الدول الكبرى الثمـان في واشنطـن . والحال أن نشر سلـطـة الـدولة ، وبسط قـانـونـهـا ونـظامـهـا إنمـا يكـون على حساب السلـطة التقـليديـة لمشائـخ القـبـائـل والتي هـي الأساس المتـيـن لنـفـوذهـم وقوتهـم ومـصدر ثـرائهم . وبالتـالي فـإن التعرّض لهذه السـلطـة التقلـيـديـة وهـذا النـفـوذ ، ومحاولـة إحـلال سلطـة الدولـة على أنقـاضـهمـا دون إيجـاد بـدائـل لمصـادر مشروعـة للثـروة والجاه ، كـان لابد لـه أن يـولد صدامـا وانفـجارا في العـلاقة بـين الدولة والقـبيلـة عاجلا أو آجلا ، وهذا هو مانـشـاهـده الآن عـيـانـا في محافـظـة صعدة .

    لقـد تعرضـت حـرب صعـدة لكثـيرمن التشـويه. فقـد صورتهـا الدولـة بـادئ الأمـرجـزءا من الحـرب الـدوليـة ضد الإرهاب ، ثم هي حـرب هـدفهـا القضـاء على النظـام الجمهوري وإحلال نظام الإمامـة محلـه ، وهي تـارة حـرب دينية مذهبيـة ، ثـم هي جـزء من حـرب إقليـميـة وتصفـيـة حسـابات بيـن أنظمة خارجيـة على جبال صعـدة .. وهلمجرا. والحقيقـة أن حرب صعـدة في جوهـرهـا ومضمونها هـي حربٌ بيـن بسط سلـطـة الـدولـة ونشـر النظام والقـانـون في كـل مناطق اليـمـن وبين سلـطـة ونـفوذ القـبـيـلة ومشائخها . ولعـل مما لـه دلالاته هـنا هـو أن الحكـومـة الأمريكـيـة ماتـفتـأ تصرّح على لسـان مسئولـيهـا في صنعـاء حيـن يـدورالحـديث عـن حرب صعـدة أنهـا " تقف إلى جانب الحكـومة اليمنيـة وأنهـا مع الدولـة وحقهـا في فـرض سلطة القـانـون في كـل أنحـاء البـلاد". " الأيـام " ، عدن ، 1 مـايـو 2007 إنـه لمن الصعـب التصـديق أن بضع عشـرات أو مئات أو حتى بضعـة آلاف من الحـوثيـين يمكـن أن يصمـدوا في وجـه جيش جـرار يعدّ بعـشرات الآلاف من الجـنـد والضـبـاط المحترفـين مـع ترسـانـة ضخـمـة من الدبـابـات والـمـدافـع والطـائرات الحـديثـة . كما لايمكـن التسـلـيم بـأن مقـاتـلـي الحوثي يمكـن أن يخـوضـوا حـربـا ويفـتحـوا جبهـات للقـتـال على امتـداد ثـلاث عشرة مـديـريـة من مـديـريـات محافـظـة صعـدة التي يبـلـغ تعـدادها جميعـا خمـس عـشـرة مـديريـة .

    إن هـذا الـواقع لايتـرك لنـا سـوى استـنـتاج أمـر واحد ألا وهـو أن الذي يقـاتـل الدولـة في صعـدة ليـس فقـط مجاميـع الشـباب الموسـومين بالحوثيـين ، وإنما من يقـاتـل الدولة في صعـدة هي محافظـة صعدة بكاملـهـا. ولعل مايعـززهـذا الإستـنـتاج هـو دعوة الرئيس صالح ومنـاشدتـه مشائخ المحـافظة ثم لـقـاؤه علمـاء صعـدة ومنـاشدته إيـاهم أيضـا إدانة الحوثييـن وإصـدار بيـان ضـدهم ولكـن لامشـائخ صعـدة استجـابـوا لـدعـوة فخامتـه ولا العلمـاء.

    وحيـن استـبـد اليـأسُ بالرئيس صالح وفـقد الأمـلَ في استجـابـة مشـائخ صعدة وعلمـائهـا لدعـوتـه بالـوقـوف في صـفـه ، استنـجـد بالشيـخ عبـدالله الأحمر شـيـخ مشائـخ اليمـن كي يتـدخـل في الأمـر ويستـخـدم نفوذه القبـلي ، ولكـن حتى دعـوة الشيـخ عبـدالله الأحمـر لم تثـمر استـجـابـة ً مـن مشائـخ صعدة ولا إنهـاءً للقـتال .

    والآن وبعـد أن وقفـنـا على الأسبـاب الحقيـقيـة لحرب صعدة ، وأدركنـا أنهـا حرب ٌ بيـن سلطـان الـدولـة ونفـوذهـا وهـيـبتـهـا وبسط الـقـانون والنـظـام في كـافة منـاطق اليمـن من جهـة ، وبين سلطـة الـقـبـيلة ونفوذهـا التـقـليدي من جهـة أخـرى ، بقي لنـا أن ننظر في المـآ ل الـذي يمكن أن تـؤول إلـيـه .

    لقـد شعر الكثـير من الحريصيـن على وحدة اليمـن وسـلامـة أمنـه واستقـراره بضـرورة التـدخـل في الأمـر والعمـل على حـقن الـدمـاء ، وإيقاف الدمار، وصون أعـراض المشردين الأبرياء ، وطـي صفحـة الصراع ، وإنهاء النـزاع . وأبـدت الحكـومـة الأمريكـيـة رغبتهـا ونصيحتهـا بالعمـل على إيقـاف الحـرب وعبـرت عن قلقهـا وخشيتهـا من توسـع الإضـطرابـات . كما تقـدمت الحكـومة القطـرية بمشروع للوسـاطـة بيـن الطـرفيـن المتحـاربيـن لإنهـاء النـزاع .

    ولاشك أن اليمنيـين يضـرعـون إلى الله ليـل نهـار أن تكـلـل تلـك الجهـود بالنجـاح ، ويحـل السلام في ربـوع اليمـن السعـيـد كـي يتفـرغ المجتمـع لحـل قضـايـا التنميـة والتطـور. بيـد أن هنـاك قـلـقا مفهومـا ومبررا مـن ألا ّ تصل تلـك الجهـود إلى غايتها المنشودة . وإذا مـا حصل ذلـك وأخـفـقـت جهود الوسـاطـة فإن ذلـك الإخفاق سيكون مردّه إلى عامليـن رئيـسيين أحـدهمـا له علاقـة بالمؤسسة القبـليـة في صعدة والآخـر له صلة بأطـراف السلـطـة اليمنيـة .

    أما الأول فسببه أن مشائخ القبـائـل لايـرغبون في رؤيـة الـدولة حاضـرة بمؤسساتها وأجهزتهـا في مناطقهم ، وهـم غـير مستعـدين بعـد للتسـليـم بإحـلال سلطـة الدولـة محـل سلطاتهم . ولهـذا فـهـم سيقـاومـون أيـة محاولـة من جانـب الدولـة لتنفـيذ التـزاماتهـا الداخلية والخارجية ببسـط سلطة الدولة في مختـلف أنحـاء اليمن . وهـذا الـرفض والممـانعـة من جـانـب زعمـاء القـبائـل يجعلان فـتـيـل الحـرب قـابـلا على الـدوام للإشتعـال .

    وأما الآخـرفسببه أن قيادات الحملة العسكرية وجدت في هـذه الحـرب مصدرا ً لدخـل كبيـرومـوارد هائلـة تتـدفق إلى جيـوبهـا ، وبالتالي فإن إيقـاف الحـرب يحـرمها هـذا الـدخـل ويحـول بينـها وبـين الإستحواذ على هـذه الموارد الضخمـة . ولهـذا فإنـه من المتوقـع أن تعمد هـذه القيـادات العسكـرية إلى افتـعال أحداث هنـا وهنـاك بغرض تفجـير الموقف والعودة إلى إشـعال فتـيل الحرب مرة أخـرى مالـم تكـن هـناك إرادة سيـاسيـة قوية وحـازمـة من جانب الرئيس صـالـح لمنع تنفيـذ مثل هذا السيناريـو الـدمـوي الخطـيـر.

    ويبـقى السؤال: هل يمكـن للـدولـة أن تسـلم بالأمـر الـواقع وتـترك المـناطق القـبـلية الواسـعـة خارج سلـطـة الدولة خشيـة َ مـقاومة القـبـائل وتجـنبـا ً لإشـعال حـرائـق داخـلية ؟

    والجواب بالطبـع انه لايمكـن للدولة التسليـم بذلك ، فـنـشـر سلطان الدولة على كافة الأراضي اليمنية أمـرٌ لامنـدوحـة عنـه وهـو لـيس فقط مطلبـا خارجـيا ، بل هـو في الأصـل مطلب داخلي يشترطه تحقيـق الإستقـراروالتنمـية في اليمـن. ولكـن ربمـا استطـاع اليمـن تحقيـق هذا الهدف ليـس من خلال الدبابة والمدفع ، فنتائج اللجـوء إلى الـدبابـة والمـدفـع ظاهرة ٌ للعيـان ، ولكـن يمكن تحقـيـق ذلك من خـلال برامـج تنـمـوية إقتصـادية واجتمـاعيـة بـل وقـبـل كل شيء برامـج توعية فكـريـة هـدفهـا التأثيـر المنهجي المنظـم على وعـي أبنـاء القبـائـل ومشـائخهم كمـا سائر سكان اليمـن بأهمية بناء الـدولة وبسط سلطـانها لتحقـيـق التنمية والتطور في اليمن وشرح الجـدوى والمكاسب الفعلـية التي ستجنـيها القبـائـل اليمنيـة أفـرادا ومشـائـخ إذا ماتحقـق الأمن والإستقـرار وما يتبعهما ويقوم عليهما من ازدهار اقتصادي في ربوع بـلاد اليمن. إن المشـكلة الأساس التي يواجههـا النظام السياسـي في اليمـن هـي أنه يريـد أن يبسـط سلطتـه و يلبي استحقاقـات بنـاء الـدولـة الحـديثـة ولكن على حسـاب مواطنـيه في المـدن والأريـاف دون مواجهـة رجالات الفسـاد في النظام. وإذا كـان لـدى سكـان المـدن من الوسـائل السلميـة مايلفتون به اهتمام الرأي العام ويقـاومـون به من تظـاهرات واعتصامات واضرابات في الجامعات والمستشفيات ووسـائط النقـل والمـوانئ وغيـرها ، فليـس لـدى أبنـاء القبـائـل مايثيرون به الإهتمـام ويـدفعون به الجـور سـوى رفـع السـلاح في وجـه الـدولة للتعبيـرعن ضيـقهم وتبـرّمهـم من إجراءاتهـا وسياسـاتها التي تضيـّق عليهـم مصـادر عيشهم التقليديـة القائمة على النفوذ والقوة دون أن تـوفـر لهـم مصـادر مشـروعـة لعيش كـريـم في ظـل نظـام وقـانون الـدولـة . والحال إن ذلك يتطلب رسم برنامـج واسع مسـنود بـإرادة سيـاسيـة حقيقية من جانـب الـرئـيس صالـح ، وتشجيـع له من جانـب أشقائه وأصـدقـائه ، ومشاركة فعلـية من كـافـة الأحزاب السيـاسيـة وقـوى التـنويروالتحديـث في اليمـن لإحداث النقلة النـوعية المطـلوبة في الوعـي والممـارسة.

    ولاشـك بأن رغبـة حكومـة قطـر في تأسيس صنـدوق لإعـادة إعمار مادمـرته الحـرب هي موضـع ترحيب وتقديـرمن كـافـة أبنـاء اليمـن ، وهـم يـرون في ذلـك لفـتة كريمة وبلسـما تحتـاج إليـه الجـراح التي أحدثـتها الحـرب ، ولكن مثـل هذا الصنـدوق سيكـون أعظمَ نـفـعا وأكثرَ فـائدة إذا ماكـان جزءا من برنامـج واسـع كالـذي ألمحنا إلـيه بـدلا من أن يكـون مجرد مهدئ مرحلي سرعان ماينتهي مفعوله عند انتهـاء موارده . وحينهـا قـد يجد القـائمـون على ذلك الصندوق أنفسهم أمـام واقع يقتضـي تغـذيـة ذلـك الصنـدوق مرات ومرات ومرات دون أن يحدث النتيـجـة المـأمـولة أو يؤتي الثـمـرة المنشـودة .​


    *روبـرت مـايـر

    معهـد دراسـات الشرق الأوسط

    نـورث كارولينا - الولايات المتحدة الأمريكية

    http://www.alwasat-ye.net/modules.php?name=News&file=article&sid=4677

     

مشاركة هذه الصفحة