كنتم خير أمة التفسير السيكولوجي للآية الكريمة

الكاتب : ابوعلاءبن كاروت   المشاهدات : 1,257   الردود : 0    ‏2007-06-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-30
  1. ابوعلاءبن كاروت

    ابوعلاءبن كاروت قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-13
    المشاركات:
    3,012
    الإعجاب :
    0



    دراسات قرآنيةالتفسير السيكولوجي للآية الكريمة : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ( آل عمران - 110)·


    ما التفسير السيكولوجي أو النفسي والتربوي لهذه الآية الكريمة التي تحض المسلم على عمل الخير والدعوة للصلاح والإيمان والتقوى والبر والإحسان والنهي عن المنكر والبغي والضلال والفسوق وغير ذلك من شرور الحياة؟
    وما قيمة هذا الشعور بالاعتزاز والفخر الذي تغرسه الآية الكريمة في وجدان المسلم وحسه وشعوره، ذلك الشعور بأنه ينتمي إلى أعظم أمة خرجت للناس تأمر بالمعروف والحسنى وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي والضلال والفسوق؟

    < أهداف سورة آل عمران:
    وردت هذه الآية الكريمة في القرآن الكريم في سورة آل عمران·
    والمتأمل في هذه السورة الكريمة يلمس كثيراً من المعاني السامية والعميقة التي ترسِّخ الإيمان، وتوضح الحقائق أمام المسلمين، وتشجعهم وتحفِّزهم إلى المزيد من الإيمان·
    ففي قوله تعالى عز وعلا: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} >آل عمران - 110<·
    يمضي الدكتور >شوقي ضيف< في تفسير هذه الآية الكريمة فيقول >كنتم< كان هنا تدل على الدوام أي الاستقرار وليس الماضي فقط، بل سبق أن كنتم، وأنتم الآن، وستبقون في المستقبل خير أمة أخرجت للناس، وهذا الخطاب موجه للصحابة أو المسلمين بعامة، أي أمة الإسلام كلها >أخرجت للناس< أي ظهرت لهم أو ظهرت في تاريخ البشرية قاطبة >تأمرون بالمعروف< أي الدعوة عن طريق الشرع والجدل بالحسنى أو بالتي هي أحسن وأفضل وأقوم وأصلح، وليس بالسيف، كما يدعى أعداء الإسلام، و>تنهون عن المنكر< لأنكم خير أمة، وأنتم >تؤمنون بالله< وتخلصون له وتنقادون، >ولو آمن أهل الكتاب< من اليهود والنصارى لكان ذلك خيراً لهم في الدارين >منهم المؤمنون< مثل >عبد الله بن سلام< وأصحابه >وأكثرهم الفاسقون< أي الكافرون بأنعم الله (ضيف ، شوقي، 1994 :117)·

    < التفسير النفسي والتربوي
    يستهدف علم النفس الحديث تفسير سلوك الإنسان أو تفسير الظواهر النفسية ومعرفة عللها أو أسبابها، ومنها التفكير والتخيل والتصور والإدراك والتعلم، وحتى تفسير الأمراض والاضطرابات النفسية التي تصيب الإنسان، والقراءة السيكولوجية لهذه الآية الكريمة توحي بالكثير من المعاني، وتفتح آفاقا واسعة أمام الباحث العربي الحديث للتأمل والنظر في هذه الأمور منها:
    1- تزكية الشعور بالاعتزاز الإسلامي، والاعتزاز والفخر بالإسلام وبأمة عريقة ومؤمنة وراقية هي أمة الإسلام·
    2- تزكية الروح القومي والشعور القومي القائم على أساس التمسك بالقومية الإسلامية، هذا الشعور المنفتح على الآخر، الذي يؤمن بقبوله والتعاون معه، وعدم التعالي عليه، أو الانغلاق على الذات أو التعصب أو التميز، وهي بذلك دعوة خيرة وإنسانية وليست قومية عسكرية متعالية أو استعمارية أو تعصبية تلفظ الآخر·
    3-فرض مسؤولية أخلاقية ودينية وروحية على المسلمين وهي الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر والبغي والضلال والفساد والظلم والقهر والبطش والاستبداد والقسوة والاستعمار أو الاحتلال، وإنما تحمل المسؤولية في إقامة العزة والرفعة والشموخ في الأخلاق وفي الإيمان وفي السمو الإنساني، وليس في العنف أو التطرف أو الإرهاب كما يرمون الإسلام اليوم بهذه الاتهامات الباطلة·
    4- التركيز على إبراز صفات هذه الأمة الإسلامية وسماتها النبيلة والسامية·
    كما ترفض السمات الذميمية التي ينهى الإسلام الحنيف عنها، ويدعو المسلمين إلى تركها والتحرر منها، بل يضع الوسائل التي تحمي الناشئة من الإصابة بأي من الآفات الأخلاقية الذميمية >الجزائري، أبو بكر جابر، 1964 ، 193<·

    < الرد على أعداء الإسلام:
    يرمي بعض أعداء الإسلام المسلمين بالتعالي والفخر والعزلة عن باقي الأمم استناداً إلى قوله تعالى: {كنتم خير أمة} ويرون أن في هذا المعنى قدراً من التعالي والاستعلاء لدى أمة الإسلام تجاه غيرها من الأمم، ولكن الحقيقة تدحض هذا الادعاء، فأمة الإسلام، حقاً، هي خير أمة، في ماذا؟
    ليس في مجال الحرب أو القتال أو الاستعمار أو الاحتلال أو الانغلاق على الذات، وإنما في مجال خيري وأخلاقي وإنساني وروحي، وهو مجال الدعوة بالأمر بالمعروف أي اتباع المعروف والإحسان والبر بالناس والنهي عن المنكر والبغي والظلم والطغيان والفساد والانحلال والكفر والفسق والزندقة والإلحاد·
    فأمة الإسلام تدعو للإيمان، وتدعو كذلك إلى الأمر بالمعروف، وفي الوقت عينه تنهي عن المنكر، وعن الفساد، لأنها تؤمن بالله تعالى·
    فليس في هذه الدعوة تعالٍ أو كبر أو عجب، وإنما هي تشجيع للمسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي اتباع الفضائل والآداب والتمسك بأهداب الفضيلة والعفة والإيمان والصلاح والتقوى والخشوع والورع ومخافة الله تعالى·
    فالأمة الإسلامية أمة منفتحة على أرباب الحضارات الأخرى، وتقبل التعاون والتعايش معها، وحدث ذلك على مر الدهور والعصور، بل إنها تحترم أبناء الحضارات والديانات الأخرى، فقد صانت مقدسات النصارى واليهود منذ أقدم العصور، وعاش اليهود والنصارى معززين مكرمين في ديار الإسلام حتى يومنا هذا إلى أن ظهرت آفة الصهيونية في العصر الحديث فخلقت هذا الشقاق لأنها دعوة عنصرية استعمارية تؤمن بالتعصب والعزلة وطرد الآخر، فالمسلمون خير أمة في أي مجال؟
    في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مجال الإيمان الراسخ والصادق وهو مايقر في القلب ويصدقه العمل·
    وما الذي يمنع أن تكون لجميع الأمم هذه الرسالة ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
    ليس لدينا نحن معشر المسلمين أي مانع في ذلك، ذلك لأن الإسلام دعوة عالمية وحركة حضارية وإنسانية نبيلة، ولذلك مهما زاد هجوم الأعداء عليه، نجد الكثيرين يدخلون في دين الله أفواجاً، حتى من بني جلدتهم فالهجوم على الإسلام في أعقاب أحداث 11 سبتمبر سنة 2001م في أميركا أدى إلى حب الاستطلاع لدى بعض الغربيين فأقبلوا للتعرف على الإسلام ومبادئه وسمات أهله، ودخلوا في الدين الإسلامي، وبعض الأسرى الذين أسرتهم الجماعات الإسلامية في صحراء الجزائر ظلوا يعيشون مع المسلمين الخاطفين شهوراً عدة، تعرفوا على الإسلام وتعاليمه وطقوسه وأحبوه، ولذلك فإن الإسلام لم ينتشر في ربوع العالم بحد السيف كما يقول الحاقدون، إنما انتشر بالإقناع وبالرضا والإعجاب به وبمبادئه الإنسانية السمحة، وفضائله، وحكمته، ودعوته للطهارة والنظافة التي تتجسد في الصوم والصلاة وتلاوة القرآن الكريم·
    ولقول الله عز وجل مخاطباً أمة الإسلام العريقة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} في هذا المعنى البليغ، من الناحية التربوية والنفسية، تزكية واعتزاز بالروح الإسلامية، وبالدين الإسلامي، وبالأمة الإسلامية، وتنمية مشاعر الفخر فيها وبيان تاريخها وأمجادها، ولا ينبغي أن يقف الأمر أمام أبناء هذا الجيل عند حد التأمل والنظر والفخر والاعتزاز بهذا الماضي العظيم، وهذه القيم الإنسانية العظيمة، وتلك التعاليم الإسلامية السمحة، بل لأن الأمر أكبر من ذلك، هو أنهم مدعوون إلى المحافظة على عظمة هذه الأمة، وعلى بقائها فعلا وقولاً >خير أمة أخرجت للناس< تمارس رسالتها العظيمة في منع المنكر والبغي والفساد والضلال والكفر والقتل وسفك الدماء، واحتلال أراضي الآخر من دون سند في الواقع·
    يخطئ من يظن أنه بالإمكان القضاء على الإسلام كما تم القضاء على الفلسفة الشيوعية، فأبناء هذا الجيل مطالبون بالنضال والكفاح والجهاد العلمي والأخلاقي، في سبيل بقاء هذه الأمة محافظة على عظمتها، وتأدية رسالتها في نشر الخير ومنع المنكر في جميع أرجاء المعمورة، ومن هنا تبدو عالمية الإسلام وإنسانيته، ولذلك نحن نشعر بكل الفخر والاعتزاز بهذا المجد التليد، وهذا القرآن الكريم، وعلينا تقع مسؤولية حمايته، ولكي تتمكن الأجيال الصاعدة، في هذه الأمة، من صون الإسلام والدفاع عنه وتحقيق رسالته في منع المنكر والدعوة للمعروف بالحسنى والبر والإحسان والتعاون الدولي، والأخذ والعطاء، ومحاربة الظلم والفقر والجهل والجريمة والاحتلال والاغتصاب ونشر السلام العالمي القائم على أساس العدل والندية بين الدول، ولابد من تنمية الشعور بالانتماء في نفوس النشء لتحقيق هذا الأمر·
    ومن الأدلة على أن دعوة الإسلام تستهدف البر والإحسان ونشر المعروف ومنع المنكر قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} >المائدة -2<·
    فالإسلام يربى أبناءه على التعاون والأخذ والعطاء، والتماسك في سبيل البر والإحسان وعمل الخيرات، والتقوى أي الخوف من الله ولا يكون التعاون في الإثم أو الجرم أو العدوان أو هدر حقوق الآخرين أو الاعتداء عليهم، وإنما التعاون في سبيل الخير العام والصالح العام وصالح الإنسانية جمعاء، ومن المعاني السامية لهذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي أن يحملكم بغض أو كراهية أو عدوان قوم عليكم، والذين صدوكم عن المسجد الحرام، فلم تصلوا إليه في عام الحديبية على أن تقتصوا أو تثأروا أو تنتقموا منهم ظلماً وعدواناً، ولكن التعاون أو التكتل أو التجمع على فعل المآثم والمحرمات أو العدوان والإجرام أو العنف، وسيلقى العقاب الشديد كل من يخالف أوامر ربه· >شوقي، ضيف 1994: 185<·
    وفي وجوب الإيمان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآدابه، يقول الدكتور >أبو بكر جابر الجزائري< على كل مسلم مكلف قادر أن يؤمن بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·
    هذا الواجب من أعظم الواجبات الدينية بعد الإيمان بالله تعالى، إذ ذكره الله تعالى في كتابه العزيز مقروناً بالإيمان به عز وجل، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}·
    وهناك كثير من الأدلة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} >آل عمران< -104<·
    فهنا أمر كريم من الله تعالى وبذلك يكون الأمر بالمعروف واجباً على كل مسلم قادر عليه فأمة الإسلام خير أمة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف وهي رسالة إيجابية تجعل المسلم يشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع كله ولا يركن إلى السلبية، وهذه دعوة إنسانية وتربوية تقوي وتعزز الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء إلى الأمة الإسلامية التي تأمر الناس بالدعوة إلى الخير، وتطبقه على نفسها قبل غيرها·

     

مشاركة هذه الصفحة