من أدب الإسلام - رسَالة توجيهيَّة سلوكية تتصل بحَياة المسلم أوثق اتصال - بقلم/ عَبد الفتّاح أبو غُدّ

الكاتب : فوزي ريمي   المشاهدات : 479   الردود : 0    ‏2007-06-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-27
  1. فوزي ريمي

    فوزي ريمي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-01-09
    المشاركات:
    235
    الإعجاب :
    0
    من أدب الإسلام
    رسَالة توجيهيَّة سلوكية تتصل بحَياة المسلم أوثق اتصال


    بقَلم
    عَبد الفتّاح
    أبو غُدّة






    النَّاشِر
    مكتب المطبُوعات الإسْلاميَّة بحَلَب



















    مقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين بأفضلِ محامد الثنا عليه والتعظيم, والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ونبينا محمد بأكرم ما صلَّى عليه خالقُةُ الكريم، وعلى آله وصحبه وأَتْباعِه الطيبين الأبرار، المُتَّبِعين لهَدْيهِ وآدابِهِ المتقين الأطهار، اللهم ارزقنا اتِّباعَهُم في القولِ والعمل، وأمِتْنا على سُنَّتِهم وحُبِّهم عندَ انتهاءِ الأجَل.
    أما بعدُ فهذه رسالة لطيفة سَمَّيْتُها : ( من أدب الإسلام)، جمعتُ فيها جُمَلاً مختارة من أدب الإسلام الَنيف، رأيتُ كثيراٌ من إخواني وأحبابي يَغفُلُون عنها ويُخطئون معرفتها رجالاً ونساءً، فأردت بَجَمعها تذكيرَهم بها، ولست بأحسنَ منهم فيها، ولا بأغنى منهم عنها، وإنما هو التواصي بالحق وبالصبر، وامتثال صريح الأَمْر : ﴿وذكِّرْ فإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المؤمنين﴾. نفعني الله وإياهم بالذكرى وبهذه الرسالة وسِواها، وتولاَّنا بعنايته وهدايته في الدنيا والآخرة، وهو الذي يتولَّى الصالحين.
    وكتبه
    في الرياض 1 من المُحرَّم سنة 1412




















    إنَّ للإسلام الحنيف آداباً وفضائل كثيرة، تَدخُلُ في كل شأن من شؤون الحياة، كما تشمل الكبير والصغير ، والرجل والمرأة ف« إِنَّ النساء شقائق الرجال » ، كما قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فما يُطلَبُ من الرجل من أدب يُطلب من المرأة، فإنَّهما يكوِّنانِ المجتمعَ المسلم،وبهما يُعْرَضُ الإِسلام و يُعْرَف.

    وتلك الآداب قد دعا الإِسلام إليها، وحضَّ عليها،لتكامل الشخصية المؤمنة، وتحققِ الانسجام بين الناس، ولا ريب أن التحلِّي بتلك الآداب والفضائل مما يزيد في جمال سلوك المسلم، ويُعزِّز محاسنه، ويُحبِّبُ شخصيتَهُ، ويُدنيه من القلوب والنفوس.

    وهذه الآداب المذكورة هنا من لباب الشريعة ومقاصدها، فليس معنى تَسمِيَتُها (آداباً) أنها على طَرَف الحياة والسلوك، يُخيَّرُ الإِنسانُ في فعلها وتركها، أو الأولى فعلُها.

    قال الإمام القَرَافيُّ في كتابه «الفروق» ، وهو يتحدث عن موقع الأدب، من العمل، وبيان أنه مقدَّم في الرتبة عليه : « واعلم أن قليل الأدب، خير من كثير من العمل، ولذلك قال رُوَيْم-العالم الصالح-لابنه : يا بُنَيَّ اجعل عملك مِلْحاً، وأدَبك دَقيقاً. أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبتُهُ في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح-في العجين-، وكثير الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من العمل مع قلة الأدب».

    قلت: وإذا رُؤي في بعض هذه الآداب شيء من البساطة أو البداهة، فلا غرابة في التنبيه إليها، فإنَّ نفراً غيرَ قليل منا، يقع منه الخطأ في مثل تلك البَدَهِيَّيات، فيَغمِزُ بذلك من شخصيته المسلمة، التي ينبغي أن تكون متميزةً بجمالها وكمالها وسماتها، كما أرشد الى ذلك قول سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان معه بعض الصحابة الكرام، فقال لهم : « إنكم قادمون على إخوانكم ، فأحسِنوا لباسَكم، وأصلحوا رِحالكم، حتى تكون كأنكم شامَةُ في الناس، فإنَّ الله لا يُحبُّ الفُحشَ ولا التَفَحُّشَ» . رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم في « المستدرك» عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه.


    فينبغي للمسلم أن يُعرف : أنه مسلم من حُسن زِيِّه، وتناسق هيئته، ورُواءِ مظهره ، والله الهادي إلى سواء السبيل.

    ا - أدب الدخول والخروج من بيتك بالتلطف وحسن التصرف
    إذا دخلت دارك أو خرجت منها، فلا تدفع بالباب دفعاً عنيفاً ، أو تدعه ينغلق لذاته بشدة وعنف،فإن هذا منافٍ للطفِ الإسلام الذي تتشرف بالانتساب إليه، بل أغلقه بيدك إغلاقاً رفيقاً، ولعلك سمعت ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها من قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « إن الرِّفقَ لا يكون في شيءٍ إلاَّ زانه، ولا يُنزَعُ من شيء إلاَّ شانه » . رواه مسلم.

    2 - أدب التحية في الدخول والخروج على أهلك بتحية السلام عليكم
    إذا دخلت بيتك أو خرجت منه، فسلِّم على من فيه من أهلك من ذكر أو أنثى ، بتحية المسلمين وعنوان الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، ولا تَعْدِل عن هذه التحية إلى غيرها من ( صباح الخير) أو (مرحبا) أو نحوِهما، فإن عدولك عنها إلى غيرها إماتة لها، وهي شعار الإسلام وعنوان المسلمين الذي رسمه لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله و فعله، وعلَّمه لخادمه الجليل أنس ، قال أنس رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : " يا بُنيَّ إذا دخلتَ على أهلك فسَلم، يكون بركةً عليك وعلى أهلك " . رواه الترمذي. وقال قتادة أحدُ أعلام التابعين الفضلاء : إذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك فهم أحقُّ من سلَّمتَ عليهم. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن فليسلم، فليست الأولى بأحقَّ من الآخِرَة » . رواه الترمذي.

    3 - أدب الإشعار لأهل الدار عند الدخول عليهم
    إذا دخلت دارك، فأشعر من فيها بدخولك قبل وصولك إليهم،لئلا يرتاعوا بمفاجئتك، أو تكون كالمتخوِّن الفاحِصِ لهم. قال أبو عُبيدة عامر بن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: كان أبي – عبدالله بن مسعود- إذا دخل الدار استأنس-أي أشعر أهلها بما يؤنسهم- وتكلَّم ورفع صوته حتى يستأنسوا.
    وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي إذا دخل-أي رجع- من المسجد الى البيت، يَضْرِبٌ برجله قبل أن يدخل الدار، حتى يسمع ضرب نعله لدخوله الى الدار، وربما تنحنح ، ليعلم من في الدار بدخوله.
    ولهذا جاء في« الصحيحين» عن جابر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم « نهى أن يَطْرُق الرجل أهله ليلاً-أي أن ياتيهم ليلاً من سفر أو غيره على غفلة كأنه-، يتخونهم أو يلتمس عثراتهم».

    4 - أدب استئذان الإنسان على أهله في داخل بيته
    إذا كان بعض أهلك قارَّاً في حجرته من دارك، وأردت الدخول عليه فاستأذن ، لئلا تراه على حال لا يحب أو لا تحب أن تراه عليها، سواءٌ كان من الحلائل أو المحارم او غيرهم كأمك أو أبيك أو بناتك أو أبنائك .
    روى الإمام مالك في « الموطأ»، عن عطاء بن يسار مرسلاً : « أن رجلاً سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقال : أستأذِنُ على أُمي؟ فقال : نعم ، فقال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم:استأذِنْ عليها، فقال الرجل : إني خادمها، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : استأذِنْ عليها، أتحب أن تراها عريانة؟! قال:لا، قال: فاستأذِنْ عليها»
    وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال له : أستأذن على أمي ؟ فقال له : ماعلى كل أحيانها تحب أن تراها . وقالت زينب زوجة عبد الله بن مسعود: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب ، تنحنح كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه . وفي رواية عند ابن ماجه في آخركتاب الطب : "كان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت " . وسأل رجل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال : أستاذن على أمي ؟ قال : نعم ، إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره .

    وقال التابعي ابن الصحابي موسى بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما: دخلت مع أبي على أمي ، فدخل واتبعته ، فالتفت فدفع في صدري حتى أقعدني على الأرض ! وقال : أتدخل بغيرإذن ؟! . وقال نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم -أي مبلغ الرجال - عزله -أي أفرده عن حجرته -فلم يدخل على ابن عمر إلا بإذن .
    وحكى ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سألت ابن عباس رضي الله عنه : أستأذن على أختَيَّ ؟ قال : نعم ، قلت : إنهما في حجري -يعني في بيتي وعهدتي - وأنا أمونهما وأنفق عليهما؟ قال : أتحب أن تراهما عريانتين ؟! ثم قرأ :"وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستاذنوا كما استأذن الذين من قبلهم "، قال ابن عباس : فالإذن – أي الاستئذان - واجب على الناس كلهم .
    وقال ابن مسعود: يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته . وقال جابر رضي الله عنه : يستاذن الرجل ولده وأمه وإن كانت عجوزا ، وأخيه وأخته وأبيه . روى أكثرهذه الاثار البخاري في كتابه "الأدب المفرد" ، وروى بعضها ابن كثير في "تفسيره " عند هذه الآية الكريمة السابقة الذكر.
    5- أدب طرق الباب على من تقصده وكيف يكون . . .
    إذا طرقت باب أخيك أوصديقك أوبعض معارفك ، أوأحد تقصده ، فدق الباب دقا رفيقا يعرفه وجود طارق بالباب ، ولا تدقه بعنف وشدة كدق الظلمة والزبانية فتروعه وتخل بالأدب ، جاءت امرأة إلى الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه ، لتسأله عن شىء من أمور الدين ، ودقت الباب دقا فيه بعض العنف ، فخرج وهو يقول : هذا الشرط - جمع شرطي - .
    وقد كان الصحابة يقرعون باب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأظافر. رواه البخاري في "الأدب المفرد" أدبا منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وهذا الدق اللطيف الرفيق مطلوب فيمن كان جلوسه قريبا من بابه ، وأما من بعد عن الباب فيقرع عليه قرعا يسمعه في مكانه من غيرعنف ، وسبق ذكر الحديث الشريف : "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ". وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : "من يحرم الرفق يحرم الخيركله ". رواه مسلم .
    وينبغي أن تجعل بين الدقتين زمنا غيرقليل ، ليفرغ المتوضىء من وضوئه في مهل ، ولينتهي المصلي من صلاته في مهل ، وليفرغ الآكل من لقمته في مهل . وقدربعض العلماء الانتظار بين الدقتين بمقدار صلاة أربع ركعات ، إذ قد يكون في بدء طرقك الباب قد بدأ بصلاتها.
    وإذا طرقت ثلاث مرات متباعدة، ووقع في نفسك أنه لوكان غير مشغول عنك لخرج إليك، فانصرف فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف ". رواه البخاري ومسلم .

    ولا تقف عند استئذانك أمام فتحة الباب ، ولكن خذ يمنة أويسرة، فقد "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبله من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر" . رواه أبو داود .

    6- سنية إعلام الطارق بنفسه بذكر اسمه لمن يطرق عليهم
    إذا طرقت باب أحد من إخوانك ، فقيل لك:من هذا؟ فقل : فلان باسمك الصريح الذي تعرف به ، تقل : واحد، أوأنا، أو شخص ، فإن هذه الألفاظ لا تفيد السائل من خلف الباب معرفة بالشخص الطارق ، ولا يصح لك أن تعتمد على أن صوتك معروف عند من تطرق عليه، فإن الأصوات تلتبس وتشتبه ، وإن النغمة تشبه النغمة، وليس كل من في الدار التي تطرق بابها يعرف صوتك وحسك ، أويميزه ، والسمع في تمييزه الأصوات يخطىء و يصيب.
    وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم قول الطارق: (أنا)، لأنها لاتفيد شيئا، روى البخاري ومسلم " . جابربن عبد الله رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب ، فقالى : من هذا؟ فقلت :أنا،فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أنا؟! كأنه كرهها".
    ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسمون أنفسهم إذا قيل لهم : من هذا؟ روى البخاري ومسلم "عن أبي ذر رضى الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: من هذا؟ فقلت : أبو ذر". وروى البخاري ومسلم أيضا "عن أم هانىء أخت سيدنا علي وابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت : أتيت النبي صلىالله عليه وسلم وهويغتسل ، وفاطمة تستره ، فقال: من هذه ؟ فقلت : أنا أم هانىء " .

    7- أدب الزيارة بموعد أو بغير موعد في قبول اعتذار صاحب البيت من الزائر عن استقباله
    إذا زرت أحد إخوانك دون موعد، أوعلى موعد سابق منه ، فاعتذر لك عن قبول زيارتك له ، فاعذره، فإنه أدرى بحال بيته وملابسات شأنه ، فقد يكون جد لديه مانع من الموانع الخاصة، أوحصل عنده من الحرج: مالايسمح له باستقبالك وقتئذ، فله أن يعتذر لك تحرج . قال التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي:ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم ، فإن لك حاجات ، ولهم أشغالاً، وإنهم أولى بالعذر.

    وكان الإمام مالك يقول : ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. ولذا كان من أدب السلف عند زيارتهم ، أن يقول الزائر للمزور:(لعله بدا لك مانع ) ، تمهيدا لبسط العذر من المزور فيما لو اعتذر.

    ولأهمية هذا الأدب ، واقتلاع ماقد يعلق ببعض النفوس من جراء الاعتذار، نص الله تعالى عليه في كتابه الكريم ، فقال في معرض الزيارة والاستئذان والدخول : "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هوأزكى لكم ".

    وفي هذا الأدب القرآني العظيم مندوحة عما يقع فيه بعضهم ، حين يحرج بزيارة من لا يرغب بلقائه ، فيضطر إلى الإخبار بعدم وجوده في البيت ، ويكون هو فيه ، فيقع منه الكذب ، ويتعلم صغاره منه ذلك الخلق المكروه أيضا، وقد ينجم عن سلوكه هذا العداوة والإحن في الصدور.

    والهدئ القرآني الكريم جنبنا الوقوع في ذلك كله ، إذ جعل بوسع المزور أن يتلطف بالاعتذار لأخيه ، وطلب من أخيه أن يقبل عذره : "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هوأزكى لكم ".

    8 - أدب الدخول إلى بيت من تزوره بغضك البصرفي دخولك . . .
    عندما تستأذن على بيت غيرك لتدخل إليه، حافظ على بصرك من أن يقع على داخل الدار أوعورة فيها، فإن ذلك عيب وإساءة ، روى أبو داود والطبراني"عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال : جاء رجل فقام على النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن مستقبل الباب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هكذا عنك - يعني نحاه وأمره بالتباعد قليلا عن مواجهة فتحة الباب - ، ثم قال له : فإنما الاستئذان من أجل النظر" .

    وروى البخاري في "الأدب المفرد": "عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرىء أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن ،فإن فعل فقد دخل ". أي إن نظر قبل أن يستأذن ، صار في حكم الداخل بلا استئذان ! وهو محرم عليه .

    وروى البخاري أيضا في "الأدب المفرد" وأبو داود والترمذي "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل البصر فلا إذن له " . وروى البخاري أيضا فيه عن عمار بن سعيد التجيبي قال : قال عمربن الخطاب رضي الله عنه : من ملأ عينه من قاعة بيت - أي ساحته وداخله - قبل أن يؤذن له ،فقد فسق .

    وروى البخاري ومسلم وغيرهما "عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال : اطلع رجل من جحر -أي ثقب أوخرق - في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لوأعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك ! إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".


    9- أدب الدخول لبيتك أو بيت أخيك في خلع الحذاء ولبسه .
    عندما تزور بيت أخيك - أو تدخل بيتك – كن لطيفاً في مدخلك ومخرجك ، غاضا طرفك وصوتك ، واخلع حذاءك في محله ، وصف نعليك أثناء خلعهما، ولاتدعهما هكذا وهكذا، ولاتنس آداب لبس الحذاء وخلعه : تلبس اليمنى أولا، وتخلع اليسرى أولا، قال سيدنا رسول صلى الله صلى الله عليه وسلم : "إذأ انتعل أحدكم فليبدأ بالمين وإذا انتزع فليبدأ بالشمال ، ولتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع " . رواه مسلم وغيره
    وقبل الدخول إلى بيتك أو بيت أخيك انظر في نعليك ، فإذا رأيت فيهما شيئا من آثار الطريق فامطه عنهما، وادلكهما في الأرض لينزاح عنهما ما علق بهما، فإن الإسلام دين النظافة واللطافة .

    10 - أدب الزائر في بيت المزور جلوسا وقبولا لإكرامه

    لا تنازع مضيفك أو أخاك في المكان الذي يجلسك فيه من منزله ، بل لاتجلس إلا حيث يجلسك، فلعلك - إن جلست كما تريد- تجلس إلى مكان فيه إطلال على عورة من عورات الدار، أو فيه إحراج لساكنيها ، فعليك بامتثال ما يأمرك به مضيفك ، واقبل ما يكرمك به أيضاً، ففي خبر إسلام الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه : "أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكرمه بالجلوس على وسادة، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض .
    قال عدي : ثم مضى بي رسول الله صلىالله عليه وسلم ، حتى إذا دخل بيته ، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلي فقال : اجلس على هذه ، قلت : بل أنت فاجلس عليها، قال : بل أنت ، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض ". نقله الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية".
    ودخل خارجة بن زيد على ابن سيرين زائرا له ، فوجد ابن سيرين جالسا على الأرض إلى وسادة، فأراد أن يجلس معه وقال له : قد رضيت لنفسي مارضيت لنفسك ،فقال ابن سيرين : إني لا أرضى لك في بيتي بما أرضى به لنفسي فاجلس حيث تؤمر. ولا تجلس في مكان صاحب المنزل إلا إذا دعاك الى الجلوس فيه ، فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله وسلم : "لا يؤمّن الرجل الرجل في سلطانه –أي منزله ومكان سلطته - ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" رواه مسلم . والتكرمة : الموضع الخاص لجلوس صاحب البيت من فراش أو سرير أو نحوهما .

    11 - أدب التصرف في بيت المضيف ، والبعد عن التفحص فيه
    إذا دخلت بيت أخيك أو صديقك ، وأقعدك فيه ، أوأنامك فيه ، فلا تتفقده ببصرك تفقد الفاحص الممحص ، بل غض بصرك في أثناء قعودك أومنامك فيه، قاصرا نظرك على ما تحتاج إليه فحسب ، ولا تفتح مغلقا من خزانة ، أو صندوق ، أو محفظة ، أو صرة ملفوفة ، أو شىء مستور، فإن هذا خلاف أدب الإسلام والأمانة التي خولك بها أخو ك أو محبك ذخول بيته والمقام عنده ، فاعرف لزيارتك آدابها ، واسلك لحسن المعاشرة أبوابها، تزداد عند مضيفك حبا وأدبا ، والله تعالى يرعاك ويتولاك .

    12 - أدب اختيار الوقت للزيارة ومدتها وأدب الزائر مع المزور
    وينبغي أن تتخير الوقت الملائم للزيارة، وأن تجلس المدة المناسبة التي تتلاقى مع مقامك عند المزور، ومع الحال التي هوعليها، فلا تطل ، ولا تثقل ، ولا تأت في وقت غير ملائم لزيارته ، كوقت الطعام أوالنوم أوالراحة أو ا لسكون .
    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ، في كتابه "الأذكار" في أواخر (باب في مسائل تتفرع على السلام ): "يستحب - للمسلم - استحبابا متاكد ا: زيارة الصالحين، والإخوان، والجيرا ن ، والأصد قاء ، وا لأ قا رب ، وإكرا مهم ، وبرهم ، وصلتهم . وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم ، وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه ، وفي وقت يرتضونه . والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة" .

    13 - أدب الحديث والمحادثة في الزيارة مع الأكبر منك والأصغر
    إذا تحدثت عند من تزوره فلا تتحدث إلا بما يناسب المقام مع الإيجاز، وإذا كنت صغير القوم في المجلس ، فلا تتكلم إلا إجابة عن سؤال يوجه إليك من أحد الجالسين ، أو إلا إذا علمت أن حديثك وكلامك سيقع منهم في موقعه ، ويسرهم ويرضيهم ، ولا تسهب في الحديث ، ولا تغفل عن أدب المقام في هيئة جلوسك وأسلوب كلامك وخطابك .

    14 - أدب التحية على أهل البيت المزور والتأدب مع الأفاضل فيه
    إذا دخلت إلى مجلس فابدأ بالسلام على من فيه جميعا، وإذا أردت المصافحة لمن فيه فابدأ بالأفضل أ والأعلم أو الأتقى أوالأكبر، أونحو هذا من الصفات المكرمة شرعا، ولا تبدأ باول من تراه في أول الصف ولوكان من جهة اليمين إذا كان مفضولا، وتدع الفاضل أو الأفضل ، فإنما يبدأ بصاحب وصف يفضل به الحاضرين فإن لم تعرف فيه أفضلهم ، أوتساووا بالفضل فابدأ بأكبرهم ، فإن هذا لا يخفى شانه غالبا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كبركبر" . وفي رواية: "كبر الكبز في السن "، رواه البخاري ومسلم . و"ابدؤا بالكبراء أو قال بالأكابر" ، رواه أبو يعلى والطبراني في " الأوسط ".

    15 - أدب الجلوس في بيت المضيف مع الزائرين
    إذا دخلت مجلسا فلا تجلس بين جليسين ، ولكن خذ ناحيتهما يمينا أو يسارا ، فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لايجلس بين رجلين إلا بإذنهما". رواه أبو داود .
    ويستحب لمن جلس بين اثنين إذا فسحا له وأكرماه بذلك : ان يجمع نفسه ولا يتربع . قال ابن الأعرابي : قال بعض الحكماء: اثنان ظالمان : رجل أهديت له نصيحة فاتخذها ذنبا! ورجل وسع له في مكان ضيق فقعد متربعا. وإذا جلست إليهما فلا تلق بسمعك إلى حديثهما، إلا إذا كان غير سر ولا خاص بهما، فإن تطلعك إلى ذلك عيب في أخلاقك ، وسيئة ترتكبها، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الانك يوم القيامة" . أي الرصاص المذاب، رواه البخاري وغيره .
    واعلم أنه لا يسوغ لك أن تسارجليسك بحديث اذا كنتم ثلاثة، فإنك بهذا توقع على ثالثكما إيحاشا وانقطاعا عنكما، فتمر بذهنه الخواطر البعيدة والقريبة ، وهذا غيرلئق بالمسلمين ، ولهذا نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلق عن المسلمين نفيا فقال : "لايتناجى اثنان بينهما ثالث "، رواه الإمام مالك وأبوداود . ولم يقل : (لا يتناج) بصيغة النهي ، وإنما قال : (لا يتناجى) بصيغة النفي والخبر، إيذانا منه بأن هذا الخطأ غير متصور أوغير لائق أن يقع من المسلم حتى ينهى عنه ، لأنه خطأ يدرك بالفطرة. وهذاالحديث رواه مالك وأبوداود عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه ، وقد سئل ابن عمر فقيل له : فإذا كانوا أربعة؟ قال لا يضرك ، أي لا بأس حينئذ بالمسارة والمناجاة .

    16 - أدب المسلم مع الكبير في مماشاته ومحادثته وسائر معاملته

    اعرف للكبير قدره وحقه ، فإذا ماشيته فسرعن يمينه متأخرا عنه بعض الشيء وإذا دخلت أوخرجت فقدمه عليك في الدخول والخروج ، وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام ، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك ، واستمع إليه بإصغاء وإجلال ، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدب وسكينة ولطف ، وغض من صوتك في حديثك إليه ، وإذا خاطبته أوناديته فلاتنس تكريمه في الخطاب والنداء.
    وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تدعو إلى هذا الأدب : جاء أخوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليحدثاه بحادثة وقعت لهما، وكان أحدهما أكبر من أخيه ، فاراد أن يتكلم الصغير، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "كبر كبر". -أي أعط الكبير حقه ، ودع لأخيك الأكبر الكلام - . رواه البخاري ومسلم .
    وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسى منا من لم يجل كبيرنا، -وفي رواية: ليس منا من لم يوقركبيرنا - ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه ". رواه الإمام أحمد والحاكم والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه .

    17 - أدب الصحبة بين المتقاربين في السن والعلم
    واستمع إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الشباب آداب الصحبة والاجتماع ، وتقديم الكبير على الصغير، قال الصحابي الجليل مالك بن الحويرث رضي الله عنه : "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون -أي شباب متقاربون في السن - ، فاقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا، فظن أننا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عن من تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه ، فقال : ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم ، وعلموهم ومروهم ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ". رواه البخاري ومسلم .
    وحكى الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، في ترجمة الفقيه (أبي الحسن علي بن مبارك الكرخي ) المتوفى سنة 487 ، وقد تتلمذ على الإمام الفقيه القاضي أبي يعلى الحنبلي شيخ الحنابلة في عصره رحمة الله تعالى عليهما، قال : قال لي القاضي أبويعلى يوما - وأنا أمشي معه - : إذا مشيت مع من تعظمه ، أين تمشي منه ؟ قلت : لا ادري ، قال : عن يمينه ، تقيمه مقام الإمام في الصلاة، وتخلي له الجانب الأيسر، فإذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى، جعله في الجانب ا لأيسر .

    18 - أدب تقديم الضيافة، والبدء فيها بالأكبر أوالأعلم ثم من على يمينه
    قدم الكبير وذا الفضل في الضيافة والتكريم ،فابدأ به قبل غيره ، ثم من على يمينه في المجلس ، عملا واتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليل ذلك
    -إضافة إلى الحديثين السابقين : "كبركبر"، و"ليس منا ه لم يوقر كبيرنا"- أحادث كثيرة جدا ، وإليك جملة منها:
    روى مسئم في "صحيحه "في (باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما) : "عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا إذا دعينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى طعام ، لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده ".
    وقد عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى، في كتابه "رياض الصالحين "بابا خاصا في هذا الموضوع وأورد فيه طائفة كبيرة من الأحاديث ، أقتصر هنا على ذكر أكثرها، وعنونه بقوله : "باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ، ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم:
    قال الله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ إنما يتذكر أولو الألباب" .
    عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة،فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا". رواه مسلم .
    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ". رواه مسلم .
    وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر، ثم يقول : أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه فى اللحد. رواه البخاري .
    وعن ابن عمررضي الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : أراني في المنام أتسوك بسواك ، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الاخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي :كبر ، فدفعته إلى الأكبر منهما . رواه مسلم .
    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط رواه أبو داود وهو حديث حسن .
    وعن ميمون بن أبي شبيب رحمه الله تعالى، أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل ، فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة، فأقعدته فأكل ، فقيل لها في ذلك ؟ فقالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزلوا الناس منازلهم . - رواه أبو داود والحاكم في "معرفة علوم الحديث " وقال : هوحديث صحيح .
    وعن أبي سعيد سمرة بن خندب رضي الله عنه قال : لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما، فكنت أحفظ عنه ، فما يمنعني من القول إلا أن ها هنا رجالا هم أسن مني . رواه البخاري ومسلم . انتهى ما أورده الإمام النووي باختصار.
    فالسنة البدء بالأكبر أو الأفضل أو الأعلم . . . أي عند وجود شخص يتمميز عن سائر الحاضرين بمزية كبرالسن - مثلا - ، أو زيادة العلم ، أو نباهة الذكر، أو شرف النسب النبوي ، أو شرف الإمامة والقيادة ، أو شرف الجهاد في سبيل الله تعالى، أو شرف الكرم والجود في أبواب الخير، وأشباه هذا ، فالسنة في الضيافة والتكريم البدء به ثم بمن على يمينه أيا كان ، جمعا بين النصوص الداعية إلى البدء باليمين، والنصوص القائلة: "كبر كبر"، و"ليس منا من لم يوقر كبيرنا . . . "، و"ابدؤا بالأكابر"، وغيرها من الأحاديث تقدمت .
    وزعم بعض الناس غلطا وضعف فهم للنصوص وتنزيلها منازلها: أن السنة البدء بمن كان في أول اليمين للمضيف أيا كان ، استنادا إلى أحاديث البدء باليمين .وهذا يشرع حينما يكون الحاضرون متساوين متقاربين في الخصال أو الفضائل والسن ، فيبدأ بأول من في يمين المضيف ، أما اذا تساووا فيها وتميز أحدهم ولو بكبر السن مثلا، فيبدأ به ، لأنه وصف فيه فضيلة فيرجح بها على سواه ، فيبدأ به قبل غيره.
    قال الإمام ابن رشد رحمه الله تعالى، في كتابه الحافل الجليل "البيان والتحصيل ": "إذا استوت أحوال المجتمعين أوتقاربت ، كانت البداية باليمين مما يستحئي مكارم الأخلاق" ، لما في ذلك من ترك إظهار ترفيع بعضهم على بعض بالتبدئة به -أي البدء به - .

    وأما إذا كان فيهم العالم وذو الفضل والسن ، فالسنة في ذلك أن يبدأ به حيثما كان من المجلس ، ثم يناول هومن كان على يمينه ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أتي بلبن قد شيب -أي مزج - بماء، وعن يمينه أعرابي ، ، وعن يساره أبوبكر، فشربه ثم أعطاه الأعرابي وقال : في الأيمن فالأيمن .
    ولا يعطي الذي على يساره وإن كان أحق بالتبدئة من الذي على يمينه ، لعلمه وخيره وسنه ، إلا بعد أن يستأذنه في ذلك ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أتي بشراب فشرب منه ، وعن يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، ء فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال : لا والله يا رسول الله ، لا أؤثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده -أي وضعه في يد الغلام بقوة وعزم إشارة وإيذانامنه إلى أنه حقه -". انتهى .

    فالبدء باليمين مطلقا مشروع إذا لم يكن هناك وصف فاضل يقتضي التقديم لصاحبه على من سواه كما ذكرت قريبا، أما عند وجود وصف اعتبره الشارع الحنيف مزية وشرفاً وفضيلة، فالبدء بأفضل من اتصف به هو المطلوب بلا ريب.
    وعلى حد القول المزعوم : سيبدأ المضيف بمن كان في أول جهة يمينه ، ولوكان أصغر الأولاد والأطفال ، أو صدر المجلس ، أو سائقا- وقد يكون غيرمسلم- أو مرافقا لوجه القوم ، أورأس العشيرة، أوتاج المجلس :العالم الجليل ، أو الأمير النبيل ، أو الجد أو الوالد أو العم الفضيل، فهل يسوغ في فقه الإسلام وأدبه : أن يترك هؤلاء العلية من القوم من البدء بضيافتهم وتكريمهم ، ويبدأ بالطفل أو الخادم أوالسائق ، ثم بمن بعده من أمثاله أوأعلى منه قليلا؟ ! وقد يكون عدد الذين على اليمين قبل كبير القوم وأفضلهم عشرة أوأكثر، فلا ينتهي المضيف إلى وجيه المجلس وصدره إلا بعد عشرة أشخاص أوعشرين شخصا!
    حاشا فقه الإسلام وأدبه أن يسوغ هذا الإخلال بالأدب والتجمل الفطري . أما في حال طلب السقيا من صغير أومفضول أونحوه ، فقد صار هو صاحب الحق بإجابته والبدء به لطلبه ، ثم بمن على يمينه بعده ، ولوكان أصغر القوم وأقلهم شأنا، وإذا لحظ -عند تقديم ما طلبه إليه من الماء أوسواه - أن من هو أكبر منه أوأفضل ، له توجه إلى ما قدم إليه ، فآثره بالبدء به ، رعاية للأدب الإسلامي في الإيثار، فذاك فضل كبير قد حازه ، زاد به عطرا ، وارتفع به قدرا وأحرز به أجرا .

    19 - أدب المسلم مع أبويه في الخطاب ورفع الصوت والمشي . . .
    راع الأدب مع أبيك وأمك أتم المراعاة ، فإنهما أحق الناس منك بذلك ، "جاء رجل إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم فقال : يارسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة مني ؟ قال : أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم أبوك ، ثم أدناك أدناك " . رواه البخاري ومسلم .
    وحدث هشام بن عروة عن أبيه أن أبا هريرة رضي الله عنه رأى رجلا يمشي بين يدي رجل ، فقال له : ما هذا منك ؟ قال : أبي ، قال : فلا تمش بين يديه ، ولاتجلس حتى يجلس ، ولا تدعه باسمه . رواه البخاري في "الأدب المفرد" ،وعبد الرزاق في "مصنفه " واللفظ له (1) .
    وحكى ابن وهب أن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري تلميذ الإمام مالك بن أنس ، المولود 132 ، والمتوفى سنة 191 ، رحمه الله تعالى: "أنه كان عليه "الموطأ" إذ قام قياما طويلا ثم جلس ، فقيل له ذلك ، فقال : نزلت أمي تسأل حاجة، فقامت وقمت لقيامها، فلما صعدت جلست ".

    وقال التابعي الجليل طاووس بن كيسان : إن من السنة أن يوقر أربعة :
    العالم ، وذو الشيبة، والسلطان والوالد، وإن من الجفاء أن يدعو الرجل أباه باسمه .

    20- أدب بر الوالدين وذكر وجوب برهما وأنه فرض
    قال الحافظ الإمام ابن عبد البر رحمه الله في آخر كتابه "الكافي " في فقه السادة المالكية " وبر الوالدين فرض لازم ، وهو أمر يسير على من يسره الله له . وبرهما: خفض الجناح ، ولين الكلام ، وألا ينظر إليهما إلا بعين المحبة والإجلال ، ولا يعلو عليهما في مقال ، إلا أن يريد إسماعهما، ويبسط أيديهما في نعمته ، ولا يستأثر عليهما في مطعمه ولا مشربه .
    ولا يتقدم أحد أباه إذا مشى معه ، ولا يتقدمه في القول في مجلسه ، فيما يعلم أنه أولى به منه . ويتوقى سخطهما بجهده ، يسعى في مسرتهما بمبلغ طاقته .
    وإدخال الفرح عليهما من أفضل أعمال البر. وعليه أن يسرع إجابتهما إذا دعواه ، أو أحدهما، فإن كان في الصلاة النافلة خففها وتجاوز فيها، وأسرع إجابتهما . ولا يقل لهما إلا قولا كريما .
    وحق عليهما أن يعيناه على برهما بلين جانبهما، وإرفاقه بذات أيديهما، فما وصل العباد إلى طاعة الله ، وأداء فرائضه إلا بعونه لهم على ذلك ".
    21 - أدب استقبال القادم من سفر، وأدب القادم نفسه مظهراً وتكريماً
    إذا خرجت لاستقبال والد أو قريب معظم أو صديق مماثل ، أو رفيق دونك ، أو قدمت من سفر عليهم فلاحظ نظافة أطرافك ، وحسن هيأتك ، وانتظام مظهرك اللائق بك إن كان هو دونك ، واللائق به إن كان هو فوقك فإن العين تسر بالطلعة الجميلة المتناسقة، والصورة المنسجمة، والنظافة المتكاملة . وحذار أن تتوانى في بعض مظاهرك ، فإن ذلك ينقص من لذاذة فرحة اللقاء، ويقلص من استيفاء العين حقها ممن تحب وتعز. وإلى هذا المعنى يرشد الهدي النبوي الكريم وقول الرسول الأمي العظيم صلوات الله عليه وسلامه : "إنكم قادمون على إخوانكم فاحسنوا لباسكم ، وأصلحوا رحالكم - مظهر دوابكم ومراكبكم - ، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس ، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش " . رواه أبودآود والإمام والحاكم كما تقدم .
    وإذا كان بإمكانك اصطحاب شىء من الهدية، للقادم عليهم ، أو القادمين عليك ، بمقابل هديتهم ، فافعل ،فإن العين تتطلع إلى الطرفة في بهجة اللقاء، وتتوقع إمتاع النفس وغمر الشعور بالسرور الظاهر والباطن ، والهدية تفعل ذلك ، وإليه يرشد قوله صلى اللة عليه وسلم : "تهادوا تحابوا" . رواه البخاري في "الأدب المفرد" ، وعرف من حال السلف أنهم كانوا يصطحبون معهم هدية إلى من يقدمون عليه ولو عودا من أراك.

    22 - أدب المضيف مع ضيوفه في الطعام والشراب والوضوء. . .
    إذا نزل بك ضيف فاعرف آداب ضيافته ،وارع حق إكرامه ، ولا أعني بهذا أن تغالي في طعامه وشرابه ، تم فالسنة الاعتدال في مثل هذا، والإكرام من غير سرف مطلوب ، وإنما أعني : أن تحسن مجلسه ومقيله ومبيته ، وتعرفه ، القبلة في منزلك ، وتدله على موضع الطهارة والوضوء، وما يتصل بهذا وذاك.
    وإذا قدمت له منديلا للتنشيف من ماء الوضوء أو من غسل اليدين بعد الطعام أوقبله ، فليكن نظيفا غير ما تستعمله أنت وأولادك ، ولا بأسأن تقرب إليه الطيب ليتطيب منه ، والمرآة ليتجمل بالنظر إليها. ولتكن وسائل الطهارة التي يستعملها نظيفة، وقبل دخوله الحمام غيب ما فيها مما لا يحسن أن تقع عليه عين الضيف والغريب .
    وارع راحته في أثناء النوم والاستراحة عندك ، فجنبه ضجيج الأولاد وصخب البيت ما استطعت ، وباعدعن نظره ملابس النساء ومايتصل بحالهن ، فإن ذلك من الحشمة المطلوبة، وهو أكرم لك وله ، وتجمل له في غير تكلف ، وقم في خدمته بذوق وتقدير، ولاتتخذ من حسن الصحبة والألفة بينكما مسوغا للتساهل والتبذل معه ،فقد كان السلف إذا تزاوروا تجملوا . كما رواه البخاري "الأدب المفرد" .
    وإذا نزلت ضيفا على صديق أو قريب ، فكن لطيف الظل ، خفيف الزحمة والإثقال عليه ، وراع ظروفه وأوقات عمله ، وأوجز ما استطعت من وقت ضيافتك عنده ،فإن لكل إنسان ارتباطات وواجبات ومسؤوليات ظاهرة وغير ظاهره ، فارفق بمضيفك ، وكن مساعدا له على القيام بشؤن نفسه وإنجاز أعماله وأداء واجباته . وعند وجودك في بيته لاتطلق بصرك فيه فاحصا منقبا، وخاصة إذا عرضت مناسبة فدعاك إلى غير الغرفة المعدة للضيوف ، فاقصر بصرك فيها، فقد يكون فيها ما لا يحسن أن تراه ، ولا تكن فضوليا في أسئلتك .

    23- أدب المسلم في أداء حق أخيه المريض بعيادته ، وثوابها ، وأنها من حق الإسلام عليه
    من حق أخيك المسلم إذا مرض أن تعوده ،ففي ذلك تعهد وسقيا لشجرة الأخوة والرابطة الإسلامية، وفي ذلك أيضا أجر جزيل لك لا يفرط به الحريص على زيادة حسناته ، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم ، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ، قيل يا رسول الله ، وما خرفة الجنة؟ قال : جناها". رواه مسلم وغيره . وقال أيضا: "من عاد مريضا لم يزله يخوض في الرحمة حتى يجلس ، فإذا جلس اغتمس فيها". آ رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه.

    24 - أدب المسلم في أثناء عيادة المريض زمناً ولباساً وتحدثاً
    عندما تزور المريض لا تنس أن لزيارته آدابا، تطلب من زائره ، حتى تكون الزيارة منعشة له ، رافعة من معنويته، معينة على تخفيف آلامه ، زائدة في صبره واحته ا لأجر.
    فينبغي لعائد المريض أن لا يطيل الجلوس عنده ، لأن له من الحالات المرضية الخاصة ما لا يسمح بإطالة الجلوس عنده ، فعيادة المريض كجلسة الخطيب . يعنون جلسة إلخطيب يوم الجمعة بين الخطبتين في قصرها وخفتها،وقد قيل في هذا أيضا:
    أدب العيادة أن تكون مسلما وتكون في أثر السلام فودء
    وقيل أيضا :
    حسن العيادة يوئم بين يومين واقعد قليلا كمثل اللحظ بالر
    لاتبرمن عليلافي مساءلة يكفيك من ذاك تسأله بحرف
    يعني قول العائد للعليل : كيف أنت ؟ شفاك الله .
    قال الحافظ الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى،في آخر كتابه "الكافي " في فقه السادة المالكية: "ومن زار صحيحا، أو عاد مريضا، فليجلس حيث يأمره ، فالمرء أعلم بعورة منزله . وعيادة المريض سنة مؤكدة، وأفضل العيادة أخفها . ولا يطيل العائذ الجلوس عند العليل ، إلا أن يكون صديقا يأنس به،ويسره ذلك منه ".

    25 - أدب المسلم في عيادة المريض لباساً ونظافةً وتحدثاً وبعداً عن المكدرات
    وينبغي لعائد المريض أن يكون نقي الثوب ،-طيب الرائحة طيب نظافة، لتنشرح نفسه وتنتعش صحته ، ولا يحسن أن يدخل إليه بملابس الزينة والأفراح ، كما لا يحسن أن يكون متطيبا بطيب شديد الرائحة، فقد يزعج المريض ويؤذيه ، لضعف تحمله ووهن قوته .
    وينبغي للعائد أن لا يخبر المريض أويتحدث عنده بما يغمه ، من خبر تجارة خسرت له فيها سبب أو صلة، أوذكر ميت ، أوخبر رديء لمريض ، أو نحو ذلك مما يكدر المريض أو يحزنه أو يؤثر على صحته أو شعوره .
    ولا ينبغي للعائد أن يستخبر عن مرض المريض استخبار متقص ، فإن ذلك التقصي من العائد لاينفع المريض إلا أن يكون طبيبا له اختصاص بمرضه ، ولا ينبغي للعائد أن يشيرعلى المريض بدواء ولا بغذاء قد كان نفعه هو، أوسمع بأنه نافع ، فإن ذلك ربما حمل المريض - بجهله أو لشدة ما به - أن يستعمله ، فيضر به ويفسد على الطبيب عمله ، وربما كان ذلك سببا لهلاك المريض .
    ولا ينبغي للعائد أن يعارض الطبيب بحضرة المريض ، إذا لم يكن من أهل العلم والاختصاص ، فيوقع للمريض الشك فيما وصفه الطبيب.

    26- أدب المسلم إذا اضطر للإخبار عن شيء مكروه كموت عزيز
    إذا اضطررت إلى الإخبار عن أمر مكروه ، أو وقوع حادث مفجع ، أو وفاة قريب أوعزيز على صاحبك أوقريبك ، أوما شابه ذلك ، فيحسن بك أن تلطف وقع ألخبرعلى من تخبره به ، وتمهد له تمهيدا يخفف نزول المصاب عليه ، فتقول فيمن تخبرعن وفاته مثلا: بلغني أن فلانا كان مريضا مرضا شديدا ، وزادت حاله شدة ، وسمعت أنه توفي رحمه الله تعالى .
    ولا تخبرعن وفاة ميت بنحوما يقوله بعضهم : أتدري من توفي اليوم ؟! أوبقولك : توفي اليوم فلان . . . ، بل ينبغي أن تبدأ باسم الذي تخبرعن وفاته قبل ذكر وفاته ، لأن من تخبره بذلك حين تسأله أيدري من توفي اليوم ؟ أوتقول له : توفي اليوم . . . ، يتبادر فورا إلى ذهنه المروعات الشداد، فيقدر أن الوفاة وقعت بأقرب الناس إليه من مريض أوكبير أوشاب ، فيتروع بهذه الصيغة منك في السؤال أو الإخبار أشد الترويع ، ولوقلت له : فلان . . . توفي اليوم ، فبدأت باسم من تخبرعن وفاته ، لخف الوقع عليه ، ! وانتفى الترويع ، وبقي أصل الخبر المحزن أو المكروه .
    وكذلك ينبغي أن تراعي صيغة الإخبار عن الحريق أوالغريق أوالحادث . . . ، فمهد له بالتمهيد الذي يخفف شدة وقعه على النفس ، واذكر اسم المصاب به متلطفا، ولا تصك سمع صاحبك أوقريبك أومجالسيك بالخبر المفجع صكا، فإن بعض القلوب يكون تحملها ضعيفا، فربما تأذَّى بالخبر المفجع أشد الأذى، وربما يصعق بعض الأفراد بذلك، أويغمى عليه ،أو يصاب بسمعه أو بصره، فتلطف بالإخبار عن المفجعات أذا اضطررت إلى ذلك .
    وتحين الوقت الملائم لإخباره إذا كان هناك داع لإخبار، فلا تخبره بذلك وهو على طعام ، أوقبل النوم أو في حالة مرض أو استفزاز، أو نحو ذلك من الأحوال، والحكمة والكياسة في هذا المقام من أفضل ما تتحلى به ،والله يتولاك ويرعاك .

    27 - أدب المسلم في أداء حق التعزية بوفاة أحد معارفه ، وآدابها وأثرها
    إذا أصيب قريب لك أو عزيز عليك بموت أحد من أسرته ، أومن يلوذ به أويعز عليه ، فلا تنس تعزيته بمصابه ، ولا تبطىء بها، وأظهر له المشاركة في أساه وحزنه فإن ذلك من حق القرابة والصداقة والإسلام ، وإن أمكنك تشييع الميت إلى مثواه الأخير فافعل ، فإن لك بذلك أجرا كبيرا ، وموعظة بالغة صامتة، ودرسا يعرفك ويذكرك بالمصير المحتوم لكل مخلوق :
    وكانت في حياتك لي عظات فأنت اليوم أوعظ منك حيا
    قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز.. . " ، رواه البخاري ومسلم . وقال صلى الله عليه وسلم : "عودوا المرضى ، واتبعوا الجنائز تذكركم الاخرة" ، رواه الإمام أحمد .

    28 - أدب التعزية والمواساة والدعاء للميت بالرحمة والغفران
    عند تعزيتك ومواساتك أخاك أوقريبك أوأحد معارفك بمصابه ، يستحب أن تدعو لأخيك الميت ، بمثل ما دعا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة رضي الله عنه حين توفي وعزى به أهله :
    "اللهم اغفر لأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين ، واخلفه في عقبه في الغابرين –أي كن له خليفة في ذريته الباقين من أسرته - ، واغفر لنا وله يا رب العالمين ، وآفسح له في قبره ، ونور له فيه ". رواه مسلم .
    ويحسن أن يكون حديثك مع المعزى فيما يتصل بتخفيف وقع المصيبة، بذكر أجرها وأجر الصبر عليها،وأن الحياة الدنيا فانية منقضية، وأن الآخرة هي داز القرار. ويحسن ذكر بعض الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة المذكرة بذلك ، وذكر بعض الكلمات البليغة لبعض السلف ، فتذكر مثل قول الله لعالى:"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجغون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك المهتدون". ومثل قوله سبحانه :"كل نفس ذائقة وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلأ متاع الغرور". و مثل قوله تعالى:"كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" .
    وتذكر مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها" . رواه مسلم وغيره ، ومثل قوله عليه الصلاة والسلام : "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". رواه البخاري ومسلم . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في توديعه لابنه إبراهيم عليه السلام حين توفي : "إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " . رواه البخاري ومسلم .
    ومن المناسب أن تذكر من أقوال السلف في شأن التعزية وتهوين وقع المصاب ، أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول : كل يوم يقال : مات فلان وفلان ، ولا بد من يوم يقال فيه : مات عمر.
    وتذكر قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن رجلا ليس بينه وبين أبيه آدم أب حي لعريق في الموت. وقول التابعى الجليل الحسن البصري رحمه الله تعالى : يا ابن آدم ، إنما أنت أيام ، كلما ذهب يوم ذهب بعضك . وقوله أيضا: إن الثه لم يجعل للمؤمنين راحة دون الجنة . وقول مالك بن دينار تلميذ الحسن البصري رحمهما الله تعالى : عرس المتقين يوم القيامة . قال الشاعر:
    وإنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
    ومن لطيف الشعر الذي قيل في حال التعزية قول ا لقائل :
    إنا نعزيك لا أنا على ثقة من الحياة ولكن سنة الدين
    فما المعزى بباق بعد ميته ولا المعزي وإن عاشا إلى حين
    ومن لطيف ما يناسب المقام قول القائل :
    نموت ونحيا كل يوم وليلة ولابد من يوم نموت ولا نحيا

    وقول آخر وقد صور الحياة والغفلة عن نهايتها صورة صادقة :
    وإنا لفي الدنيا كركب سفينة نظن وقوفا والزمان بنا يجري !
    ودعاني إلى ذكر هذه الأقوال الكريمة من الايات والأحاديث وما بعدها، التي يلائم التحدث بها في حال التعزية، أني شاهدت بعض الأفراد يتناولون في خلال التعزية للمصاب بفقد قريب أو حبيب : أحاديث ناشزة عن الحال التى عليها المعزى المكلوم القلب ، مما ئستثقل ظله وتنفر منه الطبيعة الحزينة، وهذا خلاف الذوق والأدب في الإسلام .

    29 - أدب المجالسة والمحادثة في خفض الصوت ، وموضوع الحديث ، وخطاب المتحدث إليه
    ومن أدب المجالسة أنك إذا حادثت ضيفك أوأحدا من الناس ، فليكن صوتك لطيفا خفيضا، وليكن جهرك بالكلام على قدر الحاجة، فإن الجهر الزائد عن الحاجة يخل بأدب المتحدث ، ويدل على قلة الاحترام للمتحدث إليه . وهذا الأدب تنبغي مراعاته مع الصديق والمثيل ، ومع من تعرفه ومن لا تعرفه ، ومع الأصغرمنك والأكبر، وتزداد مراعاته تأكيدا مع الوالدين أومن في مقامهما، ومع من تعظمه من الناس الأفاضل والأكابر وإليك بعض النصوص التي تدعو إلى ذلك :
    ففي القرآن الكريم في وصية لقمان الحكيم رضي الله عنه لابنه :"واغضض من صوتك". أي : اخفض منه ولا ترفعه عاليا إذا حادثت الناس ، فإن الجهر الزائد بالصوت منكروقبيح .
    وفي "صحيح البخاري "قال عبد الله بن الزبير، بعد أن نزلت آية :"ياأيها الذين آمنوا لا ترفعواصواتكم فوق صوت النبي ، ولاتجهروا له بالقول كجهر به لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لاتشعرون . إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين إمتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم": كان عمربن الخطاب - بعد نزول هذه الاية - إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ، حدثه كأخي السرار -أي كالمناجي المتحدث بسر-، لم يسمعه حتى يستفهمه ، يخفض صوته ويبالغ حتى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه ".
    وحكى الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: في ترجمة الإمام محمد ابن سيرين أحد التابعين والأئمة الأجلة الفقهاء: "قال بكاربن محمد عن عبدالله بن عون : إن محمد بن سيرين ، كان -إذا كان عند أمه - لورآه رجل لا يعرفه : ظن أن به مرضا من خفض كلامه عندها".
    وحكى الحافظ الإمام الذهبي أيضا، في ترجمة (عبد الله بن عون البصري ) تلميذ الإمام ابن سيرين وأحد الأئمة الأعلام : "أن أمه نادته ، فعلا صوته صوتها، فخاف فأعتق رقبتين " .
    وقال عاصم بن بهدلة الكوفي المقرىء صاحب القراءة المعروفة: دخلت على عمربن عبد العزيز، فتكلم عنده فرفع صوته ، فقال عمر: مه ، كف ، بحسب الرجل من الكلام ما أسمع أخاه أوجليسه .

    30- أدب المجالسة مع الجليس بالإصغاء لحديثه ولو كنت تعرفه
    ومن أدب المجالسة أيضا: أنك إذا حدثك جليسك بحديث ظنك لم تعرفه -وكنت تعرفه -، فلا تخجله بإظهار معرفتك له ، ولا تداخله فيه ، وأبد له اهتمامك وإصغاءك . قال التابعي الجليل الإمام عطاء أبي رباح : إن الشاب ليحدثني بحديث ، فأستمع له كأني لم أسمعه ، ولقد سمعته قبل أن يولد.
    وقال خالد بن صفوان التميمي جليس الخليفة عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك : إذا رأيت محدثا يحدث حديثا قد سمعته ، أو يخبربخبرقد علمته ، فلا تشاركه فيه ، حرصا على أن يعلم من حضرك أنك قد علمته ، فإن ذلك خفة منك ، وسوء أدب . وقال الإمام الجليل عبد الله بن وهب القرشي المصري ، صاحب الإمام مالك والليث بن سعد والثوري وغيرهم : إني لأسمع من الرجل الحديث قد سمعته قبل أن يجتمع أبواه -يعني : قبل ولادته ووجوده - فأنصت له كأني لم أسمعه .
    وقال إبراهيم بن الجنيد: قال حكيم لابنه : تعلم خسن الاستماع ، كما تتعلم حسن الكلام ، فإن حسن الاستماع إمهالك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه ، وإقبالك بالوجه والنظر عليه ، وترك المشاركة له في حديث أنت تعرفه .
    وأنشد الحافظ الخطيب البغدادي في هذا المقام :
    ولا تشارك في الحديث أهله وإن عرفت فرعه وأصله.

    31- أدب المجالسة في الاستفسار عما يشكل عليك أوتناقش فيه ، ومتى تناقش ؟ وحسن المناقشة في التعلم
    ومن أدب المجالسة أيضا: أنك إذا أشكل عليك شيء من حديث محدثك ، فاصبرعليه حتى ينتهي من الحديث ، ثم استفهم منه بأدب ولطف وتمهيد حسن
    للاستفهام ، ولا تقطع عليه كلامه أثناء الحديث ، فإن ذلك يخل بأدب الاستماع ، ويحرك في النفس الكراهة، إلا إذا المجلس مجلس دراسة وتعلم ، فإن له حينئذ شأنا آخرويحسن فيه السؤال والمناقشة عند تمام الجملة أو المعنى الذي يشرحه المعلم ، وينبغي أن تكون المناقشة فيه بأدب وكياسة قال الخليفة المأمون : العلم على المناقشة، أثبت منه على المتا بعة .

    وقال الهيثم بن عدي أحد العلماء الأدباء المؤرخين وجليس الخليفة أبي جعفر المنصور والمهدي والهادي والرشيد: قالت الحكماء:من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه ، والاعتراض فيه لقطع حديثه .
    32 - أدب المجالسة في السؤال والجواب من غيرك لك ومنك له
    32 - ومن أدب المجالسة أيضا : إذا سئل جليسك عن شىء ، أن لا تبادر أنت إلى الإجابة عنه ، بل ينبغي أن لا تقول فيه شيئا حتى تسأل عنه ، فإن ذلك أحفظ لأدبك ، وأنبل لشخصك ، وأرفع لحديثك ومقامك .
    حكى التابعي الجليل مجاهد بن جبر، قال : قال لقمان لابنه : إياك إذا سئل غيرك أن تكون أنت المجيب ، كانك أصبت غنيمة، أوظفرت بعطية، فإنك إن فعلت ذلك ، أزريت بالمسؤول ، وعنفت السائل ، ودللت السفهاء على سفاهة حلمك ، وسوء أدبك .
    قال الشيخ ابن بطة المحدث الفقيه الحنبلي : كنت عند الإمام أبي عمر الزاهد ، - الحافظ العلامة اللغوي محمد بن عبد الواحد البغدادي الملقب : غلام ثعلب - فسئل عن مسالة، فبادرت أنا فاجبت السائل ، فالتفت إلي أبوعمر الزاهد فقال لي : تعرف الفضوليات المنتقبات ؟ ! يعني : أنت فضولي ، فأخجلني !.

    33- كلمة للأخوات المسلمات في أدب أوقات الزيارة ومجالسهن ومحادثتهن وما ينبغي أن يتحدثن به
    وكلمة وجيزة إلى الأخت المسلمة والعزيزة المؤمنة : إذا أردت زيارة أهلك أوبعض صديقاتك المؤمنات ، فراعي اختيار اليوم والوقت الملائم للزيارة بدءاً وانتهاء ، فهناك أوقات تحسن فيها الزيارة، وأوقات لا تحسن فيها الزيارة حتى بين الأهل والأصدقاء .
    وليكن شأنك في الزيارة شأن الظل اللطيف الخفيف إلمحبب ، لا إثقال ولا إملال ، ولا فضول ولا تطويل ، ،وإنما هي زيارة صلة وسقيا صداقة أوقرابة، فتحب الصلة إذا كانت قصيرة لطيفة، وتستثقل إذا كانت طويلة مملة، وتنتقل فيها الأحاديث والمسامرة من الغالي للرخيص ، قال التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري : إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب .
    وليكن حديثك في زيارتك -كله أوجله - فيما ينفع أويفيد، بعيدا عن الغيبة والنميمة واللغو والهراء، فما يتسع إلوقت عند المسلمة العاقلة لذلك .

    34- أدب الدخول على مكان فيه نيام في بيتك أو بيت أخيك
    إذا دخلت مكانا فيه نيام - بالليل أو النهار- فراعهم ، وتلطف في حركتك وصوتك عندهم ، ولا تكن ثقيلا في ضجيجك أودخولك أوخروجك ، بل كن رفيقا لطيفا، فقد سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من يحرم الرفق يحرم الخيركله ". وقال المقداد بن الأسود الصحابي الجليل رضي الله عنه : "كنا نرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن ، فيجيء من الليل ، فيسلم تسليما لا يوقظ النائم ، ويسمع اليقظان " . رواه مسلم والترمذي . وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجد بالليل ، قرأ بصوت يؤنس اليقظان ، ولا يوقظ الوسنان.

    35 - أدب حضور عقد النكاح والتهنئة به
    إذا دعيت إلى عقد نكاح أوفرح زواج فاشهده ، فإن شهوده من السنة الكريمة، مالم يكن فيه محرمات شرعية ، فإن الشرع الإسلامي الحنيف اعتد بالزواج من العبادات والطاعات ، ولذا استحب إنشاء العقد في المسجد، كما نص الفقهاء على هذا، وفي الحديث الشريف : "أعلنوا هذا النكاح ، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف " ، رواه الترمذي وابن ماجه .
    ويؤيده حديث : "أعلنوا النكاح " ، رواه الإمام أحمد والحاكم وغيرهما، وحديث : "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف فى النكاح " رواه أحمد والترمذي والنسائي وا بن ماجه .
    فرخص النبي صلى الله عليه وسلم في عقد النكاح بضرب الدف ، للنساء بلا خلاف وللرجال أيضا على الأصح عند بعض العلماء ، شهرا للزواج وإعلاما به ، وإشاعة لمعرفته بين الناس من أقارب وأباعد، وللشرع مقاصد عليا من هذا الإعلان ، ومنها التفرقة بين القران الخبيث الحرام والزواج الطاهر الحلال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح " كما تقدم. قال العلماء : المراد بالصوت : إعلان النكاح وألذكر في الناس واضطراب الأصوات فيه كالزغردة للنساء والترديد للرجال بالأهازيج.
    ففي حضورك للعقد تحقيق للإعلان المطلوب ، وزيادة تثبيت للشهادة على الزواج ، ومشاركة لأخيك المؤمن -أو لأختك المؤمنة - في العمل الصالح ، الذي أحرز فيه كل منهما شطردينه - فليتق الله في الشطر الآخر- ، وتكريم للزوج والزوجة بابتهاج الأقارب والأصدقاء الصالحين بزواجهما، وبدعائهم لهما بالصلاح والفلاح واليمن والتوفيق ، وهذا من حقوق الأخوة الإسلامية بين المسلمين .
    !ذا دعيت إلى ذلك فلتكن نيتك في الإجابة أنك تشهد دعوة خير مباركة، وحفلة سرور مشروع ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحضورها ، وراع المعاني التي تقدمت الإشارة إليها، وخذ زينتك المشروعة لهذا اللقاء الطيب الكريم ، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا تزاوروا تجملوا، وليكن الحديث منك إذا ابتدأته أوشاركت فيه مما ينسجم مع المناسبة والابتهاج بها، ولا تتحدث بما يحزن الحاضرين أو تمجه النفوس والأسماع ، فالمؤمن كيس فطن.
    ويستحب لك التهنئة لمن تهنئه من الزوجين بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : "بارك الله لك ،وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير"، رواه أبوداود والترمذي وصححه ابن ماجه والحاكم . ولا تهنئه بالقول الذي يهنىء به بعض الناس : (بالرفاء والبنين )، فإنه من تهنئة أهل الجاهلية، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وأغنانا الله تعالى عنه بدعاء الرسول الكريم الذي علمناه كما تقدم ، ومن الدعاء المسنون أيضا: "بارك الله لكم ، وبارك عليكم " ، رواه النسائي وابن ماجه . وعن عائشة رضي عنها: "تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتتني فأدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت ، فقلن على الخير والبركة، وعلى خير طائر" -أي على خيرحظ ونصيب - رواه البخاري .
    وسمح الشرع الحنيف للنساء أن يغنين في العرس بالغناء المباح ، وينشدن مع الضرب بالدف : الاشعار أو الأقوال الحسنة، مما لا تغزل فيه بالحب والجمال ، والخدود والقدود والفجور، فيقلن قولأ نظيفا لطيفا فيه إظهار الفرح والسرور بالزواج الميمون ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : "زفت امرأ ة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلىالله عليه وسلم : يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار - أي أهل المدينة - يعجبهم اللهو" ، رواه البخاري . ويعني باللهو: الغناء والضرب بالدف .
    قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " عقب هذا الحديث : "في رواية شريك -أحد رواة الحديث - عند الطبراني في "الأوسط " عن عائشة أيضا: فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني ؟ قلت : تقول : ماذا؟ قال : تقول :
    أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم
    ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
    ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم
    فعلى مثل هذه المعاني اللطيفة النظيفة يكون الغناء من النساء، أما أغاني الحب والغرام والمعاني الخليعة فمحظورة محرمة .

    خاتمة
    هذه طائفة من آداب الإسلام ،وهي آداب آبائك وأجدادك ، قدمتها لك بعبارة واضحة مفهومة، لتعمل بها وتسيرعليها، وخيرميدان للعمل بها هو بيتك وبيت أخيك وشخصك وشخص أخيك ، فلا تتساهل في القيام بها فيما بينك وبين إخوانك ، زاعما أنه لا كلفة بين الأهل والإخوان، فأحق الناس بالبر واللطف منك أهلك وأصحابك . فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة مني ؟ قال:" أمك ثم أمك ثم أمك ، ثم أبوك ، ثم أدناك أدناك" أي الأقرب فالأقرب . رواه البخاري ومسلم كما تقدم . فحذار أيها الأخ أن تتساهل مع أحق الناس بحسن الصحبة منك ، وتتكايس -أي تتظارف - مع غير فإنك إن فعلت ذلك غبنت نفسك ، وظلمت الحق الذي عليك ، وجانبت هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستعن بالله على مرضاته وآداب شريعته ، وهو الذي يتولى الصالحين .

    تولاَّك الله في نفسك وذويك ومحبيك ، وأعانك على امتثال أمره وطاعته ، واتِّباع نبيه وصدق محبته ، بمنه وكرمه ، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين .
    وكتبه لك راجي دعواتك
    عبد الفتاح أبو غدة
     

مشاركة هذه الصفحة