المرأة في سدة الحكم

الكاتب : الطالب   المشاهدات : 606   الردود : 0    ‏2002-10-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-19
  1. الطالب

    الطالب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-12-09
    المشاركات:
    2,162
    الإعجاب :
    0
    من المجتمع الأمومي إلى هزيمة الأنثى

    إنها إشكالية السلطة والمرأة، واحدة من أقدم أشكال الصراع بين الرجل والمرأة حول من يفرض السيطرة ويشكل صورة المجتمع، وقد تشكل هذا الصراع وفق علاقات الإنتاج داخل المجتمع وأثر هذا بدوره على القيم الجنسية السائدة بين الطرفين.

    ويميل علماء الأنثروبولوجيا إلى اعتبار أن العالم بدأ مع مرحلة السيادة (الأمومية) عندما كانت الأرض مشاعا وكان الرجل يرحل إلى الصيد أياما طويلة، تكون المرأة فيها مطالبة بالمحافظة على الكهف وما فيه من أطفال ومتاع، ويقال إنه في هذه الفترة أيضا استطاعت المرأة أن تخترع اللغة من خلال تفاعلها الاجتماعي المستمر مع غيرها من النساء الوحيدات، وإذا كانت وظيفة الرجل وهو في مكمنه لساعات طويلة يترقب الفريسة تحتم عليه أن يصمت تماما وأن يكتفي فقط بتبادل الإشارات والإيماءات مع أقرانه، فإن المرأة قد قضت الجزء الأكبر من وقتها في الثرثرة وتسمية الأشياء بأسمائها، وبذلك أكسبت العالم طابعها الخاص وزادت نسبة الأسماء المؤنثة كثيرا على الأسماء المذكرة وكان الأولاد ينسبون لها عادة. . وقد أكدت الأبحاث العلمية هذا الأمر عندما أثبتت أن المرأة تستخدم كل مخها عند الحديث بينما تقتصر مراكز الكلام عند الرجل على الجانب الأيسر.

    ولكن هذه السيطرة لم تدم وبدأت الهزيمة الطويلة للأنثى مع اكتشاف البرونز، فقد أعطى هذا السلاح للرجل قوة إضافية لقوته العضلية، وبواسطة هذا السلاح استطاع أن يغزو الأقوام الأضعف منه، ويستأثر بالأراضي الواسعة ومناطق الصيد الغنية، وأكدت هذه الهزيمة ظهور الملكية الخاصة وتحولت المرأة إلى كائن مستلب، تخضع مثل بقية الممتلكات لسلطة الأب - الإله الحاكم، وبعد أن كانت الديانات القديمة تنصب من الآلهة ذكورا وإناثا، وتمجد الخصب واستمرار دورة الحياة أدى ظهور الطبقات إلى أن بدأت الشعائر الدينية في التركيز على الموت والدمار وتأثيم العلاقة بين الرجل والمرأة والتفرقة بين العقل والجسد.

    ورغم أن تاريخ مصر القديمة شاهد مولد ملكتين بارزتين، وهي نسبة ضئيلة في تاريخ مترامي القدم، يبلغ عمره حوالي 5 آلاف عام، فإن عهود هاتين الملكتين كانت مليئة بالفتن والاضطرابات، فقد قتلت حتشبسوت على يد أخيها تحتمس الثالث، وذاقت نفرتيتي السم على يد كهنة آمون بعد أن ثارت على دياناتهم.

    وقد تأثرت الفلسفة بذلك التراث من السيطرة الأبوية، وانتقل التجسيد الآسيوي للمرأة كإنسان مدحور ومستلب إلى الفكر الغربي، وبرز واضحا في فلسفة أرسطو الذي جرد المرأة من كل دور يمكن أن تقوم به حتى دورها في عملية التناسل وبقاء النوع حين وصفها بأنها مجرد وعاء سلبي يحتوي حياة الكائن المنوي الذي يجود به الذكر، وقد كان أرسطو هو المنظر الكلاسيكي لسلطة السيادة الأبوية حين وضع المرأة مع العبيد في مرتبة واحدة بالنسبة للرجل.

    الفصل بين الروح والجسد

    ومع ذلك يبدو موقف أرسطو هينا ومعقولا بعض الشيء أمام الموقف المتزمت والقاسي الذي وقفه فيلسوف إغريقي آخر هو فيثاغورث الذي ميز بين الأدوار المختلفة التي تقوم بها المخلوقات، فهناك مبدأ الخير الذي خلق النظام والرجل، ومبدأ الشر الذي خلق الفوضى والمرأة.

    وهكذا سادت في المجتمعات الإغريقية والرومانية من بعدها نظرية الفصل بين العقل والجسد، العقل بما يمثل من سمو الفكر والروح، والجسد بما تطغى عليه من نزعات وشهوات وغرائز، وقد اعتبر الرجل رمزا للعقل والحكمة وقوة الإرادة التي تستحق التمجيد، بينما اعتبرت المرأة ممثلة للجسد الذي يتبع أهواءه ولا تستحق سوى التحقير، وبدأت شعائرية الطقوس في التحول التدريجي من احترام المرأة إلى الهروب الصوفي منها.

    وقد أضفت الديانة المسيحية في العصور الوسطى شرعية دينية على هذه النظرة الأبوية البدائية وأكد الفيلسوف توماس الإكويني أن الرجل قد خلق لكل الأنشطة النبيلة مثل الفكر والحكم، وأن المرأة لا تعدو أن تكون وسيلة للتناسل، بل إنه نزع منها حتى مهمة تعليم الأبناء لأنها غير مؤهلة لذلك بخلاف الرجل الذي يملك القوة والسيطرة والحكمة اللازمة للتعليم.

    ولم تخل المجتمعات العربية قبل الإسلام من هذه النظرة، ورغم ظهور عدة ملكات في التاريخ العربي القديم مثل بلقيس والملكة خلدا والزباء ملكة تدمر، إلا أن عملية وأد البنات التي كانت تمارس في الجاهلية الأولى لم تكن تنشد الخلاص فقط من متاعب الأنثى والعار الذي سوف تجلبه عندما تكبر، ولكن كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على الثروة حتى تورث للذكر وحده دون أن تبددها الأنثى عندما تتزوج من غرباء.. لقلة عقلها!.

    ومن جهة أخرى فقد كانت المرأة تتمتع بقسط وافر من الحرية في الجاهلية فقد كان له مالها الخاص الذي تتاجر به، بل ويحق لها أن تطلق زوجها حين تدير له فقط باب خيمتها كي تعبر له عن أنها لا تريده، وأن عليه أن يستدير إلى خيمة أخرى، ورغم ما أعطاه الإسلام من حقوق للمرأة فإن منظر المرأة الملكة كان مشهدا عبثيا ومثيرا لسخرية الآخرين، وعندما تولت شجرة الدر حكم مصر بعث إليهم الخليفة العباسي يقول لهم إنهم إذا كان قد عدموا الرجال فإنه يسعده أن يرسل لهم رجالا من عنده يتولون الحكم.

    وفي إنجلترا التي حكمتها الملكات طويلا فإن مأساة الملك لير الحقيقية أنه لم ينجب ولدا ذكرا يرث كل شيء، وحين قسم لير المملكة بين بناته الثلاث وقعت الحروب بين البنات وأزواج البنات وأغرق غياب الحاكم الذكر البلاد في بحار من الدم.

    هرمونات مسالمة وأخرى عدوانية

    إنه تاريخ طويل من الإبعاد والاستئثار بالسلطة المطلقة داخل البيت وخارجه، على العقل والروح والجسد معا، وقد صنع هذا تاريخا معقدا من الفعل ورده، يمكن أن يوصف في عقدة "اللا استحقاق" التي تترسب في أعماق المرأة والتي قاست طويلا من الكبح المستمر بحيث أفقدها إرادتها وأصبحت تستمرئ العذاب والإخضاع القسري، وتغلف هذه القسوة الداخلية التي تحسها تجاه الرجل بمزيج من الغيرة والاستعلاء.. والثأر في بعض الأحيان.

    ولكن.. ما الذي يقوله العلم في هذا الشأن؟!.. ما هي حصيلة التحليل النهائي للفروق بين الجنسين، هل يؤثر التكوين الداخلي وإفراز الهرمونات وحجم المخ على الدور الذي يقوم به كل جنس بحيث يعطي القيادة للرجل، والتبعية والانصياع للمرأة؟.

    وسط الحقائق العلمية القليلة عن الفروق والاستعدادات بين الجنسين هناك كثير من الهراء غير العلمي بصورة متحيزة، فقد كانت كل الأبحاث في القرن التاسع عشر تميل إلى أن مخ المرأة هو أقل حجما من مخ الرجل، وبالتالي فإن الوظائف التي يقوم بها أقل في العدد والكفاءة، وبناء على ذلك فإنه الأقدر على تسيير أمور الفكر والسياسة وشئون الدولة المعقدة، بينما لا يتيح مخ المرأة لها سوى فرصة الاهتمام بشئون المنزل وتربية الأطفال.

    لقد تهاوت نظرية حجم عضو أو أعضاء بعينها بطبيعة الحال مع تقدم الأبحاث البيولوجية عندما اكتشف العلماء أن حجم مخ الفيل أكبر من حجم مخي الرجل والمرأة معا، ومع ذلك فهو أقل منهما ذكاء.

    وفي الستينيات أكد علماء البيولوجيا الاجتماعية أنه لا يوجد أي فروق حقيقية بين الجنسين، وأن كل ما في الأمر هو نوع من الانتخاب الاجتماعي تم عبر ملايين السنين أرغمت فيه المرأة على أن تربض بجوار النار بينما يسعى الرجل حاملا رمحه في أعماق الغابات ويبدو أن هذا التراث "الجيني" مازال يفرض قانونه الأزلي، ويعلي من قدر البيئة والتنشئة على عوامل البيولوجيا.

    ولكن من المؤكد علميا أن هناك فرقا بين الجنسين، ومن المؤكد أن الاختلافات الهرمونية عند الرجل تجعله أكثر نزوعا إلى العنف واستخدام القتال، ويتمثل ذلك في ازدياد نسبة هرمون (التسترون) الذي يجعل الذكر عدوانيا، بينما يميل هرمون (البرجسترون) إلى جعل المرأة أقرب إلى الدعة وأداء الأعمال النمطية، ولكن هذا ليس نمطا ثابتا، فالمخ قابل للتغير، والعادات تتبدل بتبدل بيئتها أولا، ولأنها ثانيا تدخل في نوع من الدورات اليومية والشهرية تتزايد فيها نسب هذه الهرمونات وتقل في الدوران داخل الدم.

    إن بعض العلماء ينتقدون سلوك المرأة وخاصة في فترة ما قبل الطمث عندما تتزايد هرمونات (البرجسترون) في جسدها، وينعكس هذا على تصرفاتها بحيث تقف بها أحيانا على حافة الجنون وتصبح غير مسئولة عن أعمالها، ويعللون ذلك بعدم قدرتها على القيادة واتخاذ القرار في هذا الوقت بالذات، ولكن بالمقابل اكتشف العلماء أن هرمون (التسترون) في جسم الرجل له دورة يومية فهو يصل إلى أدنى مستوياته في المساء ويزداد مع ساعات الصباح الأولى، وتقول الدكتورة جين راينيش أخصائية الغدد الصماء في معهد ماكيفري بالولايات المتحدة: "إذا ما قال العلماء إنه لا يمكن الثقة بالنساء بسبب دورة الطمث الشهرية فإن الرجال لهم أيضا دورة يومية، لذلك أحرى بنا ألا نسمح لهم بالتفاوض لعقد معاهدات السلام إلا في المساء فقط، عندما يقل مستوى هرمون التسترون ويكونون بذلك أقل عدوانية". وبغض النظر عن قوانين البيولوجيا الصارمة فإن علاقة الرجل بالسلطة وتنازعها مع المرأة هو ميراث ثقافي مثقل ومتعدد الألوان، ميراث من الحصار والإحباط والكبت مارسه الرجل ضدها بحيث أرغمها على كبت مواهبها وقدرتها على ممارسة السلطة، وبذلك فإن جزءا من طبيعة المشكلة يكمن في تسلط الذكر الذي ينزع إلى تفضيل الأنثى التي تمنحه هذا الإحساس بالقوة والذكاء.

    ولكن القرن العشرين - وخاصة نهايته - يمثل التجربة العلمية التي تجعل هذا النمط من التفكير على وشك الاختفاء فالمرأة تحكم ولم تعد تحتل وزارات هامشية كما لا يزال يحدث حتى الآن في عالمنا العربي، ولكنها تحكم وهي على رأس السلطة وبشكل مباشر في بلاد تحتوي على كتل كبيرة من البشر، وفي بلاد ذات ثقل سياسي كبير وبلاد تحكمها تقاليد إسلامية صارمة أو شرقية وآسيوية.

    الرغبة في الانتقام

    من الغريب أن تأتي ثورة النساء الحاكمات من داخل آسيا التي كانت تتهم بأنها منبع "النمط الآسيوي" في الإنتاج الذي يتم فيه استلاب المرأة، ووضع أقدامها داخل قوالب الحديد ووضع عقولها تحت تسلط المفاهيم الشديدة الانغلاق، فما هي قصة النساء الحاكمات في آسيا، وعلى رأسهن السيدة التي عادت إلى الحكم حديثا بي نظير بوتو، هل تحركها الرغبة الملحة في إثبات تفوق جنسها، وقدرته على قيادة هذا العدد الضخم من الذكور، أم أنها تسعى بدافع أنثوي محض إلى الانتقام؟.

    "إذا قتلت يوما فإنني سوف أستمر في الحكم حتى وأنا في القبر.."

    كانت هذه نبوءة الزعيم الباكستاني ذوالفقار علي بوتو وهو ينتظر حكم الإعدام، كان الصراع بينه وبين الجنرال ضياء الحق قد وصل إلى تناقض لا يحله سوى الموت، وكانت ابنته بي نظير البالغة من العمر وقتها ستة وعشرين ربيعا تزوره للمرة الأخيرة يوم 3 أبريل عام 1979، وتستمع إليه وتدرك أنه يحملها كلمات لن تقدر حبال المشنقة على محوها.

    هكذا بدأت الفتاة الصغيرة التي ولدت عام 1953 وتلقت تعليمها في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية رحلة الانتقام لمقتل والدها، وهي بذلك تتبع واحدا من المبادئ التي أصبحت ثابتة وأساسية في تلك المنطقة المزدحمة بالسكان والمشاكل والصراعات، والتي تسمى جنوب آسيا، وهي نفس المنطقة التي شهدت أكبر مجموعة من النساء العاملات في حقل السياسة، وسط ظروف غاية في التخلف تجعل الرجل في حالة شبه عبودية، فما بالك بعبدة العبد. هكذا صعدت كوكبة من النساء تحركهن رغبة الانتقام المريرة في مواجهة الذين تسببوا في فقدهن لآبائهن أو أزواجهن أو أقاربهن، وبالنسبة لحالة بي نظير بوتو فإن رغبة الانتقام عندها لم تخفت حتى بعد أن مات عدوها الأول ضياء الحق في حادث طائرة، وظهر لها عدو جديد هو نواز شريف رئيس الوزراء الأسبق الذي زج بزوجها زار داري في السجن.

    هل كانت الجماهير تكفر عن إحساسها بعقدة الذنب حين عادت بي نظير إلى بلادها كي تجد اللافتات الباكية في استقبالها وهي تعلن "سامحينا لأننا بقينا صامتين عندما قتل أبوك". . أم أن ذلك الإرث السياسي الثقيل كان يحتم عليها أن تواصل هذه المسيرة الصعبة وأن تتغلب على فشلها الأول وموت الحلم كي تعيد إرادة التغيير من جديد؟.

    في كتابها "ابنة الشرق" الذي روت فيه بي نظير بوتو رحلة عشرة أعوام من عمرها منذ اعتقال والدها عام 1977 إلى زواجها عام 1987 تبدو تلك المرأة النحيلة الطويلة القامة ذات الإرادة الحديدية، أرستقراطية ومثقفة وتملك حسا شعبيا أيضا، يطلق عليها أنصارها لقب "بي.بي" تمثلا بممثلة السينما الفرنسية بريجيت باردو بسبب بشرتها الوردية، ورغم أنها تعلمت في أمريكا وبريطانيا إلا أنها بدأت حياتها السياسية بالاشتراك في مظاهرات سياسية تندد بحرب فيتنام، وتحلم بأن تمثل دورا شبيها بدور أنديرا غاندي في الهند، وعندما سئلت عن سبب دخولها معترك السياسة قالت: "الشعب يعتبرني شقيقة له، ويعاملني على قدم المساواة، ويعرف أن والدي شهيد وزوجي سجن ظلما، وواجبي أن أكافح ضد الظلم واللا عدل الذي حاق بي وبأسرتي".

    إنه الإحساس القوي بالأسرة والعائلة، وهذا هو سر قوة النساء في آسيا، فالإحساس بدرجة المواجهة ضد القسوة والوحشية يمنحهن أسبابا إضافية للقوة، كان هذا واضحا أيضا في قطبي الحكم في بلد مسلم آخر هو بنغلاديش، وبقدر ما ظهر واضحا في المرأة التي تمسك بدفة الحكم، بدا بنفس الصورة في المرأة التي تعارض أيضا، فالذي دفع البيجوم خالدة ضياء إلى تحدي الرجال في عالم السياسة كان اغتيال زوجها الرئيس السابق ضياء الرحمن في انقلاب مضاد، كذا فإن زعيمة المعارضة الشيخة حسينا واجد لا تزال تحمل ذكرى والدها مجيب الرحمن مؤسس بنغلاديش والذي قتل على أيدي ضباط صغار قاموا بانقلاب ضده، وقد قامت معارضة السيدة أساسا ضد حكم العفو الذي صدر بحق قتلة والدها.

    ويمتد هذا التراث الآسيوي للدفاع عن العائلة والأسرة والانتقام من العنف الموجه لها إلى سريلانكا التي تحاول فيها هيما أرملة الرئيس بريما داسا الانتقام من الذين فجروا موكبه بقنبلة موقوتة، وإلى الهند حيث تحاول مينا زوجة أحد ابني أنديرا غاندي النهوض بعد موت زوجها سنجاي الابن الأصغر في حادث طائرة، إلى بورما حيث لا تفارق مخيلة زعيمة المعارضة أونج سان سو كاي الفائزة بجائزة نوبل للسلام ذكرى والدها الجنرال أونج سان الذي كان زعيما وطنيا معارضا وتم اغتياله على يد السلطات في بورما عام 1947.

    الإرث العثماني

    وتعطينا تركيا نموذجا آخر للمرأة التي صعدت إلى سلم الحكم، إنها تانسو تشيلر رئيسة الوزراء التركية التي ما زالت تثير جدلا شديدا على المستوى الأنثوي المحض، وعلى المستوى السياسي أيضا، فقد أثار جمال السيدة تانسو الواضح جدلا كبيرا في تركيا عندما أعلن المخرج السينمائي سنان تشتيين أنها أجمل امرأة في تركيا، بل إنها أجمل من ممثلة تركيا الأولى هوليا إفشار، فوجهها جميل ومعبر وابتسامتها ساحرة وإدراكها للأمور صائب ودقيق، من هنا فإن جمال السيدة تشيلر طبيعي وأخاذ.

    ومن ناحية أخرى تثير سياستها بالتوجه إلى أوربا، ومحاولة لعب دور متميز في آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي جدلا واضحا، ويمكن القول بشكل أو بآخر إن صعود السيدة تانسو هو ثمرة التعددية والانفتاح اللذين أخذت بهما تركيا بشكل متقطع منذ ثورة أتاتورك، ولكن الوضع اختلف أخيرا وأصبح هناك مد أصولي يعم تركيا، وتواصلت أصداء المتشددين داخلها بالإضافة إلى الدور الذي تحاول أن تلعبه تركيا وسط الجمهوريات السوفييتية الإسلامية باسم الإسلام.

    إن أستاذة العلوم السياسية السابقة والمتخرجة هي أيضا من الجامعات الأمريكية تواجه إرث الإمبراطورية العثمانية العريق، فهي تحاول أن تواجه واقعا اقتصاديا أخذ في التراجع بعد أن بلغ نسبة كبيرة جدا من النمو، وتواجه مشاكل حادة مع جيرانها الأوربيين وخاصة مع ألمانيا التي بلغ عدد الأتراك العاملين بها حوالي 1,8 مليون عامل مهددين بالطرد، والنزعات العنصرية، وبالصراع مع روسيا حول النفوذ في منطقة القوقاز، وهو نفس السبب الذي يدفعها إلى صراع وتنافس مع إيران أيضا، وهناك خلاف آخر بينها وبين جيرانها العرب في الجنوب حول حصة كل طرف في مياه نهر الفرات بالإضافة إلى خلافاتها التقليدية والمستمرة مع اليونان حول جزيرة قبرص، أضف إلى كل ذلك القنبلة المتفجرة في داخل تركيا نفسها والتي يطلق عليها (حزب العمل الكردستاني) الذي يسبب صداعا مستمرا ويهدد الاستقرار السياسي. وهي تقترب الآن من حافة الصدام الخطرة مع العسكريين.

    هل يمكن للزعيمة الجميلة ذات السبعة والأربعين عاما أن تحل كل هذه المشاكل، إنها مثقفة، تتبع الأسلوب الغربي في النظر إلى الأمور، ومن خلال عملها في الجامعة وآرائها السياسية خسرت - كما تقول استطلاعات الرأي - تأييد 15% من الشعب التركي يتبعون التيارات الأصولية المتشددة، ولكنها لا تبالي بذلك "إنها تسير بسرعة، وتتحدث بسرعة، وتأخذ قراراتها بسرعة أيضا، وهذا ما يخالف النمط التركي في تقرير الأمور" على حد تعبير أحد العاملين معها.

    ورغم هذه النظرة الغربية فهي لا تملك إلا أن تكن احتراما عميقا للقيم الإسلامية التي تحكم مجتمعها، والمشكلة الملحة الآن هي كيف توفق بين متطلبات التحديث السريع والحفاظ على توازن المجتمع التركي.

    ثلاث نساء و300 مليون مسلم

    هكذا تصبح أمامنا خريطة إسلامية جديدة في مجال الحكم، ثلاث نساء يحكمن حوالي 300 مليون مسلم وسط مد أصولي يدعو بشكل مباشر أو غير مباشر إلى عودة المرأة إلى المنزل وإلغاء بعض من حقوقها الاجتماعية، فما بالك بالسياسية؟!

    إن فوز هاته النساء الثلاث هو الرد الطبيعي على ادعاءات الإعلام الغربي حول نظرة المجتمعات الإسلامية المختلفة للمرأة والقول بأنها تميل إلى قهرها وإبقائها خلف الحجاب، فإذا كان هذا الرأي يمثل وجهة نظر بعض المجموعات فإنه لا يمثل رأي التيار العام الذي حمل هاته النساء إلى قمة السلطة.

    وهذا هو جزء من سحر الديمقراطية، فحين يتوافر جزء معقول منها تستطيع الجماهير أن تتحرك وأن تصل إلى الاختيارات الصائبة، ولاختارت الجماهير أكثر العناصر اعتدالا، ولم تخضع لوهم التسلط الجنسي، وبحثت عن البرنامج السياسي الذي يقدم حلولا واقعية لمشاكلها بغض النظر عمن يقف وراءه.

    وهو أيضا جزء من مرونة الإسلام العظيم الذي يتيح للمرأة إذا توافرت لها القدرات العقلية والإمكانات العلمية أن تعلو وأن تتحمل المسئولية في مواجهة كل الفتاوى القاصرة والمتحفظة.

    وهو أيضا جزء من تيارات الانفتاح التي تعم العالم الآن، والتي هبت بريحها على العالم الإسلامي فأصابت ثلاثاً من أكبر الدول بها ومازالت تتسع، وأكدت على حقوق الإنسان، ومن ضمنها حقوق المرأة سواء كانت روحية أو اجتماعية أو سياسية.

    إن ريح الانفتاح تهب في كل مكان، وقد مست حتى مياهنا الدافئة ففي بلادنا وزيرا لحقوق الانسان وسفيرنا لدى هولندا إمراة كما لدينا اعضاء بالبرلمان لكن هذا لا يكفي فهي لم تحصل على اقل القليل من حقوقها في الحكم
    وتبقى هذه الظاهرة التي أهداها العالم الإسلامي إلى العالم دليلا على حيوية الإسلام وتفتحه وتقبله لكل تيارات العالم المعاصرة.
     

مشاركة هذه الصفحة