ما هو تفسير قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه...)؟

الكاتب : عاشق النور   المشاهدات : 476   الردود : 0    ‏2007-06-23
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-23
  1. عاشق النور

    عاشق النور عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-03-24
    المشاركات:
    349
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    ما هو تفسير قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه...)؟


    ننقل متن الآية أوَّلاً بتمامها:

    (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [سور الفتح : 29]


    ومعنى الآية:

    محمد رسول الله، والذين معه على دينه أشداء على الكفار، رحماء فيما بينهم، تراهم ركعًا سُجَّدًا لله في صلاتهم، يرجون ربهم أن يتفضل عليهم، ويرضى عنهم، علامة طاعتهم لله ظاهرة في وجوههم من أثر السجود والعبادة، هذه صفتهم في التوراة. وصفتهم في الإنجيل كصفة زرع أخرج ساقه وفرعه، ثم تكاثرت فروعه بعد ذلك، وشدت الزرع، فقوي واستوى قائمًا على سيقانه جميلا منظره، وهذا المجتمع الإيماني يعجب الزُّرَّاع؛ ويغيظ الكفار، وقد وعد الله الذين آمنوا منهم بالله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، مغفرة لذنوبهم، وثوابًا جزيلا لا ينقطع، وهو الجنة.


    مُلاحظات:

    1 ـ الآية تتحدث عن ذلك المجتمع الإيماني إجمالاً، أي ككُلّ، وليست بصدد الشهادة لآحاد ذلك المجتمع بالجنة، وهذا كقولنا: إنَّ طلاب هذه المدرسة أثبتوا تفوقهم على سائر المدارس، فهذا التعبير لا يعني بالضرورة أننا نريد أن نشهد أن كل واحد من طلاب هذه المدرسة متصف بالتفوق، إذ ما أصدرناه من وصف إنما ينطبق على المدرسة ككُل، بينما إذا أخذنا العديد من الطلاب من هذه المدرسة، يظهر لنا أن هناك متميزين يفوقون هؤلاء من المدارس الأخرى.. ويؤكِّد هذا الفهم (أي أن الحديث إجمالي) ما يأتي في النقاط التالية.

    2 ـ حين جاء دور الوعد الإلهي بالجنة والرضوان، تمَّ تحديد ذلك في إطار (الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ) ، و (من) هنا تبعيضية، يعني أنَّ الله تعالى يقول ذلك المجتمع الإيماني أفراده ليسوا جميعاً مؤمنين ومن أهل الصالحات بالضرورة، والمبشرون بالمغفرة والرضوان هم خصوص من آمن وعمل الصالحات منهم.. نتساءل: فكيف مدحهم ذلك المديح العظيم، ثم الآن يقول: المُبشَّر هو الصالح منهم؟!
    الجواب: ذلك المديح كان للمجتمع ككل، ولم يكن للآحاد، فحين جاء دور الحديث عن الأجر والمغفرة، كان الأولى: الكلام عن الآحاد، لماذا؟ من أجل أن لا يقع أحدٌ من المسلمين في شبهة أنَّ جميع أفراد ذلك المجتمع مؤمنون صالحون من أهل الجنة..
    وهنا ندرك دقة التعبير القرآني، فحين كان الكلام عن المجتمع إجمالاً، ناسب أن يكون التعبير بـ المعية، وعندما أصبح الكلام عن الأفراد، ناسب أن يأتي بـ من التبعيضية، ليدلنا بذلك أن الكلام على مستوى الكليات ليس كالكلام على مستوى التفاصيل..

    3 ـ لقد ثبت أنَّ في ذلك المجتمع مجموعة من المنافقين لم يتم الإعلان عن أسمائهم بصورة تجعلنا نميز جميع المؤمنين عن جميع المنافقين، وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نحكم على ذلك المجتمع المسلم بالإيمان على مستوى جميع أفراده؛ إذ ما لم نُحدِّد المنافقين، لا يسعنا أن نُحدِّد جميع المؤمنين.. وبناءً عليه: يكون تفسير المعية بالمعية اللقائية يستلزم الحكم على العديد من المنافقين بالإيمان، ولمَّا كان هذا غير صحيح، لزم القول بكون الآية ليست بصدد الحكم التفصيلي، أي بما يشمل جميع الأفراد، بل الحكم الإجمالي حسب التوضيح المتقدِّم..

    4 ـ ومن الأدلة القطعية التي لا تسمح بحمل المعية على المعنى التفصيلي الذي يعني أن جميع من معه من أفراد هم متصفون بهذه الصفة: التاريخ الذي يتفق على روايته المسلمون جميعاً.. فهناك العديد من المخالفات التي ارتكبت من قبل أفراد معيَّنين في ذلك المجتمع المتصف بمعية رسول الله صلى الله عليه وآله، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

    ( 1 ) ثبوت أنَّ بعضهم كان يبغض الإمام عليًّا عليه السلام، بالرغم من أن بغضه من علامات المنافق كما في الحديث الصحيح.

    ( 2 ) ثبوت أنَّ بعضهم كان يسب الإمام عليًّا عليه السلام، بالرغم من أنَّ سبَّه سبٌّ للنبي كما في الحديث الصحيح، وسب النبي كفرٌ بالإجماع.

    ( 3 ) ثبوت أنَّ الكثير منهم حارب الإمام عليًّا، بالرغم من أنه جاء في الحديث الصحيح: اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وغير ذلك من الأدلة.

    ( 4 ) ثبوت أنَّ بعضهم باشر قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه، مع أنه جاء في الحديث الصحيح: قاتل عمار وسالبُه في النار.

    ( 5 ) ثبوت أن بعضهم بقي يشرب الخمر بعد تحريمها.

    ( 6 ) لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن مجموعة كبيرة منهم سوف يؤخذون يوم القيامة إلى النار، ولا ينجو منهم إلا القليل، والسبب هو أنهم يحدثون بعد النبي أموراً يستحقون بسببها ذلك.

    ( 7 ) إنَّ بعضهم كان قد ارتدَّ عن الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فمنهم مَن رجع، ومنهم مَن لم يرجع، بل منهم من كان يرتد في زمن النبي، وبعضهم كان يوشك أن يرتد..

    6 ـ إنَّ كون الكفر يغتاظون من هذا المجتمع ، هو بالنظر إلى مجموعهم ، أي بالنظرة الإجمالية التي تم توضيحها ، وليس معنى هذا أنَّ الكفار يبغضون آحاد هذا المجتمع بتمام أفراده..

    7 ـ الآية فيها دلالة على أن من يبغض ذلك المجتمع بمجموعه (ككُل) فهو قد اعتمد موقفاً من مواقف الكفار، ولكن هذا ليس كافياً لإثبات أنه كافر، فهذا يُشبه علامات المنافق، فإن من علاماته الكذب، وهذا لا يعني أن كل من ارتكب كذباً فقد أصبح من المنافقين، بل يقال: هذا فيه صفة من صفات المنافقين، وهكذا الكلام بالنسبة إلى دلالة هذه الآية، فالذي يبغض مجتمع الصحابة ككُل، هذا قد اعتمد موقفاً من مواقف الكفار، وهو شيء مذموم، ولكن هذا لا يعني أنه أصبح كافراً.

    8 ـ بعض المسلمين يعتقد ـ في ضوء أدلته التي يعتمدها ـ أن مجتمع الصحابة لم يكن جميع أفراده متصفاً بالصلاح، بل كان فيهم مَن يعادي أولياء الله، وبناء عليه فهم يبغضون هذا النوع من الصحابة، وهؤلاء لا ينطبق عليهم أنهم اتصفوا بصفة من صفات الكفار؛ لأنَّهم لم يبغضوا مُجتمع الصحابة ككُل، كما أنهم لم يبغضوا إلا الأفراد الذين يعتقدون أنهم لم يتصفوا بالإيمان والصلاح.

    9 ـ على أنَّ الدلالة التي تم بيانها وتحديد حدودها أعلاه، هي مبنية على أنَّ (لِيغيظَ) بمعنى أنَّ الله جعلهم بهذه الصفة في الواقع ليؤدي ذلك إلى أن يُبغضهم الكفار.. إلاّ أن هناك تفسيراً آخر اعتمده بعض المفسرين، كما في تفسير الجلالين، وهو أنَّ (لِيغيظَ) ترتبط بعملية الوصف التي جرت في التوراة والإنجيل، بمعنى أنَّ الله اعتمد هذا الوصف ليكون ذلك باعثاً للغيظ في قلوب الكافرين، وبناء على هذا التفسير يكون الذي هو من صفات الكفار: اغتياظهم من عند الاطلاع على هذا الوصف.. وبناء عليه لا يكون في الآية دلالة على أنَّ من أبغض مجتمع الصحابة ككُل بغض النظر عن الاطلاع على عملية التوصيف، فهو مشتمل على صفة من صفات الكفار.. فافهم واغتنم.

    10 ـ لعلَّ من نافلة القول أن نشير إلى أنَّ البُغض لمجتمع الصحابة ككُل هو خلاف روايات أهل البيت عليهم السلام، وخلاف المنطق الإيماني، كما أنَّ موالاة جميع أفراد ذلك المجتمع من غير تمييز هو أيضاً خلاف ما تواتر عن أهل البيت عليهم السلام، وخلاف ما يقتضيه الاطلاع على واضحات التاريخ الإسلامي..

    والحمد لله رب العالمين..
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة