نظرة الى احدى وسائل الحوارالثقافية والمعرفية( الردود والتعقيبات ) على الانترنت

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 502   الردود : 5    ‏2007-06-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-21
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    المنتديات العربية على شبكة الأنترنت تتميز بميزة ملفتة، وهي تشعب وتنوع أقسامها، بصورة كبيرة، فمن قسم للأدب وما فيه من شعر ونثر، وقسم للدين، وآخر للسياسة، وغيره للعلوم والتكنولوجيا، وصولاً إلى الأسرة، حتى الترفيه والرياضة وووو......إلخ.

    هذا التنوع يثير في النفس التساؤل حول ما يُقدّم في هذه الأقسام من مواضيع ومدى أهميتها ومطابقتها للإختصاص الذي تُقدّم من خلاله، ومدى تفاعل الأعضاء معها، وكيفية عرض الآراء المختلفة والتعليقات المتنوعة حول موضوع ما.

    وبنظرة عامة نجد أن هناك مقالات مختلفة منها الجاد والسطحي والتحريضي، الهام والتافه، الذي يحمل أفكاراً هادفة، والذي يهاجم فقط......مواضيع متنوعة وكثيرة. ولسنا الآن في معرض تقييم هذه الظاهرة مع ما فيها من ارتجال وعشوائية بعيدة عن أي هدف أو غاية تثقيفية مدروسة، ولكنني سأركز على أمر آخر، وهو طريقة التعليق والتعقيب على هذه المقالات والمشاركات.

    هناك مواضيع تُقدّم في المنتديات تكون جادة ومهمة، تطرح أفكاراً جديدة، ولكننا غالباً لا نجد إلا قليلاً من المشاركين الذين يتفاعلون معها ويستشعرون أهميتها، ويحاولون الإضافة إليها أو التعقيب عليها، أو نقدها والإختلاف معها. ولذلك أسبابه، ومن أهم هذه الأسباب عدم الإحاطة بالموضوع المطروح، أو عدم التفكير فيه سابقاً، أو عدم امتلاك الإمكانات اللازمة لفهمه وهو ما أسميه (نقص النمو الثقافي) فكما أن الطفل يتدرج في نموه حتى يصل لمرحلة النضج العقلي، فكذلك الإنسان يحتاج إلى فترة نمو يستطيع معها إدراك ما يقرأ وفهمه والتفاعل معه. فالثقافة عملية لها أصولها، وتحتاج إلى تنظيم، ومعرفة لقواعدها وطرقها.

    وليس في هذا التوصيف انتقاص من أحد ومن قدرات أي قارئ، لأن الساعي لامتلاك ثقافة حقيقة يدرك أن الأمر ليس عشوائياً، وأنه كلما زادت ثقافته شعر أن رؤيته لما حوله قد اتضحت أكثر من جهة، وعرف مكامن النقص في ثقافته والتي يجب عليه تداركها حتى يعرف ما خفي عنه، ويستوضح ما غمّ عليه من جهة أخرى.

    وكلنا يعرف أن أفكارنا ونظرتنا للحياة تتغير مع تقدمنا في العمر وزيادة ثقافتنا وامتلاكنا للخبرات المتنوعة، مما يجعلنا نشعر أننا صرنا أكثر قدرة على الفهم والتعامل مع الأحداث والأفكار. طبعاً أنا أتحدث عن طالب الثقافة الحقيقي، مع معرفتي بوجود أشخاص يقفون عند حد معين من الفهم لا يتجاوزونه، لا بل قد لا تزيدهم الأيام إلا جهلاً فوق جهلهم.

    وبالعودة إلى موضوعنا نجد أن التعليقات التي توضع على موضوع (من النوع الذي وصفناه بالمهم أو الذي يحمل أفكاراً جادة) نادراً ما تُعرض بطريقة حضارية محترمة، تراعي آداب الإختلاف. وبما أننا كشعب عربي لم نتعود أن يهتم أحد بما نقدمه من أفكار ( نتيجة تراكمات كبيرة من الإستلاب الذي ترسّخ في عقولنا فجعلنا نحتقر كل ما يصدر عنا وعن مفكرينا)، فإننا نجد أن المشاركين في النقاش والتعليقات ينقسمون إلى قسمين:

    قسم يعلّق بكلمات عامة لا يقصد بها إلا إعلام الكاتب بأنه قرأ الموضوع (وغالباً لا يكون هناك قراءة). وقسم يعلّق بإسهاب، في محاولة لإبراز الفهم والتفاعل ونقد الأفكار المطروحة. وهنا نجد أنفسنا أمام نوعين من المعلقين:

    1 ـ المهتمون فعلاً بالموضوع المطروح، والذين يقرؤونه بتمعن وتفكير (وهم قلّة قليلة جداً).

    2 ـ والنوع الآخر هم (أنصاف المتعلمين ) الذين يدخلون للتعليق على مثل هذه المواضيع وسواها، بطريقة تظهر جهلهم بالموضوع وعدم فهمهم واستيعابهم.

    بالطبع فإن ما يزعج في الأمر ليس هو عدم استيعاب الأفكار وسوء فهمها فقط، ولكن الإزعاج الأكبر هو في (قلة الأدب) التي تتسم فيها هذه التعليقات، فلا يكتفي هؤلاء بمخالفة الرأي المطروح وتحميله غير مقصده (لأنهم كما قلنا لم يفهموه ولكنهم ادعوا ذلك)، بل إنهم يستخدمون ألفاظاً تدل على الاستخفاف بكاتب المقال وبأفكاره المطروحة، وقد يلجؤون إلى السباب والشتائم مما يحول الحوار إلى مشاجرة أنترنيتية مخجلة.

    وإذا رحنا نبحث عن الأسباب التي تدفع هؤلاء لمثل هذه التصرفات نجد أنهم يعبرون عن حالة عامة في مجتمعاتنا، وهي احتقارنا لبعضنا البعض، وعدم التزامنا بآداب الحوار، لأن الحوار عندنا ببساطة ليس لـه هدف نهضوي، بمعنى أن القصد منه غالباً لا يكون الوصول للحقيقة، وإنما يكون هدفه إثبات الذات وإلغاء الآخر المخالف، بعد سحقه وتدميره.

    بالإضافة إلى عدم التزامنا بفضائل الإسلام وآداب السلوك. فنحن نسمع قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" فلا يزيدنا إلا إصراراً على التفاصح وإثبات الذات دون أن نأخذ تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم على محمل الجد حين قال: " وهل يكُبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جَهنَّم إلا حصائد ألسنتهم".

    إن التزام الأدب في الحوار والتعقيبات هو أسلوب حضاري، يدل على صاحبه بالدرجة الأولى، فحتى لو كان الموضوع المطروح يحمل أفكاراً أعتقد خلافها، فهذا ليس مبرراً لي لشتم كاتبها أو احتقاره والاستخفاف به، ولكن التصرف المقبول والمطلوب هو بيان رأيي المخالف بطريقة حضارية مقنعة، تقارع الحجة بالحجة، بأسلوب مؤدب، غايته جلاء الحقيقة، أو بيان الرأي، وليس شتم الكاتب والتعريض به أو التحريض عليه، وصدق الشاعر حين قال:

    من علّم الحقَّ علمَ ذَوقٍ *** لم يُقرن الغيّ بالرشاد
    لا والذي أمرناإليه *** ماعنده الخير كالفساد

    المصدر: موقع الشهاب للإعلام
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-06-21
  3. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    أساليب ينبغي ان نراعيها في حواراتنا مع الاخرين

    * (بتصرف)


    1- الموضوعية في الحوار والتحرّر من المؤثرات الجانبية التي تبعدك عن طريق الوصول إلى بيت الحقيقة:

    ولتذكر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) كان يحاور المشركين ليقودهم إلى الإقرار بالحقيقة من خلال تجميده لقناعاته: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سورة سبأ:24).

    فرغم أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) على (هُدًى مُبِين) ولديه (كِتَابٌ مُبِين) وأكثر الناس معرفة بـ (الضلال المبين) لكنّه يطالب محاوريه بالابتداء من نقطة الصفر وتناسي الخلفيات الفكرية والعقيدية، حتى يكون الحوار متحرراً من أي عامل خارجي.

    ولأجل أن نضع ذلك في إطاره الواقعي، فإنّنا لا يمكن أن ننكر أو نتجاهل خلفياتنا الفكرية، فالمسلم يحاور وهو يحمل فكر الاسلام في داخله، والكافر يحاور وهو يحمل آراءه في ذهنه، ولكنّ المراد من تجميد القناعات السير بالحوار خطوة خطوة وذلك باستدراج العقل إلى ساحة الحقيقة دون ضغط وإنّما بإدراك أن هذا الذي يقوله الآخر ذو حجّة بالغة وبرهان ساطع ودلائل مقنعة.

    وقد تكون المؤثرات نفسية تنطلق من الحبّ والبغض والمزاج والتعصب.. ولو تابعت جميع حوارات النبي (صلى الله عليه وسلم) لرأيت أنّه كان يحاور الكافرين والمشركين وأبناء الديانات الأخرى بحبّ، أي أنّه لم يكن يكرههم ولكنه يكره كفرهم وشركهم ونفاقهم، فيعمل ـ من خلال الحوار ـ على تخليصهم من هذه الانحرافات.

    2- روحية الانفتاح والمرونة:

    افتح قلبك لمحاورك.. وقد قيل إنّك إذا أردت أن تفتح عقله فافتح قلبه أوّلاً، فالحقد والبغضاء أبواب موصدة وأقفال صدئة لا تفتح عقلاً ولا قلباً ولا أذناً.

    لا تتهمه بشيء.. ولا تحمل كلماته محمل السوء، فقد نسب لعمر بن الخطاب (ونسب أيضا لعلي بن أبي طالب) قوله: "ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ".

    فالقاعدة الاسلامية في التعامل مع الآخرين سواء في الحوار أو في غيره، هي أن تحمل أقوالهم وأفعالهم على الصحّة، ولا تلجأ إلى الاحتمالات السيِّئة.

    وقد نسب عمر بن الخطاب (ونسب أيضا لعلي بن أبي طالب): "لاَ تَظُنَّنَّ كَلِمَةً خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمَلاً".

    3- التركيز على نقاط الاتفاق:

    الحوارات التي تبدأ بمناقشة نقاط الاختلاف والتوتر، أو ما يسمّى بالنقاط الحادة والساخنة حوارات كتبت على نفسها الفشل سلفاً. فلا تسقط الحوار بإثارة مشاعر محاورك في نقاط الاختلاف، وإنّما أكّد على نقاط الالتقاء أو ما يسمّى بـ (الأرضية المشتركة) حتى تمهّد الطريق لحوار موضوعي ناجح.

    والقرآن الكريم يضع هذه القاعدة الحوارية المهمة في صيغة الآية الكريمة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (سورة آل عمران:64).

    4- أدب الحوار:

    وأدب الحوار ـ كما قلنا ـ هو جزء من أخلاقية الحوار، ويستدعي مراعاة الأمور التالية:

    أولاـ استخدام اللغة المهذبة:

    فالكلمات التي تندرج تحت عنوان الشتائم والسباب والتشهير والتسقيط، ليست كلمات جارحة ونابية فقط، وإنّما كلمات هدّامة لا تبقي مجالاً للحوار ولجسوره بل تنسفها نسفاً. ولذا قال الله تعالى وهو يعلّمنا لغة التهذيب حتى مع المسيئين: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (سورة الأنعام: 108).

    وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (سورة النحل:125).

    ثانياـ استخدم اللغة الرقيقة اللينة:

    فالكلمات التي بين يديك فيها (حسن) وفيها (أحسن).. اختر الأحسن ما أمكنك ذلك لأنّه يعمّق العلاقة النفسية والفكرية مع محاورك. ولذا فإنّ الله سبحانه وتعالى حنيما طلب من موسى وهارون (عليهما السلام) أن يحاورا الطاغية فرعون، قال لهما: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (سورة طه:43-44)، أي استعملا في حواركما معه لغة شفافة فيها لطف وليس فيها عنف. ذلك أنّ الكلمات الجافة والقاسية توصد أبواب الاستجابة وتغلق طريق الحوار، وذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (سورة آل عمران:159).

    ثالثاـ احترم رأي محاورك:

    لأن ذلك يخلق حالة من الانفتاح على الأفكار المطروحة للنقاش. واعلم أن احترام الرأي غير احترام الشخص، فقد تحاور إنساناً ضالاًّ وقد تحترم بعض آرائه، أي أنّك لا تستخفّ بها فتجعله يسخّف آراءك أيضاً، لكنّ الاحترام في الحوار هو جزء من أدب الحوار ولا يعني تبنّي واعتناق تلك الأفكار.

    رابعاـ وهناك توصيات لأدب الحوار، منها:

    - الالتفات إلى محاورك وعدم إبعاد نظرك عنه وكأنّك تتجاهله،
    - وأن لا ترفع يدك كمن يهمّ بضربه،
    - وأن لا تضرب على فخذك لأن تلك علامة الانفعال والتشنج والتأزم النفسي،
    - وعدم رفع الصوت عالياً.

    وحتى نلخّص أخلاقية الحوار وأدبه، نقول:

    - أدر الحوار بعقل بارد بعيد عن التوتر والإثارة، وتذكّر أنّ المحاور المتشنج مهزوم حتى ولو كان الحق إلى جانبه.
    - ركِّز على الأساسيات ولا تدخل في التفاصيل فتضيع في دهاليزها، لأنّ الخوض في الجزئيات والثانويات والفرعيات يفقدك جوهر الموضوع ولا يؤدي إلى نتيجة.
    - مرّ على الماضي، ولكن لا تركز عليه فهو ليس مسؤوليتك الآن.. حاور في المسائل الراهنة.
    - واصل الحوار.. فالحوار قد لا ينتهي في جلسة واحدة، وإذا كانت هناك عدّة جلسات حوارية، ففي الجلسات القادمة ابدأ من حيث انتهيت.
    - بهدوئك وأدبك وأخلاقك جرّ محاورك إلى ساحة الأدب والتهذيب والتزام أصول الحوار، وإذا رفض فلا تدخل في مهاترة.
    - لتكن (الحقيقة) غايتك من الحوار، فما عداها لا يمكن اعتباره حواراً جاداً ونافعاً.





    --------------------------------------------------------------------------------
    * المصدر: موقع البلاغ
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-06-21
  5. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    خطوات في الحوار والإثراء المعرفي للمواضيع على المنتديات العربية

    إن المبلّغ يتفقد أحوال مخاطبه عن كثب، ويتصرف تجاه أخطائه برحابة صدر، فيتخذ تجاه المؤمن طور المروءة. أما تجاه أهل الكفر والإلحاد فيتصرف بالدراية والكياسة. وبهذه الأساليب يتمكن أن يتقرب إلى قلب مخاطبه ومنطقه من جهة محبباً إليه ما يريد تبليغه ويسوقه إلى القبول.

    نعم المبلّغ يعرف جيداً أوضاع مخاطبه، فيبتعد كلياً عن كل ما ينفّره من أسلوب أو تصرف. فما يبلّغ إلاّ أموراً سامية طاهرة. ولاشك أن من يبلغ عن الله ورسوله صلى الله عليه و سلم وكتابه واليوم الأخر ويحبب ذلك إلى قلب مخاطبه، يقدر مدى أهمية عمله فيقوّم أحواله وأطواره وتصرفاته وفق تلك الأهمية. لأن أي امتعاض يستشعره المخاطب من أطواره، ربما يكون سبباً لتنفير ما هو مكلّف أن يحببه إليه. فهل من خسارة أفدح من هذا؟ وسنتحمل جميع المسؤوليات في الآخرة إن كانت نابعة من أحوالنا وسلوكنا.

    تأملوا! كيف كان الرسول صلى الله عليه و سلم يبلّغ بأسلوب لا يُقحم مخاطبه في الشعور بالإثم. فلم يك يخاطب الكافر ولا المجرم كمذنب أمامه، بل كان يوجه كلامه بصورة عامة، دون تشخيص وتحديد. فكان يصعد المنبر ويرشد إلى أمر من الأمور الفرعية التي رأى تقصيراً فيها داخل الجماعة.

    كان صحابي رضي الله عنه يدعو ربه ممداً يده إلى السماء رافعاً صوته، وهو قريب من مجلس الرسول صلى الله عليه و سلم. فهذا الوضع يخالف آداب الدعاء، ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم بدلاً من أن يخاطبه ويبين خطأه، خاطب الجميع قائلاً: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ).[1]

    (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي وَالله لأتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا). فاشتد غضب الرسول صلى الله عليه و سلم من هذا الكلام وهو أعلم بالإمام، ومع هذا لم يستدعه ليحاسبه بل خطب بالناس مرشداً لهم وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ).[2]

    هكذا كان أسلوبه صلى الله عليه و سلم تجاه أخطاء الآخرين، حيث كان يسعى لإنقاذهم، لذا قدم لهم كل مسألة من المسائل بأبسط أشكالها وأكثرها عملياً.

    فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لا إِلَهَ إِلاّ الله تُفْلِحُوا).[3] ومن هنا نرى أنه خطأ جسيم أن تجعل المخاطب في حالة الشعور بالإثم، بل يقال ما يراد قوله دون تشخيص أحد من الناس، و يستفيد من هذا الكلام كلٌ حسب استعداده، كاستفادة الأشياء من أشعة الشمس. وبخلاف هذا الأمر يصعب التئام الجروح.

    ب) الحذر من النقاش والمراء

    إن المبلّغ حذر جداً من أن يؤول الكلام في الحوار إلى جدال ونقاش، إذ المتكلم في المجادلة والمناقشة هو "الأنانية". فهذا الجو الذي لا يراد به الوصول إلى الحق، يسلّم زمامه إلى الشيطان. ولهذا فمهما كان الكلام الذي نريد أن نبسطه للمخاطب مقنعاً ومؤدباً، لا يؤثر فيه ولا يجد القبول الحسن لديه. وإذا ما نظر إلى المسألة من زاوية نفسية المتحاورين يظهر أمامنا أن المراء لا خير فيه، لأنه مثلما نتهيأ للظهور على خصمنا كذلك المخاطب يتهيأ مثلنا في الأقل، ولا شك أن الأدلة التي نسردها لإثبات مقولتنا قد استعد هو لتفنيدها بأدلة أخرى. وهكذا يتحول الحوار في المراء إلى كلام عقيم ولو طال أياماً وليالي.

    نعم، لقد دخل الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم مرة أو مرتين مناظرة وحاول إقناع مخاطبيه [4] إلاّ أن أمراً لا بد أن يُنبّه إليه هو أن الطلب كان يأتي من الجهة المقابلة، وفي مثل هذا الموقف لا يظل الرسول صلى الله عليه و سلم ساكتاً، لما يؤثر في القوة المعنوية لمستمعيه. ومع هذا فالذين أتوا لأجل المجادلة والنقاش أكثرهم لم يقتنعوا قناعة تامة وإنما أُلزموا إلزاماً، والإلزام لا يعني أن المخاطب قد اهتدى.

    ولقد قابل الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم علماء بني إسرائيل طوال سنين، ولكن لم يحدث أن اهتدى واحد منهم في مثل هذا الوسط، علماً أنه رسول عظيم ينـزل الإلهام من العرش الإلهي إلى قلبه الطاهر كالشلالات، وخلقت الكائنات لأجله، وتزخر سيرته العطرة بالمعجزات. ومع هذا فكل من دخل ضمن نطاق المجادلة والمناقشة ما عرج إلى عرش الهداية وإنما ظل في ميدان الحوار والخطاب.

    يخطر ببال عبد الله بن سلام الذي كان يهودياً : سأهتدي إلى الإسلام إن كان -يقصد الرسول صلى الله عليه و سلم- هو الذي شمائله مذكورة في التوراة. يقول: (فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه و سلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ).[5]

    وفي المراء أيضاً لا يخطر بالبال دائماً رضى الله سبحانه، لأن المبلّغ والمبلًّغ له، يكونان في حالة متوترة ومشدودة بالأنانية. ففي مثل هذا الجو الذي ليس فيه رضى الله سبحانه مهما كان الكلام جيداً لا يحصل منه الهداية والتأثير حيث الهداية بيد الله وحده، ولا ترد في مواضع ليس فيها رضاه سبحانه.

    ج) الانخلاع من الأنانية

    الأنانية عامل يعيق الهداية، ويزيل بركتها، سواءً للمبلّغ أو المخاطب. لذا فالمرشد والمبلّغ ينخلع من هذا الحس المضر، بل يقول ما يريد قوله ضمن تواضع وإنكار ذات. وبهذا ينقذ مخاطبه أيضاً من فكر مسبق ومن العناد. وفي الحقيقة لا يحق لأحد كائناً من كان أن يتشبث بالأنانية. ومن الواضح أن كثيراً جداً من الكلام الذي يستعمل فيه المبلّغ أنواعأً من العقل والمنطق والبلاغة والفصاحة مع ما ينساب من لسانه من البيان إلاّ أنه لا يؤثر على أحد قط. بينما من لا يكاد يبين ولكن فؤاده منسحق، إذا بكلامه يكون مؤثراً، ويجعله الله سبحانه وسيلة لهداية قسم من الناس.

    د) معرفة البناء الفكري للمخاطب

    سأتطرق إلى مسألة ربما تعدّ من الأمور الفرعية ولكن لا يمكن تجاوزها:

    على المرشدين والمبلّغين أن يهتموا اهتماماً جاداً بالبناء الفكري لمخاطبيهم. وإذا ما حصرنا المسألة في دائرة ضيقة خاصة نقول:

    أن وجود الجماعات الإسلامية في يومنا هذا حقيقة واقعة، والاعتراف بوجودها شيء وتصويب عملها شيء آخر. وأن التعامي والتغاضي عن شيء موجود فعلاً ورفضه لا يأتي بشيء. لذا فالمرشدون والمبلّغون عليهم أن يتذكروا كل حين أن أي شخص في محيطهم أو ممن يستمع إليهم ربما هو منتسب إلى مشرب معين أو إلى إحدى الجماعات، فيوردوا كلامهم وفق تنبيهات ذلك التذكر، ولا يذكروا ما يومئ إلى تهوين جماعةٍ أو تنقيدها والأدهى من ذلك اغتيابها. فكل مشرب أو جماعة - فضلاً عن قبولها أن مشربها ومسلكها حق وجميل- عليها أن تكون على خُلق التسامح مع الآخرين، ومعترفة بحق الحياة لهم، ذلك لأن الله سبحانه لا يرضى خلاف هذا الطور الذي يقطع فيه البركة ويزيل اليُمن. وليعلم كل مرشد أن عليه احترام الجماعات جميعها، ومسايرة عرفان مخاطبه، ليكون كلامه مقبولاً لدى الجماعات كلها، إذ لا يرضى الله عمن يتعامل بسوء مع مَن يذكُره، ولا ممن ينتقد المؤمنين، ويقطع الصلة مع الذين ارتبطوا به، ولو بكلمة التوحيد وحدها.

    وفي الحقيقة إن مدى ارتباط المبلّغ بالله سبحانه يتبين مما يمدّه من عرى العلاقة مع كل من له ارتباط بالله. فمقياس علاقتنا مع مخاطبينا هو بنسبة علاقتهم بالله سبحانه. والمرشدون والمبلّغون يراعون هذا الأمر أكثر من غيرهم، فيدعون الناس لا إلى مشربهم بل إلى الإسلام مباشرة. ولعل انبساط هذا الشعور هو أهم عامل في دفع الجماعات والمشارب المختلفة إلى الاتحاد وجعلهم كالجسد الواحد.

    إن معرفة المخاطب هي بالإحاطة بمستواه الاجتماعي وبناه الثقافي. هذه حالة مهمة جداً من حيث فن التبليغ، فكما أن التبليغ والإرشاد وظيفة، فإن معرفة فن التبليغ وظيفة أخرى. فمثلاً: واجهك عدو مسلح بالمدفع والبندقية، وأردت صدّه بالعصا. فهذا عمل بلا شك، ولكن تصبح به سبباً لفشل ذريع، لأنك لم تراع فن التبليغ. ولا سيما إن كان هذا الطور في جبهة العمل الإسلامي فإنه يضر كثيراً.. ولقد ذكرنا سابقاً وأكّدنا عليه: أن معرفة فن التبليغ أحد الشروط التي لا يمكن أن نتجاوزها، بل هي في مقدمة شروط التبليغ. فبمقدار إيماننا بضرورة التبليغ نعتقد أنه ضروري أيضاُ فن التبليغ. فالكلام الصادر منا إن كان فوق المستوى الثقافي للمخاطب بكثير أو دونه بكثير، فعملنا هذا لا يوافق فن التبليغ وقد لا يجدي شيئاً. فالمسألة التي تشرحها ابتداءاً للغارق في الإلحاد المضطرب في الكفر، ليست فضائل قيام الليل والتهجد بلاشك. بل يفهّم له الأسس الإيمانية فهماً ملائماً لمنطقه العقلي وبأسلوب علمي حيث إن الكفر يرد في الوقت الحاضر من جانب العلم. ولكن ويا للأسف كم من أخطاء ترتكب نحو الملحدين البائسين هي نابعة من التشخيص الخطأ وأسلوب العلاج الخطأ. نعم، إن الانشغال بمظاهر الجيل الحاضر وبملابسه بدلاً من الانهماك بتعمير قلبه وضماد جروحه، دفَعه إلى النفور والهروب.. فمثل هذا الخطأ في فن التبليغ مسألة جديرة بالاهتمام حيث يؤدي إلى ضياع حياة الإنسان الأبدية.

    نعم، إن كان الذي تخاطبه يتكلم باسم العلم والفن فلا يعقل أن تقرأ عليه من كتب الفقه الأولية. وهذا لا يعني قطعاً التهوين من شأن هذه الكتب الفقهية وإنما المقصود إفهام أن هذا العمل ليس في موضعه. وكذا إن كان المخاطب ينكر الآخرة فأنت لا يمكن أن تتقرب إليه بذكر مناقب الأولياء. فالإنسان ليس مخلوقاً من مشاعر وحواس فحسب كي تؤثر فيه هذه المناقب، فهو علاوة على تلك المشاعر يحمل منطقاً في عقله. ولا بد أن يقتنع من حيث المنطق أيضاً. يقول سعد الدين التفتازاني لدى شرحه الإيمان: إن الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده، أي بعد صرف الجزء الإختياري، أي عليك أن تشرح الإيمان بالأدلة، والله سبحانه ينور قلبه بالإيمان. وفي الحقيقة إن هذا الإيمان يسوق الإنسان إلى العمل الصالح وإحلال الدين كلاً لا يتجزأ في الحياة المعيشة. بينما الإنسان الذي دخل الإيمان بمشاعره وأحاسيسه، ربما يترك الدين عند غلبة تلك المشاعر والأحاسيس بشكل آخر.

    يشير القرآن الكريم في مئات من آياته الكريمة إلى مسائل العلم والتكنولوجيا. ولكنه ليس كتاباً للفيزياء أوالكيمياء. وإنما القرآن يحث المؤمنين ويرشدهم بإشارات وإيماءات لأجل الإرشاد العام وللحاجة إلى هذه الفروع العلمية. والذي لم يطلع ولو قليلاً على علم الفلك، ولم يقرأ علوم الحياة ولو قراءة عابرة، لا يمكن أن يفهم كثيراً من آيات القرآن الفهم المطلوب. لأن فهم آيات كثيرة جداً مرتبط بالاطلاع على هذه العلوم. وهنا نذكر الآتي من دون أن نطيل الكلام في فروع العلم المختلفة، فنقول: إن مرشدي ومبلغي يومنا الحاضر بحاجة ماسة إلى متابعة ما وصل إليه العصر من علوم وفنون حتى لو كانوا موسوعة (انسكلوبيديا). وبخلافه يظل إرشادهم إرشاداً خاصاً لا يشمل الناس عامة.

    ه) معرفة ثقافة العصر‏

    إن أحوالنا الحاضرة تدمي القلوب شباباً وشيباً. وهذه الحالة المؤلمة نابعة - إلى حد ما - من ضحالة ثقافة مَن يتقدم إلى الإرشاد والتبليغ. إذ لا يمكن من يجهل ثقافة عصره ومدى فهمه وأسلوب خطابه أن يفهّم إنسان عصره شيئاً. ويجب ألاّ يخطر بالبال: إن كان مضراً تفهيم شيء للآخرين من دون الإطلاع إلى ما ينبغي الإطلاع والتعرف عليه من علوم العصر، فهل يسقط عنا وظيفة "الأمر بالمعروف" ؟ كلا!! بل لئن استدعى الذهاب إلى النجوم لأجل الإرشاد واستوجب جلب ما ينبغي تبليغه من هناك، لكان من أفرض الفروض الذهاب إلى هناك وجلب ما يجب لتقديمه إلى المحتاجين. فلقد صرعوا جيلنا بالفيزياء، وأركعوهم بالكيمياء، وأنـزلوا على رؤوسهم الشهب بالفلك. فيجب عليك أمام هذا الموقف ألاّ تقف مكتوف اليدين. بل هو دَين عليك أن تأخذ بيد هذا الجيل مستعملاً الوسائل نفسها لترفعه من كبوته وتضمد جراحاته المادية والمعنوية وتسمو به إلى الأعالي من جديد. وتعلوا معاً كيلا يتردى مرة أخرى وينسحق تحت الأقدام.

    إن كل شيء في الكون وكل ما يحدث فيه لسان وغصن، فالمؤمنون عليهم أن يتعلموا هذا اللسان ويستمسكوا بهذه الأغصان، وإلاّ يعجزون عن فهم الآيات التكوينية. وكل فرد أو أمة لا يفهم الآيات التكوينية يُضرب عليه الذل والمسكنة. علماً أن القرآن الكريم ضمن آياته البينات يشرح هذه الآيات التكوينية. ولا يُعدّ تالياً للقرآن الكريم حق تلاوته مَن كان يسد أذنه عن هذه الآيات التكوينية ولو ختم القرآن يومياً. فلقد أرسل الله القرآن ليتدبّر الإنسان ويفكر في آياته، وكل من ينصر القرآن عليه أن يفهم هذا الأمر.

    إن الحقائق التي نبلّغها مهما كانت مباركة وسامية، مشكوك أمر تأثيرها إن لم تُبلّغ وفق إدراك العصر وفهمه وأسلوبه. وتقديم الدين والقرآن على صورة موضوعات غامضة ملفعة بالأسرار والتي لا يمكن أن تمر من مصفاة المحاكمات العقلية، لا يعدو عن كونها غير تكدير لأذهان الجيل وزيادة كفر الكفار. ونحن منذ سنين نرى بوضوح هذه اللوحات المؤلمة ونملأ صدورنا هماً وكمداً.

    كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فوق مستوى ثقافة عصرهم بكثير. وكانوا يبلّغون مسائل الدين بمستوى ذلك العصر الثقافي. والذين تبعوهم كانوا أيضاً مثلهم في التبليغ. فمثلاً ما كان يفهمه الإمام الغزالي وهو مجدد عصره يجعل المخاطبين في ذلك العصر في حيرة وإعجاب. ودامت هذه الحيرة والإعجاب إلى مدى العصور. ومما يجلب الانتباه رأي مفكري الغرب من أمثال جب ورينان عن الإمام الغزالي، إذ قالوا: لم نر أحداً متمكناً من ثقافة عصره كالغزالي. وهكذا كان جميع الأئمة الأعلام من المجددين كالإمام الرباني ومولانا خالد وأمثالهم من العظام الذين سبقوا عصورهم علماً وثقافة. وكانوا يبلغّون الدين وفق مستوى عصرهم وأنفاسه. ولهذا وقع كلامهم في قلوب مخاطبيهم موقعاً حسناً ووجد قبولاً عاماً عندهم.

    و) المرشد مرن

    نعم، يكون مرناً ويحافظ على مرونته هذه، لأنه أحيانا ينـزل في أعماق الوديان العميقة، وأحياناً يصعد أعالي المنابر.إذ بين مخاطبيه من هو في كلتا النقطتين، وهذا يقتضي أن تكون مساحة ثقافته واسعة جداً. وإلاّ فلا يكون مرشداً حقاً، بل من قطاع طريق الإرشاد من الأشقياء.. وما عليهم إلاّ أن يتنحوا من أمام الأمة، ولا يكونوا ظلاً قاتماً عليها، ويفتح الطريق لكي يأتي المرشدون الحقيقيون ويمدّوا أيديهم إلى هذا الجيل المنكوب.

    يقول أحد كبار المرشدين، الذي يخفق قلبه بآلام الأمة: "إن قلب المؤمن يتفجر ألماً بعدد ذرات وجوده حيال جحود شاب". نعم هذا هو القلب المضطرب. ومن لا يشعر بهذا القلق لزوال الإيمان من الجيل ليس جديراً بالإرشاد. فالمرشد هو البطل الذي يدرك عصره ويستهين بزخارف الدنيا كلها. بل ينسى -ولو موقتاً- نعيم الجنة، ساعياً لأداء مهمته، حسبةً لله وكسباً لرضاه وحده. نعم هكذا يجب أن يكون ليحظى بتوفيق الله وليطمئن إليه مَن حوله.

    سبق وأن ذكرنا ما يلزم أن يعرفه المرشد عن مخاطبيه. فكما أن إعطاء الدواء قبل تشخيص المرض خطأ بيّن، كذلك القيام بالتداوي قبل تشخيص ما يعاني منه المخاطب خطأ مثله بل أدهى وأمر. وهذا هو إحدى وظائف المبلّغ. ولا أرى داعياً لأذكر أنه لا يلائم كل مرض أي دواء كان.

    أناس أعرفهم، يجدون خلاص الإنسانية في العمل في ساحة الاقتصاد والصناعة الثقيلة فيُكثرون الكلام حول أهميتها. فمثل هذه الأفكار على الرغم من أنها تدور في الأوساط باسم الإسلام إلاّ أنها لا تعدو أكثر من تقليد بسيط لماركس وأنجلز. فقد أفلست هذه الأفكار وتفرق منتسبوها ولم يتمكنوا من الحفاظ على حيويتهم، فكيف بالأفكار التي هي تقليد ساذج لها يمكنها منح الإنسانية الحياة المطلوبة؟ وكيف يعقل هذا فضلاً عن أن يسوق من يتبعه إلى مثل هذه المغامرة؟ إن تصديق مثل هذه الخدمة أمر ثقيل عليّ.

    كلا.. ثم كلا.. فو الله إن لم تتكفلوا بالجيل الحاضر وتربوه في ميدان الروح، وتنفخوا فيه الروح، ولم تعمرّوا فيهم الشعور الأخروي، فلن تنفع تنشئته بالتمشدق بالحضارة ولا المصانع التي تقيمونها أو أقمتموها.

    إن هذا الجيل السائب الخاوي من الروح لا يشبعه أي فكر مزخرف مزركش ما لم يرعوه رعاية منظمة. والظن بأنه يمكن علاج اضطراب الجيل بالحلول الاقتصادية هو الغفلة بعينها.

    ولما كان العالم الإسلامي في الوقت الحاضر قد فقد القدرة على الكلام وفق فنون العصر، فقد أُسقط من موقع الخطاب للعالم. فهو في موضع الاستماع والاستماع فقط لا غير. ولو تمكن من تركيب ما سمعه وتحليله، فلعل يوماً من الأيام يتمكن من الارتقاء إلى موقع القائد فيُسمِع الآخرين كلامه. ولكن وآأسفاه لم يستطع أن يكون بعدُ حتى مخاطباً جيداً، وانعكست هذه الحالة المزرية نفسها على الدعوات الخاصة أو المؤسسات الخاصة. وأصحاب هذه الدعوات اصبحوا عاجزين أمام مخاطبيهم بنفس القياس. علماً أن في أيدينا القرآن الكريم الذي يتحدى عقل العالم بأسره ويخاطب الإنسانية كافة. وكذا في أيدينا السنة النبوية الخالدة التي توضح القرآن أجمل توضيح. وكم هو مؤلم أننا لم نعرف لحد الآن كيفية الاستفادة الحقة من هذين المصدرين. فلم نغص في البحر المحيط القرآني باتحاد العقل والقلب معاً. ولهذا صمت القرآن والسنة ولم يحدثانا بمكنونات نفسيهما ، فلئن مضينا على هذه الحالة فإن صمتهما سيدوم. فلا نجاة لمسلمي اليوم من هذا الكابوس المخيم عليهم.

    نعم، الدنيا في تحول وتغير. والعلم والتكنولوجيا يتوسعان وينتشران بسرعة مذهلة ولكن ما يقوله بعضنا لا يتفق ومقاييس الدنيا المتوسعة، بل يتعلق بما قيل قبل ثلاثة عصور ويظل هناك لا يغادره، فنكون بعيدين جداً عن جيلنا الحاضر. فلا يعير سمعه لكلامنا.

    ز) النظر من زاوية العصر

    المرشد والمبلّغ في الوقت الحاضر ينظر من زاوية عصره المعيش، ومنه يتطرق إلى المسائل. وهو بادئ ذي بدء يجب أن يكون خبيراً بالبناء الروحي للمخاطب. ويجب أن يعلم أيضاً ما هي المسائل التي إنغرست في ذهنه انغراس السهم المسموم. ثم يتكلم بما يريد أن يتكلم ضمن هذه المعرفة. وذلك كي يلقى القبول الحسن، وينعكس في قلب المخاطب ويستقر في منطقه. حيث إن جيلنا الحاضر يفقد دمه، ونحن لا نعطيه إلاّ مضادات حيوية.

    إن المسائل التي تطرقنا إليها إلى هذا الحد، ليست ادعاءات مجردة، وإنما ركائز في الإرشاد تستند إلى الكتاب والسنة. فالقرآن الكريم في أول آية نـزلت (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] يلفت النظر إلى الآيات التكوينية لدى ذكر الخلق.. فجميع الفلاسفة بدءاً من أبيقور وديموقريط ومنه إلى سقراط وإلى أفلاطون وحتى الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه و سلم انهمكوا كلهم بموضوع الخلق وسعوا في تحليله وتدقيقه. بمعنى أن الناس - في ذلك الوقت - كانوا على شيء من المعلومات عن الخلق. فكانوا على علم بأن بدء الإنسان من قطرة ماء وأن الجنين يمر بأطوار مختلفة في رحم الأم. ولكن القرآن الكريم تناول المسألة من زاوية واسعة جداً وخاطب الناس: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) [العنكبوت: 20].

    هكذا يقول القرآن، والعلم البشري والفكر البشري لم يوضحا لحد الآن، كيف بدأ الخلق، ولن يوضحاه، إذ لا يمكن ذلك إلاّ بإسناد الأمر إلى الله جل جلاله.

    بينما القرآن الكريم يستهل دعوته بإيضاح هذه المسألة المعضلة المحيرة، وفي الوقت نفسه يلفت الأنظار إلى الآيات التكوينية، والتي قلّدتها القدرة الإلهية والإرادة الربانية كقلادة مزينة في عنق الكون، وجعلتها كمعرض عجيب أُشهر للأنظار ككتاب مفتوح أمامنا لقراءته. فنحن إذن في موقف تدقيق ما في هذا الكتاب والمعرض والقلادة، لأجل تقويم الحوادث الجارية وفهمها، ولا عدول لنا عنه.

    فالمرشدون والمبلّغون الذين يسعون لإدامة حيوية جماعتهم بعرى إثارة العواطف والأحاسيس، يخالفون الآيات التكوينية، ولا يَعِد سعيُهم شيئاً للمستقبل. لأن الخطوات المبنية على حُسن الظن فحسب ملتوية ومنحرفة لا تستقيم، لذا تدع صاحبها في قارعة الطريق بعد فترة قصيرة. ولكن لو تمكنوا أن يشعلوا جذوة حماسهم باتحاد العقل والقلب معاً وهيأوا جماعتهم لمواكبة شروط الزمان، فإن هذه الرابطة لا تنفصم قطعاً، لأن مرور الزمان لا يؤثر فيها، والحوادث المثيرة تقويها وتشحذ الهمم والإرادة.

    أريد أن أنتقل إلى أمر آخر استطراداً: إن هذه اللوحة مثيرة جداً أمامنا جميعاً وهي:

    إن كثيراً من أبناء أناس متدينين يتمرغون في الإلحاد والكفر، سواء في خارج البلاد أو داخلها. ومثلها الكثيرون من أبناء أناس لا نصيب لهم من الدين ينعمون بالإيمان. حتى أن بعضهم هربوا من ضغوط عوائلهم بحثاً عن مواضع ليديموا حياتهم الدينية. ولن أذكر ما شاهدته من الوقائع حيث لا تغني المسألة شيئا غير معروف. ولكن لنعلم أن مثل هذه الحوادث قد وقعت وستقع أمثالها في المستقبل. فالعائلة التي ترفل بالدين ولم تعلّم ولم تقْدِر على تعليم الدين بقدر عقول أولادها وبمستواهم الروحي، يحصل فراغ في أذهان أطفالها، والشبهات التي تتعلق بهم تسبّب إنحرافهم عن الدين وخروجهم عنه. إذ من الطبيعي ألاّ يسأل هؤلاء أحداً من خارج العائلة عن المسائل التي تدور في أذهانهم، لأنهم تربّوا في جوّ ديني في كنف العائلة. ولكن التربية الدينية التي تلقوها في البيت لا توصلهم إلاّ إلى حدّ معين.

    فقد كنت ضيفاً على عائلة كهذه ونتباحث مع رب البيت، الذي كان متديناً خالصاً ذا قلب رقيق سليم حتى استحييت من نفسي أمام هذا الطهر والنقاء. وبعد برهة دخل علينا ابنه الطالب الجامعي، وفهمت من كلامه أنه ملحد، وكأن البيت قد انهدّ عليّ وجمدتُ في مكاني، فقلت في نفسي قاصداً ذلك الرجل الطيب: يا ليت لم تظل نقياً تقياً إلى هذا الحد ولا تنشئ ابنك ملحداً.

    ومقابل هذا فالطفل الذي يتربي في أسرة لا دينية يجد دافعاً في نفسه للاستفسار عما لم يتمكن من حله من المسائل، فأية يد تمتد إليه من الخارج وتتمكن من حل معضلاته فسيرضى بالإسلام ويحبه لأن الإسلام قد فهّم له وفق شروط زمانه. بينما تدين الطفل الآخر الذي تربى في عائلة دينية لم يتجاوز التقليد، وقد بلغ به الأمر حداً لم يعد ينفعه هذا الإيمان التقليدي. والآن نرجع إلى صدد الموضوع.

    ح) النـزول بمنازل المخاطب

    يقتضي مستوى المخاطبين النـزول إلى مستواهم، فالمرشد والمبلّغ في هذه الحالة عليه أن يكلّمهم بقدر عقولهم. ويمكن أن نوضح هذه الملاحظة بالآتي:

    إن النـزول بمنازل المخاطب أخلاق إلهية، والرسول صلى الله عليه و سلم يدعونا إلى التخلق بأخلاق الله والقرآن الكريم بكامله كلام إلهي تنـزل على عقول البشر. تُرى كيف كان حالنا لو لم ينـزل القرآن منسجماً مع استعداداتنا وعقولنا وطاقاتنا.

    نعم، لو كان الله سبحانه تكلم في قرآنه المجيد بمثل ما تكلم به موسى عليه السلام في جبل الطور لما كنا نطيق كلامه. وأيضاً لو كان القرآن قد نـزل بأسلوب يفهمه ذوي القرائح الداهية ما كان يستفيد منه تسعة وتسعون بالمائة من الناس. والحال أن الأمر ليس هكذا وإنما الله سبحانه وتعالى ينظر إلى وضع مخاطبيه فيخاطبهم وفق ذلك بما يلائم إرادته وعظمته وربوبيته. ومن المعلوم أن كلامه جل وعلا لا يقتصر على القرآن وحده، إذ له سبحانه كيفيات كثيرة من كلامه المنسجم مع عظمته ولكن نحن لا نعلمها. والذي نعلمه هو: أنه جل وعلا خاطب الإنسان بمستوى إدراكه وفهمه بسر الأحدية.

    أجل، نحن نجد فهمنا ومستوى إدراكنا في القرآن الكريم، وكأن القرآن يخاطب كل إنسان بمستواه، فمهما كان المستوى الفكري للقارئ يجد القرآن يخاطبه. حتى يشعر الإنسان في القرآن أن أحداً قريباً منه يعرّفه بأدق تفاصيل أسراره وخباياه.

    وكون القرآن على هذا الأسلوب طبيعي جداً، ذلك لأن القرآن كلام الله ذلكم الرب الجليل الذي خلق الإنسان من العدم وأنشأه في عالم المادة (الجسماني) وهو أعلم بما في قلبه كل آن، ثم نفث فيه الروح من عالم الأمر، فلا الروح تعرف معرفة تامة ما الجسد الذي دخلت فيه، ولا الجسد يعرف تماماً ما الروح التي تديم حياته. والأعلم بهما مَن خلَقَهما ومَن جمعهما. والقرآن كلام هذا الرب الجليل.

    فهذا الكلام الإلهي من حيث مضمونه هدىً للناس وضمان استقامتهم، ومنبع إرشاد الأنبياء والمرشدين من حيث أسلوب الخطاب، لذا يسددون نظرهم فيه ويستلهمون منه العلم والمعرفة.

    إنه لحقيقة واقعة أن القرآن يخاطب مستويات مختلفة، ذلك لأنه كلام الله الذي خلق الإنسان وأنشأه بجميع مظاهره المختلفة. فالألوف من العلماء الأعلام قد بينوا اختلاف مستوى فهم وتمايز بعضهم عن بعض لدى طرح ملاحظاتهم وفكرهم حول القرآن. وحتى في خير القرون، كان الأمر أيضاً على هذا النمط، بمعنى أن فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم للقرآن وإدراكهم له ليس كله بمستوى واحد. واختلاف المستويات هذه لا يحجب الاستفادة من القرآن.

    تاملوا أن بدوياً يأتي - في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم - ويستمع إلى القرآن، ويستفيد منه، وفي الوقت نفسه يستفيد منه شعراء أعلام عُلّقت قصائدهم على جدار الكعبة. ولبيد واحد منهم، والذي لم يقرض شعراً بعد سماعه القرآن. والخنساء عملاقة الشعراء في ذلك العصر أصبحت لا تترنم إلاّ بالقرآن. نعم هؤلاء كانوا مخاطبي القرآن وينـزل إلى عقولهم وقلوبهم زلالاً. وقد اصبح أفذاذ العقلاء من مخاطبيه حيث تتلمذوا عليه من أمثال إبن سينا، إبن رشد، الفارابي، الإمام الغزالي، فخر الدين الرازي وكذا أبو حنيفة والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام مالك ومن لا يمكن حصر أسمائهم. بمعنى أن القرآن كان يخاطبهم أيضاً بالأسلوب نفسه، أي بمستواهم. فلقد خاطب القرآن وفق إدراك الإنسان آخذاً بنظر الاعتبار مستواهم الفكري. إن هذا الجانب من القرآن عجيب إلى حد، أن كل من يستمع إليه بقلب شهيد يعتقد أنه هو المقصود الوحيد في الخطاب. وإن علماء عباقرة بزّوا في ميادين العلم والتقنية التي تسجل يومياً خطوات واسعة متقدمة، حتى غدت موضع انبهار العقول. فهؤلاء العلماء يجدون أفضل من يحثهم ويعينهم على تنمية ما وضعه الله سبحانه فيهم من قابليات كامنة، وفي أثناء اكتساباتهم في ممارساتهم القوانين الفطرية التي وضعها الله سبحانه أيضاً في الكون، هو الكلام الأزلي للخالق الكريم، وهو القرآن الكريم.

    نعم، إن ألوفاً من أرباب العلم - رغم اختلاف مستوياتهم - ينهلون من زلال القرآن الكريم ويتفيأون بظلاله. فالكيمائي يستطيع أن يسمع القرآن كأنه يخاطبه وحده. أهو وحده هكذا؟ بل والفيزيائي أيضاً والفلكي أيضاً وكذا البيولوجي حتى الرياضي والهندسي، كل منهم يستطيع أن يستمع للقرآن وكأنه يخاطبه وحده. والزراعي يعتقد أن القرآن يبحث من البداية إلى النهاية عن الزراعة. وبالنسبة لطبيب ماهر يجد القرآن كمركز صحي نوراني رائق، يتكلم وينور ويهدي ويفتح آفاقاً جديدة للأمراض ويقوم بضمادهم أكمل من أي مركز دراسات وأبحاث. ويمكن إيراد الكلام نفسه لفروع العلم الأخرى. بمعنى أن الفلاح الذي يحرث الأرض في القرية والعالم الذي يفتح آفاق السموات بمجرد لمسه زراً صغيراً، هما من مخاطبي القرآن معاً.

    فهذا القرآن العظيم الذي يغور في أعماق الأعماق يعلّمنا الدروس وفق أحوال وظروف كل إنسان. مع أنه يبحث عن كل علم من العلوم بأسلوب مقتضب فليس هو موسوعة علمية قط. لأن هدفه الوحيد هو الإنسان، ليأخذ بيده ويُصعده إلى السماء ومن هناك إلى سمو الأبدية ورفعتها. وهو في أثناء عمله هذا يعلّم أصول الإرشاد أيضاً. فالمرشد أو المبلّغ عندما يرى هذه الألوان المختلفة من الخطابات للقرآن ويعيش بها حياته، لا شك أنه يضع حالة المخاطب ومستواه نصب عينه دائماً ويجعل كلامه وفق ذلك، ومع أن هذا يتطلب جهداً منه إلاّ أنه مفيد جداً بل ضروري أيضاً.

    فالذين اعتادوا أن يستعملوا الجمل المبهمة والمغلقة والمحمّلة بالتعابير الفلسفية لأجل إظهار الوقار والفخامة في كلامهم، على خطأ عظيم. لأن المهم في الإرشاد هو حسن فهم المخاطبين للبلاغ، وهذا يقتضي أن يكون البلاغ واضحاً بيّناً دون إشكال ما أمكن، فالخطاب لا بد أن يكون بأسلوب يفهمه كل مستوى من المستويات بكل سهولة ويسر.

    فالشباب في الوقت الحاضر، غريب عليهم التعابير والاصطلاحات الدينية، فمن الضروري التكلم معهم بلغة يفهمونها. ويمكن أن نشبه هذا بكلامنا مع الأطفال، فكما أننا نساير خطوات طفل في الثالثة من عمره وقد أخذنا بيده، ونماشي كلامه ونضحك مثله ونراعي حالاته كلها. كذلك من الضروري أن نأخذ بنظر الاعتبار مستوى فهم المخاطبين في الإرشاد. فالكلام المفخم تجاه الأطفال، لا يثير فيهم إلاّ الضحك من دون أن يضيف شيئاً إلى جعبة معلوماتهم.

    عندما نفهّم الإسلام لجيلنا الحاضر، فالحاجة ماسة إلى الاقتداء بأسلوب تبليغ الرسول صلى الله عليه و سلم وإرشاده وليس إلى الأسلوب الفلسفي لبرجسون وباسكال وأفلاطون وديكارت. فالرسول صلى الله عليه و سلم كان يخاطب دوماً بمستوى فهم الآخرين، فكان خطابه يسع جميع الناس، كل في موضعه، فكالطفل مع الطفل وكالشاب مع الشباب وكالعجوز مع العجوز. فهذا الأسلوب وهذه الأخلاق الإلهية هو أسلوب الأنبياء وأخلاقهم. ويروى عن سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم أنه قال: (إنّا معاشرَ الأنبياء أُمرْنا أن نُكلّم الناسَ على قَدر عُقُولهم)[6]، وفي حديث آخر: (أَنـزلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)[7] يبين فيه قاعدة جليلة في الإرشاد لا يمكن تجاوزها.

    * فتح الله كولن: كاتب تركي

    الهوامش:

    [1] البخاري، المغازي، 38؛ مسلم، الذكر 44-45؛ المسند 4/403
    [2] البخاري، الأحكام 13؛ مسلم، الصلاة 182
    [3] المسند 3/492، 4/603
    [4] انظر الترمذي، الدعوات، 69؛ المسند 4/444؛ ابن حجر، الإصابة 1/337؛ أبن هشام، السيرة 1/313،318.
    [5] الترمذى، صفة القيامة، 42؛ أبن ماجه، الإقامة 174
    [6] العجلوني، كشف الخفاء، 1 /225-226.
    [7] أبو داود، الأدب 20؛ مسلم ، بدايات المقدمة.





    --------------------------------------------------------------------------------
    * المصدر: موقع فتح الله كولن
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-06-21
  7. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    التحكم في الانفعالات أثناء المشاركات والتعقيبات والردود في المنتديات

    التحكم في انفعال الغضب والسيطرة على النفس من الأمور بالغة الأهمية لكي ينجح الإنسان في حياته ويستطيع أن يتوافق مع نماذج البشر على اختلاف طباعها وأخلاقها.. وأيضاً لكي يتجنب ما يسببه الغضب من اضطرابات نفسية وعضوية متعددة، ويتفادى كثرة التصادم والاحتكاك والذي يحصد ـ بسببه خصومات وعداوات كثيرة.

    ومن الذكر الذي يفيد الإنسان كثيراً في مثل تلك الحالات ويفضل تسجيله و ترديده وغرسه في الذهن باستمرار أثناء جلسات الخلوة العلاجية وبعدها ..ومنه الآية الكريمة

    " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" فصلت (34).

    ولم أر في الحقيقة أعظم أثراً في إزالة الغضب والانفعالات المدمرة المصاحبة له من ترديد تلك الآية الكريمة وغرسها في الذهن.

    كذلك هناك آيات أخرى لا يقل أثرها على محو الأفكار والمخاوف والانفعالات :المرتبطة بالغضب مثل:
    ("ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور " (الشورى 43
    (" فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (" المائدة 13

    * منهج الرسول فى تعديل السلوك فى حالات الغضب:

    يتصدر الغضب وسرعة الانفعال قائمة العوامل المسببة للاضطرابات النفسية والتشوش الذهني وإهدار طاقات الناس النفسية والبدنية ، وهو أيضاً من أهم أسباب اختلال التوافق واللياقة النفسية والاجتماعية , وهناك حقيقة لا تقبل الجدل تقول :" لا ينال العلا من كان طبعه الغضب " ، فالغضب لا يفرز إلا الضغينة والحقد ، وهو نار تحرق العقل وتسحق البدن وتصيبه بأمراض لا حصر لها . ويتفق معظم علماء النفس على أن الغضب ضرورة لحماية النفس من عدوان العالم الخارجي ، ولكن عندما يصبح الفرد سهل الاستثارة يغضب لأتفه الأسباب وتزداد حدة انفعالاته لفترات طويلة فانه سوف يعانى من أعراض التوتر المستمر والقلق المزمن وضعف التركيز والإعياء الذهني و البدني وفقد الرغبة فى الاستمتاع بالحياة ، مع بعض الأعراض الاكتئابيه.

    والغضب مثل البخار المضغوط فى إناء محكم إذا لم يجد منفذاً لخروجه فانه يصيب الفرد بمرض أو أكثر من تلك المجموعة المسماة بالأمراض النفس- جسمية مثل قرحة المعدة وارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية والقولون العصبي والصداع العصبي المزمن .. الخ , ويعبر البعض عن ذلك بأن الغضب إذا لم يخرج فسوف يستقر فى أحشائك.

    وللرسول (ص) منهج فعال لتعديل السلوك فى حالات الغضب يتضمن عدة طرق وأساليب ناجحة نذكر أحدها وهو يهدف إلى طرد الأفكار الخاطئة المثيرة للانفعال أولاً بأول ، بتكرار وترديد بعض الآيات الكريمة "فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين" (المائدة 13) "ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور" (الشورى 43).والحديث الشريف "الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب" وأن يحاكى ويقلد الثبات والقوة النفسية والحلم فى نماذج الأنماط السلوكية للرسول الكريم (ص) ومنها أنه كان يوما يمشى ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه جذباً شديداً وكان عليه برد غليظ الحاشية ، قال "انس" رضي الله عنه : "حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه " فقال : "يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك " فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه ومنع الصحابة من التعرض له ، ولما أكثرت قريش إيذائه قال : "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وعفا عنهم جميعاً , تلك هي أعظم درجات القوة النفسية ودلالة اكتمال العقل وانكسار قوة الغضب وخضوعها (التام للعقل والحكمة (راجع التو كيدية والقوة النفسية).

    وإذا أردت التدريب على هذا المنهج عليك فى نهاية كل يوم أن تجلس فى خلوة علاجية مسترخياً على مقعد مريح وأن تأمر ذهنك بطرد كل الأفكار السلبية والهموم وأن تتأمل منهج الرسول الذى ذكرناه والمواقف العملية المثيرة للغضب التى تعرضت لها ومدى نجاحك فى تطبيق وتقليد هذا المنهج فى معالجتها .. وأن تتابع ذلك وتسجله فى مفكرتك الخاصة يومياً لمدة شهر وسوف تشعر بالقوة النفسية وتزايد قدراتك فى السيطرة على الغضب.





    --------------------------------------------------------------------------------
    * المصدر: موقع رامز طه
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-06-21
  9. حسين الشاوري

    حسين الشاوري عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-10
    المشاركات:
    25
    الإعجاب :
    0
    شكرا على هذا الموضوع الهادف لثقافة الردود والاستفادة من هذه التقنية ومن الوقت الذي نستغرقة , حقا لمن يريد الاستفادة من تقنية المعلومات يقراء الموضوع بتمعن , ويستحق التثبيت ,,,,,
    http://www.ye1.org/vb/showthread.php?p=2909247#post2909247
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-06-22
  11. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    اشكرك اخي المبارك وتعقيب مشكور
     

مشاركة هذه الصفحة