العروبة والقومية

الكاتب : الطالب   المشاهدات : 455   الردود : 0    ‏2002-10-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-17
  1. الطالب

    الطالب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-12-09
    المشاركات:
    2,162
    الإعجاب :
    0
    رغم كل الإحباط فمازال الحلم العربي كامنا تحت الشغاف، وهذه شهادة مليئة بالحب والحنين لهذا الحلم الذي لم يمت.

    يخطئ من اعتقد أن العروبة وقف على العرب المنحدرين من عدنان وقحطان وغسان، فالعربي ذلك الإنسان الذي اتخذ اللغة العربية لغة له، واعتز بالثقافة العربية وأخلص لها، واندمج في المجتمعات العربية سواء أكان في الأساس من أصول عربية أم لم يكن.

    فالعروبة ما كانت قبل الإسلام ولا بعده مقصورة على عرب الجزيرة العربية، فلقد كانت العروبة قبل ظهور الإسلام تضرب عروقها في أنحاء كثيرة من الأقاليم العربية، فليست هناك حواجز ولا موانع تصد الموجات المتدفقة من منبع العروبة- جزيرة العرب- إلى الشمال كالعراق والشام ومصر والشمال الأفريقي، كما أن الموجات التي سبقت موجة العروبة إلى هذه الأقاليم كالموجة الآرامية وبعض فروعها كالكنعانية والفينيقية ما كانت إلا طلائع لمقدم موجة العروبة الكاسحة الشاملة، وكثير من المثقفين يتحدثون عن العروبة وهم يقصدون القومية العربية فيندفعون في محاسبة العروبة حينما يودون محاسبة المسيرة القومية، وهم في اعتقادنا مخطئون في الحالتين، فالعروبة- كما أسلفنا- لا تعني غير الولاء للمواطنة في الأرض العربية، مع الاعتزاز بلغة العرب وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، أما القومية العربية، فهي التضامن العربي ليس غير، فكل عربي في بلاد العرب أو خارج بلاد العرب يؤمن بوجوب التضامن بين الشعوب العربية فهو قومي، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول إن كل قومي عروبي، وليس كل عروبي قومياً، ومعنى هذا أن محاسبة القومية العربية على الأخطاء في مسيرة العمل العربي غير جائزة، فهذه الأخطاء لم تصدر عن القومية العربية التي لا تعني غير التضامن العربي، وإنما تصدر عن بعض القادة الذين يتمرّدون على التضامن خدمة لطموحاتهم الفردية، وإشباعاً لعقد النقص التي يحملون.

    كيف نشأ التضامن العربي؟

    كثير من الناس يعتقدون أن التضامن العربي وليد القرن العشرين، وبعضهم يزعم أن ظهور القوميات في الغرب بعد الثورة الفرنسية قد أيقظ الشعور القومي في البلدان العربية، والحقيقة أن العرب كلما تكالبت عليهم الدول الطامعة، هبّوا ينشدون التضامن لصد أطماع الطامعين، فالأسواق التجارية التي أقاموها في الجاهلية لم تكن إلا سعياً وراء التضامن ومخاضاً لمقدم الدولة العربية الإسلامية، وقد أقيمت هذه الأسواق في دومة الجندل ببلاد الشام، وهجر في الإحساء، وصُحار ودبى في عمان وفي قرى الشحر وإرم وعدن وصنعاء، وفي ذي المجاز وعكاظ قرب البيت الحرام، فكل بلد من هذه البلدان كان يحظى بشهر يبيع فيه القوم ويشترون وينشدون الأشعار، ويتفاخرون وهم فرحون بذلك التجمّع الذي كان يضم اللامعين من الشعراء والخطباء والفرسان، ذلك أنهم صبروا طويلاً على طغيان الفرس والروم ثم فاجأهم طغيان جديد غزاهم في عقر دارهم، إنه الغزو الحبشي بقيادة أبرهة الذي ما اكتفى باحتلال اليمن فراح يسعى إلى هدم البيت العتيق.

    وهكذا كانت الأسواق التجارية التي أقاموها منتدى لتبادل الآراء والتعارف والتفاهم والدعوة إلى التضامن الذي يعرف اليوم بالقومية العربية.

    العروبة والقومية في مواجهة التتريك

    في مطلع القرن العشرين، وبعد سقوط السلطان عبدالمجيد، استشرت شوكة الضباط الأتراك المتحمّسين للطورانية، فأنشأوا جمعية تركيا الفتاة، وتنكّروا للروابط التي كانوا يتقرّبون بها نحو العرب، فلم يجد العرب بُدّاً من أن يتدبّروا الأمر، فأنشأوا الجمعيات السرية لإيقاظ التضامن والخروج من نير الخلافة العثمانية، وحينما دخلت استنبول الحرب إلى جانب ألمانيا عام 1914 ازداد نشاط الشباب العربي المطالب بالحرية والاستقلال، وتفجّرت الثورة العربية في الحجاز بقيادة الشريف حسين شريف مكة بتشجيع من الإنجليز بعد أن كالوا له الوعود بسخاء، والتف حول الثورة ضباط من أبناء مصر والعراق وسوريا ولبنان في مقدمتهم الجنرال عزيز باشا المصري، غير أن هذا لم يستمر طويلاً بعد أن وجد من ضابط المخابرات البريطاني لورانس شتى المتاعب والعراقيل، فقدم استقالته وعاد إلى القاهرة، وعرف في مصر بأبي الضباط الأحرار.

    ولما خرج الأتراك من اليمن والحجاز والعراق وبلاد الشام، وجد العرب أن الإنجليز والفرنسيين قد قسموا ما يعرف بالهلال الخصيب بينهم، فللإنجليز فلسطين والأردن والعراق، وللفرنسيين سوريا ولبنان، غير أن العرب لم يسكتوا على هذا الخداع والغدر، فاندلعت الثورة في مصر عام 1919 مطالبة بالحرية والاستقلال والديمقراطية الدستورية، وقامت ثورة الفرات، فزعزعت الوجود البريطاني في العراق، فاضطر الإنجليز إلى إنشاء مملكة دستورية ديمقراطية أحضروا لها من الحجاز الشريف فيصل بن الحسين عام 1921 بعد أن استقر شقيقه عبدالله في الأردن، وبقيت سوريا ولبنان وفلسطين تصارع الاحتلال ولم تهدأ الثورات فيها، ولعل ثورة سوريا عام 1925 من أهم الثورات التي تحدّث عنها الشعراء والأدباء في أعمالهم القلمية.

    اشتداد التضامن واندلاع الثورات

    وليس بخاف على المتتبع اللبيب أن طغيان الاستعمار قد ألهب الشعور القومي لدى العرب، ودفعهم نحو الثورة، وكان لثورة عبدالكريم الخطابي في المغرب وثورة عمر المختار في ليبيا أثر كبير في إيقاظ ذلك الشعور في مشرق الوطن الكبير ومغربه، وجاءت ثورة فلسطين عام 1936 احتجاجاً على السياسة الإنجليزية المنحازة نحو اليهود وتدفق الشباب العربي متطوعين في تلك الثورة التي قادها فوزي القاوقجي وأبوموسى عبدالقادر الحسيني شهيد معركة القسطل- رحمه الله-، ولاشك أن تلك الثورة التي تفجّرت في وجه الاستعمار البريطاني قد رفعت معنويات العرب وأعادت إليهم الثقة بأنفسهم، فقد جاءت في وقت بلغ فيه صلف الاستعمار مداه، وظلت مشتعلة أربع سنوات، وحالت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في سبتمبر 1939 دون استمرارها، وفي عام 1941 اختلف الساسة العراقيون والإنجليز على تفسير المعاهدة العراقية- البريطانية، وكان للجيش العراقي نفوذه على السياسيين العراقيين، فاندلعت الحرب بين القوات البريطانية والقوات العراقية، ووقف إلى جانب العراق كثير من أحرار العرب وفي مقدمتهم عزيز باشا المصري وعبدالقادر الحسيني، واستمرت الحرب شهراً كاملاً، وأعطى الإحساس بالحاجة إلى التضامن فهماً أقوى بعد الفشل الذي أصابها وسمح للقوات البريطانية بالسيطرة الكاملة على جميع مدن العراق، وأعدم كبار الضباط الذين كانوا يفرضون آراءهم على السياسيين، وهرب رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني إلى برلين ليحل ضيفاً على الزعيم النازي أدولف هتلر، وتسلل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى الرياض ليستجير بالملك عبدالعزيز آل سعود، وعاد إلى وطنه بعد سقوط النظام الملكي عام 1958، وكان لإنشاء جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1954 الفضل في دفع الشعور القومي إلى العمل والتنظيم في جميع الأقطار العربية، وكانت جلسات جامعة الدول العربية بمنزلة جلسات البرلمان الموحّد للأمة، ولو التزم العرب جميعا بما يتخذون من قرارات في الجامعة العربية لما حلت النكبات ببعض الأقاليم العربية بسبب جهل بعض القادة وغرورهم وتهوّرهم في اتخاذ القرارات.

    ثورة 23 يوليو 1952 في مصر

    قبل أن نتحدث عن ثورة 23 يوليو في مصر التي تأثرت بحرب فلسطين عام 1948 يجب علينا أن نذكر تأثير الثورات العربية على الطلائع الواعية في الجزيرة العربية، فعلى الرغم من سوء الاتصالات في ذلك الحين، وضعف البث الإذاعي، وقلة الصحف، وصعوبة التوزيع، فقد قامت ثورات متفرقة في أجزاء كثيرة من جنوب اليمن الخاضع للحماية البريطانية، وفي مملكة آل حميد الدين في اليمن الشمالي، فجّر بعض الضباط وفريق من الشباب المثقف ثورة عام 1948 قتل فيها الإمام يحيى حميد الدين، ولم تدم الحكومة الجديدة التي اشترك فيها سيف الإسلام إبراهيم نجل الإمام القتيل أكثر من شهر، وتسلم الأمور بعد فشل هذه الثورة الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، فأعدم طلائع تلك الحركة وفي مقدمتهم أخوه إبراهيم، وفي عام 1955 قام العقيد أحمد يحيى الثلايا بمحاصرة قصر الإمام أحمد في تعز حيث يقيم، وفرض عليه التنازل لأخيه سيف الإسلام عبدالله، فتظاهر بالقبول وتنازل واتصل سرّاً بالقبائل، فأطبقت بعد أيام على تعز وفشلت الحركة، وأعدم الثلايا وسيف الإسلام عبدالله، وكوكبة من العلماء والوجهاء الذين أيّدوا ذلك الانقلاب، ولم يهدأ المعارضون في الداخل والخارج للإمام أحمد حتى مات في سبتمبر 1962 فخلفه ابنه سيف الإسلام البدر، غير أن حكمه لم يستمر أكثر من أسبوعين، ثم قامت الجمهورية اليمنية بعون ودعم عظيمين من القيادة السياسية في مصر.

    لقد جاءت ثورة 23 يوليو في مصر انتصاراً مؤزراً للشباب العربي المؤمن بوحدة المصير في كل مكان من الأرض العربية، وشاء الله أن تحمل مصر هموم العروبة ولواء التضامن المنشود، وتقف في وجه التحديات كما وقفت في مواجهة التتار، وفي منازلة الصليبيين وتحرير بيت المقدس، وانطلق من القاهرة الصوت الشجاع القوي محذّراً من قبول الأحلاف الأجنبية، وكعقاب لمصر على موقفها الرافض لحلف بغداد سحبت فجأة الولايات المتحدة الأمريكية وعدها بالمساهمة في تمويل بناء السد العالي، فاضطر جمال عبدالناصر إلى تأميم قناة السويس صيف 1956.

    التضامن العربي أذهل الغزاة

    لم يقبل أقطاب الاستعمار في بريطانيا وفرنسا ما أقدم عليه عبدالناصر، فصمموا على غزو قناة السويس وإسقاط حكم عبدالناصر، وضمّوا إليهم إسرائيل، وحشدوا ما حشدوا من جيوش وأساطيل، وهجموا أواخر أكتوبر 1956، فالعقول الاستعمارية لم تقتنع بما استجد في العالم بعد ظهور الاتحاد السوفييتي والدول المتحالفة معه، ولم تكتف بما نهبت من ثروات الشرق أثناء تفرّدها بالقوة والبأس والجبروت، وقد اعتبرت تأميم قناة السويس بداية النهاية لذلك النهب والسلب والتفرّد، ومازج هذا الشعور لدى الفرنسيين حب الثأر من الثورة المصرية لوقوفها إلى جانب ثورة الجزائر بكل ما تملك من إمكانات، فكانت مشاركتها في العدوان الثلاثي أمنية حققها لها تهوّر ربيب الاستعمار المستر إيدن رئيس وزراء حزب المحافظين بلندن، أما ثالثة الأثافي- إسرائيل- فهي كيان أنشأته بريطانيا بوعد بلفور المشئوم، وأمرت مندوبها السامي في فلسطين بأن يفتح المواني لاستقبال هجرات اليهود من جميع شعوب الأرض، فتدفق إليها أكثر من ستمائة ألف مهاجر من البولنديين والأحباش والروس والرومانيين والأشكناز وكلهم لا يمتّون بصلة إلى بني إسرائيل الذين تتحدث عنهم التوراة، واحتلوا أرضاً ليست لهم بالظلم والعدوان، فلا عجب إذا ما لبى الصهاينة في إسرائيل دعوة المستر إيدن للاشتراك في العدوان وإسقاط عبدالناصر، ومهما كان الأمر، فلقد فجّرت معركة قناة السويس طاقات الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، فنسف العمال في سوريا أنابيب النفط الممتدة من العراق إلى البحر الأبيض المتوسط، ورفضوا في جميع المطارات والمواني العربية تقديم أي خدمات للطائرات والبواخر الإنجليزية والفرنسية، وعمّت التظاهرات جميع المدن العربية دون استثناء، وكانت تظاهرة نساء الكويت مفاجأة كبيرة، فقد خرجن لأول مرة في تاريخ البلاد مساء اليوم الذي تظاهر فيه الرجال في عدد غير قليل من السيارات، وكانت في مقدمة التظاهرة زوجة مدير الشرطة العام لمنع رجال الشرطة من الاقتراب من المسيرة، ولا ننسى قبل ذلك وبعد ذلك أن البلاد كانت تحت الحماية الإنجليزية، وتبرع الناس بسخاء للجيش المصري، ودارت معارك شرسة بين المصريين في بورسعيد والإنجليز ومن معهم من الأتباع استمرت أكثر من أسبوعين، وأصدر الروس إنذارهم المشهور، وكان الأمريكيون بقيادة الرئيس أيزنهاور قد أعلنوا رفضهم لذلك العدوان، وطلبوا من المعتدين مغادرة الأراضي المصرية.

    الارتباط بالأمة وجود

    ولقد أخطأ مَن قال إن القارة وجود، وارتباطه بها هو الأهم، أما القومية العربية فهي عاطفة، والصحيح أن القومية العربية- التي لا تعني غير التضامن- هي الوجود، والقارة ليست أكثر من وعاء لقوميات كثيرة، وما كان الوعاء أجل مما فيه، وقد خلق الله الأرض للإنسان بما فيها من زروع وأنعام، والقومية التي لا تعني غير التضامن مأخوذة من القوم، والقوم أهل الإنسان وعشيرته وبنو أمته، والعرب في قضاياهم الأساسية متفقون وان كان الاختلاف في بعض الفروع، ونحن في المشرق العربي يشدنا المصير المشترك بجميع العرب ولا تأثير لقارة آسيا علينا، فارتباطنا بالمملكة المغربية أهم بكثير من هذه الدولة الآسيوية أو تلك، والتركي- على سبيل المثال- لا يعنيه وجود جزء من بلاده في آسيا وجزء آخر في أوربا، فالمهم لديه الشعب الذي ينتمي إليه، وكذلك حال الشعوب الحيّة في كل مكان.


    تحياتي لكم
     

مشاركة هذه الصفحة