في الذكرى 33 لحركة 13 يونيو المجيده .. الحنين الى الأيام الخضر

الكاتب : الدقاري   المشاهدات : 1,410   الردود : 37    ‏2007-06-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-12
  1. الدقاري

    الدقاري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2007-04-19
    المشاركات:
    312
    الإعجاب :
    0
    حياتنا ليست حاضر ومستقبل فقط .. فالماضي هو محتوى تكويننا ، خطوط ملامحنا وشخصيتنا ، وإبراهيم الحمدي لحظة مضيئة في تاريخنا أضاء لفترة وجيزة ثم انطفأ .. بفعل يد غادرة .. خائنة .. خاطئة.. تمكنت منه بالاغتيال .. ومعه اغتالت آمالنا و أحلامنا وطموحاتنا الغضة والفتيه .
    في ذلك اليوم المشئوم 11 أكتوبر 1977 م ، كان الشعب اليمني المكافح والصابر على موعد مع النبأ الحزين ، في واحدة من أكثر لحظات تاريخه مأساوية وحزنا ، وديان اليمن وسهولها وجبالها بكت وناحت ، لقد فقدت القائد والأب والأخ والحبيب ، وحتى الآن ورغم مرور ما يقرب من ثلاثين عاما على استشهاده فان كثيرين من الذين شاءت أقدارهم أن يعيشوا تلك الأيام الرائعة ، لا يستطيعون أن يكبحوا جريان دمعات حزينة .. كلما استدعى الحديث أو التأمل ذكراه العطرة .

    للشباب الذين لم يقدر لهم أن يعيشوا تلك الفترة المضيئة من تاريخنا نقول ، كان إبراهيم الحمدي اصدق الرجال .. وأنزه الرجال .. واشرف الرجال .. حمل هموم شعبه باقتدار متنكرا لأي طموحات شخصيه ، أو فئوية ، أو قبليه ، واضعا الشعب ومصالحه قبل أي شخص وفوق كل اعتبار، ألهبت كلماته الصادقة والأمينة خيال الجماهير فراحت تنظر إلى المستقبل نظرة مليئة بالتفاؤل والثقة والتحدي ، وأعاد سلوكه العُمري إلى ذاكرة الناس قصصا عن أئمة وقادة ومصلحين عظام ، ظهروا في فترات مختلفة من تاريخ امتنا ، ثم أصبحوا في الوعي الشعبي نجوماً تنير وترشد ، في ساعات ظلام وتلبد .

    أتذكر ذلك اليوم 13/ يونيو / 1974 الذي أذيع فيه بيان إسقاط نظام القاضي عبد الرحمن الإرياني ، وتكوين مجلس قيادة برئاسة إبراهيم الحمدي ، حينها لم يحمل ذلك الحدث أي تفاؤل ،كانت حالة الإحباط واليأس قد بلغت لدى الناس أقصى درجاتها ، فاستقبلوا الحركة الجديدة بالريبة والشك ، ورددوا مع البردوني قصيدته الشهيرة التي قالها في أعقاب هذه الحركة :

    يا عم دبابات .. ماذا ترى ؟-------------- هذا انقلاب جدتي عارفه.

    وفيما بعد ... فقد غير البردوني رأيه في الحركة وقائدها ، واصفاً لها لاحقاً بأنها الفترة الذهبية في تاريخ الثورة اليمنية.
    كان أمراً ملفتاً في هذه الحركة أن يخرج الرئيس المنقلب عليه عبد الرحمن الإرياني من المطار إلى منفاه الاختياري في سوريا بكل الحفاوة والتكريم ، وعند سلم الطائرة يؤدي له قائد الانقلاب الجديد التحية العسكرية ،هو أمر غير مألوف في الانقلابات العربية .. ورغم أن هذا الموقف الإنساني لم يلفت إليه النظر حينها إلا من باب التعجب فقط ، إلا أن دلالاته كانت قوية وتكشف مبكرا عن سلمية ووعي القيادة الجديدة .
    ثم بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا ، صدر قرار بمنع استخدام ألقاب (فخامة وسيادة) واستبدل عنها بلقب(الأخ) ، ثم صدر قرار تحديد الرتب في القوات المسلحة وتم تخفيض الرتب بما فيها رتبة إبراهيم الحمدي نفسه لتكون أعلى رتبه هي رتبة (مقدم) ، وفي عام 1975 قام إبراهيم الحمدي بحركته التي أطلق عليها فيما بعد يوم الجيش حيث أزاح مراكز القوى الحزبية والقبلية من قيادة الجيش ، وكان ذلك بداية توجه الحمدي لتحويل هذه المؤسسة إلى مؤسسة وطنية ولاءها الوحيد لدينها وشعبها ،بعيدا عن الولاءات القبلية والحزبية والفئوية ، وللأسف فان الخطوات التي قام بها إبراهيم الحمدي في هذا السبيل قد تم التراجع عنها كلية بعد اغتياله ليعود الولاء القبلي هو الذي يحكم هذه المؤسسة بصورة أكثر صراحة وقبحا مما كان .

    ولا يكون الحديث عن إبراهيم الحمدي وعهدة الميمون مكتملاً بدون الحديث عن تجربه التعاونيات الأهلية التي كان له فضل إطلاقها وتبنيها ورعايتها ، ولعله من نافلة القول أن هذه التعاونيات التي انتشرت في المدن والقرى والنجوع لتشمل كل اليمن من أدناه إلى أقصاه ، هي التي قادت انجاز المشاريع ووصولها إلى كل القرى والأطراف والمناطق النائية ، وشمل انجازاتها شق الطرق ، وبناء المدارس ، والمستوصفات ، ومشاريع المياه ، والكهرباء ، وهذه الإنجازات لا تزال ماثله للعيان حتى اليوم .
    التفت إبراهيم الحمدي إلي الجهاز الإداري للدولة وأعلن الحرب على الفساد من خلال إصدار قرارات بإنشاء الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ، والنيابة الإدارية ، ومحكمة التأديب ، وتكوين لجان التصحيح المالي والإداري في عموم الجمهورية ، ورغم ماشاب تجربة لجان التصحيح من أخطاء تنفيذيه .. إلا أن انجازاتها كانت كبيرة جدا حيث حاصرت الفساد والمفسدين ، ولم يعد ممكنا استخدام الدولة وإمكانياتها لاضطهاد الناس ونهب ممتلكاتهم وأراضيهم كما هو الحال اليوم ، بل إن هذه اللجان أصبحت سيفا مشهرا بيد الشعب ، وكانت هذه اللجان تستمع إلى شكاوى المواطنين وتحيل أي مسئول للمحاكمة الإدارية إذا ثبت تعديه على حقوق مواطن أو ثبت تقاضيه للرشوة أو مد يده إلى المال العام .
    وفي مجال التعليم اهتم إبراهيم ببناء المدارس وكان حرصه الأكبر على بناءها في الريف و القرى النائية حيث اعتبر التعليم حقا مقدسا لكل طفل ، وتم تعميم التعليم الإلزامي للمراحل الأساسية ، وكانت الخدمة الإلزامية لخريجي الثانوية العامة هي التدريس في الريف لمدة عام .. وكانت تلك الخدمة شرطا لا غنى عنه للحصول على أي منحه دراسية إلى الخارج .. وبهذه الطريقة تمكن من توفير جيشا من المدرسين يقومون بمهمة التدريس في المناطق النائية .
    واهتم إبراهيم الحمدي بالمغتربين وعقد في عام 1976 أول مؤتمر للمغتربين وانشأ الإتحاد العام للمغتربين وفروعه في العديد من دول العالم لمتابعة مشاكل المغتربين وقضاياهم .
    وفي مجال الاقتصاد فقد عاش الناس حياة مستقرة وبمستوى معيشي ممتاز لم يكن يبعد كثيرا عن مستوى المعيشة في دول الخليج .. ويكفي للتدليل على هذا القول أن سعر صرف الريال لم يشهد أي تدهور في عهده .. حيث كان سعر الريال اليمني يعادل تقريبا سعر الريال السعودي .. كما وصل احتياط اليمن من العملة الصعبة إلى أعلى مستوياتها .. وكانت تلك واحدة من ثمرات الاهتمام بالمغتربين واعتبارهم رافدا هاما من روافد الاقتصاد الوطني.
    لقد تحولت حركة 13 يونيو من مجرد انقلاب عسكري إلى مشروع نهضوي وطني متكامل .. وتحول إبراهيم نفسه من مجرد قائد انقلاب .. إلى ضمير الشعب.. وملهمه .... والومضة المضيئة في حياته ، لم يعد الشعب يسير تائها على غير هدى بل أصبح لديه قائد مخلص أمين مقتدر ، ولم يعد الغد بالنسبة إلى الجماهير يوما غامضا لا تعرف ماذا ينتظرها فيه ، بل أصبح الغد بالنسبة إليها حياة مفعمة بالأمل .. تتطلع إليه بالحنين والشوق .
    من تجربتي الشخصية لتلك الأيام الجميلة ، أتذكر هذه الواقعة .. فقد علمنا أن إبراهيم الحمدي سوف يأتي لزيارة مدينتنا وسيصل إليها عند الظهر ، اتفقنا مجموعه من زملاء الفصل على أن نذهب مع جموع الناس لاستقباله ، وهكذا تسللنا خارجين من المدرسة وفي الدكان المجاور لمدرستنا.. تركنا كتبنا ودفاترنا .. وانطلقنا إلى حيث احتشدت جماهير المستقبلين عند مدخل المدينة .. كانت العين لا تخطيء علامات البهجة والفرح العفوي والغير متصنع من الناس البسطاء الذين تجمعوا ضحى ذلك اليوم .. وعندما لاح لنا الموكب قادما من بعيد ، انطلق الناس باتجاهه وهم يهتفون بحياته .. انطلقنا معهم ومرت سيارات الموكب الأمامية تطلب من الناس إفساح الطريق .. وبدا إبراهيم الحمدي في إحدى السيارات تعلو وجهه ابتسامة عريضة .. أتيحت الفرصة للبعض أن يقترب من الموكب محاولا مد يده لمصافحته .. وكان يبتسم بسعادة ويلوح لهم بيده .. ويشير لهم بعطف كي يبتعدوا قليلا عن السيارات المتحركة حتى لا يؤذي احدهم نفسه .. وما إن تجاوز الموكب حتى انطلقت الجماهير خلفه ينهبون الأرض عدواً إلى محل إقامته .. وعندما اكتمل وصول الناس ارتفعت الأصوات تطالب إبراهيم الحمدي بالخروج وإلقاء كلمة فيهم .. وهكذا كان فقد خرج إبراهيم إلى مدخل المبنى الذي احتشدت أمامه الآلاف من الجماهير .. بدأ خطابه مثلما كان يفعل دائما بالحمد لله والثناء على نعمائه .. ثم بالصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين .. تحدث عن الطموحات والآمال مثمناً ما تحقق منها ومطالباً الجماهير ببذل المزيد من الجهد والعمل لتحقيق ما لم يتحقق بعد ، وكانت الجماهير تتفاعل معه وتقاطعه بالهتاف ( ياحمدي هات هات ----- مكاسب وانتصارات ) .. ثم انتقل للحديث عن المشكلات والمعوقات التي تعترض مسيرة التنمية محذرا أولئك الذين يضعون العصيان في دواليب حركة التقدم بأن الشعب سوف يمضي في طريقه ولن تؤثر فيه مثل هذه الأعمال .. وتتجاوب الجماهير معه وكأنها تشعر وتحس بما يعانيه فتهتف ( ياحمدي سير سير --------- شعبنا لك نصير ) .. وهكذا يمضي الخطاب إلى نهايته ، ويستمر تفاعل الناس معه بالهتاف والتأييد ، يودع بعدها الحمدي الجماهير بالتلويح لها قبل أن يختفي مرة أخرى داخل المبنى .
    ورغم تعرضنا للعقاب في اليوم التالي في المدرسة بسبب مغامرتنا تلك ، إلا أنني أتذكرها باعتزاز ، فقد كانت المرة الأولى التي أرى واسمع فيها إبراهيم الحمدي بشكل مباشر ، وقد خرجت منها واثقا بإبراهيم الحمدي ومحبا له .. ثقة ومحبه عززتها الأيام اللاحقة وعمقتها أفعاله وإعماله .
    هذا ليس إلا غيض من فيض ، ولعله من المناسب التذكير أننا نتكلم عن تجربه لم يكتب لها أن تستمر أكثر من أربعين شهرا فقط ، لتذكرنا بأن فترة ولاية عمر بن عبد العزيز لم تدم سوى ثلاثون شهرا ، ومع ذلك فقد خُلدت في تاريخنا كواحدة من انصع صفحاته ، ولا يكاد يمر يوم دون يذكر الناس الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز ويدعون له بالرحمة والمغفرة ، مثلما يفعل اليمنيون اليوم مع إبراهيم الحمدي .. في حين طوت صفحة النسيان أولئك الذين حكموا عشرات السنين .. لكن حكمهم كان ابعد ما يكون عن الرشد ..... غفر الله لإبراهيم الحمدي وجزاه عنا خير الجزاء.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-06-12
  3. الدقاري

    الدقاري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2007-04-19
    المشاركات:
    312
    الإعجاب :
    0
    حياتنا ليست حاضر ومستقبل فقط .. فالماضي هو محتوى تكويننا ، خطوط ملامحنا وشخصيتنا ، وإبراهيم الحمدي لحظة مضيئة في تاريخنا أضاء لفترة وجيزة ثم انطفأ .. بفعل يد غادرة .. خائنة .. خاطئة.. تمكنت منه بالاغتيال .. ومعه اغتالت آمالنا و أحلامنا وطموحاتنا الغضة والفتيه .
    في ذلك اليوم المشئوم 11 أكتوبر 1977 م ، كان الشعب اليمني المكافح والصابر على موعد مع النبأ الحزين ، في واحدة من أكثر لحظات تاريخه مأساوية وحزنا ، وديان اليمن وسهولها وجبالها بكت وناحت ، لقد فقدت القائد والأب والأخ والحبيب ، وحتى الآن ورغم مرور ما يقرب من ثلاثين عاما على استشهاده فان كثيرين من الذين شاءت أقدارهم أن يعيشوا تلك الأيام الرائعة ، لا يستطيعون أن يكبحوا جريان دمعات حزينة .. كلما استدعى الحديث أو التأمل ذكراه العطرة .

    للشباب الذين لم يقدر لهم أن يعيشوا تلك الفترة المضيئة من تاريخنا نقول ، كان إبراهيم الحمدي اصدق الرجال .. وأنزه الرجال .. واشرف الرجال .. حمل هموم شعبه باقتدار متنكرا لأي طموحات شخصيه ، أو فئوية ، أو قبليه ، واضعا الشعب ومصالحه قبل أي شخص وفوق كل اعتبار، ألهبت كلماته الصادقة والأمينة خيال الجماهير فراحت تنظر إلى المستقبل نظرة مليئة بالتفاؤل والثقة والتحدي ، وأعاد سلوكه العُمري إلى ذاكرة الناس قصصا عن أئمة وقادة ومصلحين عظام ، ظهروا في فترات مختلفة من تاريخ امتنا ، ثم أصبحوا في الوعي الشعبي نجوماً تنير وترشد ، في ساعات ظلام وتلبد .

    أتذكر ذلك اليوم 13/ يونيو / 1974 الذي أذيع فيه بيان إسقاط نظام القاضي عبد الرحمن الإرياني ، وتكوين مجلس قيادة برئاسة إبراهيم الحمدي ، حينها لم يحمل ذلك الحدث أي تفاؤل ،كانت حالة الإحباط واليأس قد بلغت لدى الناس أقصى درجاتها ، فاستقبلوا الحركة الجديدة بالريبة والشك ، ورددوا مع البردوني قصيدته الشهيرة التي قالها في أعقاب هذه الحركة :

    يا عم دبابات .. ماذا ترى ؟-------------- هذا انقلاب جدتي عارفه.

    وفيما بعد ... فقد غير البردوني رأيه في الحركة وقائدها ، واصفاً لها لاحقاً بأنها الفترة الذهبية في تاريخ الثورة اليمنية.
    كان أمراً ملفتاً في هذه الحركة أن يخرج الرئيس المنقلب عليه عبد الرحمن الإرياني من المطار إلى منفاه الاختياري في سوريا بكل الحفاوة والتكريم ، وعند سلم الطائرة يؤدي له قائد الانقلاب الجديد التحية العسكرية ،هو أمر غير مألوف في الانقلابات العربية .. ورغم أن هذا الموقف الإنساني لم يلفت إليه النظر حينها إلا من باب التعجب فقط ، إلا أن دلالاته كانت قوية وتكشف مبكرا عن سلمية ووعي القيادة الجديدة .
    ثم بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا ، صدر قرار بمنع استخدام ألقاب (فخامة وسيادة) واستبدل عنها بلقب(الأخ) ، ثم صدر قرار تحديد الرتب في القوات المسلحة وتم تخفيض الرتب بما فيها رتبة إبراهيم الحمدي نفسه لتكون أعلى رتبه هي رتبة (مقدم) ، وفي عام 1975 قام إبراهيم الحمدي بحركته التي أطلق عليها فيما بعد يوم الجيش حيث أزاح مراكز القوى الحزبية والقبلية من قيادة الجيش ، وكان ذلك بداية توجه الحمدي لتحويل هذه المؤسسة إلى مؤسسة وطنية ولاءها الوحيد لدينها وشعبها ،بعيدا عن الولاءات القبلية والحزبية والفئوية ، وللأسف فان الخطوات التي قام بها إبراهيم الحمدي في هذا السبيل قد تم التراجع عنها كلية بعد اغتياله ليعود الولاء القبلي هو الذي يحكم هذه المؤسسة بصورة أكثر صراحة وقبحا مما كان .

    ولا يكون الحديث عن إبراهيم الحمدي وعهدة الميمون مكتملاً بدون الحديث عن تجربه التعاونيات الأهلية التي كان له فضل إطلاقها وتبنيها ورعايتها ، ولعله من نافلة القول أن هذه التعاونيات التي انتشرت في المدن والقرى والنجوع لتشمل كل اليمن من أدناه إلى أقصاه ، هي التي قادت انجاز المشاريع ووصولها إلى كل القرى والأطراف والمناطق النائية ، وشمل انجازاتها شق الطرق ، وبناء المدارس ، والمستوصفات ، ومشاريع المياه ، والكهرباء ، وهذه الإنجازات لا تزال ماثله للعيان حتى اليوم .
    التفت إبراهيم الحمدي إلي الجهاز الإداري للدولة وأعلن الحرب على الفساد من خلال إصدار قرارات بإنشاء الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ، والنيابة الإدارية ، ومحكمة التأديب ، وتكوين لجان التصحيح المالي والإداري في عموم الجمهورية ، ورغم ماشاب تجربة لجان التصحيح من أخطاء تنفيذيه .. إلا أن انجازاتها كانت كبيرة جدا حيث حاصرت الفساد والمفسدين ، ولم يعد ممكنا استخدام الدولة وإمكانياتها لاضطهاد الناس ونهب ممتلكاتهم وأراضيهم كما هو الحال اليوم ، بل إن هذه اللجان أصبحت سيفا مشهرا بيد الشعب ، وكانت هذه اللجان تستمع إلى شكاوى المواطنين وتحيل أي مسئول للمحاكمة الإدارية إذا ثبت تعديه على حقوق مواطن أو ثبت تقاضيه للرشوة أو مد يده إلى المال العام .
    وفي مجال التعليم اهتم إبراهيم ببناء المدارس وكان حرصه الأكبر على بناءها في الريف و القرى النائية حيث اعتبر التعليم حقا مقدسا لكل طفل ، وتم تعميم التعليم الإلزامي للمراحل الأساسية ، وكانت الخدمة الإلزامية لخريجي الثانوية العامة هي التدريس في الريف لمدة عام .. وكانت تلك الخدمة شرطا لا غنى عنه للحصول على أي منحه دراسية إلى الخارج .. وبهذه الطريقة تمكن من توفير جيشا من المدرسين يقومون بمهمة التدريس في المناطق النائية .
    واهتم إبراهيم الحمدي بالمغتربين وعقد في عام 1976 أول مؤتمر للمغتربين وانشأ الإتحاد العام للمغتربين وفروعه في العديد من دول العالم لمتابعة مشاكل المغتربين وقضاياهم .
    وفي مجال الاقتصاد فقد عاش الناس حياة مستقرة وبمستوى معيشي ممتاز لم يكن يبعد كثيرا عن مستوى المعيشة في دول الخليج .. ويكفي للتدليل على هذا القول أن سعر صرف الريال لم يشهد أي تدهور في عهده .. حيث كان سعر الريال اليمني يعادل تقريبا سعر الريال السعودي .. كما وصل احتياط اليمن من العملة الصعبة إلى أعلى مستوياتها .. وكانت تلك واحدة من ثمرات الاهتمام بالمغتربين واعتبارهم رافدا هاما من روافد الاقتصاد الوطني.
    لقد تحولت حركة 13 يونيو من مجرد انقلاب عسكري إلى مشروع نهضوي وطني متكامل .. وتحول إبراهيم نفسه من مجرد قائد انقلاب .. إلى ضمير الشعب.. وملهمه .... والومضة المضيئة في حياته ، لم يعد الشعب يسير تائها على غير هدى بل أصبح لديه قائد مخلص أمين مقتدر ، ولم يعد الغد بالنسبة إلى الجماهير يوما غامضا لا تعرف ماذا ينتظرها فيه ، بل أصبح الغد بالنسبة إليها حياة مفعمة بالأمل .. تتطلع إليه بالحنين والشوق .
    من تجربتي الشخصية لتلك الأيام الجميلة ، أتذكر هذه الواقعة .. فقد علمنا أن إبراهيم الحمدي سوف يأتي لزيارة مدينتنا وسيصل إليها عند الظهر ، اتفقنا مجموعه من زملاء الفصل على أن نذهب مع جموع الناس لاستقباله ، وهكذا تسللنا خارجين من المدرسة وفي الدكان المجاور لمدرستنا.. تركنا كتبنا ودفاترنا .. وانطلقنا إلى حيث احتشدت جماهير المستقبلين عند مدخل المدينة .. كانت العين لا تخطيء علامات البهجة والفرح العفوي والغير متصنع من الناس البسطاء الذين تجمعوا ضحى ذلك اليوم .. وعندما لاح لنا الموكب قادما من بعيد ، انطلق الناس باتجاهه وهم يهتفون بحياته .. انطلقنا معهم ومرت سيارات الموكب الأمامية تطلب من الناس إفساح الطريق .. وبدا إبراهيم الحمدي في إحدى السيارات تعلو وجهه ابتسامة عريضة .. أتيحت الفرصة للبعض أن يقترب من الموكب محاولا مد يده لمصافحته .. وكان يبتسم بسعادة ويلوح لهم بيده .. ويشير لهم بعطف كي يبتعدوا قليلا عن السيارات المتحركة حتى لا يؤذي احدهم نفسه .. وما إن تجاوز الموكب حتى انطلقت الجماهير خلفه ينهبون الأرض عدواً إلى محل إقامته .. وعندما اكتمل وصول الناس ارتفعت الأصوات تطالب إبراهيم الحمدي بالخروج وإلقاء كلمة فيهم .. وهكذا كان فقد خرج إبراهيم إلى مدخل المبنى الذي احتشدت أمامه الآلاف من الجماهير .. بدأ خطابه مثلما كان يفعل دائما بالحمد لله والثناء على نعمائه .. ثم بالصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين .. تحدث عن الطموحات والآمال مثمناً ما تحقق منها ومطالباً الجماهير ببذل المزيد من الجهد والعمل لتحقيق ما لم يتحقق بعد ، وكانت الجماهير تتفاعل معه وتقاطعه بالهتاف ( ياحمدي هات هات ----- مكاسب وانتصارات ) .. ثم انتقل للحديث عن المشكلات والمعوقات التي تعترض مسيرة التنمية محذرا أولئك الذين يضعون العصيان في دواليب حركة التقدم بأن الشعب سوف يمضي في طريقه ولن تؤثر فيه مثل هذه الأعمال .. وتتجاوب الجماهير معه وكأنها تشعر وتحس بما يعانيه فتهتف ( ياحمدي سير سير --------- شعبنا لك نصير ) .. وهكذا يمضي الخطاب إلى نهايته ، ويستمر تفاعل الناس معه بالهتاف والتأييد ، يودع بعدها الحمدي الجماهير بالتلويح لها قبل أن يختفي مرة أخرى داخل المبنى .
    ورغم تعرضنا للعقاب في اليوم التالي في المدرسة بسبب مغامرتنا تلك ، إلا أنني أتذكرها باعتزاز ، فقد كانت المرة الأولى التي أرى واسمع فيها إبراهيم الحمدي بشكل مباشر ، وقد خرجت منها واثقا بإبراهيم الحمدي ومحبا له .. ثقة ومحبه عززتها الأيام اللاحقة وعمقتها أفعاله وإعماله .
    هذا ليس إلا غيض من فيض ، ولعله من المناسب التذكير أننا نتكلم عن تجربه لم يكتب لها أن تستمر أكثر من أربعين شهرا فقط ، لتذكرنا بأن فترة ولاية عمر بن عبد العزيز لم تدم سوى ثلاثون شهرا ، ومع ذلك فقد خُلدت في تاريخنا كواحدة من انصع صفحاته ، ولا يكاد يمر يوم دون يذكر الناس الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز ويدعون له بالرحمة والمغفرة ، مثلما يفعل اليمنيون اليوم مع إبراهيم الحمدي .. في حين طوت صفحة النسيان أولئك الذين حكموا عشرات السنين .. لكن حكمهم كان ابعد ما يكون عن الرشد ..... غفر الله لإبراهيم الحمدي وجزاه عنا خير الجزاء.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-06-13
  5. مجلي ولد مجلي

    مجلي ولد مجلي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-10-13
    المشاركات:
    328
    الإعجاب :
    0
    ثور حي يمدح ثور مذبوح
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-06-13
  7. مجلي ولد مجلي

    مجلي ولد مجلي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-10-13
    المشاركات:
    328
    الإعجاب :
    0
    ثور حي يمدح ثور مذبوح
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-06-13
  9. شعب عرطه

    شعب عرطه عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-16
    المشاركات:
    127
    الإعجاب :
    0

    اعتقد ان الموضوع يستحق التثبيت ، اكراما للشهيد الكبير ولمرحلة هامة من تاريخ شعبنا .. ويا اخ مجلي لا يجب ان نصف رموزنا الوطنيه خصوصا هؤلاء الذين كرسوا حياتهم لخدمة شعبهم وضحوا بحياتهم من اجله بمثل هذه الأوصاف على الأقل اذا لم تقل كلمة تمجيد لتاريخه فقل الله يرحمه ويغفر له ويجب ان نكون مدركين ان اغتيال ابراهيم الحمدي لم يكن موجه لشخصه كشخص ولكن كمشروع وطني ويكفيه شرف ان ضحى من اجل تقدم ورفعة شعبه ، اللهم ارحم ابراهيم الحمدي واكرم مثواه وانتقم ممن قتله
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-06-13
  11. شعب عرطه

    شعب عرطه عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-16
    المشاركات:
    127
    الإعجاب :
    0

    اعتقد ان الموضوع يستحق التثبيت ، اكراما للشهيد الكبير ولمرحلة هامة من تاريخ شعبنا .. ويا اخ مجلي لا يجب ان نصف رموزنا الوطنيه خصوصا هؤلاء الذين كرسوا حياتهم لخدمة شعبهم وضحوا بحياتهم من اجله بمثل هذه الأوصاف على الأقل اذا لم تقل كلمة تمجيد لتاريخه فقل الله يرحمه ويغفر له ويجب ان نكون مدركين ان اغتيال ابراهيم الحمدي لم يكن موجه لشخصه كشخص ولكن كمشروع وطني ويكفيه شرف ان ضحى من اجل تقدم ورفعة شعبه ، اللهم ارحم ابراهيم الحمدي واكرم مثواه وانتقم ممن قتله
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-06-13
  13. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    مـوضوع ممـتاز للغـاية ولكـنه طــــويل والكسالى كـثير :)

    إن شاء الله نرى إبراهيم حمدي جديد

    تحيتي
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-06-13
  15. يحي الجبر

    يحي الجبر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-09-08
    المشاركات:
    22,915
    الإعجاب :
    2
    مـوضوع ممـتاز للغـاية ولكـنه طــــويل والكسالى كـثير :)

    إن شاء الله نرى إبراهيم حمدي جديد

    تحيتي
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-06-13
  17. ibnalyemen

    ibnalyemen علي احمد بانافع مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-15
    المشاركات:
    20,912
    الإعجاب :
    703
    كان أمراً ملفتاً في هذه الحركة أن يخرج الرئيس المنقلب عليه عبد الرحمن الإرياني من المطار إلى منفاه الاختياري في سوريا بكل الحفاوة والتكريم ، وعند سلم الطائرة يؤدي له قائد الانقلاب الجديد التحية العسكرية ،هو أمر غير مألوف في الانقلابات العربية .. ورغم أن هذا الموقف الإنساني لم يلفت إليه النظر حينها إلا من باب التعجب فقط ، إلا أن دلالاته كانت قوية وتكشف مبكرا عن سلمية ووعي القيادة الجديدة
    ==================
    نعم خرج الى منفاه الاختياري بينما رؤسائنا يخرجون الى مثواهم الاجباري بارك الله فيك ونقول نحن مثقفين وواعيين اعتبرو يا اخواني من ابناء المحافظات الشمالية.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-06-13
  19. شعب عرطه

    شعب عرطه عضو

    التسجيل :
    ‏2007-04-16
    المشاركات:
    127
    الإعجاب :
    0
    للتثبيـــــــــــــــــــــــــــــــت
     

مشاركة هذه الصفحة