العقيدة في الفكر السلفي بين السِجالية والإحيائية

الكاتب : ذو الثدية   المشاهدات : 690   الردود : 1    ‏2007-06-12
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-12
  1. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0

    العقيدة في الفكر السلفي بين السِجالية والإحيائية
    بسام ناصر

    احتلت العقيدة في الفكر السلفي ـ قديما وحديثا ـ موقعا مركزيا هاما, وكانت لها الأولوية لما يترتب عليها من تصنيف الفرق, وتحديد وتوصيف من هم أهل السنة والجماعة, فمنذ أن بدأت الفتن الداخلية تعصف بكيان الأمة في تاريخ الإسلام المبكر, على إثر الخلافات السياسية بين الصحابة رضي الله عنهم, وما نتج عن تلك الخلافات من ظهور فرق جديدة لها مقولاتها وأفكارها, أخذ الاهتمام بالعقيدة والاشتغال بها طابعا سجاليا, ينحو منحىً جدلياً يروم فيه كل طرف إثبات مقولاته, وإبطال مقولات الآخرين, وتفنيد دعاويهم حتى وقعت فتنة خلق القرآن, والتي انتقل معها الخلاف من ميادين النظر والجدل إلى ميادين الامتحان العملي, والإكراه السلطوي, حيث لجأ المعتزلة ـ وهم أهل السلطة والحكم ـ إلى امتحان الفقهاء والمحدثين في مسألة خلق القرآن, والذين كان على رأسهم وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل.

    لقد أشغلت تلك الخلافات وما ترتب عليها من ظهور الفرق, المسلمين في بحث ومناقشة قضايا ومسائل لم تكن معروفة في عهد النبوة, وجيل الخلافة الراشدة الأول, وقد كان من تأثير ذلك أن تحولت العقيدة من قوة حيوية دافعة, تفجر الطاقات الإنسانية وتوظفها في حراك اجتماعي نابص, إلى تقريرات جافة باردة, وصياغات مقننة تقنينا منطقيا, وبحوث فلسفية ذهنية تجريدية, ترهق الناظر فيها, وتحمله على الكلل والملل.

    كتب العقائد ومنهجية المصنفين

    يسترعي انتباه الدارس لكتب العقائد السلفية, بأن ثمة دوافع ظاهرة تحكم منهجية المصنفين, وتوجه جهودهم, تتمثل في صيانة العقيدة وحفظها من دَخَن الفرق وإنحرافاتها, إنه الجهد الساعي لحفظ الهوية السلفية, والمنافح عنها, وردّ الضلالات الطارئة والدخيلة, وقد تجلى ذلك في فترة مبكرة من تاريخ العقائد الإسلامية, حينما تصدى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله للرد على الزنادقة والجهمية, وزعيمهم الجهم بن صفوان في الكتاب المنسوب إليه وهو "كتاب الرد على الزنادقة والجهمية", حيث قال في وصف أهل الأهواء والبدع "الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة فهم مختلفون في الكتاب, مخالفون للكتاب, مجمعون على مفارقة الكتاب بقول على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم, يتكلمون بالمتشابه من الكلام, ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم, فنعوذ بالله من فتن المضلين".

    لقد تتابعت الكتب المقررة لعقائد أهل السنة والجماعة, والمبينة لمنهج السلف في النظر والاستدلال, والموضحة لمصادر التلقي عندهم, والكاشفة لعقائد الفرق المبتدعة, كالجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج والمرجئة,.. ولعل من أشهر تلك الكتب وأكثرها تداولاً الكتب التالية: (كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل), (كتاب الشريعة لأبي بكر الآجري), (الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري), (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة العكبري), (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي), (عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني).

    وقد تناول هذه الكتب في دراسة ناقدة الكاتب والباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي في رسالة له بعنوان: "قراءة في كتب العقائد", وقد ضمنها جملة من الآراء والأفكار المخالفة للمقرر والمعتمد في تلك الكتب, وبسبب مصادمة آراء وأفكار حسن المالكي لكثير من أصول وعقائد السلف, كآرائه في الصحابة, وتفريقه بين الصحبة الشرعية واللغوية, ورميه للسلف والحنابلة ـ كما يقول الدكتور ناصر العقل ـ بعظائم الأمور والطوام من التكفير والبديع والنصب, والجبر واللعن والشتم, وكثرة الأكاذيب والأحاديث الموضوعة والآثار الباطلة والتجسيم والتشبيه... فقد أثارت ردود فعل ساخطة, حيث تكاثرت وتوالت الكتب والرسائل المؤلفة في الرد عليه, وهذه بعض عناوينها: "كشف شبهات حسن المالكي للشيخ ناصر بن حمد الفهد", "سرقات حسن المالكي للشيخ سليمان الخراشي", "الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ للشيخ سلمان العودة", الاستنفار للذب عن الصحابة الأخيار للشيخ سليمان بن ناصر العلوان", "حراسة العقيدة للدكتور ناصر العقل", "الانتصار للصحابة الأخيار في ردّ أباطيل حسن المالكي للشيخ عبد المحسن العباد".

    العقيدة: مرافعات واتهامات

    لقد غدت المعالجة السلفية لموضوعات العقيدة في كثير من صورها وإنتاجاتها, تشاكل أعمال المحاماة, فهي تشتد في مرافعاتها الدفاعية عن عقيدة السلف, وتحشد كل الأدلة والحجج, وفي الوقت ذاته توغل في تضليل عقائد الفرق الأخرى وتجريمها, ولا تتردد في وصفها وتصنيفها في إطار أهل البدع والأهواء والمذاهب الردية, ولعل هذه الجوانب الدفاعية والتجريمية التي غلبت على أداء مرجع كبير من مراجعها, ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية, حيث عُرف واشتهر بالمجادل والمنافح والمقرر لعقائد السلف والذاب عنها, والناقد والناقض (مع التزامه الصارم بمعايير العدل والعلم) لعقائد الآخرين, ببيان وجوه مخالفتهم لعقائد أهل السنة هي التي حملت الشيخ أبو الحسن الندوي على عقد فصل بعنوان: "اكتشاف جديد في شخصية ابن تيمية", في كتابه "ربانية لا رهبانية", أورد فيه أغلب ما وقع تحت يديه من وجوه وصور التعبد والتبتل والإكثار من الذكر والتخلق بأخلاق العلماء الربانيين, والتي قل ذكرها, وضعف تداولها في شخصية ابن تيمية, ولا يخفى أن الشيخ الندوي أراد بذلك إحداث التوازن بين الجانب النظري السجالي, والجانب العملي السلوكي, متوسلا إلى ذلك في إبراز وإظهار الوجه الآخر من شخصية ابن تيمية.

    لم يَعد الخطاب السلفي في العقود الأخيرة, في تناوله لموضوعات العقيدة, يحصر نقده ونقضه بالفرق الأخرى, بل ارتدت الروح السجالية الاتهامية لتصيب اتجاهات السلفيين أنفسها, فقد وقع الخلاف بينها في مسمى الإيمان, ومسألة الأسماء والأحكام, وكثرت الردود والمساجلات, ومعها انتعشت مسميات قديمة كالخوارج والمرجئة, وأخذ السلفيون يتراشقونها فيما بينهم, وقد انعكس ذلك على مجمل حركتهم, ومما يؤسف له أنك ترى الشباب الأتباع يرددون عبارات, ويتفوهون بكلمات دون فهم لدلالتها, واستيعاب لمضامينها, وفي غمرة تلك الأجواء المحمومة, والمساجلات الساخنة الموتورة, يتساءل المرء أين هو الدور الاجتماعي للدين؟ ومن للعقيدة بحوافزها المحركة, ودوافعها المهيجة, يوظفها في عملية إحيائية تنقل الأفراد من السلبية والتواكل, وتُنْهض الشعوب المسلمة من حالة الركود والتخلف واللافاعلية؟

    العقيدة والوظيفة الإحيائية

    من المقرر عند علماء العقيدة أن أئمة السلف لم يدخلوا معمعة مجادلة أهل الأهواء والبدع مختارين راغبين, بل ارتادوا ذلك الميدان مضطرين مكرهين, ولعل كلام السيوطي في إبطال قول من قال "إنه لا يُحتج بالسنة, إنما يُحتج بالقرآن وحده!" يعبر عن موقفهم ذاك بوضوح تام حيث قال: "اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أن من العلم كهيئة الدواء, ومن الآراء كهيئة الخلاء, لا تُذكر إلا عند الضرورة" إلى أن قال: "وهذه آراء ما كنت أستحلُّ حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان هذا المذهب الفاسد, الذي كان الناس في راحة منه أعصار" (نقلاً عن الانتصار للصحابة الأخيار للشيخ عبد المحسن البدر).

    لقد انتشرت تلك الفرق, وذاعت مقولاتها, ووجد لها أنصار وأتباع, بل نالت بعضها من الحظوة والقبول عند أهل السلطة والحكم مما جعلهم يقررونها ويتبنونها على أنها المذهب الواجب اعتقاده واللازم اتباعه, مما ألجأ أئمة السلف إلى معالجة تلك القضايا بما يتناسب مع وجودها في زمانهم, فصنفوا ما صنفوا, وجادلوا ما وسعهم الجدل بالتي هي أحسن, فهل يكون من لوازم الأخذ بمنهج السلف الصالح في زماننا خوص المعارك ذاتها, والاشتغال بالمسائل إياها؟ أم أن أصول منهجهم تلزم الأتباع المعاصرين أن ينظروا في انحرافات عصرهم, وهموم وقتهم, ومشاكل زمانهم, فيشتغلوا بعلاجها, ويوجهوا طاقاتهم إلى التقليل من شرورها؟

    وفي الوقت ذاته لماذا يُحصر الاهتمام بالعقيدة في الدور السجالي, وتضعف العناية بالوظيفية الإحيائية, إحياء النفوس, وإحياء الأمم, فأين علماء العقيدة وأئمة التوحيد المعاصرين, الذين يعمقون المستوى الإيماني في قلوب المسلمين, وأين هم شيوخ العلم حتى يشيعوا في الأمة "الإخلاص, والربانية, والحنان والعاطفة, والإقدام والشهامة, التي نحتاج إليها للتضحية والفداء, وبذل المهج والأرواح, والجهاد والكفاح والتجديد والإصلاح.. والتي لا تنشأ ولا تظهر ـ في أكثر الأحيان ـ إلا بعد صفاء الروح, وتهذيب النفس, والرياضة (أي المجاهدة), والعبادة, لذلك نرى أن أكثر من قاموا بدور التجديد والجهاد في تاريخ الإسلام كانوا يتمتعون بمكانة روحية سامية" (من كلام الشيخ الندوي في "ربانية لا رهبانية ص106-107).

    ومما لا شك في أن الإيمان درجات ومستويات, يقول العلامة ملا علي القارئ: "فإنّ تفاوت نور كلمة التوحيد في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى, فمن الناس من نورها في قلبه كالشمس, ومنهم كالقمر, ومنهم كالكوكب الدريّ, ومنهم كالمشعل العظيم, وآخر كالسراج الضعيف.. وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظمت مرتبتها, أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوتها, بحيث ربما وصل إلى حال لا يصادف شبهةً ولا شهوةً إلا أحرقها". فما هو السبيل إلى تحقيق الدرجات العليا من الإيمان, بحيث يكتسب المسلم معها حالة إيمانية تكون معها كلمة التوحيد مشرقة وضاءة, تسطع أنوارها كالشمس في قلبه؟ أو كما جاء في تسلسل الوصف الآنف ذكره, أيكون ذلك بالإغراق في الردود والمساجلات؟ أم يكون في المناكفات والمهاترات؟ إنك تجد من يحفظ العقيدة في متونها, ومنظوماتها, وشروحاتها, غير أنه جافي الطباع, حاد المزاج, رقيق الدين, قليل العبادة, الأمر الذي يثير تساؤلا حول جدوى الاشتغال بعلم العقيدة, مع خلو الوفاض من ثمراتها العملية, وآثارها الحياتية السلوكية.

    يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله ناصحا أحد تلاميذه: "لو قرأت العلم مائة سنة, وجمعت ألف كتاب, لا تكون مستعداً لرحمة الله تعالى إلا بالعمل, لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}, وقوله تعالى:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا}, وقوله تعالى: {جزاءً بما كانوا يكسبون}, وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}.

    ثمة فرق كبير بين من يتعاطى مع العقيدة, مكثفا خطابه, حاشدا طاقته, ليمثل دور المحامي, الذي يقدم المرافعات والطعون, مكثرا من الأدلة والبينات والحجج, وبين من يتلقى العقيدة من جذورها وأصولها وفق المنهج القرآني بحلاوته وطلاوته, كما تلقاها الصحابة رضي الله عنهم, فهبت رياح الإيمان محدثة ذلك التغير في مجرى التاريخ, لأن تلك الرياح الإيمانية "إذا هبت ـ كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي ـ جاءت بالأعاجيب في العقيدة, والأعمال, والأخلاق, ورأى الناس روائع من الشجاعة واليقين, والعفّة والأمانة, والإيثار وهضم النفس, وروح التطوّع والاحتساب, والتواضع في المظاهر, وكِبَر النفس, وسمو النظر, ورأوْا آيات من العدل والرحمة, والمحبة والوفاء, كادوا ينْسُونها, ويقْطعون منها الرجاء" (إذا هبت ريح الإيمان ص:7).​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-06-12
  3. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0

    العقيدة في الفكر السلفي بين السِجالية والإحيائية
    بسام ناصر

    احتلت العقيدة في الفكر السلفي ـ قديما وحديثا ـ موقعا مركزيا هاما, وكانت لها الأولوية لما يترتب عليها من تصنيف الفرق, وتحديد وتوصيف من هم أهل السنة والجماعة, فمنذ أن بدأت الفتن الداخلية تعصف بكيان الأمة في تاريخ الإسلام المبكر, على إثر الخلافات السياسية بين الصحابة رضي الله عنهم, وما نتج عن تلك الخلافات من ظهور فرق جديدة لها مقولاتها وأفكارها, أخذ الاهتمام بالعقيدة والاشتغال بها طابعا سجاليا, ينحو منحىً جدلياً يروم فيه كل طرف إثبات مقولاته, وإبطال مقولات الآخرين, وتفنيد دعاويهم حتى وقعت فتنة خلق القرآن, والتي انتقل معها الخلاف من ميادين النظر والجدل إلى ميادين الامتحان العملي, والإكراه السلطوي, حيث لجأ المعتزلة ـ وهم أهل السلطة والحكم ـ إلى امتحان الفقهاء والمحدثين في مسألة خلق القرآن, والذين كان على رأسهم وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل.

    لقد أشغلت تلك الخلافات وما ترتب عليها من ظهور الفرق, المسلمين في بحث ومناقشة قضايا ومسائل لم تكن معروفة في عهد النبوة, وجيل الخلافة الراشدة الأول, وقد كان من تأثير ذلك أن تحولت العقيدة من قوة حيوية دافعة, تفجر الطاقات الإنسانية وتوظفها في حراك اجتماعي نابص, إلى تقريرات جافة باردة, وصياغات مقننة تقنينا منطقيا, وبحوث فلسفية ذهنية تجريدية, ترهق الناظر فيها, وتحمله على الكلل والملل.

    كتب العقائد ومنهجية المصنفين

    يسترعي انتباه الدارس لكتب العقائد السلفية, بأن ثمة دوافع ظاهرة تحكم منهجية المصنفين, وتوجه جهودهم, تتمثل في صيانة العقيدة وحفظها من دَخَن الفرق وإنحرافاتها, إنه الجهد الساعي لحفظ الهوية السلفية, والمنافح عنها, وردّ الضلالات الطارئة والدخيلة, وقد تجلى ذلك في فترة مبكرة من تاريخ العقائد الإسلامية, حينما تصدى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله للرد على الزنادقة والجهمية, وزعيمهم الجهم بن صفوان في الكتاب المنسوب إليه وهو "كتاب الرد على الزنادقة والجهمية", حيث قال في وصف أهل الأهواء والبدع "الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة فهم مختلفون في الكتاب, مخالفون للكتاب, مجمعون على مفارقة الكتاب بقول على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم, يتكلمون بالمتشابه من الكلام, ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم, فنعوذ بالله من فتن المضلين".

    لقد تتابعت الكتب المقررة لعقائد أهل السنة والجماعة, والمبينة لمنهج السلف في النظر والاستدلال, والموضحة لمصادر التلقي عندهم, والكاشفة لعقائد الفرق المبتدعة, كالجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج والمرجئة,.. ولعل من أشهر تلك الكتب وأكثرها تداولاً الكتب التالية: (كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل), (كتاب الشريعة لأبي بكر الآجري), (الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري), (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة العكبري), (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي), (عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني).

    وقد تناول هذه الكتب في دراسة ناقدة الكاتب والباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي في رسالة له بعنوان: "قراءة في كتب العقائد", وقد ضمنها جملة من الآراء والأفكار المخالفة للمقرر والمعتمد في تلك الكتب, وبسبب مصادمة آراء وأفكار حسن المالكي لكثير من أصول وعقائد السلف, كآرائه في الصحابة, وتفريقه بين الصحبة الشرعية واللغوية, ورميه للسلف والحنابلة ـ كما يقول الدكتور ناصر العقل ـ بعظائم الأمور والطوام من التكفير والبديع والنصب, والجبر واللعن والشتم, وكثرة الأكاذيب والأحاديث الموضوعة والآثار الباطلة والتجسيم والتشبيه... فقد أثارت ردود فعل ساخطة, حيث تكاثرت وتوالت الكتب والرسائل المؤلفة في الرد عليه, وهذه بعض عناوينها: "كشف شبهات حسن المالكي للشيخ ناصر بن حمد الفهد", "سرقات حسن المالكي للشيخ سليمان الخراشي", "الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ للشيخ سلمان العودة", الاستنفار للذب عن الصحابة الأخيار للشيخ سليمان بن ناصر العلوان", "حراسة العقيدة للدكتور ناصر العقل", "الانتصار للصحابة الأخيار في ردّ أباطيل حسن المالكي للشيخ عبد المحسن العباد".

    العقيدة: مرافعات واتهامات

    لقد غدت المعالجة السلفية لموضوعات العقيدة في كثير من صورها وإنتاجاتها, تشاكل أعمال المحاماة, فهي تشتد في مرافعاتها الدفاعية عن عقيدة السلف, وتحشد كل الأدلة والحجج, وفي الوقت ذاته توغل في تضليل عقائد الفرق الأخرى وتجريمها, ولا تتردد في وصفها وتصنيفها في إطار أهل البدع والأهواء والمذاهب الردية, ولعل هذه الجوانب الدفاعية والتجريمية التي غلبت على أداء مرجع كبير من مراجعها, ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية, حيث عُرف واشتهر بالمجادل والمنافح والمقرر لعقائد السلف والذاب عنها, والناقد والناقض (مع التزامه الصارم بمعايير العدل والعلم) لعقائد الآخرين, ببيان وجوه مخالفتهم لعقائد أهل السنة هي التي حملت الشيخ أبو الحسن الندوي على عقد فصل بعنوان: "اكتشاف جديد في شخصية ابن تيمية", في كتابه "ربانية لا رهبانية", أورد فيه أغلب ما وقع تحت يديه من وجوه وصور التعبد والتبتل والإكثار من الذكر والتخلق بأخلاق العلماء الربانيين, والتي قل ذكرها, وضعف تداولها في شخصية ابن تيمية, ولا يخفى أن الشيخ الندوي أراد بذلك إحداث التوازن بين الجانب النظري السجالي, والجانب العملي السلوكي, متوسلا إلى ذلك في إبراز وإظهار الوجه الآخر من شخصية ابن تيمية.

    لم يَعد الخطاب السلفي في العقود الأخيرة, في تناوله لموضوعات العقيدة, يحصر نقده ونقضه بالفرق الأخرى, بل ارتدت الروح السجالية الاتهامية لتصيب اتجاهات السلفيين أنفسها, فقد وقع الخلاف بينها في مسمى الإيمان, ومسألة الأسماء والأحكام, وكثرت الردود والمساجلات, ومعها انتعشت مسميات قديمة كالخوارج والمرجئة, وأخذ السلفيون يتراشقونها فيما بينهم, وقد انعكس ذلك على مجمل حركتهم, ومما يؤسف له أنك ترى الشباب الأتباع يرددون عبارات, ويتفوهون بكلمات دون فهم لدلالتها, واستيعاب لمضامينها, وفي غمرة تلك الأجواء المحمومة, والمساجلات الساخنة الموتورة, يتساءل المرء أين هو الدور الاجتماعي للدين؟ ومن للعقيدة بحوافزها المحركة, ودوافعها المهيجة, يوظفها في عملية إحيائية تنقل الأفراد من السلبية والتواكل, وتُنْهض الشعوب المسلمة من حالة الركود والتخلف واللافاعلية؟

    العقيدة والوظيفة الإحيائية

    من المقرر عند علماء العقيدة أن أئمة السلف لم يدخلوا معمعة مجادلة أهل الأهواء والبدع مختارين راغبين, بل ارتادوا ذلك الميدان مضطرين مكرهين, ولعل كلام السيوطي في إبطال قول من قال "إنه لا يُحتج بالسنة, إنما يُحتج بالقرآن وحده!" يعبر عن موقفهم ذاك بوضوح تام حيث قال: "اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أن من العلم كهيئة الدواء, ومن الآراء كهيئة الخلاء, لا تُذكر إلا عند الضرورة" إلى أن قال: "وهذه آراء ما كنت أستحلُّ حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان هذا المذهب الفاسد, الذي كان الناس في راحة منه أعصار" (نقلاً عن الانتصار للصحابة الأخيار للشيخ عبد المحسن البدر).

    لقد انتشرت تلك الفرق, وذاعت مقولاتها, ووجد لها أنصار وأتباع, بل نالت بعضها من الحظوة والقبول عند أهل السلطة والحكم مما جعلهم يقررونها ويتبنونها على أنها المذهب الواجب اعتقاده واللازم اتباعه, مما ألجأ أئمة السلف إلى معالجة تلك القضايا بما يتناسب مع وجودها في زمانهم, فصنفوا ما صنفوا, وجادلوا ما وسعهم الجدل بالتي هي أحسن, فهل يكون من لوازم الأخذ بمنهج السلف الصالح في زماننا خوص المعارك ذاتها, والاشتغال بالمسائل إياها؟ أم أن أصول منهجهم تلزم الأتباع المعاصرين أن ينظروا في انحرافات عصرهم, وهموم وقتهم, ومشاكل زمانهم, فيشتغلوا بعلاجها, ويوجهوا طاقاتهم إلى التقليل من شرورها؟

    وفي الوقت ذاته لماذا يُحصر الاهتمام بالعقيدة في الدور السجالي, وتضعف العناية بالوظيفية الإحيائية, إحياء النفوس, وإحياء الأمم, فأين علماء العقيدة وأئمة التوحيد المعاصرين, الذين يعمقون المستوى الإيماني في قلوب المسلمين, وأين هم شيوخ العلم حتى يشيعوا في الأمة "الإخلاص, والربانية, والحنان والعاطفة, والإقدام والشهامة, التي نحتاج إليها للتضحية والفداء, وبذل المهج والأرواح, والجهاد والكفاح والتجديد والإصلاح.. والتي لا تنشأ ولا تظهر ـ في أكثر الأحيان ـ إلا بعد صفاء الروح, وتهذيب النفس, والرياضة (أي المجاهدة), والعبادة, لذلك نرى أن أكثر من قاموا بدور التجديد والجهاد في تاريخ الإسلام كانوا يتمتعون بمكانة روحية سامية" (من كلام الشيخ الندوي في "ربانية لا رهبانية ص106-107).

    ومما لا شك في أن الإيمان درجات ومستويات, يقول العلامة ملا علي القارئ: "فإنّ تفاوت نور كلمة التوحيد في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى, فمن الناس من نورها في قلبه كالشمس, ومنهم كالقمر, ومنهم كالكوكب الدريّ, ومنهم كالمشعل العظيم, وآخر كالسراج الضعيف.. وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظمت مرتبتها, أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوتها, بحيث ربما وصل إلى حال لا يصادف شبهةً ولا شهوةً إلا أحرقها". فما هو السبيل إلى تحقيق الدرجات العليا من الإيمان, بحيث يكتسب المسلم معها حالة إيمانية تكون معها كلمة التوحيد مشرقة وضاءة, تسطع أنوارها كالشمس في قلبه؟ أو كما جاء في تسلسل الوصف الآنف ذكره, أيكون ذلك بالإغراق في الردود والمساجلات؟ أم يكون في المناكفات والمهاترات؟ إنك تجد من يحفظ العقيدة في متونها, ومنظوماتها, وشروحاتها, غير أنه جافي الطباع, حاد المزاج, رقيق الدين, قليل العبادة, الأمر الذي يثير تساؤلا حول جدوى الاشتغال بعلم العقيدة, مع خلو الوفاض من ثمراتها العملية, وآثارها الحياتية السلوكية.

    يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله ناصحا أحد تلاميذه: "لو قرأت العلم مائة سنة, وجمعت ألف كتاب, لا تكون مستعداً لرحمة الله تعالى إلا بالعمل, لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}, وقوله تعالى:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا}, وقوله تعالى: {جزاءً بما كانوا يكسبون}, وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}.

    ثمة فرق كبير بين من يتعاطى مع العقيدة, مكثفا خطابه, حاشدا طاقته, ليمثل دور المحامي, الذي يقدم المرافعات والطعون, مكثرا من الأدلة والبينات والحجج, وبين من يتلقى العقيدة من جذورها وأصولها وفق المنهج القرآني بحلاوته وطلاوته, كما تلقاها الصحابة رضي الله عنهم, فهبت رياح الإيمان محدثة ذلك التغير في مجرى التاريخ, لأن تلك الرياح الإيمانية "إذا هبت ـ كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي ـ جاءت بالأعاجيب في العقيدة, والأعمال, والأخلاق, ورأى الناس روائع من الشجاعة واليقين, والعفّة والأمانة, والإيثار وهضم النفس, وروح التطوّع والاحتساب, والتواضع في المظاهر, وكِبَر النفس, وسمو النظر, ورأوْا آيات من العدل والرحمة, والمحبة والوفاء, كادوا ينْسُونها, ويقْطعون منها الرجاء" (إذا هبت ريح الإيمان ص:7).​
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة