ليس كماقلت اخي فبعض الصوفية مقاتلة

الكاتب : أحمدالسقاف   المشاهدات : 1,586   الردود : 13    ‏2007-06-01
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-01
  1. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    لقد بينت رايي في الصوفية بشكل مجمل وبينت كيف ينبغي ان ندرس القوم على هذا الرابط
    ولكن لماقرأت موضوعا عمم فيه صاحبه النظرة بعين واحدة على هؤلاء القوم احببت ان ارد عنهم وليس عن كلهم بل عمن بانت صحيفته بضاء في الدفاع عن الدين وهم الذين استقاموا على الطريقة الصحيحة من القوم اما من وقع في ظلمات النفاق او من وقع في حبائل الاستعمار فلايدخلون في دفاعنا هذا من قريب او من بعيدوكذلك اهل الحلول والاتحاد والتمسح بالقبور طلبا منها نفعا او ضرا فهؤلاء ايضا ليس لنا فيهم دخل
    لكن كلامنا عمن دافع عن الدين من الصوفية وان علقت به بعض البدع فنحن نمدحه هنا وعلي من قيمته هنا ونذب عنه هنا سهام من اصابه العور من اخواننا فصار ينظر للكون بعين واحدة وندعوا له الشفاء ولاننتقص يفولنا هذا اخوتنا ولكن وصفهم جاء من فعلهم والوصف مجازي تقديري والمعذرة للجميع مقدما
    اقول الموضوع تحت عنوان" ليس كماقلت اخي"او بمسمى اخر الصوفية المقاتلة :
    هذا العنوان صحيح وليس به خطأ "الصوفية المقاتلة" نعم هذا يخالف ما نعرف، بل أقول يضاد ما نشاهده من ممارسات لفرق الصوفية، ولا يتفق مع ما قرأنا من كتابات صوفية، وهذا الرصيد كله من المشاهدة والمطالعة والمعرفة الذهنية يصب في نهر واحد، ألا وهو أن الصوفية في أحسن الظروف تعمل في مجال مجاهدة النفس، واعتزال صوارف الدنيا، والسعي إلى طريق الله، وكل ذلك يتم من خلال منظومة يقف على قمتها شيخ الطريقة، كما توجد لهم مفاهيم بها قدر غير قليل من الإشكالات الشرعية، وهذا الرصيد به قدر من التعميم والخلط غير قليل، وفي هذه السطور سيكون التوجه إلى تهمة ملصقة بالصوفية عامة، وهي أنها تدعو مريديها إلى القعود عن مقاومة الأعداء، بل يصل الأمر إلى التعاون مع الأعداء لنشر روح القعود والتخاذل بين الناس، وفي هذه السطور لن ندافع عنهم، ولكن فقط سنوضح بعض سطور من تاريخ هذه الأمة الظالمة المظلومة؛ الظالمة لنفسها من كثرة ما تأخذ المحسن بذنب المسيء، ونسيانها أو جهلها بتاريخها، والمظلومة من جانب ولاة أمورها، ومن جانب إعلامها ومفكريها.

    تعرض العالم الإسلامي القرنين الأخيرين لضربات أتت على استقلال أغلب الدول وانهارت الأمة الإسلامية بأسرها تقريبا، ولم يأت مطلع القرن العشرين حتى كانت أمم الإسلام واقعة تحت سلطان غير المسلمين من إنجليز وفرنسيين وهولنديين وغيرهم، وهذا الأمر لم يحدث بين يوم وليلة، بل سبقه أوضاع مهدت له وواكبته أحداث وحروب، ومقاومة لا يعرف كثير من الأجيال المعاصرة الآن شيئًا عنها، فماذا نعرف عن مقاومة الجيوش الأوروبية في أفريقيا؟ وماذا نعرف عن مقاومة الطريقة التيجانية للعدوان الفرنسي في المغرب العربي، وعن محاربة الطريقة السنوسية للقوات الفرنسية في وسط أفريقيا، ثم مقاومتها للقوات الإيطالية في ليبيا، وماذا نعرف عن دور مشايخ الطريقة النقشبندية في مقاومة القيصرية الروسية في وسط آسيا والقوقاز، ثم وقوفها أمام البلشفية الروسية في قوتها، ثم تجدد مقاومتها لروسيا في التسعينيات من القرن العشرين، ومن ينكر دور التربية الصوفية العسكرية في جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين ضد اليهود، وضد الإنجليز في منطقة قناة السويس، وما هذا إلا قليل من كثير، وفي السطور التالية سنعرض ببعض التفصيل دور إحدى هذه الطرق في المقاومة للأعداء، وهي الطريقة النقشبندية.

    ترجع النقشبندية في أصلها إلى الشيخ، محمد بن بهاء الدين بن لطف الله (توفي 952هـ/1545م)، كان أبوه بهاء الدين مدرسا للشريعة، وجدّه صوفيًّا وفقيهًا في بالي كسرى والشيخ محمد فقيه حنفي، وقد جمع بين فقه أبيه وتصوف جدّه، وسافر إلى الحج مرتين، وقد اتخذ لنفسه صنعة حتى لا يأكل من وراء تعليمه الناس، أو من عطايا الملوك والأمراء، فكانت صنعته التطريز للأطلس، ومن هنا جاء اسم الطريقة نقشي-بندي) وقد ذاع صيته في البلاد المختلفة.

    وقد كان بعض مشايخ الطريقة يقودون حركة الجهاد في مناطق مختلفة، وكان الشيخ منصور أشرمة أول قائد عسكري صوفي، بمنطقة الشيشان وداغستان وقاد هجمات ناجحة على قوات القيصرية الروسية، واستطاع أن يفني سَرية روسية كاملة على نهر سونجا عام 1785م، وقد أسره الروس في إحدى المعارك عام 1791م، وحكم عليه بالمؤبد، ومات في حصن شكوبليرغ ولم تتوقف مسيرة الجهاد. وتولى الشيخ خاس محمد أفندي الباراغلاري النقشبندي قيادة حركة الجهاد، ويستشهد في ساحة المعارك ويتولى مشايخ الطريقة النقشبندية قيادة حركة الجهاد في وسط آسيا، ويقود ثورة مدينة أنديجان في سنة 1898م شيخ النقشبندية بها، وبعد قمع الثورة 1899م يشنق على يد الروس.

    وقبل هذه الثورة كان القاضي ملا محمد الكمراوي النقشبندي يقود المجاهدين في انتصارات متوالية على القوات الروسية حتى أطلق عليه اسم الغازي محمد، حيث ظل يحقق انتصارات متوالية بين عامي 1832م إلى 1834م، ويستشهد الرجل في الميدان، ويحمل الراية تلميذه الأمير حمزة الخنزاجي، ويلحق التلميد بأستاذه شهيدًا، ويتحمل مسئولية القيادة الإمام محمد شامل تلميذ القاضي محمد وشيخ النقشبندية، واستطاع الإمام شامل تحقيق انتصارات رائعة ببطولة وعبقرية نادرة، ويسترد الإمام شامل كثيرًا من القلاع والحصون التي استولى عليها الروس، واستطاع أن يقيم دولة مجاهدة، تقيم العدل، وتقوم برسالة الإسلام من دعوة، وتربية وجهاد خلال خمس وعشرين سنة، وأقام الشيخ محاكم شرعية في كافة الجهات التي تقع تحت سلطانه، وأرسل مندوبين عنه لمتابعة الأعمال.

    وفي هذا السياق نقلت المصادر موقفًا بين أحد نوابه، وقاضي شرعي اشتهر بالجراءة في الحق، قال النائب قبل مغادرته لقاعة المحكمة: إذا لم تحافظ على الحقوق العامة في الدائرة؛ فلأقيمنَّ العدل بهذا..وأشار إلى سيفه. فرد القاضي مجيبًا: وإذا رأينا فيكم إهمالاً أو تقصيرًا في تنفيذ الأحكام المستمدة من شريعة الله...أنفذ فيك أمر ربي...وأشار إلى بندقية إلى جواره.

    ويصف أحد الرحالة العثمانيين شكل الحكم في هذه الدولة، بعد أن وصفها بأنها المدينة الفاضلة التي يحلم بها الفلاسفة فيقول: "يجب ألا تستولي علينا الدهشة حينما نعلم أن الحكم والإدارة عندهم أبعد ما يكون عن الاستبداد، فالحكم المطلق والاستبداد لا يجد بينهم مرتعًا خصيبًا، فهي حكومة الأشراف شكلاً، وحكومة دستورية فعلا... ".

    ويصف سلطة الأمير ويُسمَّى "البشي"، "إنك تجد أن سلطة البشي محدودة لا تتعدى القانون، وما عدا ذلك فإنه كان يستمد سلطته من مجلس الأمراء والأعيان..."، "وكذلك ثروته فإنها كانت محدودة لا تتعدى احتياجاته الشخصية.." "وهم خاضعون في كل أحكامهم للشورى...."

    هكذا كان حكم دولة الإمام شامل، وفي نفس الوقت يقوم ببناء القلاع والحصون، ومصانع السلاح والبارود، ويرسل النواب للدعوة إلى الجهاد في كافة المدن والقبائل، ومتابعة أعمال الجهاد ضد روسيا، ويقوم بإجراء اتصالات دولية للاستعانة ببعض الدول المعادية لروسيا، وينجح في استثمار أجواء الصراع الدولي ضدها في حرب القرم 1853م، ولكن تسويات دولية بين القوى المتصارعة أدت إلى انتهاء مصالح هذه الدول مع الإمام شامل، ويلتف الجيش القيصري على دولة الإمام ويستشهد مشايخ النقشبندية في الميدان، ويظل يناوشهم بقليل من عدد وعدة طوال عشر سنوات، حتى خرج من الميدان بعد أن فقد كل ما لديه من مؤن وسلاح، وانتهى به إلى جوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث دفن في البقيع عام 1871م.

    ورغم عنف القمع القيصري بالطريقة النقشبندية شيوخا ومريدين وقتلهم وسجنهم ومطاردتهم في أنحاء البلاد، فإن السنين كانت قد مرت وظهر حيوان شرس جديد وهو البلشفية الشيوعية، الذي بدأ ناعما ينادي الجميع للتعاون لإسقاط حكم القياصرة، ولكن النقشبندية فهموا الأمر منذ البداية، وقالوا رأيهم الذي لم يتغير، وهو الدولة الإسلامية هو الطريق الصحيح الوحيد.

    بعد أن نجحت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م بدأت تسير الثورة في الأراضي المحيطة، وتقوم بالقمع والمذابح الجماعية لكل من يعارضهم، فقام شيخ النقشبندية نجم الدين دي غوتسو في منطقة داغستان بالوقوف أمام الزحف الشيوعي بدءًا من عام 1917م، واتحد مع مشايخ النقشبندية في الشيشان أوزون حجي، ومحمد البلوكاني وسراج الدين حجي وغيرهم، وبدأت الانتفاضة الكبرى من عام 1918م، واستمرت حتى 1928م وقد سميت باسم ثورة (الباسمشية البسماجي) وهي كلمة تعني قاطع الطريق بالتركية، ولكنها صارت مرادفة لكلمة مجاهد عند المسلمين، وقد نجحت هذه الحركة في تأسيس حكومة للمنطقة في خريف عام 1919م وتم تنظيم أمور الدولة، حتى اختفى اللصوص والجريمة من حياة الناس، وساعد على تقوية الانتفاضة العسكرية -دعم الملا عبد القهار من كابل، وقيادة إبراهيم بك أمير بخارى العسكرية- وقدم إليهم بعد قليل قائد محنك هو أنور باشا من الدولة العثمانية (أنور باشا أحد زملاء مصطفى كمال في انقلابه، ضد السلطان العثماني، ولكنه اختلف مع توجهات مصطفى كمال العلمانية وفر من تركيا إلى وسط آسيا لمساعدة الثوار عسكريا) واستطاع أنور باشا أن يحقق انتصارات رائعة على القوات الروسية، ولكن الضغائن وسلاح الوقيعة، وبعض المعاملات الخشنة من أنور باشا مع الأمراء والقادة، فضت الاجتماع، وفرَّقت القلوب، وانسحب كل أمير بقواته، واستشهد أنور باشا، وانهزمت القوات المسلمة، وذبح ما يقرب من 20 ألف مسلم بيد القوات الروسية، وانتهت الدولة والثورة، وتم تعقب قادة كافة الطرق الصوفية وإعدامهم بالجملة.

    هل يتوقع إنسان أن تقوم قائمة للطريقة النقشبندية أو غيرها في هذه المنطقة، العقل يقول يكاد يكون من المستحيل، ولكن الواقع يقول: إن الثورات لم تنقطع، وإن المصادر السوفيتية تقدم إحصاءً من جانبها؛ فتقول: إن هذه المنطقة قامت بها اثنتان وخمسين ثورة ما بين عام 1939م وعام 1979م (مجلة الشئون السوفيتية عدد 4، 21، 28،...) ورغم القمع البربري، ورغم أن ستالين ألغى هذه المحافظة وقام بنفي أهلها جميعًا إلى سيبريا، إلا أنهم عادوا وتجمعوا، ونظموا صفوفهم وعبدوا الله، وتوجهوا إلى الجهاد تحت راية مشايخ النقشبندية، وهم الآن في الشيشان يواصلون طريق أجدادهم.

    وهناك فرع آخر للنقشبندية يوجد بين أكراد العراق، وكان ذلك على يد الشيخ خالد بن أحمد بن حسين (1190-1242هـ-1776-1827م) .وإن بحثت عن مقاتلي الأكراد في مواجهة القمع العراقي، فسوف تجد أن قيادتهم في يد عائلة البرازاني التي تولت مشيخة الطريقة النقشبندية في شمال العراق، ولم يستجب المقاتلون الأكراد لقيادة أخرى منذ بدءوا كفاحهم المسلح. هذه كانت بدايتهم جهاد مسلح الا انهم اخيرا انحرفوا وغلبت عليهم الدنيا وحالفوا المحتل ولانقرهم على ماالوا اليه والحق احق ان يتبع وكذلك لانوافقهم على ماقاموا به من تقتيل للحركة الاسلامية في كردستان ايام صدام لكن الكلام من ناحية فقط بيان ماكنوا عليه سابقا من حمل للسلاح بغض النظر عن الانحراف الذي اصابهم ولانقرهم عليه ابدا

    http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/fan-52/alrawe1.asp
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-06-01
  3. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    لم تكن الحركة السنوسية مثل كثير من الطرق الصوفية تقصر اهتمامها على شئون العبادة غير ناظرة إلى أحوال الناس وقضاياهم، بل كانت حركة دين ودولة، وعلم وعمل، وتربية وجهاد. وكانت الزوايا التي أنشأتها في ليبيا وأفريقيا الغربية دور عبادة وتعليم ومراكز حياة واجتماع، ومقر حكم وسلطان.

    وقد ترك السنوسيون منذ أن تأسست طريقتهم في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري أثرا واضحا، جعل الدولة العثمانية صاحبة الأمر في ليبيا وقتذاك تعتمد على جهود السنوسيين في حكومة البلاد الداخلية، ثم في مكافحة الاستعمار الذي بدأ يتغلغل في أفريقية الغربية.

    وحين أغار الطليان على ليبيا سنة (1329هـ=1911م) حملت السنوسية راية الجهاد المقدس ضد العدو الغاصب أكثر من 30 عاما.

    وقد عرفت السنوسية منذ بدء الحركة حتى نهايتها أربعة زعماء وقادة مصلحين تولوا أمورها ونشروا تعليمها، وهم: السيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الحركة، وابنه السيد المهدي، والسيد أحمد الشريف، أما الرابع فهو إدريس السنوسي.

    المولد والنشأة

    ولد محمد إدريس ابن السيد المهدي ابن محمد السنوسي في (20 من رجب 1307هـ= 12 من مارس 1890م) في منطقة الجبل الأخضر ببرقة، ونشأ في كنف أبيه الذي كان قائما على أمر الدعوة السنوسية في ليبيا، وعلى يديه وصلت إلى ذروة قوتها وانتشارها.

    وقد التحق إدريس السنوسي بالكتاب، فأتم حفظ القرآن الكريم بزاوية "الكفرة"، مركز الدعوة السنوسية، ثم واصل تعليمه على يد العلماء السنوسيين، ثم رحل إلى برقة سنة (1320هـ=1902م)، وتشاء الأقدار أن يتوفى في هذا العام أبوه "السيد المهدي" بعد أن بلغت الدعوة في عهده الذروة والانتشار، ووصل عدد "الزوايا" إلى 146 زاوية موزعة في برقة وطرابلس وفزان والكفرة ومصر والسودان وبلاد العرب، وانتقلت رئاسة الدعوة إلى السيد أحمد الشريف السنوسي، وصار وصيا على ابن عمه إدريس وجعله تحت عنايته ورعايته.

    الغزو الإيطالي لليبيا

    وعندما تعرضت ليبيا للغزو الإيطالي سنة (1329هـ= 1911م) تحمل السنوسيون عبء الدفاع عن شرف البلاد ورد العدو الغاصب على الرغم من التباين الواضح في العدد والعتاد بين الغزاة الإيطاليين والسنوسيين. ولم تكن الحامية العثمانية المرابطة في ليبيا البالغ عددها نحو 2210 قادرة على مواجهة جيش يبلغ نحو 40 ألف جندي؛ وهو ما جعل مسئولية الدفاع تقع على عاتق أهالي البلاد.

    ومنذ أن احتل الإيطاليون البلاد لم تنقطع أعمالهم الوحشية ضد أهالي البلاد، وتجرد سلوكهم سواء في أثناء عملياتهم العسكرية أو بعدها من كل شعور إنساني، فاقترنت أعمالهم بفظائع مخزية جعلت من احتلالهم صفحات سوداء ليس فقط في تاريخ إيطاليا بل في تاريخ الإنسانية.

    ولعل أفظع تلك الجرائم التي ارتكبها الإيطاليون ما كان بعد سقوط مدينة طرابلس حيث ارتكبوا مذبحة وحشية في ناحية المنشية، وقتلوا من الأهالي عددا يتراوح بين 4 و7 آلاف نسمة، ومثلوا بالكثيرين، وهتكوا أعراض النساء، وأمعنوا في التنكيل فيمن نجا، فنفوا 900 وألقوا أعدادا عظيمة من الرجال والنساء في غياهب السجون، وتذرع الإيطاليون لقيامهم بهذا العمل الوحشي بأن ادعوا زورا وبهتانا أن أهالي هذه المنطقة كان يقومون بعمليات اغتيال للجنود الغزاة.

    وبعد انسحاب القوات العثمانية من طرابلس تحمل السيد أحمد الشريف السنوسي قيادة المجاهدين في ليبيا، ومواجهة المحتل الغاصب بكل ما يملك، وعلى الرغم من قلة عددهم وعتادهم فإنهم كانوا يوقعون في العدو خسائر هائلة، وكان المجاهدون قد عمدوا ألا يقاتلوا الإيطاليين في وقائع منظمة، واتجهوا إلى حرب العصابات الخاطفة، وكانت هذه الطريقة شديدة الفتك بالإيطاليين.

    وفي أثناء هذه الفترة كان السيد إدريس السنوسي قد بلغ السن التي تمكنه من تحمل أعباء الدعوة السنوسية، ورأى بعض القادة السنوسيين أن يتولى إدريس قيادة الدعوة لكنه رفض هذا الأمر؛ احتراما لابن عمه وتقديرا له.

    السنوسيون يهاجمون بريطانيا

    وبعد قيام الحرب العالمية الأولى سحبت إيطاليا كثيرا من قواتها بليبيا بسبب اشتراكها في هذا الحرب، وفي الوقت نفسه رأى السنوسيون أن يساعدوا الدولة العثمانية التي دخلت الحرب أيضا، فقام السيد أحمد الشريف بحملة عسكرية على مصر، كان الغرض منها إرغام بريطانيا على القتال في حدود مصر الغربية، ومن ثم شغلها عن الحملة التركية الألمانية على قناة السويس، غير أن هذا الحملة فشلت، وعاد السيد أحمد شريف إلى بلاده منهزما، تاركا مهمة قيادة الدعوة السنوسية إلى ابن عمه محمد إدريس السنوسي، فاستطاع أن يقبض على الأمور بيد قوية ويضرب على أيدي المفسدين، واتخذ من مدينة "أجدابية" مقرا لإمارته الناشئة، وأخذ يشن الغارات على معسكرات الإيطاليين.

    مفاوضات بين إدريس وإيطاليا

    ولما أوشكت الحرب العالمية الأولى على الانتهاء، ولم تكن المعارك بين الليبيين والإيطاليين حاسمة، لجأ الطرفان إلى مائدة المفاوضات، وعقدا هدنة في سنة (1336هـ= 1917م) يعلنان فيها أنهما راغبان في وقف القتال والامتناع عن الحرب. وتضمنت هذه الهدنة عدة بنود، منها أن يقف الإيطاليون عند النقط التي كانوا يحتلونها، وأن يبقى على المحاكم الشرعية، وأن تفتح المدارس العملية والمهنية في برقة، وأن تعيد إيطاليا الزوايا السنوسية والأراضي التابعة لها، وأن تعفى من الضرائب، وفي مقابل ذلك يتعهد السنوسيون بتسريح جنودهم وتجريد القبائل من السلاح.

    غير أن بنود هذه الهدنة لم تجد من ينفذها، فعاود الطرفان المفاوضات من جديد وعقدا اتفاقا جديدا سنة (1339هـ=1920م) عرف باتفاق "الرجمة" بموجبه قسمت برقة إلى قسمين: شمالي، وفيه السواحل وبعض الجبل الأخضر، ويخضع للسيادة الإيطالية، وجنوبي، ويشمل: الجغبوب، وأوجيلة، وجالوا، والكفرة، ويكون إدارة مستقلة هي الإمارة السنوسية، ويتمتع السيد محمد إدريس بلقب "أمير" مع حفظ حقه في التجول في جميع أنحاء برقة، ويتدخل في إدارة المنطقة الإيطالية متى شعر أن مصلحة أهالي البلاد تتطلب ذلك، وفي الوقت نفسه تعهد الأمير بأن يحل قواته العسكرية، على أن يحتفظ بألف جندي فقط يستخدمهم في شئون الإدارة وحفظ النظام.

    إدريس زعيما للبلاد

    لم تنجح هذه الاتفاقيات في تهدئة الأوضاع في البلاد وتوفير الاستقرار، وكانت أصابع إيطاليا وراء زرع بذور الشقاق في البلاد، وأدرك العقلاء أنه لا بد من توحيد الصف لمواجهة الغازي المحتل فعقد مؤتمر في "غربان" حضره زعماء الحركة الوطنية، وذلك في (ربيع الأول 1339هـ=نوفمبر 1920م)، واتخذ فيه القرار التالي: "إن الحالة التي آلت إليها البلاد لا يمكن تحسينها إلا بإقامة حكومة قادرة ومؤسسة على ما يحقق الشرع الإسلامي من الأصول بزعامة رجل مسلم منتخب من الأمة، لا يعزل إلا بحجة شرعية وإقرار مجلس النواب، وتكون له السلطة الدينية والمدنية والعسكرية بأكملها بموجب دستور تقره الأمة بواسطة نوابها، وأن يشمل حكمه جميع البلاد بحدودها المعروفة".

    وقد انبثق عن هذا المؤتمر هيئة الإصلاح المركزية، قامت سنة (1341هـ= 1922) بمبايعة إدريس السنوسي أميرا للقطرين طرابلس وبرقة، وذلك من أجل توحيد العمل في الدفاع عن البلاد، والجهاد ضد المحتلين.

    وكان قبول السنوسي لهذه البيعة وتوحيد الجهود هو ما تخشاه إيطاليا، وأدرك السنوسي بقبوله هذا أن إيطاليا لا بد أن تضمر الشر، وأنه صار هدفا، فذهب إلى مصر لمواصلة الجهاد من هناك، تاركا عمر المختار يقود حركة المقاومة فوق الأراضي الليبية، وكانت القضية الليبية تلقى عونا وتعاطفا من جانب المصريين.

    وبعد أن استولى الفاشيون على الحكم في إيطاليا سنة (1341هـ= 1922م) اشتدت وطأة الاحتلال في ليبيا، وعادت المذابح البشرية تطل من جديد، واستولى المحتلون على الزوايا السنوسية وأعلنوا إلغاء جميع الاتفاقات التي عقدتها الحكومة الإيطالية مع السنوسيين، وكان من نتيجة ذلك أن اشتعلت حركة الجهاد، وكلما عجز المحتلون على وقف المقاومة أمعنوا في أساليب الإبادة، والإفناء ومحاربة اللغة العربية والإسلام، والعمل على تنصير المسلمين وإضعاف الدين والأخلاق.

    السنوسي في مصر

    وبعد أن استقر إدريس السنوسي في القاهرة أصبحت حركته محدودة بعد أن فرض عليه الاحتلال البريطاني في مصر عدم الاشتغال بالسياسة، وكان من حين إلى آخر يكتب في الصحف المصرية حول قضية بلاده.

    ولم اشتعلت الحرب العالمية الثانية نشط إدريس السنوسي وعقد اجتماعا في داره بالإسكندرية حضره ما يقرب من 40 شيخا من المهاجرين الليبيين، وذلك في (6 من رمضان 1359هـ= 20 من أكتوبر 1939م) وانتهى الحاضرون إلى تفويض الأمير في أن يقوم بمفاوضة الحكومة المصرية والحكومة البريطانية لتكوين جيش سنوسي، يشترك في استرجاع الوطن بمجرد دخول إيطاليا الحرب ضد الحلفاء.

    وبدأ الأمير في إعداد الجيوش لمساندة الحلفاء في الحرب، وأقيم معسكر للتدريب في إمبابة بمصر بلغ المتطوعون فيه ما يزيد عن 4 آلاف ليبي، كانوا فيما بعد عونا كبيرا للحلفاء في حملاتهم ضد قوى "المحور" في شمال أفريقيا، وساهموا مساهمة فعلية في الحرب، بالإضافة إلى ما قدمه المدنيون في ليبيا من خدمات كبيرة للجيوش المحاربة ضد إيطاليا.

    عودة إدريس إلى ليبيا

    ولما انتهت الحرب بهزيمة إيطاليا، وخروجها من ليبيا، عاد إدريس السنوسي إلى ليبيا في (شعبان 1364هـ= يوليو 1944م) فاستقبله الشعب في برقة استقبالا حافلا.

    وما إن استقر في برقة حتى أخذ يعد العدة لنقل الإدارة إلى حكومته، فأصدر قرارا بتعيبن حكومة ليبية تتولى إدارة البلاد، وأصدر دستور برقة، وهو يعد وثيقة مهمة من وثائق التاريخ العربي الحديث، وقد تكفل هذا الدستور حرية العقيدة والفكر، والمساواة بين الأهالي وحرية الملكية، واعتبر اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، ونص الدستور على أن حكومة برقة حكومة دستورية قوامها مجلس نواب منتخب.

    وفي عام (1366هـ= 1946م) اعترفت إيطاليا باستقلال ليبيا، وبحكم السيد محمد إدريس السنوسي لها، ولم تكن إمارته كاملة السيادة بسبب وجود قوات إنجليزية وفرنسية فوق الأراضي الليبية.

    ميلاد دولة ليبيا

    ونتيجة لمطالبة الليبيين بضرورة الاحتفاظ بوحدة الأقاليم الثلاثة (برقة- طرابلس- فزان) تحت زعامة الأمير إدريس أرسلت الأمم المتحدة مندوبها إلى ليبيا لاستطلاع الأمر، وأخذ رأي زعماء العشائر فيمن يتولى أمرهم، فاتجهت الآراء إلى قبول الأمير إدريس السنوسي حاكما على ليبيا.

    اتجه الأمير بعد أن توحدت البلاد تحت قيادته إلى تقوية دولته، فأسس أول جمعية وطنية تمثل جميع الولايات الليبية في (13 من صفر 1370هـ= 25 من نوفمبر 1950)، وقد أخذت هذه الجمعية عدة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبية دستورية، منها أن "تكون ليبيا دولة ديمقراطية اتحادية مستقلة ذات سيادة على أن تكون ملكية دستورية، وأن يكون سمو الأمير السيد محمد إدريس السنوسي أمير برقة ملك المملكة الليبية المتحدة"، كما انصرفت إلى وضع دستور للمملكة، وأصدرته في (6 من المحرم 1371هـ= 7 من أكتوبر 1951م) متضمنا 204 مواد دستورية.

    وبعد أن أعلن الملك إدريس السنوسي أن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور انضمت إلى جامعة الدول العربية سنة (1373هـ= 1953م) وإلى هيئة الأمم المتحدة سنة (1375هـ= 1955م).

    نهاية الملكية ووفاة السنوسي

    ظل السنوسي ملكا على ليبيا حتى قامت ثورة الفاتح في (16 من جمادى الآخر 1389هـ= 1 من سبتمبر 1969م) بزعامة العقيد معمر القذافي فأطاحت بحكم الملك إدريس السنوسي، الذي انتقل إلى مصر لاجئا سياسيا، وظل بها مقيما حتى توفي في (12 من شعبان 1404هـ= 25 من مايو 1983م).

    أهم المصادر:

    * أحمد صدقي الدجاني ـ الحركة السنوسية ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة ـ 1988.

    * جلال يحيى ـ المغرب العربي (الحديث والمعاصر) ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ الإسكندرية ـ 1982.

    * محمد فؤاد شكري ـ ميلاد دولة ليبيا الحديثة ـ مطبعة الاعتماد ـ القاهرة ـ 1957.

    * محمد فؤاد شكري - السنوسية دين ودولة ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1948.

    * نقولا زيادة: ليبيا في العصور الحديثة - معهد البحوث والدراسات العربية – القاهرة - 1966م
    http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/10/article29a.shtml

    ندرس هذه الحركات من باب الجهاد الذي قدمت فيه النفس والمال من اجل الله عزوجل وتحرير الاوطان وليس من زاوية اخرى ومن باب اننا ننظر للاخر من جانب الحسنات والسيئات
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-06-01
  5. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    اتجهت أنظار إيطاليا إلى احتلال ليبيا، بعدما احتلت فرنسا تونس والجزائر والمغرب، واحتلت إنجلترا مصر وقبرص.

    وبدأت إيطاليا خطتها الاستعمارية بإرسال بعثة علمية أثرية إلى طرابلس سنة (1328هـ= 1910م) برئاسة الكونت "سفورزا" تحت ستار البحث عن معدن الفوسفات، وإجراء حفريات أثرية، ولكنها في الحقيقة كانت تقوم بمسح الأراضي الليبية، وعمل خرائط دقيقة لها تمهيدًا للعمليات العسكرية المرتقبة.

    وقد فطن الليبيون إلى الأغراض الحقيقية للبعثة، وقد أدى ذلك إلى عقد أول مؤتمر وطني يجمع قادة البلاد؛ لبحث كيفية مواجهة الخطر الإيطالي، والتصدي لمطامع الإيطاليين في البلاد، وسعى المؤتمر إلى توعية الشعب الليبي بأهداف الإيطاليين الاستعمارية، وتحذيرهم من خطر أولئك المستعمرين، وتعبئة القوى الوطنية لمجابهة الغزو الإيطالي المرتقب.

    ولكن الأوضاع العسكرية والسياسية في ليبيا لم تكن بالقدر الذي يمكنها من التصدي للإيطاليين أو حربهم، ولم تكن البلاد مستعدة للمقاومة؛ فهناك نقص شديد في العتاد والذخيرة، كما أدت الحالة الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد إلى هجرة كثير من أصحاب الكفاءات من ليبيا، وازداد الأمر سوءاً بعد أن سحبت الدولة العثمانية كثيرًا من موظفيها الأكفاء من ليبيا، وتجاهلت -في الوقت نفسه- مطالب الوطنيين من أهل ليبيا بالانخراط في سلك الجندية للدفاع عن البلاد.

    الاستفزاز الإيطالي للدولة العثمانية
    ولم تمضِ سوى شهور قليلة حتى بدأت إيطاليا التحرش بليبيا والدولة العثمانية، فأرسلت إنذارًا إلى "الأستانة" يحمل الكثير من الاستفزاز، وينطوي على قدر كبير من الأكاذيب والمغالطات، ويكشف عن حقيقة نوايا إيطاليا العدوانية، اتهمت فيه الدولة العثمانية بعداء الإيطاليين، واضطهادهم، والتضييق على نشاطهم في ليبيا، وأعلنت عدم جدوى السير في طريق المفاوضات لتسوية تلك المسألة، وقرَّرت احتلال البلاد احتلالاً عسكريًّا بزعم الحفاظ على مصالح إيطاليا، واستعادة هيبتها ومكانتها.

    وبلغ الاستخفاف بالإيطاليين إلى الحد الذي طلبوا فيه من الدولة العثمانية مساعدتهم على احتلال ليبيا وعدم التعرض لهم، وحدَّدوا مهلة أربع وعشرين ساعة للرد على هذا الإنذار المستفز.

    العدوان الإيطالي على ليبيا
    وبالرغم من تنصل الليبيين من تلك الاتهامات، ودعوتهم إلى التفاوض مع الحكومة الإيطالية، فإن ذلك لم يَثْنِ الإيطاليين عن المضي قدمًا في قرار الحرب بخطى سريعة، والإقدام على تنفيذ خطتهم العسكرية لاحتلال ليبيا.

    وفي (6 من شوال 1329هـ= 29 من سبتمبر 1911م) وجهت الحكومة الإيطالية إنذارًا بالحرب إلى الدولة العثمانية. وفي اليوم التالي كان أسطولها قد وصل إلى قبالة السواحل الليبية أمام طرابلس؛ فحاصرها لمدة ثلاثة أيام، ثم قصفها بعنف حتى سقطت في يد الإيطاليين في صباح (11 من شوال 1329هـ= 4 من أكتوبر 1911م)، ودارت معركة بين المجاهدين -الذين غادروا طرابلس إلى بومليانة- وبين الإيطاليين -الذين صمموا على إجهاض المقاومة والقضاء على المجاهدين- وقد انتصر فيها الإيطاليون.

    حركة الجهاد وظهور عمر المختار

    وإثر هذه المعركة تجمع المجاهدون من العرب والأتراك في "عين زادة"؛ للتصدي للإيطاليين، ولكن تفوق الإيطاليين الواضح في العدد والعتاد حسم المعركة لصالحهم مرة أخرى.

    وفي الوقت نفسه هاجم الإيطاليون برقة من البحر، واستطاعوا احتلال حبرق في (24 من شوال 1329هـ= 17 من أكتوبر 1911م)، وتوجهوا إلى بنغازي، وقد تصدى لهم المجاهدون من الليبيين والأتراك بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات العربية، وكان ذلك بداية ظهور المجاهد الكبير عمر المختار.

    أثر العدوان في توحيد أبناء الأمة

    ولكن الإيطاليين تمكنوا –قبل أن ينصرم شهر أكتوبر- من احتلال طرابلس وطبرق ودرنة وبنغازي والخمس، ثم ما لبثوا أن سيطروا على برقة.

    وقد أدى هذا العدوان الإيطالي الغاشم على الشعب الليبي إلى توحيد صفوفه، وتجميع أبنائه تحت راية الجهاد، ومحو كل أسباب الخلاف والشقاق بينهم، فتوحدوا جميعًا لهدف واحد هو مقاومة الاستعمار، ولغاية واحدة هي تحرير البلاد.

    كما أزال ذلك العدوان كل أثر للخلاف بين السيد أحمد الشريف السنوسي –الذي كان متمركزًا في واحة الكفرة- والعثمانيين.

    وكان لنداءات السيد أحمد الشريف لليبيين والعرب لمقاومة المستعمر، ودعوته إلى الجهاد ضد المعتدي أكبر الأثر في تدفق جموع المجاهدين والمتطوعين على المعسكرات العثمانية لتعزيز قوات العثمانيين والمجاهدين العرب.

    مذابح الإيطاليين في ليبيا

    وسعى الإيطاليون إلى استمالة الأهالي، فأصدر قائد الحملة الجنرال كارلو كانيفا منشورًا باللغة العربية، يعلن فيه أن إيطاليا إنما أرادت من احتلالها للبلاد أن تطرد منها الأتراك، حفاظًا على مصالح الليبيين، ويزعم أن إيطاليا تسعى إلى توفير الأمن والحماية والرعاية لهم ولأبنائهم!!

    وبالغ الإيطاليون –في منشوراتهم- في التودد إلى الليبيين، ومخاطبتهم باسم الدين، والتأكيد على احترامهم الشرائع والتقاليد الدينية، ومحافظتهم على الحقوق والحريات الشخصية والمدنية، والتلويح بالآمال العريضة التي تعقدها إيطاليا لمستقبل ليبيا في ظل نهضتها، والنعيم الذي ينتظر الليبيين في كنف السيادة الإيطالية، إلى غير ذلك من وسائل الخداع والوعود الكاذبة.. ففي الوقت الذي كان قائد الحملة يصدر هذه التصريحات ويدبج تلك المنشورات التي تفيض بالود والتسامح، كان جنوده يرتكبون أبشع المذابح، ويقترفون أفظع الجرائم ضد أهالي البلاد من المواطنين العزل.

    فقد أباد الإيطاليون أهل المنشية التي تقع شرقي مدينة طرابلس، ولم ينج من تلك المذبحة البشعة حتى الأطفال والنساء والشيوخ، وامتدت مجازر الإيطاليين إلى غيرها من البلدان، حتى قتلوا خلال ثلاثة أيام نحو سبعة آلاف مواطن، ونفوا نحو ألفين آخرين، وبلغت فظائعهم وجرائمهم مبلغًا كبيرًا، فقد هتكوا أعراض النساء، وأعدموا الكثيرين دون تحقيق أو محاكمة، وأسفرت إيطاليا عن وجهها الاستعماري القبيح وأطماعها الاستعمارية الدنيئة، وهي تبيد شعبًا أعزل هب ليدافع عن حريته.

    جهاد الشعب الليبي

    وفي (15 من ذي القعدة 1329هـ= 6 من نوفمبر 1911م) أعلنت إيطاليا بسط سيادتها على طرابلس وبرقة؛ فقابل الليبيون ذلك بمزيد من المعارك والثورات، وهاجموا استحكامات الإيطاليين في أنحاء متفرقة من البلاد، وقد تصدى لهم الإيطاليون بوحشية شديدة.

    واتسمت تلك المرحلة من المقاومة الليبية بالهجمات الخاطفة السريعة، ولكن كفة الإيطاليين العسكرية كانت هي الراجحة على طول الخط؛ نظرًا لما يمتلكونه من أسلحة حديثة متطورة، وما يتميزون به من حشود عسكرية منظمة، بالإضافة إلى تحالف الدول الاستعمارية الكبرى مع الإيطاليين ضد الليبيين.

    وبالرغم من إمكانات الإيطاليين العسكرية الضخمة، والتحالفات الغربية المريبة ضد الشعب العربي الليبي، فلم يكن الغزو الإيطالي لليبيا عملية سهلة بالنسبة للإيطاليين، فقد قاومهم الشعب الليبي بكل فئاته، وأرقت هجمات المجاهدين الخاطفة مضاجع المستعمرين.

    وانطلقت دعوة الجهاد من شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي، وتوافدت جموع المتطوعين إلى ليبيا لمشاركة الشعب الليبي في جهاده ضد المستعمر الإيطالي.

    المفاوضات بين السنوسي والإيطاليين

    واستمرت حركة المقاومة حتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة (1332هـ=1914م)، ودخلت إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء، بينما كانت تركيا حليفًا لألمانيا، ومن ثم فقد جاهرت تركيا بمساندتها وتأييدها لليبيين بقيادة السيد أحمد السنوسي، ومناصرتهم في حربهم ضد عدوهم المشترك.

    ولكن ما لبثت العلاقات أن تعقدت بين السنوسي والأتراك الذين نجحوا في الوقيعة بينه وبين الإنجليز فأغلقوا بدورهم طريق مصر في ووجه، وازداد الأمر حرجًا مع سوء الأحوال الاقتصادية وحدوث المجاعة التي أودت بحياة المئات نتيجة انتشار الأمراض، وتفشي وباء الطاعون، الأمر الذي اضطر السنوسي إلى التفاوض مع القوتين المتحالفتين: إنجلترا وإيطاليا في (24 من جمادى الآخرة 1335هـ= 16 من إبريل 1917م).

    وقد أسفرت تلك المفاوضات عن اتفاق "عكرمة" الذي حدد مناطق نفوذ لكل من السنوسيين والإيطاليين، كما نص على إيقاف الحرب، وأتاح حرية التنقل بين كلتا المنطقتين.

    اعتراف الإيطاليين بحكم السنوسي

    وتم عقد اتفاق آخر –بعد ذلك- عرف باتفاق "الرجمة" في (12 من صفر 1339هـ=25 من أكتوبر 1920م)، تم بموجبه الاعتراف بالسنوسي حاكمًا مدنيًا وزعيمًا للقسم الداخلي من برقة، ومنح لقب أمير، وأصبحت تلك المنطقة تخضع لنظام حكم وراثي ينحصر في السنوسي وأولاده من بعده.

    ولكن ذلك كله لم ينه الصراع بين الليبيين والإيطاليين، فلم تتوقف حركة المقاومة، ولم يستسلم الشعب الليبي للاستعمار، واستمرت جذوة الجهاد مشتعلة ضد الإيطاليين.

    وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى التي انتهت سنة (1337هـ=1918م) والتي خرجت إيطاليا منها منهكة، رأت إيطاليا مهادنة الليبيين، وتم عقد اتفاق "سوني" بين الطرفين، اعترفت إيطاليا بموجبه بقيام الجمهورية، ونص على إنهاء حالة القتال بينهما، مع الاعتراف بالاستقلال الداخلي لطرابلس تحت سيادة ملك إيطاليا، وإنشاء مجلس نواب محلي، ومجلس آخر حكومي يشتركان في حكم البلاد.

    إلا أنه لم يقدر لتلك الجمهورية الوليدة أن تدوم طويلاً، إذ لم تكن إيطاليا جادة في اعترافها بها، وإنما كانت تسعى من وراء ذلك إلى مهادنة الليبيين وكسب مزيد من الوقت نتيجة الضعف الذي ألمّ بها.

    الجهاد طريق الاستقلال

    وقد سجل الليبيون بطولات نادرة وأمجادا خالدة في التصدي للاستعمار، واستطاع المجاهدون من أبناء البلاد، وعلى رأسهم المجاهد الكبير عمر المختار، أن ينزلوا بالإيطاليين العديد من الضربات الموجعة، ويلحقوا بهم الخسائر الفادحة، كما استطاعوا أن يلفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم، وسعت إيطاليا بكل قوتها وجبروتها إلى تصفية عمر المختار ورفاقه، حتى نجحت في أسره في (28 من ربيع الآخر 1350هـ=11 من سبتمبر 1931م) بعد أن أصيب فرسه، وسقط هو على الأرض جريحًا، وبعد محاكمة صورية سريعة لم تدم أكثر من ساعة، صدر الحكم بإعدامه، وتم تنفيذ الحكم في صباح (4 من جمادى الأولى 1350هـ=16 من سبتمبر 1931م) أمام جمهور غفير من أبناء البلاد، سيقوا قسرًا ليشاهدوا عملية إعدام شيخ المجاهدين الذي كان عمره قد تجاوز الثمانين.

    ولكن جذوة الجهاد لم تنطفئ، واستمر الشعب الليبي في جهاده ضد الاستعمار إلى نهايات الحرب العالمية الثانية (1358هـ=1939م إلى 1364هـ=1945م) قدم خلالها الليبيون تضحيات عظيمة في سبيل وطنهم، حتى تم خروج آخر جندي إيطالي من ليبيا في (19 من المحرم 1362هـ=25 من يناير 1943م).

    أهم مصادر الدراسة:

    تاريخ العرب الحديث: د. زاهية قذورة- دار النهضة العربية – بيروت: [1405هـ=1985م].

    تاريخ ليبيا في العصر الحديث: ن. إ. بروشين – ترجمة وتقديم: د. عماد حاتم- مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية – طرابلس: [1411هـ=1991م].

    الحوليات الليبية منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي: شارل فيرو – ترجمة: د. محمد عبد الكريم الوافي- المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان – طرابلس: [1403هـ=1983م].

    ليبيا أثناء العهد العثماني الثاني: فرانشكو كورو – تعريب وتقديم: خليفة محمد التليسي- المنشأة العامة للنشر والتوزيع – طرابلس: [1404هـ=1984م].

    ليبيا من الفتح حتى سنة 1911م: إتوري روسي – ترجمة وتقديم: خليفة محمد التليسي- الدار العربية للكتاب – طرابلس: [1411هـ=1991م].

    المغرب العربي الحديث والمعاصر [حتى الحرب العالمية الأولى]: د. جلال يحيى. الهيئة المصرية العامة للكتاب – الإسكندرية: [1402هـ=1982م].

    المغرب العربي الكبير [ليبيا – تونس – الجزائر – المغرب]. د. شوقي عطا الله الجمل- مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة: [1397هـ=1977م].

    http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/12/article26.shtml
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-06-02
  7. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    وهذا مثال اخر لمن عميت عيناه او تعامت على ان ترى الحقيقة وارادت ان تغمط اناس بعض حقوقهم لامور ارتكبوهاولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم فتأملوا :
    في تاريخ القارة السمراء لم ينقطع ظهور حركات الإصلاح التي كانت تسعى إلى بناء مشروعات للنهضة على أساس من الدين، وإذا ذكرت حركات الإصلاح الدينية في أفريقيا (قارة الإسلام) فسيأتي في مقدمتها علي الإطلاق حركة الشيخ "عثمان دان فوديو" التي نمت في بلاد الهوسا والفولاني بين شمال نيجيريا وما يعرف الآن بـ "تشاد" وأدت إلى قيام دولة إسلامية على امتداد ما يقارب القرن من الزمن بين بدايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وهي الحركة التي كان لمؤسسها الأثر الحاسم في إرساء الدعوة الإسلامية في تلك المنطقة، بل على امتداد القارة الأفريقية بكاملها.

    النشأة.. في بيئة علم

    ولد الشيخ "عثمان بن محمد فودي" على الأرجح يوم الأحد في آخر يوم من صفر عام 1168 للهجرة الموافق 15 ديسمبر (كانون الثاني) من عام 1754. واسم فودي الذي اشتهر به والده يعني بلغة الفولانيين الفقيه. وكانت ولادته في قرية "تغل" في منطقة "غوبر" من تلك البلاد التي تعرف ببلاد "الهوسا".

    نشأ "الشيخ عثمان" في حجر والدين صالحين كان لهما الفضل الكبير في توجيهه إلى العلم والدين الذي أولع به منذ أن عرف الحلم، ففتح الله عليه الفتوحات الغيبية وأضاء قلبه بالإيمان فأدرك ما يعانيه شعبه من مآس وفتن نتيجة سيادة الأفكار الخاطئة وآثار الجاهلية الخبيثة؛ فعمل بوعي وتصميم على تغيير هذا الواقع، ففتح الله على يديه بلادا واسعة وشعوبا كثيرة، وأسس حركته التي ما زالت آثارها باقية إلى وقتنا الحالي.

    وكان الشيخ عثمان يفتخر في كثير من المناسبات ببداية تتلمذه على يدي والدته "حواء" وجدته "رقية"، وهو ما يعطينا دون أدنى شك فكرة عن المستوى العلمي الذي كانت عليه عائلته، وخاصة النساء حيث كنّ على مستوى عال من العلم والمعرفة.

    أما أهم أساتذته على الإطلاق فقد كان الشيخ "جبريل" الذي قام بواجبه تجاه تلميذه مرتين: الأولى عندما قدم للشيخ علوما مفيدة ساهمت في تكوين شخصيته العلمية والسياسية، والثانية عندما كان أول من بايعه على الجهاد في سبيل نشر الإسلام في تلك المنطقة، واعترف له بالولاية وعقد له الراية. وفي المقابل لم يكن "الشيخ" أقل سموا من معلمه؛ فقد كان يردد بشكل دائم هذا البيت من الشعر:

    إن قيل فيَّ بحسن الظن ما قيلَ فموجة أنا من أمواج جبريلا

    الدعوة في عالم الوثنية

    في وسط ظروف تسودها الأفكار والعادات والتقاليد الجاهلية بدأ الشيخ عثمان بن فودي عمله الشاق والصعب في الدعوة إلى الله، حيث كان يحكم المجتمع مجموعة من الملوك والأمراء الذين يتطاحنون على حق السيادة ويتنازعون على الأرض والأرزاق واستعباد الناس، فقد عرفت أفريقيا جنوب الصحراء عصرا من عصور الملكية المطلقة، وتطاحنا أودى بحياة الكثير من أبنائها، وضمن سيادة الأفكار القبلية التي لا مجال معها للوحدة بين القبائل دون غالب ومغلوب، بحيث تستمر حلقات التنافس القبلي دون توقف مع ما يرافق ذلك من سيادة للعقلية الحربية التي تضع شرائح كبيرة من المجتمع في دائرة الاستضعاف، إضافة إلى أن الوضع القبلي هذا لم يستطع أن يفرز حالة وحدوية تستطيع أن توحد منطقة بكاملها تحت راية واحدة ولغة واحدة وأهداف واحدة، وبالتالي إنتاج حالة أكثر تقدما مما كان موجودا سابقا، وكان هؤلاء الملوك على ديانات وثنية متخلفة ما زالت بقاياها قائمة حتى أيامنا هذه عبر ما يسمى بالديانات الأرواحية التقليدية.

    فمن العادات التي كانت سائدة على سبيل المثال أنه كان لهؤلاء الملوك والسلاطين أماكن خاصة يؤمنون بضرورة تقديم الأضاحي لها مثل الغابات والصخور الكبيرة والبحر، وكانت هذه الأضاحي دائما من الصنف البشري، وكانوا يؤمنون بأن هذه العادات هي مبعث قوتهم فإذا أبطلوها ضعفت شوكتهم وقلت أرزاقهم، كما كانوا يؤمنون بأن الحكم السياسي هو استمرار لإرادة الأسلاف الذين يستمرون على تواصل مع الملك الذي يستمد قوته في فرض إرادته على الناس من خلال ادعائه الاتصال مع هؤلاء الأسلاف؛ الأمر الذي يبرر حكما مطلقا لا مجال للانفلات منه.

    رغم أن الإسلام كان قد بدأ التغلغل إلى المنطقة منذ عدة مئات من السنين فإنه كان تغلغلا سلميا بطيئا، حيث برز نوع من وعاظ السلاطين الذين يستعملون الإسلام للدعاء للسلاطين وتبرير تصرفاتهم والاكتفاء بلعب الدور الذي كان يقوم به السحرة والمشعوذون قبل الإسلام، ولكن بشكل يبدو ذا طابع إسلامي من ناحية ممارسة بعض العبادات وقراءة القرآن الكريم وتقبل العطاءات باعتبار ذلك وسيلة لبلوغ الحوائج. ولعل بعض هؤلاء كان يجد في بعض الطرق الصوفية مصادر دعم لطريقته المشوهة.

    مرحلة الجهاد القولي

    في مثل هذه الظروف بدأ الشيخ ابن فودي عمله، حيث أخذ على عاتقه مهمة تحرير شعبه من سيادة الأفكار الجاهلية المتخلفة ومن سيطرة السلاطين الجبابرة؛ الأمر الذي أفضى إلى إقامة دولة إسلامية استمرت أكثر من مائة سنة في تلك البلاد البعيدة عن مركز الدولة الإسلامية ودون أي تدخل خارجي.

    وقد بدأ "الشيخ" مهمته في شكل دعوى وهو ما أسماه في أدبياته "الجهاد القولي". وقد كانت مرحلة للدعوة والإرشاد ورفع المستوى التعليمي العام ومستوى الوعي الاجتماعي العام، حيث أرسل رسائل إلى كل فئات المجتمع يدعوها إلى الله، موضحا أهمية الإسلام في إحياء الأمة وخلاصها من مشاكلها الواقعية التي تعيشها.

    وقد ركز عثمان بن فودي في أسلوبه من خلال هذه المرحلة على استخدام عنصرين مهمين: أولهما التركيز على موضوع المرأة في النموذج الإسلامي والفرق بينه وبين المرأة في النموذج الجاهلي المتخلف، وقد ساهم الكثير من السيدات المسلمات في حركة النهوض التي قادها الشيخ عثمان، كما شكلت هذه القضية تحديا كبيرا للأفكار السائدة من خلال دعوة المرأة إلى التحرر من الاستعباد الحقيقي الذي تعيشه في ظل الوضع السائد.

    كما اعتمد على استخدام الشعر والموشحات الدينية بالطريقة الشعبية المعروفة في تلك البلاد والمحببة إلى القلوب. وقد كان الشيخ مبدعا في تأليف كمية كبيرة من القصائد والموشحات ذات المضمون الأخلاقي والعلمي والإرشادي راق باللغات المحلية. وقد كانت هذه القصائد تنتشر مثل النار في الهشيم تنتقل من ألسنة الدعاة إلى ألسنة العامة. وما زال الكثير منها محفوظا حتى الآن، خاصة إذا علمنا أن الثقافة الأفريقية هي ثقافة حفظ وليست ثقافة تسجيل.

    وقد استمرت هذه المرحلة من عام 1774 حتى 1803 أي حوالي 30 سنة من الدعوة والبناء الدقيق لحركة الدعاة والمبلغين والتحدي الأخلاقي والفكري والاجتماعي للمجتمع القائم ولكن دون المواجهة المباشرة، بل عرف عنه في تلك المرحلة تشديده على الدعاة بعدم الدخول بأي صدام مع القوى المسيطرة. وقد ألف في هذه المرحلة الكثير من المؤلفات الهادفة والدراسات القيمة. وكان يتنقل بين المدن والقرى بنفسه يبث أفكاره. وانتهت هذه المرحلة بتأسيس المجموعة الأساسية من الحواريين والأتباع أو من أسماهم بالطلبة بهدف نشر الصورة الجلية للإسلام وبهدف تقديم النموذج الأرقى للدين القويم وفضح علماء السوء الذين كانوا يرون الواقع المنكر فلا يعملون على تغييره بأي شكل من أشكال التغيير المتاحة.

    بناء الدولة المسلمة

    وبالفعل جاء الرد قويا على ممارسات الشيخ، حيث بدأ المواطنون يعلنون رفضهم للأوامر التي تتنافى مع تعاليم الإسلام، خاصة في أوساط الشباب الذين يعتبرون القوة الضاربة في أي قتال يدور بسبب السرقة والتعدي ونهب المحاصيل أو الثروات الحيوانية، كذلك فالفتيات بدأن يرفضن ما يؤمرن به إذا كان منافيا لأحكام الدين الحنيف، مما دفع ملك المنطقة للمطالبة بمغادرة "الشيخ" خوفا منه على سحب البساط من تحت قدميه، غير أن "الشيخ" كان قد اتخذ بالفعل قراره بالهجرة مع كل مجموعته وأصدر فتوى بذلك أذيعت في مختلف الأمصار. وما إن انتقلت الأخبار إلى المدن المجاورة حتى تجمع المؤمنون من كافة أنحاء البلاد يبنون أول مجتمعاتهم القائم على الحكم الإسلامي.

    واستمرت هذه المرحلة إلى عام 1808، وكانت ولا شك مرحلة توطيد دعائم الحكم الإسلامي حيث وضع نظاما إداريا متقدما يراعي النظم الإسلامية، ووحد البلاد تحت راية واحدة، وجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، واستمرت هذه الدولة حوالي مائة سنة حتى دخول الاستعمار البريطاني إلى تلك المنطقة، حين قرر الملك الآنف الذكر أن يجهز جيشا لمقاتلة المجموعة المؤمنة فالتقى الجيشان وانتهت المعركة بنصر جيش المسلمين فكانت هذه المعركة جولة حاسمة انهار على إثرها الكثير من الجيوش والممالك الصغيرة، منها بالقتال، ومنها بالتهديد. وفي هذه المرحلة التي تعرف بمرحلة الجهاد المسلح، تمت الخطوة الحاسمة التي لم يكن بالإمكان أن يستقيم الوضع دونها ألا وهي مبايعة الشيخ قائدا وإماما على سنة الله ورسوله.

    خصوصية حركة ابن فوديو

    استطاع الشيخ أن يدعو إلى التغيير وإقامة حكم الله في الأرض على طريقة الشيخ الولي المعروفة عند الطرق الصوفية، ولكنه أبدع في تحويلها إلى حركة إيجابية قادرة على استنهاض الطاقات الكامنة داخل الأمة عبر إحياء روح الجهاد والاستشهاد بعد أن كانت تعرف بعزوفها عن التدخل المباشر في قضايا الحكم والدولة. والمعروف أن الشيخ عثمان كان من أتباع الطريقة القادرية التي تنتمي إلى الصوفي الشهير "عبد القادر الجيلاني". وقد اعتمد في حركته على مبدأ الولاية المكتسبة بالعلم والخبرة والمعززة بالمبايعة من قبل العلماء ووجوه الأمة والمرتكزة على اطمئنان الجمهور المتواصل مع قيادته بشكل دائم.

    كما لم ينتحل الشيخ أية دعوة خاصة على الطريقة الفاطمية أو المهدوية، بل استمر بالدعوة إلى المنابع الأصيلة للفكر الإسلامي بل إنه خاض مجموعة من النقاشات مع أنصاره خاصة يدعوهم فيها إلى عدم نسبة الصفة المهدية إليه وإلى حركته. فقد كانت حركته تعبيرا عن تطور الظروف المحلية التي استشعرت إمكانية النهوض والتطور نتيجة احتكاكها وتعرفها على الدعوة الإسلامية بصورتها الصحيحة، وبالتالي لم يعرف عنها الانتماء إلى أي من الاتجاهات التي كان يضج بها المجتمع الإسلامي . كما أنها لم تكن كمثيلاتها من الحركات الأفريقية حيث كان التمسك فيها بالإسلام تعبيرا عن ردة فعل على الغزو الاستعماري الأوروبي الذي جاء ليؤسس نموذجا حضاريا غريبا ومنافيا للطبيعة الأفريقية التقليدية.

    وجوه عديدة وشخصية واحدة

    قد كانت شخصية الشيخ متعددة المواهب، فقد كان شخصية علمية فذة وهو ما يظهر بسهولة حين نرى التراث العلمي الضخم الذي يقدم مباحث فقهية معقدة يتناول فيها المؤلف الأبحاث بشكل اجتهادي عميق ينم عن فقيه فذ وعالم فريد وعارف رباني لا ينشد إلا هداية المجتمع إلى شاطئ الأمان. وقد ترك "الشيخ عثمان بن فودي" أكثر من 150 عملا فكريا وفقهيا، معظمها حتى الآن بحاجة إلى تحقيق وطباعة وترجمة تسمح بالاستفادة منها والتعرف عليها بالشكل الذي يستحق (طالع قائمة بأهم مؤلفات الشيخ ابن فوديو). إضافة إلى هذا، فإن الشيخ كان رجل ميدان وحركة وتخطيط إستراتيجي سليم، تنقل في كل مكان من أجل نشر الدعوة وهيأ تلاميذه كهيئة أركان قادرة على الحوار والنقاش والدعوة النظرية، في الوقت الذي هي فيه قادرة على الانتقال للهجرة والجهاد والمقارعة، بما في ذلك إدارة اللعبة السياسية وتهيئة الجيوش والتخطيط للمعارك ثم النزول في صفوفها الأمامية.

    كما اتصف"الشيخ" بصفات شخصية قيادية وعلمية فذة، فقد كان شديد التواضع أمام بسطاء الناس وخاصة أمام أساتذته ومعلميه، وقد وصفه العالم والمؤرخ النيجيري "محمد بلو": "إنه كان خطيبا بليغا وشاعرا فصيحا فاضلا حسن الخلق جميل العشرة كريم الصحبة مقطوعا بولايته وقطبانيته كثير الحياد والشفقة على الخلق، متواضعا يرى نفسه كأقل الحشرات، وقافا عند حدود الشريعة إلفا مألوفا، لقي من التعظيم والمحبة ما لم يعهد حتى كان أحب الناس إلى أنفسهم، يتزاحمون عليه مع طلاقة وحسن خلق وبشاشة وكان حليما رءوفا بالمؤمنين".

    هذا بجانب بعض السمات الغيبية التي دفعت إلى عقد تشابه بين حركة الشيخ عثمان النهضوية وحركة الصدر الأول للدعوة الإسلامية؛ فقد انطلقت الدعوة حين كان الشيخ يناهز الأربعين من عمره وبلغت أوج عزتها بعد 14 عاما من انطلاقتها، كما توفي الشيخ عن عمر يناهز الثالثة والستين، ولعل هذا التقاطع اللطيف أضاف على حركة "الشيخ" بعدا غيبيا عزز من إيمان أصحاب "الشيخ" به، وشدد من ارتباطهم بحركته.

    توفي الشيخ عام 1817 تقريبا، لكنه خلف ذريته الكريمة التي أنجبت الكثير من الرموز الكبيرة في عطائها، وترك وراءه آثارا فكرية واسعة ستشكل الزاد الضروري لأية حركة نهضوية حديثة أو مستقبلية.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-06-02
  9. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    وهذه بعض مؤلفاته اليكم اخواني بارك الله فيكم:
    اتباع السنة وترك البدعة

    آداب العبادات والعادات

    إرشاد الإخوان إلى أحكام خروج النسوان

    إرشاد السالك الرباني إلى أحوال عبد القادر الجيلاني

    إرشاد أهل التفريط والإفراط إلى الصراط

    أصول العدل لولاة الأمور وأهل الفضل

    أصول الولاية وشروطها

    إعداد الدعاة

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الأمر بموالاة المؤمنين والنهي عن موالاة الكافرين

    بيان وجوب الهجرة على العباد وبيان وجوب نصب الإمام وإقامة الجهاد

    تحذير الإخوان من المهدية الموعودة آخر الزمان

    تنبيه الإخوان على أحوال أرض السودان

    تنبيه أهل الفهوم على وجوب اجتناب الشعوذة وعلم النجوم

    حكم جهاد بلاد الهوسا

    سراج الإخوان إلى أهم ما يحتاج إليه في هذا الزمان

    السلاسل الذهبية للسادات الصوفية

    السلاسل القادرية

    سوق الأمة إلى اتباع السنة

    سوق الصديقين إلى حضرة القدسي

    كف الطالبين عن تكفير عوام المسلمين

    مصباح أهل هذه الأزمان من أهل بلاد السودان

    نصائح الأمة المحمدية لبيان حكم الفرق الشيطانية التي ظهرت في بلادنا السودانية

    التفرقة بين الوعاظ المهتدين والوعاظ المذمومين

    وثيقة إلى جماعة المسلمين

    وثيقة أهل السودان
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-06-02
  11. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    وهذا استعراض لاهم خمس ثورات قام بها ائمة من الصوفية بالجزائر لمقاومة المحتل وجئت بها من موقع للصوفية انفسهم
    لانهم ينفون عن انفسهم التهمة التي يلصقها بهم غيرها ويقولون عن انفسهم بل ويتغنون بتاريخهم الذي يقولون انهم جاهدوا المستعمر فيه :
    دور الطرقية في مقاومة الاستعمار الفرنسي ـ

    للاستاذ عبد المنعم قاسمي الحسني.
    ـ يذكر حمدان خوجة في كتابه المرآة أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة بعد تخلي الأتراك عن هذه المهمة.

    ـ كشف الضابط دي نوفو في كتابه الإخوان الصادر سنة 1845 عن الدور الرئيس الذي أدته الطرق الصوفية في مقاومة الاحتلال، وتحدث النقيب ريتشارد عن ثورة الظهرة التي قامت سنة 1845 مبرزا الدور المهم الذي قامت به الطرق الصوفية في هذه الثورة.

    ـ ومن تقرير للمفتشية العامة حرر بالجزائر سنة 1864 يعترف بالدور الخطير الذي تقوم به الطريقة الدرقاوية: " الدرقاوية كانوا معادين لنا كل العداء لأن غايتهم كانت سياسية بوجه خاص، أرادوا ان يشيدوا من جديد صرح امبراطورية إسلامية ويطردوننا، إن هذه الطريقة منتشرة جدا في الجنوب ومن الصعب جدا مراقبتهم، لقد كانت ندوات الإخوان سرية وكانت أغلبية رؤسائهم معروفة".

    ـ " إن مشائخ الزوايا يختارون في تدريسهم للقراءة نصوصا من القرآن معادية لنا، مما يحطم فيهم وبسرعة الشعور الذي سعينا لتطويره فيهم من طرف مؤسساتنا وتعتبر التأثيرات الدينية من ألد أعدائنا والتي يجب أن نخشاها ونخطط لها سياستنا، ولقد كانت القبائل الأشد عداء لنا هي التي تلك التي ينتشر فيها التعليم الإسلامي". من تقرير الملازم " بوسري" بعد ثورة 1846.

    ـ وجاء في تقرير القائد الأعلى " دي توربيل" بتاريخ 4 أوت 1859، بعد الاضطرابات التي رافقت المعارك التي خاضوها ضد الجزائريين ما يلي: " إن مبعوثين وفدوا من مختلف أنحاء الشرق وينتمون إلى مجموعة سيدي عبد الرحمن بوقبرين الدينية الرحمانية، التي يسكن مقدمها الأكبر سي المختار بواحة أولاد جلال (بسكرة) ليسوا غرباء عما يجري، وقد كانت أشغال لجان التجمعات التي شرع فيها من نواح عدة في نفس الوقت موضوعا لخطبهم ومواعظهم".

    ـ لقد كانت السرية التامة التي تحيط بالزوايا، وما يجري داخلها، من نشاط شيوخها والتي لم يستطع الاستعمار بما لديه من إمكانيات ووسائل الإطلاع عليها، يقول ماك ماهون سنة 1851: " يجب على الإنسان أن يقضي حياته كلها في الزاوية حتى يعرف ما يجري فيها وما يقال فيها".

    ـ ويقول المؤرخ الفرنسي مارسيل إيميري: " إن معظم الثورات التي وقعت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من الطرق الصوفية، فالأمير عبد القادر كان رئيسا لواحدة منها وهي الجمعية القادرية، ومن بين الجمعيات المشهورة التي أدت دورا أساسيا في هذه الثورات: الرحمانية السنوسية الدرقاوية الطيبية".

    ـ ويؤكد السيد أوكتاف ديبون المفتش العام للبلديات الممتزجة بالجزائر ـ ومن مؤلفي كتاب الطرق الدينية في الجزائر 1897 ـ في تقرير بعث به إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش والتي كان يرأسها "كليمانصو": " إننا سلفا نجد يدا مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدنا".

    ـ الشيخ محي الدين حمل راية الجهاد ويحملها بعده ابنه الأمير عبد القادر، وكان من أبرز المجاهدين في جيش الأمير عبد القادر سيدي محمد بن علال بن الولي الصالح سيدي مبارك دفين القليعة وشيخ زاويتها، الذي تولى قيادة الجيوش وخاض كبريات المعارك في نواحي وهران إلى أن سقط شهيدا في معركة وقطعت رأسه ووضعت في حراب من جلد وأرسلت إلى مريديه وأتباعه،

    ـ في شهر يناير من عام 1845 شهدت منطقة الظهرة معركة هامة أطلق عليها الفرنسيون " انتفاضة الطرق الصوفية"، وذلك لمشاركة العديد من الطرق فيها كـ: الرحمانية، القادرية، الطيببية، وانتقم المحتل من عرش أولاد رياح الساكن جنوب مدينة تنس والذي كان له شرف المشاركة في هذه الثورة.

    ـ ثورة الشريف محمد بن عبد الله المعروف بـ " بو معزة" في منطقتي الشلف والونشريس (1846 ـ 1847): من أتباع الطريقة الطيبيبة، استنفر القبائل والأعراش بمنطقة الظهرة والشلف والونشريس، واتسعت لتشمل التيطري والحضنة وجبال ديرة وسور الغزلان، ثم امتدت إلى نواحي أولاد جلال، حيث وجدت الزاوية المختارية وشيخها الجليل الشيخ المختار بن عبد الرحمن مقدم الطريقة الرحمانية كامل الدعم والمساعدة.

    ـ ثورة البطل الشيخ بوعمامة، انتشرت ثورته عبر مناطق عين الصفراء وتيارت وفرندة وسعيدة وعين صالح وتوات، وكرزاز, توفي سنة 1908 بعد ثلاثة عقود من الكفاح. وكانت ثورته امتداد لثورة سبقتها بقيادة أولاد سيدي الشيخ جنوب وهران، استمرت من سنة 1864 إلى 1880، وامتدت إلى جبل عمور التيطري متليلي, ورقلة, أدرار، سعيدة، غليزان، سور الغزلان....

    ـ ثورة بن ناصر بن شهرة من الطريقة القادرية، بدأ يعد للثورة سنة 1846 اعتقل سنة 1851 ووضع تحت الإقامة الجبرية رفقة عدد كبير من أتباعه من رجال الأرباع في محتشد قريبا من " بوغار". قال عنه الضابط الفرنسي " لويس رين": " كان ابن ناصر بن شهرة الملاح الحقيقي للصحراء". كما وجد المساعدة في الزاوية الرحمانية بنفطة لشيخها مصطفى بن عزوز التي كانت قبلة الثوار والمجاهدين، واستمر بن شهرة في كفاحه ضد الاستعمار إلى سنة 1875 حين أرغمه باي تونس على مغادرة بلاده، فيختار التوجه بحرا إلى بيروت ثم دمشق التي توفي بها سنة 1882.


    http://cb.rayaheen.net/showthread.php?tid=13464&pno=6#p73147
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-06-02
  13. سيلان

    سيلان عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2007-01-15
    المشاركات:
    665
    الإعجاب :
    0
    عيوني أوجعتني -- ولم أصل حتى إلى سدس الكلام
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-06-02
  15. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    الف مليون سلامة لعيونك الغالية
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-06-02
  17. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    .
    يحتلّ التصوف جزءاً هاماً من تراثنا العربي الإسلامي بدليل وجود عدد كبير جداً من مخطوطات علم التصوف تزخر بها مكتبات العالم ولا غرابة في ذلك فقد شاع التصوف في العصور الإسلامية على اختلافها وأصبح اتجاهاً شعبياً مشكِّلاً بذلك تياراً فكرياً غلاباً منجباً كوكبة من العلماء ممن خلّفوا آثاراً قيِّمة لا تزال تعتز بها المكتبة الإسلامية.
    ومن قراءتي لما يكتبه بعض المعاصرين في هذا الميدان وجدت أن فريقاً منهم قد أصدروا أحكاماً عشوائية وعملوا على توجيه النقد غير المتبصر فزعموا أن التصوف خمول وكسل ومظهر من مظاهر الضعف فزلت بذلك أقلامهم ومن أمثلة ما كتبوا "والصوفية لم نر لهم جهاداً ولم نقرأ لهم استشهاداً"(1) وقد تزعم هذا الاتجاه معظم المستشرقين –ومع الأسف- مشى على خطاهم في إشاعة هذا المعنى بعض الباحثين العرب المحدثين فصار ذلك هو الفهم السائد لدى الكثيرين فوجدت أن تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة لهي ضرورة علمية وتاريخية حقة وضرورة قومية إنسانية.
    وفي الحقيقة لست فقيهاً ولكني سأتناول الموضوع كدراسة علمية من الناحية التاريخية متوخياً الحقيقة مستنيراً في هذا الخصوص بما وقع في يديَّ من مراجع ومصادر. وعلى الرغم من أنها لا تشبع نهم الباحث فهي تزودنا ببعض الأخبار التي تسعى إلى تبديد الغيوم وإنارة الطريق.
    فما هو الجهاد؟ وما موقف الصوفية منه؟
    الجهاد: هو بذل الجهد في مدافعة الشر واستجلاب الخير.
    والعدو الذي نجاهد قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً، والإنسان مجاهد في الحالتين وقد وصف الرسول جهاد الإنسان للعدو الظاهر بأنه الجهاد الأصغر لظهور العدو والاستعداد لمنازلته.
    أما مجاهدة النفس ومحاربة الهوى فقد سماه الرسول الكريم :الجهاد الأكبر لاختفاء العدو وخداعه وطول وسوسته.
    وقد استطاعت الصوفية الجمع بين الجهاد القتالي وجهاد النفس. لأن هناك ترابطاً وثيقاً بينهما فالجهاد الأكبر تهذيب النفس وتوجيهها تجاه الخير وهي بذلك تستعد لملاقاة العدو ومنازلته. أما النفوس التي انحرفت وسارت مع الهوى فإنها لا تستطيع أن تواجه العدو ولا أن تصارع المعتدين(2)، وقد كانت الظروف المحيطة دافعاً قوياً للتركيز على طريق الحق والهداية. ويوضِّح ذلك ابن خلدون عند كلامه على نشوء علم التصوف قائلاً: "وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختصَّ المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"(3) فقد انتشرت نزاعات ملأت تاريخ العصرين الأموي والعباسي وغرق بعضهم في ملذات الدنيا وكان لهذا الفعل رد فعل من العبَّاد والزهَّاد فسلك قسم منهم طريق الوعظ والتذكير بالحياة الأخرى واندفع القسم الآخر للمرابطة في العواصم والثغور التي وجدوا فيها راحةً لنفوسهم وتخليصاً من مشاهد تطاحن الأحزاب والفتن والتكالب على الدنيا. وقد تسنى لهم في هذه الثغور ممارسة رياضاتهم وجهادهم فأخذوا يستشعرون السعادة والرضا. وهم بذلك كما يقول: د.شوقي ضيف يصححون فكرة شاعت عن زهَّاد المسلمين وعبَّادهم أنهم كانوا سلبيين ظانين أن زهد المسلمين كان يفصلهم عن الحياة وهو ظنٌ واهمٌ فإنَّ زهَّاد المسلمين لم ينفصلوا عن الحياة بل كانوا يتصلون بها وكانوا يلبون دائماً نداء الوطن ويتقدمون الصفوف المجاهدة طلباً للاستشهاد في سبيل الله(4).
    ويفرد لنا ابن الجوزي فصلاً خاصاً في كتابه (صفوة الصفوة) للزهَّاد والصوفية الأوائل الذين رابطوا في العواصم والثغور في القرن الثاني للهجرة منهم: أحمد بن عاصم الأنطاكي وكان يقال له (جاسوس القلوب) لحدة فراسته ويصفه بأنه من متقدمي مشائخ الثغور ومنهم أبو يوسف الغسولي الذي كان يغزو مع الناس بلاد الروم وهناك كثيرون أمثال أبي إسحق الفزاري وعيسى بن أبي إسحق السبيعي ويوسف بن إسباط وأبي معاوية الأسود (ت 199) هـ(5).
    ومن أقران آنفي الذكر عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) قال عنه الخطيب البغدادي "وكان من الربانيين في العلم ومن المذكورين بالزهد.. خرج من بغداد يريد المصيصة – ثغر من ثغور الروم - فصحبه الصوفية..."(6). كان ابن المبارك "كثير الانقطاع محباً للخلوة"(7). وكان لا يخرج إلا إلى حج أو جهاد وقيل له ألا تستوحش فقال: "كيف أستوحش وأنا مع النبي r وأصحابه"(8). وقد صُدرت تراجم الصوفية باسمه، وفي حلية الأولياء سُئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال العلماء. وقيل له: مَن الملوك؟ قال الزُّهَّاد. وهو أول من صنَّف في الجهاد وله كتاب الزهد والرقائق.
    ويعدّ إبراهيم بن أدهم إمام المتصوفين الروحانيين يذكره ابن عساكر بأنه كان فارساً شجاعاً ومقاتلاً باسلاً رابط في الثغور وخاض المعارك على البيزنطيين العدو الرئيسي للدولة الإسلامية الناشئة(9). وقد أثنى على ورعه وزهده الإمام أحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم واختلف في وفاته والأصح ما ذكره ابن كثير أنه توفي وهو مرابط في جزيرة من جزائر بحر الروم سنة (162هـ)(10) وقد صحب إبراهيم وأخذ عنه الطريق شقيق البلخي.
    جاء في سير أعلام النبلاء وفي فوات الوفيات "قال حاتم: "كنا مع شقيق في مصاف نحارب الترك في يوم لا تُرى إلا رؤوس "تطير ورماح تقصف وسيوف تقطع فقال لي: كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا اليوم؟ تُراه مثل ما كنت في الليلة التي زُفَّت إليك امرأتك؟ قال: لا والله قال: لكني والله أرى نفسي في هذا اليوم مثل ما كنت تلك الليلة ومات في غزوة كوملان (ما وراء النهر) (عام 194هـ)(11).
    ويترجم لنا صاحب شذرات الذهب عن علم آخر من أعلام الصوفية المجاهدين وهو حاتم الأصم واصفاً إياه "القدوة الرباني كان يقال له لقمان هذه الأمة توفي وهو مرابط على رأس سروَد على جبل فوق واشجرد"(12). عام 237هـ ويروي ابن العديم أنه في القرن الثالث الهجري تجمع الصوفية من كل صوب في ثغور الشام إذ وفدوا إلى هذه الثغور جهاداً في سبيل الله للوقوف في وجه البيزنطيين وأشهرهم أبو القاسم القحطبي الصوفي وأبو القاسم الأبّار وأبو القاسم الملطي الصوفي الذي صحب الجنيد(13) البغدادي.
    ونقرأ في تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن علي الحسين العتابي الصوري (ت 471هـ) واصفاً إياه "شيخ الصوفية بالثغر) كان ذا سمت حسن وطريقة مستقيمة"(14).
    هذه بعض الأمثلة عن الرعيل الأول من الصوفية المجاهدين وإذا كان المجال لا يتسع هنا للاستكثار من الشواهد فهي موجودة في بطون أمهات الكتب العربية. وبالجملة فلم يقعد الزهد والورع الصوفية عن الجهاد في سبيل الله والتفتيش عن مرضاته والشوق إلى لقائه. وقد لخص لنا سيدي عبد الوهاب الشعراني توفي (973هـ) مبادئ الصوفية في الجهاد قائلاً: (أُخذ علينا العهد من رسول الله r إذا دخلنا ثغراً من ثغور المجاهدين أن ننوي المرابطة مدة إقامتنا ولو لم يكن هناك عدو لاحتمال أن يحدث عدو) (أُخذ علينا العهد من رسول الله r أن نكرّم الغزاة والحارسين...) (أُخِذ علينا العهد العام من رسول الله r أن نسأل ربنا أن نموت شهداء في سبيل الله لا على فرشنا فإن لم يحصل لنا مباشرة ذلك حصل لنا النية الصالحة... وحصل الأجر كاملاً).
    (أُخِذ علينا العهد العام من رسول الله r إذا لم يُقسم لنا جهاد أن لا ننفر من الأمور التي تلحقنا بالشهداء في الثواب الأُخروي)(15) يصف ابن سينا الصوفي قائلاً "العارف شجاع كيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت". "وجواد وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل". وصفّاح وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها ذلة بشر"(16).
    وجدير بالذكر أنه عندما ظهر التصوف ظهرت فيه بالإضافة إلى فضيلة التقوى مجموعة من الفضائل الأخرى المستمدة من الفتوة وهي فكرة الإيثار والتضحية واعتبرها المتصوفة من أوائل مبادئهم(17) حتى قال أحدهم لا يكون الصوفي كاملاً إلا إذا تفتى ويقول أحمد أمين: "أدخل الصوفية الفتوة في مذهبهم وصبغوها بصبغتهم وحملها على الحق مهما استتبع ذلك من مكاره(18) ويجب الإشارة أن العالم الصوفي أبا عبد الرحمن السلمي (ت 412هـ) أول من ألّف كتاباً في الفتوة.
    ويذكر لنا بعض المؤرخين نماذج من هذه الفتوة منها قول ابن خلّكان في ترجمة أبي القاسم القشيري (ت 465هـ) "كانت له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء"(19). ويقول صاحب شذرات الذهب في ترجمة السيد أحمد البدوي (ت 675هـ) " ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس (الشافعي) أفتى منه "(20).
    ومع تضاعف نشاط الطرق الصوفية في عهد الاضطراب الذي خضع له العالم الإسلامي في العصور الوسطى تشكلت "الفتوات". في آسيا الصغرى وفي البلاد العربية واتضح هدف هذه الفتوات بالإعلان عن الجهاد الديني المقدس على التتر الصلينبيين وأعداء الدين داخل البلاد وخارجها(21) حتى لُقِّب الصوفية فتيان الثغور. ولأن إقامتهم في هذه الثغور كانت تطول في بعض الأوقات عملوا متكاتفين على إقامة بيوتات صغيرة أشبه ما تكون بمخافر الحدود اليوم وكانت هذه نواة للربط التي انتشرت بكثرة فيما بعد للعبادة ورصد تحركات العدو. ذكر المقريزي (الرُبط: جمع رباط وهو دار يسكنها أهل طريق الله وهو بيت الصوفية ومنزلهم والمرابطة ملازمة ثغر العدو وقيل لكل ثغر يدفع أهله عمّن وراءهم رُباط. فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه والمقيم في الرباط على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد والبلاد"(22).
    وقد لعبت الرُبط دوراً مهماً حيث برزت كمؤسسات للتربية العسكرية والدينية (فالناحية العسكرية ظهرت بسبب تواجد دول على حدود الدول المتربصة بالدول الإسلامية وتوافد غزاة المسلمين إليها من أنحاء الدولة الإسلامية يرابطون فيها فيتدربون عسكرياً ويحرسون ويشاركون في القتال وقد شبهها بعض الغربيين بالأديرة المحصنة)(23).
    ولم يقتصر وجود الرُبط على البرّ فإن صاحب خطط الشام يذكر أنه كان على امتداد سواحل الشام رباطات للنيل من الأعداء إن قدموا بحراً فأهل دمشق يرابطون في بيروت وأهل حمص في طرابلس وأهل القدس في يافا فبنوا المنارات وكلفوا حرساً تراقب قدوم العدو فإذا كان الوقت ليلاً أوقدت منارة ذلك الرباط وإن كان نهاراً دخنوا وقد ثبتت منارات متسلسلة فلا يكون ساعة إلا وقد حصل النفير بين الناس استعداداً لمنازلة العدو(24). وقد أحصى لنا الأربلّي (ت 726هـ) عدد الربط في دمشق وخارجها بواحد وعشرين رباطاً آخرها أنشأها ابن القلانسي بجبل الصالحية وتم بناؤه سنة 720هـ(25).
    بيد أن أشهرها رباط العالم المجاهد رسلان الدمشقي (ت 541هـ) صاحب الرسالة المعروفة في التوحيد والتصوف الذي لم يكن رباطه يقع داخل سور المدينة بل خارجها كأنه مخفر يأوي إليه حرس الحدود والذين يطوفون حول المدينة بعد إغلاقها ليلاً كي لا يكون هناك عدو مباغت وكان المريدون يترددون إلى رباطه يتعلمون فيه جميع أنواع الدراسة ويتدربون على الفنون الحربية للوقوف في وجه الصليبيين حتى لقّب الشيخ رسلان بحق (إمام السالكين وشيخ المجاهدين(26)) وحتى الآن لا يزال أهالي دمشق يرددون الأنشودة المعروفة (شيخ رسلان يا شيخ رسلان يا حامي البر والشام).
    ويورد الدارسون كلام الرحالة المقدسي (أنه في أواخر القرن الرابع الهجري كان في اسبيجاب في ما وراء النهر على حافة الحرب مع الترك ألف وسبعمائة رباط بينما كان في بيكند –ثغر بين بخارى وسمر قند- ألف رباط)(27).
    وإذا كان هذا العدد الضخم من الرباطات في ثغرين من ثغور الحرب فما بالنا بما كان في بقية الثغور؟
    ومن جليل أعمال الصوفية وآثارهم الحسنة في الأمة الإسلامية أن الملوك والأمراء متى قصدوا الجهاد كان مشايخهم يحرضون أتباعهم للمشاركة في رد العدوان وكان هؤلاء المريدون يسارعون بذلك لعظيم اعتقادهم وانقيادهم فيكون ذلك سبباً للظفر والنصر. ففي مصر يسطر لنا الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ) مثالاً رائعاً عن مقاومة الصوفية للغزاة وتذكر كتب التاريخ مشاركته في معركة المنصورة سنة (647هـ) وقد التف حوله أتباعه(28). ومثل هذا يذكره ابن العماد في معرض كلامه على وفيات سنة (656هـ) "وفيها الشاذلي أبو الحسن المغربي الزاهد شيخ الطائفة الشاذلية كان ضريراً اشتغل بالعلوم الشرعية ثم سلك منهاج التصوف حتى ظهر صلاحه... قدم إلى اسكندرية في المغرب وصار يلازم ثغرها من الفجر إلى المغرب"(29). ومن أبرز تلامذة الشاذلي أبو العباس المرسي قال عنه ابن تغري بردي "الإمام العارف قطب زمانه... وكان من جملة الشهود بالثغر..."(30).
    وإن دور الإمام العز بن عبد السلام (ت 660هـ). في التحضير لمعركة "عين جالوت" (سنة 658هـ) معلوم للقاصي والداني فلم يمنعه تقدمه في السن من المشاركة في الاجتماعات مع السلطان وقادة الأمة وحثهم على ملاقاة التتار وفتواه في الجهاد مشهورة معروفة. ولا مجال للتردد أن العز كان صوفياً ونصوصه العديدة وكلام مترجميه قاضية بذلك. فقد حكى السيوطي أن: (سلطان العلماء) "لبس خرقة التصوف من الشهاب السهروردي"(31) (ت 632هـ).
    وذكر الذهبي واليونيني وغيرهما "أنه مع شدته وصلابته فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار يحضر السماع ويرقص"(32). كما للعز كرامات كثيرة منها ما حصلت له أثناء غزو الإفرنج لمصر ورواها لنا السبكي في "طبقات الشافعية"(33).
    وقد تحدث رحمه الله في علوم القوم من الزهد والمحبة والجمال والجلال والفناء كما ذكر بإسهاب المعارف والأحوال والكرامات التي يختص بها الأولياء ولا يعلو مقامهم في هذه الأمور سوى الأنبياء(34). ويعتبر المجاهد العز بأن أهل التصوف هم أهل الحقيقة وفي بيان ذلك يقول: "وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة فمعرفة أحكام الظواهر معرفة لجل الشرع ومعرفة أحكام البواطن معرفة لدق الشرع ولا ينكر شيئاً منها إلا كافر أو فاجر"(35).
    ويذكر أحمد أمين أن الشيخ محي الدين بن عربي الصوفي المشهور (ت 638هـ) أُثر عنه أنه كان خلال الحروب الصليبية يحرض المسلمين على الجهاد ومقاومة الغزاة الصليبيين(36) ومن وصاياه قوله: "وعليك بالجهاد الأكبر وهو جهاد هواك فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قتلت فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عند ربهم يرزقون... واجهد أن ترمي بسهم في سبيل الله واحذر إن لم تغز أن لا تحدِّث نفسك بالغزو..."(37).
    وعلى الرغم من اشتغال ابن عربي بدقائق علم التصوف فإنه لم يقطع صلته مع قوّاد الدولة الكبار ومنهم الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب حلب توفي (613هـ) الذي كان مريداً للشيخ وحصل منه على إجازة في العلم(38) وقد أثنى عليه ابن عربي في بعض كتاباته بقوله: ما رفعت إليه حاجة من حوائج الناس إلا سارع في قضائها من فوره من غير توقف كانت ما كانت(39). ويذكر ابن شداد أن فتح عكا "تم ببركة قدوم الملك غازي بما أظهره من أعمال البطولة الخارقة واستبشر والده (صلاح الدين) بغرته وعلم أن ذلك بيُمن وصلاح سريرته"(40). ويصفه المؤرخون بأنه كان مهيباً ذا سياسة وفطنة ودولته معمورة بالعلماء والفضلاء حضر معظم غزوات والده وهو الذي جمع شمل البيت الأيوبي وكان ملجأ للغرباء وكهفاً للفقراء يزور الصالحين ويتفقدهم(41).
    قال عنه ابن الأثير: "أنه من خيار عباد الله"(42).
    وفي الواقع فإن الظاهرة الهامة في العصر الأيوبي هي انتشار الصوفية وطغيانها وتملكها مشاعر العامة وعواطفهم حتى بدت مظهراً دينياً خالصاً. ويفسر بعضهم أن ذلك يعود إلى كثرة الحروب والفتن وإلى نشوء مذاهب دينية تحوي بعض مبادئ الفوضى والهدم هذا فضلاً عن بدء تسرب جحافل الصليبيين إلى البلاد الإسلامية فوجد العامة في التصوف الملجأ والمخلّص مما هم فيه من المحن والهموم، ولقد عظم اعتقادهم في مشايخ الصوفية وخصوصاً عندما بدأ الضعف يدب في جسم الخلافة العباسية ومن هؤلاء على سبيل المثال: علي بن الحسين الواعظ(43). فقد أشار ابن كثير عند حديثه عن حوادث سنة 549هـ إلى الدور الكبير الذي قام به هذا الصوفي في الحث على تطهير البلاد من الصليبيين وقد توافد إلى رباطه المئات وأصبح ما يشبه اليوم ثكنة عسكرية. وكذلك كانت هناك علاقة وثيقة بين حكام البيت الزنكي والأيوبي وبين رجالات التصوف واتخذوا منهم خير سند في حروبهم مع الصليبيين فكان هؤلاء يشحذون همم الناس، ويستثيرونهم للجهاد فقد شجع نور الدين محمود زنكي (ت 569هـ) التصوف ورجاله عن عقيدة ورغبة حقيقية.
    ذكر أبو شامة: "وكان يحضر مشايخهم عنده ويقربهم ويدنيهم ويبسطهم ويتواضع لهم فإذا أقبل أحدهم إليه يقوم له مذ تقع عينه عليه ويعتنقه ويجلسه معه على سجادته ويقبل عليه بحديثه(44). وكان يقول: "هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر على الأعداء"(45). ويصف لنا ابن خلِّكان نور الدين هذا بأنه كان ملكاً عابداً زاهداً ورعاً مجاهداً في سبيل الله وقد لامه بعض أصحابه على تكريمه للصوفية فغضب غضباً شديداً وقال: "إني لا أرجو النصر إلا بأولئك... كيف أقطع صلات قوم يقاتلون بسهام لا تخطئ..."(46). والناس في الحقيقة لا يعرفون إلا اليسير عن نور الدين الرجل العظيم الذي سبق صلاح الدين ومهّد لانتصاراته على الصليبيين وجعلها ميسورة وذلك باتباع سياسة خارجية قائمة على توحيد البلاد وسياسة داخلية قائمة على التربية الروحية الخالصة. "فبنى الربط والخانقاهات في جميع البلاد للصوفية ووقف عليها الوقوف الكثيرة وأدرّ عليهم الإدارات الصالحة"(47). وتذكر كتب التاريخ أنه كان متقشفاً وقد يقترض أحياناً المال جاعلاً من الجهاد وسحق الصليبيين كل مسوّغ وجوده وكما يقول أحد المستشرقين المنصفين "نذر نور الدين حياته للحرب المقدسة متفانياً فيها بحماسة الصوفي العنيدة"(48). ومما قيل في شعره:
    ذو الجهادين من عدو ونفس
    فهو طول الحياة في هيجاء
    أنت حيناً تقاس بأسد الور
    د وحيناً تعدّ في الأولياء(49)
    وعندما فتح الموصل سنة 566هـ قصد الشيخ عمر الملاّ في زاويته وكان يستشيره في أموره ويعتمد عليه في مهماته وعندما غادر الموصل أمر الولاة والأمراء بها أن لا يفعلوا أمراً حتى يعلموا الملاّ به(50) وهناك حكاية يرويها لنا ابن كثير مفادها (أن أُناساً سمعوا الفرنج يقولون (إن القسّيم ابن القسّيم) يعنون نور الدين له مع الله سر فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه... وحسبه ما قاله عنه ابن الأثير لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين)(51) ولذلك لا غرابة أن نجد صاحب طبقات الحنفية وغيره يقول: إن الدعاء عند قبره مستجاب(52).
    وقد سار صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) على الدرب نفسه الذي سلكه نور الدين فقبل أن يشرع بتخليص البلاد من براثن الصليبيين بقي اثنتي عشرة سنة (570-582هـ) يعمل من أجل تحقيق الوحدة وإعداد قوة الإسلام المادية والروحية فزاد من إنشاء الربط والخوانق والزوايا وجعل منها مدارس عسكرية وتربوية. يصف لنا ابن شداد "سكرتيره وقاضيه" شخصية صلاح الدين بقوله: (كان رحمه الله حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم. وقد جمع له الشيخ "أبو المعالي النيسابوري المنعوت بالقطب"(53). عقيدة سليمة في علم الظاهر والباطن وقد ورد عنه أنه خلال المعارك كان يصحب علماء الصوفية لأخذ الرأي والمشورة فضلاً على أن وجودهم يعتبر حافزاً قوياً للمريدين على القتال ببسالة وشجاعة نادرة"(54).
    وقد سلك صلاح الدين طريق زهد الصوفية لدرجة أنه كما قال ابن شداد: "مات رحمه الله ولم يحفظ ما تجب عليه الزكاة... ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك"(55). "وقنع من الدنيا في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة"(56).
    وإذا كان من تعريفات الصوفي هو من يستوي عنده الذهب والمدر فإننا نجد عند صلاح الدين تطبيقاً لهذه القاعدة. وإلى ذلك يشير كاتب سيرته "وسمعت في معرض حديث جرى يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه أراد بذلك نفسه رحمه الله تعالى"(57).. ويقول المقريزي إن صلاح الدين أول من أنشأ خانقاه للصوفية بمصر ووقف عليها أوقافاً كثيرة وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح وولي مشيختها الأكابر(58).
    ويذكر ابن إياس في بدائع الزهور (تاريخ مصر) عند حديثه عن مناقب صلاح الدين "وهو أول من اتخذ قيام المؤذنين في أواخر الليل وطلوعهم إلى المآذن للتسبيح حتى يطلع الفجر... وكان لا يلبس إلا الثياب القطن والجبب الصوف وقد عدّه اليافعي في كتاب روض الرياحين من جملة الأولياء الثلاثمائة"(59). وخلال فتح صلاح الدين للقدس (583) أمر المسلمين بالمحافظة على كنيسة القيامة "وبنى بالقرب منها مدرسة للفقهاء الشافعية ورباطاً للصلحاء الصوفية ووقف عليهما وقوفاً وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفاً"(60).
    ويؤكد ابن الوردي في تاريخه حضور مشايخ الصوفية فتح القدس بقوله: "وشهد فتحه كثير من أرباب الخرق والزهد والعلماء في مصر والشام بحيث لم يتخلف منهم أحد"(61).
    والروايات كثيرة تؤكد زهد صلاح الدين وتقشفه في مأكله وملبسه بينما يغدق كرمه على الفقهاء والصوفية ويوقف القرى بما تملك من موارد وأرباح خدمة للزوايا ودور الفقراء(62).
    وبلغ من تعظيمه للرسول r واهتمامه بمولده الشريف أنه كان يدفع للكتاب الذين يؤلفون في قصة المولد العطايا الواسعة. وجدير بالذكر أن المدائح النبوية ازدهرت في فترة الحروب الصليبية وأصبحت فناً مستقلاً بذاته فقد مدح الشعراء الرسول r وتوسلوا به إلى الله سبحانه لكشف الغمة عن أمته(63) ومما يدل على محبة صلاح الدين للصوفية قول ابن الأثير في الكامل "كان يحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماعَ فإذا قام أحدهم لرقص أو سماع يقوم له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير"(64). ويحكى عنه أنه كان إذا سمع بأحد العارفين بالله زاره في زاويته ليقتبس من أنواره وقد سار إلى بغداد للقاء شيخ الطريقة القادرية علي بن الحسين المعروف "قضيب البان" الذي شجعه على قيادة جيوش الإيمان وأرسل معه عدداً من أبنائه للمشاركة في المعركة وقد استطاع أحدهم وكان ملثماً قتل أحد قادة جيوش الصليبيين وقد طلب من الفارس الملثم التقدم للمكافأة فلم يجب أحد(65).
    وهذا يذكرنا بقصة الأعرابي الذي بايع الرسول على الجهاد فلما انقشع غبار المعركة أراد الرسول الكريم أن يعطيه حصته من الغنائم فقال له الأعرابي ما بايعتك على هذا يا رسول الله إنما بايعتك على أن أرمى بسهم ها هنا –وأشار إلى صدره- وأدخل الجنة. وعلى هذا الأساس ذهب بعض الدارسين إلى القول بأن الصحابة- رضوان الله عليهم- جميعهم من الزهاد الصوفية وإن لم يكن الاسم معروفاً في ذلك الوقت وأن رأس حركة التصوف الإسلامي- بمعناها السلوكي الدقيق- هو النبي r الذي تتلمذ على هدى سلوكه المأثور جميع الصوفية وجهدوا لاتخاذه القدوة النموذج(66).
    وعن تورع الناصر صلاح الدين الشديد نسوق حواراً جرى بينه وبين كاتبه (العماد الأصبهاني) يقول العماد: "رأى لي يوماً دواة محلاة بالفضة فأنكرها وقال هذا حرام فقلت على سبيل المدافعة والمناظرة أو ليس يحل حلية السلاح واستصحابه في الكفاح ودوائي أنجع ومداد دوائي أنفع ويراع يراعتي القصير أطول وسلاح قلمي أحدّ وأفتك وأقتل فقال ليس هذا صالحاً. فقلت له إن الشيخ أبا محمد والد إمام الحرمين قد ذكر وجهاً في جوازه ثم لم أعد بعدها أكتب في تلك الدواة"(67).
    والآن وبعد أن مضى على وفاة بطل حطين ومحرر القدس ثمانمائة عام (1193م) أوليس لنا –على الأقل- أن نقف أمام عظمته الدينية والحربية وقفة إجلال وإكبار
    مرددين قول شاعر عصره:
    لو كان في عصر النبي لأُنزلت
    في ذكره من ذكره آياته
    فعلى صلاح الدين يوسف دائماً
    رضوان رب العرش بل صلواته(68)
    وبعد انتقاله إلى جوار ربه قاد خلفاؤه الأيوبيون أعمال التحرير ثم جاء بعدهم المماليك وحاق بالمسلمين في عهدهم محنة أخرى هي الغزو المغولي وقضاؤهم على الخلافة العباسية في بغداد (سنة 656هـ). وقد شهد عصر المماليك اشتداد تيار التصوف ويعزو أغلب الباحثين ذلك إلى الأخطار التي ألمَّت بالعالم الإسلامي في القرن السابع الهجري على أيدي التتار في المشرق والصليبيين في المشرق والمغرب جعلت الناس يرغبون في التوبة الخالصة إلى الله والزهد في الدنيا والعودة إلى سنة السلف الصالح للخلاص من الأوضاع السيئة التي أحس فيها المسلمون(69). وليس من المغالاة القول إن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (ت676هـ) يأتي في المرتبة نفسها التي احتلها صلاح الدين ونور الدين وذلك للوقائع الهائلة والنجاحات العظمى التي حققها على التتار وبقايا الصليبيين وتوجها بالمعركة الفاصلة في التاريخ الإسلامي والعالمي (عين جالوت 658هـ) والشيء الذي نريد إلقاء الضوء عليه في هذا الجانب هو العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الظاهر يبيرس وبين شيوخ التصوف في عصره وإكرامه لهم فقد كان له فيهم اعتقاد كبير منهم: السيد أحمد البدوي (ت675هـ) يروي صاحب شذرات الذهب: "أنه بوصول السيد البدوي إلى مصر قادماً من المغرب تلقاه الظاهر بيبرس بعسكره وأكرمه وعظمه"(70) وانتسب إلى طريقته(71). ولكن الذي لعب دوراً مهماً في حياة بيبرس هو الشيخ خضر الكردي العدوي "وقد بنى له السلطان زاوية بجبل المزة خارج دمشق وكان يتردد عليها بيبرس في الأسبوع مرة أو مرتين ويستشيره في أموره ولا يخرج عما يشير به ويأخذه معه في أسفاره وأطلق يده وصرّفه في مملكته"(72). وهو الذي أخبر السلطان بأنه سوف يتسلطن وأخذ يقوي روح الجهاد لديه. ومما يدل على ملازمة الشيخ خضر للسلطان في معاركه قول الشاعر المعاصر لتلك الفترة:
    ما الظاهر السلطان إلا مالك الدنـ
    ـيا بذاك لنا الملاحم تخبر
    ولنا دليل واضح كالشمس في
    وسط السماء لكل عين تنظر
    لما رأينا الخضر يقدم جيشه
    أبداً علمنا أنه الاسكندر(73)
    ويحدثنا ابن عبد الظاهر كاتب سيرة الظاهر بيبرس ورئيس ديوانه عن حضور الصوفية للحروب وهو شاهد عيان بقوله: "وحضر العبّاد والزهّاد والفقهاء والفقراء إلى هذه الغزاة المباركة التي ملأت الأرض بالعساكر وأصناف العالم ولم يتبعها خمر ولا شيء من الفواحش بل النساء الصالحات يسقين الماء في وسط القتال ويجررن في المجانيق وأطلق لجماعة من الصالحين الرواتب مثل الشيخ علي المجنون(74) والشيخ الياس من الأغنام والحوائج وأطلق للشيخ علي البكّاء جملة من المال وما سمع من أحد من خواصه اشتغل عن الجاهد في نوبته بشغله"(75).
    ونلمس أثر التصوف واضحاً من خلال الأعمال التي قام بها بيبرس منها أنه جدد قبة الخليل عليه السلام وبنى على قبر موسى عليه السلام قبة ومسجداً ووقف عليه وقفاً وبنى على قبر أبي عبيدة –رضي الله عنه- مشهداً وجدد مشهد زين العابدين(76) ويصفه المؤرخون بأنه كان ملكاً شجاعاً مقداماً صالحاً متقشفاً هو وجيشه كما كان على جانب كبير من الديانة وأنه صاحب حال ونفس قوية. حكى ابن الفوطي أن الظاهر بيبرس قال "رأيت النبي r قبل وصولي إلى السلطنة وقد قلدني سيفاً ثم رآه قبل وفاته فقال له: أعطني الوديعة فأعاد إليه السيف فأخذه r وتوفي بعد ذلك بأيام"(77).
    وأخيراً لا عجب أن نجد من ألقابه (الأسد الضاري) و (ركن الدنيا والدين) و (صاحب الوقائع الهائلة مع الصليبيين والتتار) التي امتدت من 661هـ حتى وفاته سنة 676هـ. لذلك ومما تقدم من شواهد قيمة نستنتج أننا في دراسة سبر أغوار حياة وشخصيات أمراء الزنكيين والأيوبيين والمماليك الذين دحروا الصليبيين والتتار نجد ناحية التصوف واضحة جلية لا تقبل مجالاً للشك أو الريب فقد كانوا جميعاً نسيجاً روحياً واحداً رغم تباين قبائلهم واختلاف شعوبهم ولا غرابة في ذلك فقد أصبح التصوف –كما أشرنا آنفاً- خلال العصرين الأيوبي والمملوكي يعبِّر عن الدين الخالص والتمسك الدقيق بالشريعة والحقيقة. وإذا كان لكل عظيم مكونات ومؤثرات لعبت دوراً مهماً في نجاحه فإن الفضل الأول في انتصارات نور الدين وصلاح الدين والمظفر غازي والظاهر بيبرس وابن تومرت في المغرب يرجع إلى عاملين: عامل مادي يبينه قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل (الأنفال –60) وعامل روحي هو نشوؤهم في بيئة زرعت في قلوبهم حب التصوف ورجالاته العارفين فعلموهم حقيقة الاعتقاد وفضيلة الصبر والمصابرة والتضحية بالنفس والنفيس وطلب الفوز بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة فكانوا بذلك هم الجذور التي أنبتت أشجاراً باسقة لا تهزها ريح ولا تنال منها عاصفة ولا نزال نحن ننعم بثمار هذه الأشجار حتى الآن. ومهمة الجذور دائماً بعيدة عن الأعين لأنها لو برزت إلى السطح لضاعت منها قوتها الفاعلة والتاريخ الحق هو البحث عن الجذور وعدم الإصغاء إلى الذين يحاولون تزييف الحقيقة وإظهار التصوف بأنه ضعف وخنوع وكسل بهدف القيام بمهمة تفريغ الحضارة الإسلامية من مضمونها الروحي وهم يعلمون حق اليقين أن التصوف هو روح الإسلام وهو قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضّاءة المشرقة. وجدير بالذكر أن الاهتمام بالكتابة عن التراث الإسلامي بشكل عام والتراث الصوفي بشكل خاص من قبل المستشرقين(78) ظهر في أعقاب الحروب الصليبية التي أوجدت حاجة ملحة من قبل المستعمرين للتعرف على سر انتصارات المسلمين فتوصلوا أن ذلك سببه الوحدة وأن التصوف هو الاتحاد الحقيقي الذي جمع القلوب. ولا ننكر أنه ظهر خلال العصور المتوالية بعض الأفراد والجماعات من أدعياء الطريق الصوفي تشبهوا بالقوم في الزي والهيئة وهم شينٌ عليهم كما تشبهت بالفقهاء العاملين أقوام قاصرون فكانوا بدورهم شيناً عليهم ولم تزل كل طائفة من طوائف الناس فيهم الصالحون وفيهم الفاسدون ولقد حذّر علماء التصوف قديماً وحديثاً من هؤلاء الكاذبين المنحرفين كالتاج السبكي حين قال: "إذا علمت أن خاصة الخلق هم الصوفية فاعلم أنهم قد تشبه بهم أقوام ليسوا منهم فأوجب تشبه أولاء سوء الظن"(79). وقد حكم البعض على التصوف من خلال هؤلاء الشاذين والتصوف منهم براء ويبدو أن التصوف في المغرب (في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) كان أحسن حالاً مما كان عليه في المشرق. نفهم ذلك من خلال حديث أحد علماء صوفية المغرب وهو علي بن ميمون (ت 917هـ) الذي زار المشرق فأنكر بشدة على المتشبهين بالصوفية وكذلك المتشبهين بالفقهاء واعتبرهم سبب ضعف المسلمين وألف كتاباً مستقلاً بعنوان "بيان غربة الإسلام بواسطة صنفي المتفقهة والمتفقرة من أهل مصر والشام وما والاهما من بلاد الأعجام"(80). ونقرأ ترجمة هذا العالم المجاهد في شذرات الذهب "العارف بالله سيدي علي بن ميمون المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى اشتغل بالعلم ولازم الثغور على السواحل وكان رأس العسكر"(81). وفي العصر الحديث يذكر الشيخ محمد عبده (ت1905م) كلاماً قريباً من ذلك فيقول: "قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التي شوَّهت جماله السبب في سقوط المسلمين في الجهل فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب وليس الأمر كما ظنوا..."(82). ويعتبر الإمام والمصلح الصوفي محمد عبده الأب الروحي للثورة العرابية أثناء الغزو الإنجليزي لمصر سنة 1882م. وقد تحمَّل في سبيل ذلك السجن والنفي. ورد في الأعلام أنه (من كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام تعلَّم بالأزهر وتصوف ولمَّا احتلَّ الإنجليز مصر ناوأهم وشارك في مناصرة الثورة العرابية ثم نفي. من مؤلفاته رسالة الواردات في الفلسفة والتصوف"(83). وإذا ولّينا وجوهنا نحو المغرب نرى ظاهرة التصوف التي بدأت بالزهد كما في المشرق واضحة جداً في تأسيس دول مشهورة. فنجد أن دولة المرابطين (منتصف القرن الخامس الهجري) منشؤها رباط أقامه أحد الزهَّاد في محل ناءٍ من الصحراء وذاعت أنباء زهده وتقواه في جميع أرجاء المغرب فقصده جموع غفيرة من الناس ومنهم يوسف بن تاشفين (ت505هـ) الذي أصبح فيما بعد رئيساً لدولة المرابطين وقد كان الزهد والتقشف هما شعار الدولة وطابعها الخاص وابن تاشفين هو صاحب الموقعة المشهورة مع الإفرنج في الزلاقة (سنة 479هـ). ومما يروى أن الإمام الغزالي الفقيه والصوفي الكبير (450-505هـ) كان يعجب بورع يوسف وصفاته حتى أنه فكر في الرحيل إلى المغرب لزيارته لكنه عدل عن ذلك حينما بلغه وفاته(84). وهناك نص كامل للخطاب الذي كتبه الإمام الغزالي وأرسله إلى يوسف ابن تاشفين يحضه فيه على العدل ونصرة الدين(85). كما عثر على فتوى موجهة لحجة الإسلام بشأن ما كان عليه ملوك الطوائف من التفرق والتخاذل عن الجهاد فأجاب ما ملخصه: (أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإمامة للخليفة المستظهر وأن هذا هو الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المسلمين وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء وكل من تمرد واستعصى فحكمه حكم الباغي ومن حق الأمير أن يرده بالسيف). ودعا للالتفاف حول يوسف وعدم مخالفته ناشراً محامده "استصرخ المسلمون الأمير ناصر الدين وجامع كلمة المسلمين... فلبى دعوتهم وأسرع لنصرتهم بنفسه ورجاله وماله وجاهد بالله حق جهاده ومنحه الله تعالى استيصال شأفة المشركين..."(86). وقد خلف المرابطين الموحدون (541-668هـ) ومؤسس دولتهم هو المهدي بن تومرت وكان قد رحل إلى المشرق سنة (501هـ) في طلب العلم ويُحكى أنه لقي أبا حامد الغزالي في الشام أيام تزهده ويؤكد كثير من المؤرخين القدماء والمحدثين هذا اللقاء(78). وكما يقول صاحب المعجب. "وشهد الغزالي في ابن تومرت صفاته وشمائله وتبين فيه من العلامات والآثار ما يدل على أمره ومستقبله"(88). ثم اعتزم ابن تومرت الرحيل إلى المغرب حاملاً دعوة التوحيد ومجدداً للمفاهيم الإسلامية التي زرعها في نفسه أستاذه الغزالي وقد ذُكر أن كرامة حصلت لابن تومرت وهو في السفينة مما جعله يعظم في صدور ركابها(89). ولم يزل كذلك وأحواله صالحة وأصحابه ظاهرون وأحوال المرابطين تختل إلى أن توفي عام (524هـ) بعد أن "قرر القواعد ومهدها ورتب الأحوال ووحدها"(90). يصفه ابن خلَّكان (أنه كان ورعاً ناسكاً شجاعاً مخشوشناً لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة فقد كان قوته رغيفاً كل يوم وكان يقول: من اتبعني للدنيا فماله عندي إلا ما رأى ومن اتبعني للآخرة فجزاؤه عند الله وكان كثيراً ما ينشد: تجرَّد من الدنيا فإنك إنما
    خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد(91)
    قال المراكشي فيه: "كان قد وضع له في النفوس هيبة وفي الصدر عظمة كان شديد الصمت كثير الانقباض سُخرت له الرعية وذُللت له الجبابرة"(92). وقد أسفرت حركته عن قيام دولة من أعظم الدول الإسلامية وهي الدولة الموحدية الكبرى وتحت تأثير هذه الدعوة اندفع الموحدون لمقاومة القوات الإسبانية ويذكر المؤرخون أنه لولا قيام الدولة الموحدية التي استطاعت أن توحد الصفوف وتجمع الكلمة وتكوِّن من أقطار أفريقية هذه القوة العتيدة التي حاربت في آن واحد في كلتا الجبهتين الأندلسية والأفريقية لعصفت القوات الصليبية بتلك البلاد في ذلك الحين. وقد ازدهر التصوف في عهد الموحدين ازدهاراً ملحوظاً وظهر جماعة في المغرب من كبار الصوفية أبرزهم: محي الدين بن عربي وأبو الحسن الشاذلي.وقد لقيت الحركة الصوفية الطرقية تطوراً ملموساً مع أحد مريدي الطريقة الشاذلية وهو الشيخ الجزولي (منتصف القرن العاشر الهجري). الذي نشر الطريقة في جميع أرجاء المغرب ولاقت نجاحاً واسعاً خصوصاً عندما تبنت حركة المقاومة المغربية ضد البرتغاليين المحتلين للشواطئ العربية باسم الجهاد(93). وتحول شيوخ الزوايا إلى وحدات سياسية كانت نواة لقيام دول بالمغرب على أساس صوفي كالسعديين الذين أخذوا على عاتقهم تحرير البلاد من البرتغاليين وقويت زعامة السعديين وحماسهم للجهاد بتأييد الطرق الصوفية المنتشرة بكثرة آنذاك(94). وصفوة القول فإن المجمع المغربي كان مبنياً روحياً على الظاهرة الصوفية وقد وحَّدت المجتمع وصارت هذه الظاهرة عند المغاربة قوة واحدة أمام التهديد والعدوان الخارجي. ونحاول أن نقف قليلاً عند أبي حامد الغزالي الذي أخذ عليه البعض عدم اشتراكه في قتال الصليبيين وفي الواقع يجب علينا هنا ملاحظة أمرين: الأمر الأول: أن حياة الغزالي امتازت بكونه فيلسوفاً وفقيهاً صوفياً ومصلحاً اجتماعياً ومخططاً سياسياً. والأمر الثاني: أن العصر الذي عاش فيه الغزالي كان عصر ضياع وتشرذم فيه مزيج من اختلاطات المذاهب والآراء والأفكار فأراد أن يأخذ على عاتقه عبء الإصلاح فبينما كان الصليبيون يتأهبون لمهاجمة العالم الإسلامي مستغلين فقدان الخلافة العباسية هيبتها كان الغزالي يتهيأ لمعالجة جذور المشكلة وأسباب الداء. "وقد أقامه الله حتى يكون في الناس من يحفظ به العقائد الصحيحة ويدفع شبه الملحدين والمبطلين وأجره أعظم من أجر المجاهد بكثير"(95). فاستحق عند الجميع أن يكون حجة الإسلام. ولو أنه اتجه إلى القتال لما وجدنا في تراثنا الإسلامي هذه المجموعة العظيمة من الكتب التي خلفها والتي لا تزال تعتز بها المكتبة الإسلامية. ومن المعلوم أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وقد قيض الله للصليبيين من طردهم من هذه البلاد وكما أنه ليس دور الطبيب حمل السلاح فكذلك دور العالم الفقيه حمل مشاعل النور للأجيال. قال تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. (122- التوبة) وقد ذكرنا آنفاً أنه كان أستاذاً ومرشداً لمؤسس الدولة الموحدية وله في الجانب السياسي كتاب "التبر المسبوك في نصيحة الملوك". وما قيل عن الغزالي يُقال عن غيره من أعلام التصوف أمثال الشيخ عبد القادر الجيلاني (561هـ ) يقول شكيب أرسلان عن هذا المرشد الكبير (أن له أتباعاً لا يُحصى عددهم ووصلت طريقته إلى إسبانية فلما زالت دولة العرب في غرناطة انتقل مركز الطريقة القادرية إلى فاس وبواسطة أنوار هذه الطريقة زالت البدع بين البربر...)(96) وقد كان لخلفائه فضل كبير في المحافظة على روح الدعوة والجهاد وكثير من الذين قاوموا النفوذ الاستعماري في أفريقية كانوا من أتباع الطريقة القادرية. ومهما يكن من أمر فقد قدم علماء التصوف للمجتمع خدمات جليلة وخلفوا تراثاً زاخراً في الأدب والأخلاق. يقول الإمام محمد عبده: "أنه لم يوجد في أمة من الأمم من يضاهي الصوفية في علم الأخلاق وتربية النفوس وأنه بضعف هذه الطبقة فقدنا الدين"(97). وهناك عدد من الأحاديث النبوية الشريفة نصت على فضل العلماء على الشهداء وأن رتبة العلماء تلي رتبة الأنبياء مباشرة(98). كما جاء في الأثر عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- بأن مداد العلماء يرجح يوم القيامة على دماء الشهداء. وقد ذكر العز بن عبد السلام أن العلم المقصود به هو العلم بالله وهو علم العارفين(99). وقد ورد عن الرسول r قوله "العلم علمان..."(100) الحديث. وفي العصر الحديث: يندر أن نجد من المجاهدين من عملوا على إنقاذ الوطن من براثن الاستعمار لم يسلك الطريق الصوفي. لقد وجدوا أن من واجبهم محاربة العدوان والشر المادي كما يحاربون المآثم والشهوات لأنها كلها من فصيلة واحدة تدمر الروح الإنساني، إن الوميض المتجدد لجهاد الصوفية الحربي عاد ليظهر واضحاً من خلال الهجمة الأوربية الاستعمارية على بلدان العالم الإسلامي فسطروا بذلك أروع آيات الكفاح ويخلدهم التاريخ بين صفحاته. وسأترك للقارئ المجال فسيحاً مع الحقائق والوقائع التي لا يرقى إليها الشك ولا يخالطها ريبة فهي وحدها البيان والترجمان. ففي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قاد نضال الاحتلال في ليبيا الطريقة الصوفية السنوسية ومؤسسها محمد بن علي السنوسي (ت1859م) تلميذ أحمد بن إدريس الفاسي (ت1853م) رئيس الطريقة الخضيرية الشاذلية(101) عمل السنوسي على بناء قوة عربية إسلامية في صحراء ليبيا تقوم دعاتها على أساس الزوايا والرباطات التي لم تكن للعبادة فقط وإنما كانت مراكز نشاط وحيوية وإصلاح فكان شيخ الزاوية يربي أتباعه على ضرورة تعلم الرماية وفنون الحرب والاستعداد للجهاد في أي لحظة. وكانت منظمة تنظيماً دقيقاً ولم تجرؤ الحكومات الاستعمارية في شمال أفريقية على مسها(102) وقد تحولت هذه الزوايا جميعها عند الغزو الإيطالي لليبيا في مطلع هذا القرن إلى معاقل حقيقية للدفاع عن السيادة والكرامة تحمّل عبء النضال من خلالها السنوسيون بقيادة البطل المجاهد عمر المختار (1858-1931م) الذي جعل من زاويته الكبرى في واحة الجغبوب مقراً ومركزاً للعمليات العسكرية حتى استشهاده. وكان قد التحق بزاوية الجغبوب وعمره ستة عشر عاماً مارس داخلها العبادة ورياضاته الروحية فقد كان لا ينام من الليل إلا ساعتين أو ثلاثاً ويختم المصحف كل سبعة أيام وقد كانت فترته هناك عاملاً هاماً في تكوين شخصيته السياسية والاجتماعية وتركت آثاراً باقية في سلوكه وتفكيره وصفاته فيما بعد(103). وفي الصومال قاد السيد: محمد عبد الله حسن (ت1920م) أبرز خلفاء شيخ الطريقة الصالحية (وهي فرع من الشاذلية) بلاده من نصر إلى نصر أكثر من عشرين عاماً حارب فيها قوات أكبر ثلاث دول في القرن التاسع عشر وهي بريطانيا وإيطاليا والحبشة. ولبسالة الأعمال الحربية التي قام بها سماه بعض أنصاره بالمهدي بينما هو نفى عن نفسه أن يكون المهدي المنتظر ووصف نفسه بأنه من الدراويش(104). وقد استطاع السيد أن يجعل من رابطة الطريقة أقوى من رابطة العصبية القبلية. وتزعم حركة المقاومة في موريتانية في وجه الفرنسيين وتصدى لمطامعهم الزعيم الروحي ماء العينين (ت 1910م) الذي اعتنق الطريقة الفاضلة التي أسسها والده (وهي فرع من القادرية)(105). وفي أفريقية بوجه عام اعتنق زعماء الجهاد تعاليم الطرق الصوفية التي لا يستطيع أحد أن ينكر دورها في نشر الدين والثقافة الإسلامية وفي مقاومة كل مظاهر السيطرة والوجود الأجنبي. وهم جميعاً رفضوا الاستسلام رغم كل العروض المادية والمعنوية وبالرغم مما أصاب زعماء هذه الحركات من خسائر فقد فضلوا الاستشهاد في سبيل الله. وإذا كان زعماء بعض هذه الطرق قد عقدوا معاهدات صلح مع بعض القوى الأجنبية فذلك حتى تسترد الأنفاس وتنظم القوات وتبدأ مرحلة جديدة من النضال والكفاح(106). ومازالت شعوب غرب أفريقية الإسلامية تدين للمجاهدين من أصحاب الطرق الصوفية من أمثال الشيخ عثمان بن فودي (القادري) أوائل القرن التاسع عشر والحاج الشهيد عمر التكروتي (ت 1864م)(107) الذي حمل معه الطريقة التيجانية إلى غرب أفريقية. ولا ننسى الدور الفعال الذي قامت به الدرقاوية إبان الاستعمار الفرنسي للمغرب(108). وفي الحقيقة من أبرز شخصيات المغرب البطولية شخصية البطل المراكشي الأمير عبد الكريم الخطابي (1881-1962م) الذي كان على درجة كبيرة من الشجاعة والزهد معاً وقد اعتكف عدة سنوات أخذ نفسه بالرياضة الروحية الخالصة حتى يصقل نفسه ويصفيها من شوائب الدنيا وأعراضها(109). وقد كان لهذا الاعتكاف أثره على الأمير ليبدأ بعدها مرحلة طويلة من الكفاح ضد الإسبان ولم يهزم إلا بعد أن تكاتفت عليه الجيوش الإسبانية والفرنسية وبعد أن خلّف عدداً كبيراً من المريدين حملوا بعده راية الكفاح حتى تم قطف ثمار جهادهم. وفي الجزائر لاحظ الخبراء الفرنسيون أن زعماء حركة الجهاد التي تؤلف محاربتهم انطلقت من الطرق الصوفية وخاصة المرتكزة منها حول الزوايا التي كانت منذ قرون تعتني بالجهاد عند الخطر وتعتني بالعلم والتصوف عند السلم، ومن أبرز تلك الطرق في القرن الماضي القادرية والرحمانية(110) وقد أنجبت الأولى الأمير: عبد القادر الجزائري (1807-1885م) الذي يعتبر (بلا منازع) شيخ المجاهدين في العصر الحديث فضلاً عن كونه من كبار صوفية عصره، وقد ترجم عبد الرزاق البيطار للأمير ترجمة عارف بفضله ونبله فقال: "هو الهمام الكامل العارف والإمام المتحلي بأعلى العوارف الراسخ القدم في العلم الإلهي والكاشف عن أسرار الحقائق حتى شهدها كما هي..."(111). نشأ الأمير عبد القادر في بيت علم ودين وزار في مطلع شبابه الشام مع والده آخذاً عن علمائها طريق النقشبندية ثم سار إلى بغداد ونال ممن اجتمع بهم الطريقة القادرية ثم قصد بلاد الحجاز لأداء مناسك الحج(112). وأخيراً عاد إلى بلاده ليجد الجحافل الجرارة من المستعمرين الفرنسيين وقد بدأت تداهم الجزائر فاجتمع الأشراف والعلماء وأعيان القبائل عند شجرة عظيمة(113). وهناك بايعه الجميع فذهبت البشائر في أقطار الأرض(114). حارب الأمير الفرنسيين بلا هوادة مدة سبعة وعشرين عاماً اضطر بعدها مكرهاً إلى مغادرة الجزائر وتسليم راية الجهاد طاهرة مطهرة إلى الشعب لمواصلة الجهاد في ميدان آخر له رجاله وأبطاله أيضاً واهتزت لقدومه دمشق التي اختارها لتكون مقراً له واستقبل فيها استقبال الفاتحين وقرأ على علمائها أشهر كتب التصوف كما ألّف فيها عدداً من الكتب أشهرها كتاب المواقف في الوعظ والتصوف والإرشاد(115) وكانت وفاته فاجعة في قلوب الجميع الذين ألفوه وأحبوه ثم تم نقل رفاته إلى الجزائر بعد استقلالها1962. ويشبه نضال الأمير عبد القادر للفرنسيين جهاد زعيم صوفي آخر في السودان للإنجليز وهو محمد أحمد المهدي (1843-1885) الذي حفظ القرآن منذ صغره بهرته دون أترابه في الدرس أنوار التصوف فأقبل عليها(116) وانقطع في جزيرة "عبه" في النيل الأبيض خمسة عشر عاماً وهناك بدأ ممارسة رياضاته السلوكية ليقهر جماح النفس على الصعب ليبدأ مرحلة رفع عمد الإسلام والحرب في سبيل الله ولاسيما والسودان كله يتطلع إلى الخلاص من كابوس الاحتلال الإنكليزي بقول صاحب كتاب حلية البشر "وفي سنة سبع وتسعين ظهر رجل بالسودان يسمى محمد أحمد ولم يدّع أنه المهدي... وكان قبل ظهوره مشهوراً بالصلاح ومن مشايخ الطرائق وكثر أتباعه ومريدوه فلما دخل الإنجليز حاربهم وحصل له وقائع كثيرة والغلبة في تلك الوقائع كلها له عليهم وقتل منهم خلقاً كثيراً... فتملك جميع السودان وكان أمره معهم عجيباً يأتون إليه بالعساكر الكثيرة والمدافع والآلات الشهيرة فيقابلهم بجيوشه السودانيين وليس معهم إلا السيف والرمح والسكاكين"(117) وقد تمكن الثوار بقيادة المهدي من محاصرة الخرطوم 1885م وقتل حاكم السودان الإنكليزي (غوردن). وفي هذه الآونة ظهر في مصر الزعيم أحمد عرابي (1841-1911م) الذي نشأ في بيئة صوفية. وفي ذلك يذكر عرابي عن أبيه أنه كان شيخاً جليلاً عالماً ورعاً وأن جده تزوج شقيقة السيد الرفاعي الصيادي(118) وكان لهذه النشأة أثر بعيد في تكوين خلقه وشخصيته وقد جاء في بعض الكتابات (أحمد عرابي الحسيني مسلم صوفي جاور في الأزهر عامين اتصاله وثيق مع العلماء قد التف حوله جند مؤمنون يقضون الليل في الاستماع إلى القرآن وفي حلقات الذكر)(119). وكان عرابي يعيش عيشة الزاهد المتقشف متأسياً بذلك السلف الصالح وهو القائل: "لا نجاح لأمة نبذت أحكام دينها ظهرياً، ولا فلاح لقوم استعبدوا شهواتهم"(120). وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً إلى حملة نابليون بونابرت على مصر عام(1798م) نرى البطش والإرهاب أول ما طال علماء التصوف في الأزهر الذين كانوا من طراز خاص ويستطيعون مخاطبة الجماهير وتحريكهم. وقد قتل نابليون عدداً منهم. ومن المعروف أن الذي اغتال القائد الفرنسي كليبر هو سليمان الحلبي الطالب الأزهري السوري وقبل أن يقدم على هذا العمل الكبير أخذ نفسه ببرنامج شديد بالصوم والعبادة وعندما آنس من نفسه القوة الروحية خرج من معتكفه(121) ولم يفش سره إلا إلى ثلاثة من عائلة الغزي (الفلسطينية المشهورة بالتصوف) وقد أعدم البطل الحلبي كما أعدم معه الثلاثة المذكورون. وأول من أطلق صيحة الجهاد مدوية في فلسطين على الاستعمار الإنجليزي الشيخ فرحان السعدي (المولود عام 1858م) الذي ينتمي إلى عائلة السعدية الجيباوية الصوفية ولكن سرعان ما ألقي القبض عليه مع مريديه فأعدمه الإنجليز وهو صائم(122) ويعد رائد الكفاح في فلسطين في العصر الحديث الشهيد الشيخ عز الدين القسام (1882-1935م) وقد ترجم له صاحب الأعلام الشرقية بقوله: "شيخ الزاوية الشاذلية في جبلة الأدهمية" (123) والده الشيخ عبد القادر القسام من المشتغلين بالتصوف أرسل ابنه لمتابعة تعليمه العالي في الأزهر ثم عاد الابن للتدريس والوعظ في زاوية والده وقد امتاز منذ صغره بالميل إلى الانفراد والعزلة الأمر الذي سيؤثر في مستقبله وسيجعله أكثر قدرة على فهم ما يدور حوله من أحداث(124). وخلال الحرب العالمية الأولى كان القسام وقد وثق صلاته بمشايخ الجبل وأبرزهم المجاهد إبراهيم العلي ولما احتل الفرنسيون ساحل سورية نادى في تلامذته ومريديه بأن الجهاد أصبح واجباً وفي عام (1920م) توجه الشيخ القسام نحو فلسطين وأخذ يحث على الجهاد في جوامعها وينبه للخطر الصهيوني وقد وجد مع الشيخ بعد استشهاده دعاء كان يضعه في عمامته وكأنه يعلم الناس أن الدعاء مقرون في الإسلام بالعمل. ترك القسام للأمة عشرات من الرجال المخلصين قاموا بالدور الرئيسي في الثورة الكبرى في فلسطين عام (1936م). وينتهي بنا المطاف في سورية التي وقف علماء التصوف فيها صفاً واحداً في وجه الاستعمار الفرنسي. وإذا كان محمد عبده هو الأب الروحي للثورة العرابية في مصر فإن محدث الديار الشامية وأستاذ علماء الشام محمد بدر الدين الحسني (1851-1935م) يعتبر المفجر الحقيقي للثورة السورية الكبرى ( 1925-1927م) وأصله من المغرب من ذرية الشيخ الجزولي صاحب دلائل الخيرات ولد في دمشق من أب قادري الطريقة كان فقيهاً زاهداً عارفاً بالله يغوص على مكنونات علم التصوف بدقة وعليه قرأ شيوخ المتصوفة في دمشق(125). وصفه صاحب الأعلام أن كان "ورعاً صواماً بعيداً عن الدنيا ولما قامت الثورة على الاحتلال الفرنسي في سوريا كان الشيخ يطوف المدن السورية متنقلاً من بلدة إلى أخرى حاثاً على الجهاد وحاضاً عليه يقابل الثائرين وينصح لهم الخطط الحكيمة فكان أباً روحياً للثورة والثائرين المجاهدين"(126) وكان الشيخ محمد الأشمر والمجاهد حسن الخراط يقابلانه فجر كل يوم ويأخذان منه تعليمات الثورة(127). ونقرأ في كتب التراجم أسماء كثيرة من الصوفية العلماء المناضلين نذكر بعضهم هنا على سبيل المثال لا الحصر منهم العارف بالله محمد سعيد البرهاني شيخ الطريقة الشاذلية بدمشق (ت 1967م) الذي حارب مع الثوار في معركة ميسلون(128) ومنهم الطبيب الشيخ أبو اليسر عابدين (النقشبندي) (ت1981م) الذي كان يحمل المال والسلاح والدواء للمجاهدين ليلاً(129) ومنهم الشيخ أحمد الحارون (ت1962م)(130) والشيخ علي الدقر (ت1943م)(131) والشيخ الشهيد عز الدين الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري(132) ولا ننس المجاهدين في مدن سورية أخرى وفي طليعتهم علامة حماة في الفقه والتصوف الشيخ محمد الحامد (ت1969م)(133) الذي كان أول من دعا إلى تطهير البلاد من المستعمرين الفرنسيين وله مجموعة خطب مكتوبة تحث على الثورة وغيره كثير لا يتسع المجال لذكرهم هنا سجلوا بحروف من نور أمجاداً وبطولات لابد للأجيال أن تعيها. إن الفضل الأول في تكوين هذه الفئات يعود إلى المدرسة الروحية الخالدة التي أنجبت القواد العظماء أمثال نور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس وعبد القادر الجزائري وعمر المختار وعبد الكريم الخطابي كانوا جميعاً نماذج رائعة من التجرد والإخلاص إنهم ورثة النماذج من السلف الصالح من أمثال خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسواهم. بعد... إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة كتابة تاريخ مناضلينا بصورة دقيقة والتركيز على الناحية الروحية التي فجرّت في أبطالنا طاقات لا حدود لها. إن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في القلوب والأرواح والأفهام فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئاً. وقد تبين لنا من سرد ما تقدم كيف عَمد بعض الدعاة إلى تشويه ناحية مهمة في ميدان التصوف فيما يعسر فهم ذلك على غير المطلع المتضلع في دراسة هذا العلم والإحاطة به. إن فهم التصوف اليوم يتطلب الرجوع إلى المصادر الأساسية بعيداً عن المؤلفات التي طالعنا بها العصر الحديث فجاء أغلبها استشراقاً(124) بعيداً عن الواقع والحقيقة إذ ليس التصوف خمولاً ولا انهزاماً كما ادّعوا وليس التصوف تواكلاً وهواناً كما زعموا إن التصوف قوة وبأس ونضال ونفس ملهمة عاملة إنه تصعيد بالحياة إلى أعلى وارتفاع بالقيم الإنسانية إلى ما هو أرفع وأسمى. ومهما يكن من أمر فإن التصوف جزء من الأجزاء التي تألف منها تراثنا خضع كما خضع غيره من مظاهر الحياة الإسلامية لعوامل النشوء والارتقاء ولمقتضيات التراجع والانحطاط على أن هذا لا يعني أن الحياة الروحية الإسلامية لم تعدم بعض النفوس الصافية والقلوب الطاهرة التي كانت وما تزال تظهر من حين إلى حين. وأخيراً فإن هذا البحث يفتح آفاقاً جديدة ويحتاج إلى دراسة واسعة لأن مثل هذه الدراسة لن تعمق فهمنا واحترامنا للتراث بإضفائها روحاً جديدة عليه فحسب ولكنها سوف تعمق وعينا بأنفسنا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وهذا أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة من تاريخنا.
    الهوامش:
    (1)مجلة المعرفة، العدد (328)ك 2-1991: مقال مطول بعنوان "الصوفية بين ترك الجهاد ووهم المجاهدة".
    (2)الجهاد في التفكير الإسلامي، د.أحمد شلبي. (سلسلة دراسات في الحضارة الإسلامية) القاهرة 1968 ص10. وحديث الرسول r: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" رواه الديلمي عن جابر (رض). راجع كشف الخفاء للعجلوني ج1 ص424.
    (3)مقدمة ابن خلدون. دار إحياء التراث العربي، ط4، ص467.
    (4)تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) د.شوقي ضيف. مصر، دار المعارف 1972، ص403.
    (5)صفوة الصفوة، ابن الجوزي. ت محمود فاخوري. بيروت 1985، دار المعارف ط(3) ج(4)، ص255 وتوابعها.
    (6)تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي. دمشق دار الفكر. ج10، ص157 د.ت.
    (7)وفيات الأعيان، ابن خلكان. ت إحسان عباس. بيروت 1977 ج(3) ص32.
    (8)تاريخ بغداد، ص 154. (9)انظر مقال إبراهيم بن أدهم. مجلة التراث العربي. العددان 11- 12 عام 1983.
    (10)البداية والنهاية، ابن كثير. بيروت 1966. دار المعارف. ط(1) ج(10) ص44.
    (11)انظر سير أعلام النبلاء، الذهبي. بيروت 1986 مؤسسة الرسالة ط(4) ج(16) ص313. وانظر أيضاً فوات الوفيات، ابن شاكر الكتبي. ت إحسان عباس. بيروت دار صادر. ج(2) ص764.
    (12)شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي. بيروت دار المسيرة ج(8) ص87. وانظر سير أعلام النبلاء ج(11) ص484.
    (13)بغية الطلب في تاريخ حلب، ابن العديم. ت سهيل زكار. دمشق 1988 ط(1) ج(10) ص4591. وانظر الحياة السياسية وأهم مظاهر الحضارة في بلاد الشام. د.أمينة بيطار. دمشق وزارة الثقافة. ص380.
    (14)التاريخ الكبير، ابن عساكر. دمشق 1303هـ، مطبعة روضة الشام المجلد(2) ص167. وقد لقب بالصوري نسبة إلى مدينته الساحلية اللبنانية صور.
    (15)لواقح الأنوار القدسية، عبد الوهاب الشعراني. حلب دار القلم العربي 1991 ط(1) ص146 وتواليها.
    (16)التصوف عند ابن سينا، د.عبد الحليم محمود. القاهرة مكتبة دار العروبة ص45 د.ت.
    (17)الملامتية والصوفية وأهل الفتوة، أبو العلا عفيفي. القاهرة 1945. دار إحياء الكتب العربية ص25.
    (18)الصعلكة والفتوة في الإسلام، د.أحمد أمين. مصر دار المعارف 1952 ص57.
    (19)وفيات الأعيان ج(3) ص394.
    (20)شذرات الذهب ج(5) ص345.
    (21)المجتمع السوري في مطلع العهد العثماني، د.ليلى صباغ. دمشق وزارة الثقافة 1973 ص182. والطريقة هي (منهج لعلم النفس الأخلاقي وهو رسم طريق سفر النفس إلى الله وهو التطبيق العملي الحرفي للشريعة حتى الحقيقة) دائرة المعارف الإسلامية ج(5) ص172. وليس هناك خلاف بين الطرق في الأسس والمبادئ وإنما الفرق في نوع الأذكار والأوراد التي يواظب عليها المريد أتباع كل طريقة. انظر كحالة: الفلسفة الإسلامية وملحقاتها. دمشق 1954. مطبعة الحجاز ص262. وجدير بالذكر أنه من جليل أعمال مشايخ الطرق الصوفية التي بدأت بالانتشار في القرن الخامس الهجري أنهم استطاعوا أن يوجهوا فتوة العيارين القائمة على الإفساد والنهب إلى وجهة صالحة، فكانت هذه الفتوة الفاضلة درعا في حروب المسلمين مع أعدائهم الصليبيين.
    (22)الخطط والآثار، المقريزي. بيروت دار صادر ج(2) ص427.
    (23)انظر مقال: الزوايا والخوانق الصوفية. مجلة التراث العربي. العدد 41 ت1، 1990.
    (24)خطط الشام، محمد كرد علي. دار العلم للملايين. بيروت 1972، ج6 ص41.
    (25)مدارس وجوامعها وربطها وحماماتها، الحسن الأربلي. دمشق مطبعة الترقي ص15.
    (26)انظر كتاب إمام السالكين وشيخ المجاهدين الشيخ أرسلان الدمشقي، عزة حصرية. دمشق 1965.
    (27)عن كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، المقدسي. ص273. اقتبسه د.شوقي ضيف في كتابه عصر الدول والإمارات. مصر دار المعارف 1980 ص515.
    (28)انظر أبو الحسن الشاذلي الصوفي المجاهد والعارف بالله (سلسلة أعلام العرب) د.عبد الحليم محمود. القاهرة 1967، ص60 وتواليها.
    (29)شذرات الذهب، ج(5) ص.279.
    (30)النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي. وزارة الثقافة المصرية ج(7)، ص371 د.ت.
    (31)حسن المحاضرة، السيوطي. ج(1) مصر 1967 مطبعة عيسى البابي الحلبي. ص315، بدائع الزهور ص318 (انظر هامش 59).
    (32)العبر، الذهبي. بيروت دار الكتب العلمية 1985 ط(1) ج(3) ص299 د.ت.
    (33)طبقات الشافعية الكبرى، السبكي. مطبعة عيسى البابي الحلبي 1964 ط(1) ج(8) ص216.
    (34)قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام. القاهرة 1968. دار الشروق. ج(2) ص214.
    (35)المصدر السابق. ص212. ومن مؤلفات العز في حقل التصوف: مسائل الطريقة في علم الحقيقة –شجرة المعارف والأحوال-مختصر رعاية المحاسبي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن البعض نسب خطأ كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز للعز بن عبد السلام بينما هو لمتصوف آخر هو عبد السلام غانم المقدسي (ت978هـ) ومن الغريب أن يقع في هذا التوهم صاحب هدية العارفين. ا نظر كشف الظنون ج(1) ص686. ولمزيد من التوسع عن تصوف العز بن عبد السلام راجع: العز بن عبد السلام وأثره في الفقه الإسلامي. د.علي مصطفى الفقير، المجلد(1) ص130 وتواليها-رسالة دكتوراة- أعدت في الجامعة الأردنية 1977. نشر مكتبة مؤتة.
    (36)ظهر الإسلام، أحمد أمين. النهضة المصرية 1966 ط(3) ج(4) ص222.
    (37)الوصايا، ابن عربي دمشق 1958 مطبعة كرم ص49. (38)انظر إجازة ابن عربي للملك المظفر. مكتبة الأسد الوطنية. مخطوط رقم 6284. جاء في أولها (أقول وأنا محمد بن علي بن العربي الطائي الأندلسي الحاتمي وهذا لفظي استخرت الله تعالى وأجزت السلطان الملك المظفر...).
    (39)الوصايا، ص257.
    (40)النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ابن شداد (بهاء الدين). دار الفكر بدمشق ص104 د.ت.
    (41)شفاء القلوب في مناقب بني أيوب، أحمد بن إبراهيم الحنبلي ت. ناظم رشيد. وزارة الثقافة العراقية 1978. ص252. وقد علق المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي قائلاً: "لو سقطت حلب للصليبيين لصار الشرق لاتينياً".
    (42)الكامل في التاريخ، ابن الأثير. بيروت 1965 نار صادر ج12 ص314.
    (43)البداية والنهاية. ج12 ص34.
    (44)الكواكب الدرية في السيرة الفورية، ابن قاضي شهبة ت. محمود زايد بيروت 1971 دار الكتاب الجديد ط1 ص38 الروضتين في أخبار الدولتين ج1 ص9.
    (45)البداية والنهاية، ج(12) ص281.
    (46)وفيات الأعيان. ج(5) ص188. الكواكب الدرية. ص162.
    (47)الروضتين في أخبار الدولتين، أبو شامة المقدسي. بيروت دار الجيل ج(1) ص9 الكامل في التاريخ ج(11) ص402.
    (48)صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام، ألبير شاندور. ترجمة سعيد أبو الحسن دمشق 1988 دار طلاس ط(1) ص117.
    (49)الروضتين، ج(1) ص18.
    (50)البداية والنهاية، ج(12) ص282، الكواكب الدرية. ص68.
    (51)البداية والنهاية، ج(12) ص283.
    (52)جامع كرامات الأولياء، يوسف النبهاني. القاهرة 1962. مطبعة البابي الحلبي ط(1) ج(2) ص249.
    (53)ترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب، المرتضى الزبيدي. ت صلاح الدين المنجد دمشق 1971 مطبوعات مجمع اللغة العربية. ص899. انظر ترجمة القطب النيسابوري في جامع الأولياء ج(2) ص444.
    (54)انظر سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام والجزيرة –رسالة دكتوراة- جامعة بغداد. د.عبد القادر نوري- بغداد 1976 –مطبعة الإرشاد –ص438 وتواليها.
    (55)النوادر السلطانية، ص6.
    (56)المصدر نفسه، ص16.
    (57)المصدر نفسه، ص13.
    (58)الخطط والآثار ج(2) ص415. بدائع الزهور ج(1) قسم(1) ص242 وقريب من ذلك يروي ابن جبير في رحلته ص46 "ومن مناقب هذا البلد (مصر) ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه المدارس والمحارس الموضوعة لأهل الطلب والتعبد... وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة هو صلاح الدين المظفر يوسف بن أيوب وصل الله صلاحه وتوفيقه".
    وقد استرعت انتباه هذا الرحالة الأندلسي أحوال الصوفية فقال:"وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها وفرغ خواطرهم لعبادته... وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة...".
    (59)بدائع الزهور في وقائع الدهور (تاريخ مصر) ابن إياس الحنفي. ت. محمد مصطفى، القاهرة 1982، الهيئة المصرية للكتاب ط2. ج1 ص248 وقد لمح ذلك الصفدي ت 764هـ بقصيدة مدح فيها نور الدين وصلاح الدين وما أدخلاه من سنن حسنة فقال من قصيدة:
    أحيا الذي قد سن نور الدين
    وزاد ما أمكن من تحسين
    وقال آخر:
    ودمت صلاح الدين للدين مصلحاً
    يطيعك في تصريف أحوالك الدهر
    انظر تحفة ذوي الألباب في من حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب، الصفدي القسم(2). ص83. منشورات وزارة الثقافة- 1992.
    كما أثنى أحد شعراء صلاح الدين على نزعة التصوف التي تميز بها السلطان فقال:
    ملك له في الحرب بحر تفقه
    وله غداة السلم زهد تصوف
    أحييت دين محمد وأقمته
    وسترته من بعد طول تكشف
    انظر عيون الروضتين في أخبار الدولتين، أبو شامة المقدسي، منشورات وزارة الثقافة 1992. ج2 ص177.
    قلت: إذا اعتبر كثير من الباحثين أن حجة الإسلام الغزالي قد أعطى التصوف دفعاً "فكرياً" فإن نور الدين وصلاح الدين قدما له دفعاً "رسمياً".
    (60)الفتح القسي في الفتح القدسي، العماد الأصبهاني ت. محمد محمود صبح القاهرة 1965، المؤسسة العامة للتأليف ص145.
    (61)تتمة المختصر في أخبار البشر، ابن الوردي. ت. أحمد رفعت البدراوي بيروت 1970، دار المعرفة ط1 ج2 ص147.
    (62)البداية والنهاية ج12 ص193.
    (63)الأدب في العصر الأيوبي، محمد زغلول سلام. القاهرة 1968 دار المعارف ص236.
    (64)الكامل في التاريخ ج12 ص97. تعليق: ورد في الحديث الشريف: "كان أصحابه (2) يتناشدون الشعر... وهو ساكت فربما تبسم معهم". رواه الترمذي وأبو داوود وابن حنبل. ولم ينكر العلماء السماع على الصوفية المخلصين ومنهم العز بن عبد السلام عندما سئل عن ذلك أجاب "سماع ما يحرك الأحوال السنية المذكرة بالآخرة مندوب إليه". انظر: فهرس مخطوطات التصوف ج2. ص349. ويقول الغزالي في الإحياء: "لا يحرم السماع نص ولا قياس". ويورد أيضاً المحتجون على إباحته كلام الحافظ بن حجر العسقلاني:
    "ولسنا نحرم مطلق السماع ولا نعتقد انما يفعل من ذلك كله سفاف بل منهم العارفون وهم حزب الله...".
    انظر "أيضاحً الدلالات للشيخ عبد الغني النابلسي دمشق 1981 ص43 والرقص أو الوجد والهيام عند الصوفية هو أعلى مراحل السماع وقد رخص ذلك أغلب العلماء للذاكر إذا خرج عن طوره أو حصلت له حال لم يملك معها شعوره قال الفقيه الصوفي السمرقندي ت 537هـ: "والصوفية أهل الحق يحذرون من سماع الحرام والرقص باللهو". انظر: مخطوط رقم 1185 الورقة 1 مكتبة الأسد. وانظر: فتاوى السيوطي ج2 ص234، الفتاوى الحديثة ابن حجر المكي ص298.
    (65)نهاية المطالب في أنساب فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب من دمشق الفيحاء إلى الموصل الحدباء، أبحاث ودراسات حققها صلاح الدين الموصلي دمشق 1975 مطبعة الثبات ص12.
    وقد شد صلاح الدين الرحال أكثر من مرة إلى زيارة أولياء عصره من ذلك ما قاله المؤرخون "كما زار السلطان الشيخ الزاهد أبي زكريا المغربي عند مشهد عمر بن عبد العزيز –في معرة النعمان- فتبرك بزيارة الميت والحي". انظر عيون الروضتين ج2 ص134، الأعلاق الخطيرة ج ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد- عز الدين- منشورات وزارة الثقافة 1975 ج1 قسم 1 ص174. الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب لابن الشحنة ص99. الكامل ج12 ص20. عند حديث ابن شداد عن المزارات التي في ظاهر حلب ص154. قال: "ومنها مشهد الحسين... ولما ملك صلاح الدين يوسف حلب زاره في بعض الأيام وأطلق له عشرة آلاف درهم.
    (66) حركة التصوف الإسلامي، محمد ياسر شرف- دمشق 1984 وزارة الثقافة ص41.
    (67)الفتح القسي ص659.
    (68)الروضتين ج2- ص215.
    (69)الظاهر بيبرس، د.سعيد عبد الفتاح عاشور- أعلام العرب- دار الثقافة المصرية ص50.
    (70)شذرات الذهب ج(5) ص.345.
    (71)الأعلام، الزركلي. دار العلم للملايين ط8، 1989، ج1، ص175.
    (72)الخطط والآثار، ج2، ص430. جاء في تاريخ الملك الظاهر لعز الدين بن شداد ت. أحمد حطيط 1983 ص271 "لما علم تغمده الله برحمته أن أفضل ما يتقرب به المتقرب إلى الله العظيم تعظيم أوليائه... ثابر على الوفود عليهم والتودد إليهم والقيام بحقوقهم والاهتداء بلوامع بروقهم وصحب جماعة متأدباً بآدابهم...".
    (73)الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، محي الدين بن عبد الظاهر ت. عبد العزيز الخويطر. الرياض 1967 ص238. (74)ويصفه ابن عبد الظاهر "بالصلاح وله كرامات معروفة... وكان له دور متميز في فتح أرسوف..." ويتابع القول: "وبعد الفتح زار السلطان قبور الصالحين ثم توجه إلى الحج وبقي كأحد الناس لا يحجبه أحد مصلياً وطائفاً ثم عمد إلى الكعبة شرفها الله تعالى فغسلها بيده وحمل الماء في القرب على كتفه وغسل البيت الشريف وكل من رمى إليه إحرامه غسله له بما ينصب من الكعبة الشريفة ويرميه إلى صاحبه.
    وفي النجوم الزاهرة ج7 ص180 تصدق الظاهر بعشرة آلاف أردب قمح في الفقراء والمساكين وأرباب الزوايا.
    (75)الروض الزاهر، ص239.
    (76)فوات الوفيات، ابن شاكر الكتبي. ت. إحسان عباس بيروت دار صادر، ج2، ص243.
    (77)الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، ابن الفوطي البغدادي بيروت 1987 دار الفكر الحديث، ص188.
    (78)راجع بحوث الاستشراق. وانظر مجلة الوحدة (المغربية) عدد 96 أيلول 1992 مقال: "الاستغراب للتحرر عن تبعية المعرفة الاستشراقية". خلص فيه كاتبه إلى القول إن الاستشراق ليس علماً بل هو سلاح في أيدي الدول الغربية للهيمنة وشارك فيه كل الباحثين من دول الغزو الحديث وأن نقد الاستشراق جزء من حركة التحرر العربي.
    (79)معيد النعم، التاج السبكي ص119 اقتبسه محمد زغلول سلام في كتابه الأدب في العصر المملوكي.
    (80)غربة الإسلام، علي بن ميمون –مخطوط- مكتبة الأسد الوطنية رقم 7828، قيل عن مؤلفه أنه مجدد القرن التاسع الهجري. در الحبب، ابن الحنبلي ترجمة رقم 958.
    (81)شذرات الذهب ج(8) ص81.الأعلام ج5ص 27.
    (82)انظر الكتاب القيم: حقائق عن التصوف، عبد القادر عيسى، حلب 1970 مطبعة البلاغة ص585.
    (83)الأعلام ج6، ص252.
    (84)وفيات الأعيان، ج4، ص217.
    (85)انظر نص الكتاب في عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس، محمد عبد الله عنان مصر 1964 لجنة التأليف والترجمة والنشر. ط1، ص41.
    (86)انظر الفتوى كاملة المرجع السابق، ص530.
    (87)انظر مثلاً، نظم الجنان، ابن قطان المراكشي. ت. محمود علي مكي بيروت 1990، ص73، وفيات الأعيان ج(5)، ص46، تاريخ الدول الإسلامية د.أحمد السيد سليمان. ص53.
    (88)المعجب في تلخيص أخبار المغرب، عبد الواحد المراكشي. القاهرة 1949 مطبعة الاستقامة ص178.
    (89)المعجب. ص99.
    (90)وفيات الأعيان ج(5)، ص55.
    (91)نفس المصدر. ص47.
    (92)المعجب. ص195.
    (93)التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر، محمد الطيب القادري. ت. هاشم العلوي القاسمي. بيروت 1981 دار الآفاق الجديدة ص99، وما بعدها.
    (94)المغرب العربي، د.صلاح العقاد. القاهرة 1962، مكتبة الأنجلو المصرية ص53، التقاط الدرر ص52 وما بعدها.
    (95)سيرة الغزالي وأقوال المتقدمين فيه، عبد الكريم عثمان. دمشق دار الفكر ص122. د.ت.
    (96)حاضر العالم الإسلامي، لوثروب ستوارد. شكيب أرسلان (المعلق) القاهرة 1352هـ مطبعة مصطفى البابي الحلبي ج(2) ص367.
    (97)الأعمال الكاملة، محمد عبده. ت. محمد عمارة بيروت 1972 المؤسسة العربية للدراسات والنشر ج(3) ص530.
    (98)وقد نص الإمام العز بن عبد السلام على تفضيل العارفين بالله من أهل التصوف على العارفين بأحكام الله بدليل ما يجريه الله على أيديهم من كرامات ولا يجري شيئاً من ذلك على يد الفقهاء إلا أن يسلكوا طريق العارفين ويتصفوا بأوصافهم. انظر الفتاوى المصرية. اقتبسه علي الفقير في رسالته ج(1) ص130 (انظر هامش رقم 35) وجدير بالذكر أنه حصلت للعز كرامات كثيرة خصوصاً أثناء غزو الأفرنج لمصر (... فلما رأى الشيخ حال المسلمين نادى بأعلى صوته مشيراً بيده إلى الريح: يا ريح خذيهم عدة مرات فعادت الريح على مراكب الفرنج وكسرتها وكان الفتح وغرق أكثر الفرنج وصرخ من بين أيدي المسلمين صارخ: الحمد لله الذي آرانا في أمة محمد r رجلاً سخر له الريح. (انظر هامش رقم 33).
    (99)منها العلماء ورثة الأنبياء (رواه الترمذي) ومنها من جاء الموت وهو يطلب ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة (أخرجه الدارمي).
    (100)ونصه "العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله على خلقه". رواه الحافظ أبو بكر الخطيب كما ورد في الترغيب والترهيب ج(1) ص67.
    (101)دراسات في تاريخ أفريقية العربية، عبد الكريم غرايبة، مطبعة جامعة دمشق 1960 ط1، ص15.
    (102)حاضر العالم الإسلامي ج2، ص301.
    (103)عمر المختار نشأته وبيئته الأولى، حبيب وداعة الحسناوي. ليبيا، جامعة الفاتح ص22.
    (104)انظر الكتاب القيم المسلمون والاستعمار الأوروبي لأفريقية، د.عبد الله عبد الرزاق إبراهيم-سلسلة عالم المعرفة الكويتية 139- تموز 189، ص223 وما بعدها.
    (105)جهاد الممالك الإسلامية في غرب أفريقية ضد الاستعمار الفرنسي (1850- 1914) د.الهام ذهني الرياض 1988 دار المريخ للنشر ص200.
    (106)المسلمون والاستعمار الأوروبي لأفريقية، ص271.
    (107)المرجع السابق، ص40.
    (108)حاضر العالم الإسلامي ج2، ص396.
    (109)الأمير عبد الكريم الخطابي بطل الشمال الأفريقي، محمد عبد المنعم المحامي ومحمد عبد الوارث الصوفي. القاهرة 1958 المكتبة العلمية ط1، ص88
    وانظر مجلة العربي عدد (377) 1990 مقال (الحضارة في المغرب والشخصيات الأفريقية المسلمة). وعن تصوف الأمير الخطابي انظر أيضاً: الإسلام وحركات التحرر العربية. د.شوقي أبو خليل دمشق 1976 دار الرشيد ط1، ص199.
    (110)انتشرت الطريقة الرحمانية في الخمسينات من القرن الماضي ويعزى انتشارها إلى أنها كانت رد فعل لنشاط المبشرين بين القبائل وناصرت الرحمانية ثورة أحمد المقراني سنة 1871م.
    (111)حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، عبد الرزاق البيطار. ت. محمد بهجت البيطار دمشق 1963 مطبعة المجمع العلمي العربي. ج2 ص883.
    (112)تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، محمد عبد القادر الجزائري. الإسكندرية 1903 المطبعة التجارية ج1، ص95.
    (113)إشارة إلى متابعة الرسول (ص) في بيعة الرضوان.
    (114)انظر أخبار هذه البيعة المرجع السابق ص96.
    (115)يقول عن كتابه المواقف ص9- 10 "هذه نفثات روحية والقاءات سبوحية بعلوم وهبية خارجة عن أنواع الاكتساب والنظر في كتاب... وطريقة توحيدنا ما هي طريقة المتكلم ولا الحكيم المعلم ولكنها طريقة توحيد الكتب المنزلة وسنة المرسل المرسلة التي كانت عليها بواطن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والسادات العارفين وإن لم يصدقوا الجمهور فعند الله تجتمع الخصوم..." صدر كتاب المواقف عن دار اليقظة العربية بدمشق 1945 من ثلاثة أجزاء وللأمير ديوان شعر مطبوع أغلبه في الوعظ والتصوف ومن شعره:
    جمالنا بعلوم أنت تجهلها
    بها حبانا الذي أهدى وجمّلنا
    (116)محمد أحمد المهدي، توفيق أحمد البكري، سلسلة أعلام الإسلام- القاهرة 1944 مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ص7.
    (117)حلية البشر، ج2، ص801.
    (118)أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، محمود الخفيف مصر، 1947، مطبعة الرسالة ط1، ص3.
    (119)الإسلام وحركات التحرر العربية. د.شوقي أبو خليل. دمشق 1976 دار الرشيد، ط1، ص42 وما بعدها.
    (120)كشف الستار عن سر الأسرار، مذكرات كتبها زعيم الثورة العرابية أحمد عرابي الحسيني بقلمه. مطبعة مصر 1882م. ص2.
    (121)رواق الشام بالأزهر إبان العصر العثماني بحث أعد في إطار المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ بلاد الشام. جامعة دمشق- كلية الآداب 1978، ج2، ص17.
    (122)انظر مجلة شؤون فلسطينية عدد 124 آذار 1982، ص22.
    (123)الأعلام الشرقية في المائة الرابعة الهجرية، زكي محمد مجاهد. دار الطباعة المصرية الحديثة 1949، ط1، ج2، ص139. وسميت "جبلة الأدهمية" نسبة إلى الضريح الموجود فيها لقطب الزاهدين إبراهيم بن أدهم.
    (124)انظر كتاب الوعي والثورة، سميح حمودة. جمعية الدراسات العربية في القدس دار الشروق. الأردن ص25.
    (125)تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، دمشق 1986، دار الفكر ط1، ج1، ص472.
    (126)الأعلام، ج7، ص157.
    (127)الإسلام وحركات التحرر العربية، ص171، تاريخ علماء دمشق، ج1، ص481.
    (128)الأعلام، ج6، ص145.
    (129)تاريخ علماء دمشق، ج2، ص969.
    (130)إمام السالكين وشيخ المجاهدين الشيخ أرسلان الدمشقي، ص177.
    (131)الإسلام وحركات التحرر العربية، ص147، تاريخ علماء دمشق، ج2، ص587.
    (132)تاريخ الثورة السورية، محي الدين السفرجلاني. دمشق 1961 دار اليقظة العربية، ص619.
    (133)العلامة المجاهد محمد الحامد، عبد الحميد طهماز –سلسلة أعلام المسلمين دمشق، 1981، دار القلم، ص37. وكان الشيخ محمد الحامد قد سلك طريق النقشبندية في حمص على يد الشيخ محمد أبو النصر خلف ت: 1948م.
    (134)كانت الحركة الاستشراقية التي تبناها الاستعمار تعبر عن توجه مدروس ومحكوم في إنكار المقومات الروحية في ماضي هذه الأمة محاولاً بذلك استئصال تراثها ليلفت الانتباه عن روح الإسلام إلى الغلو والتطرف وأن تسود دوماً روح التفرقة والانقسام والتضليل بين أبناء الدين والوطن الواحد.
    * * *
    تثبيت المصادر والمراجع، حسب ورودها في البحث:
    (1)الجهاد في التفكير الإسلامي .................أحمد شلبي
    (2)المقدمة .................ابن خلدون
    (3)العصر العباسي الأول .................د.شوقي ضيف
    (4)صفوة الصفوة .................ابن الجوزي
    (5)تاريخ بغداد .................الخطيب البغدادي
    (6)وفيات الأعيان .................ابن خلكان
    (7)مقال: إبراهيم بن أدهم .................مجلة التراث العربي
    (8)البداية والنهاية .................ابن كثير
    (9)سير أعلام النبلاء .................الذهبي
    (10)شذرات الذهب .................ابن العماد الحنبلي
    (11)بغية الطلب في تاريخ حلب .................ابن العديم
    (12)التاريخ الكبير .................ابن عساكر
    (13)لواقح الأنوار القدسية .................الشعراني
    (14)التصوف عند ابن سينا .................د.عبد الحليم محمود
    (15)الملامتية والصوفية وأهل الفتوة .................أبو العلا عفيفي
    (16)الصعلكة والفتوة في الإسلام .................أحمد أمين
    (17)المجتمع السوري في مطلع العهد العثماني ....د.ليلى باغ
    (18)الخطط .................المقريزي
    (19)مقال: الزوايا والخوانق الصوفية .................مجلة التراث العربي
    (20)خطط الشام .................محمد كرد علي
    (21)مدارس دمشق وجوامعها وربطها وحماماتها .................الحسن الأربلي
    (22)إمام السالكين وشيخ المجاهدين الشيخ أرسلان الدمشقي .................عزة حصرية
    (23)أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم .................المقدسي
    (24)أبو الحسن الشاذلي الصوفي المجاهد والعارف بالله .................د.عبد الحليم محمود
    (25)النجوم الزاهرة .................ابن تغري بردي
    (26)العبر .................الذهبي
    (27)طبقات الشافعية .................السبكي
    (28)قواعد الأحكام .................العز بن عبد السلام
    (29)ظهر الإسلام .................أحمد أمين
    (30)الوصايا .................ابن عربي
    (31)إجازة ابن عربي للملك المظفر –مخطوط .................ابن عربي
    (32)النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية .................ابن شداد (بهاء الدين)
    (33)شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ................. أحمد إبراهيم الحنلبي
    (34)الكامل في التاريخ .................ابن الأثير
    (35)الكواكب الدرية في السيرة النورية .................ابن قاضي شهبة
    (36)الروضتين في أخبار الدولتين .................أبو شامة المقدسي
    (37)صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام .................ألبير شاندور
    (38)جامع كرامات الأولياء .................يوسف النبهاني
    (39)ترويح القلوب بذكر ملوك بني أيوب .................المرتضى الزبيدي
    (40)سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام والجزيرة .................د.عبد القادر نوري
    (41)بدائع الزهور في وقائع الدهور .................ابن إياس
    (42)الفتح القسي في الفتح القدسي .................المعاد الأصبهاني
    (43)تتمة المختصر في أخبار البشر .................ابن الوردي
    (44)الأدب في العصر الأيوبي ................. محمد زغلول سلام
    (45)نهاية المطالب في أنساب فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب .................صلاح الدين الموصلي
    (46)حركة التصوف الإسلامي .................محمد ياسر شرف
    (47)الظاهر بيبرس .................د.سعيد عبد الفتاح عاشور
    (48)الأعلام .................خير الدين الزركلي
    (49)الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر .................ابن عبد الظاهر
    (50)الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة .................ابن الفوطي البغدادي
    (51)فوات الوفيات .................ابن شاكر الكتبي
    (52)غربة الإسلام –مخطوط .................علي بن ميمون
    (43)حقائق عن التصوف .................عبد القادر عيسى
    (54)عصر المرابطين والموحدين .................عبد الله عنان
    (55)المعجب في تلخيص أخبار المغرب. .................عبد الواحد المراكشي
    (56)التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر .................محمد الطيب القادري
    (57)المغرب العربي .................صلاح العقاد
    (58)سيرة الغزالي وأقوال المتقدمين فيه .................عبد الكريم عثمان
    (59)حاضر العالم الإسلامي .................شكيب أرسلان
    (60)الأعمال الكاملة .................محمد عبده
    (61)دراسات في تاريخ أفريقية العربية .................عبد الكريم غرايبة
    (62)عمر المختار نشأته وبيئته الأولى .................حبيب وداعة الحسناوي
    (63)المسلمون والاستعمار الأوربي لأفريقية .................د.عبد الرزاق إبراهيم
    (64)جهاد الممالك الإسلامية في غرب أفريقية ضد الاستعمار الفرنسي .................د.الهام ذهني
    (65)عبد الكريم الخطابي بطل الشمال الأفريقي .................محمد عبد المنعم المحامي ومحمد عبد الوارث الصوفي
    (66)حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر .................عبد الرزاق البيطار
    (67)تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر .................محمد عبد القادر الجزائري
    (68)محمد أحمد المهدي .................توفيق أحمد البكري
    (69)أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه .................محمود الخفيف
    (70)الإسلام وحركات التحرر العربية .................د.شوقي أبو خليل
    (71)كشف الستار عن سر الأس
    المصدر: مجلة التراث العربي
    مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 53 - السنة 13 - تشرين الأول "أكتوبر" 1993 - جمادى الأولى 1414
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-06-02
  19. أحمدالسقاف

    أحمدالسقاف قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2007-02-02
    المشاركات:
    2,960
    الإعجاب :
    0
    هذه معلومات اخرى اصيغها لك في قالب اخر فتقبلها مني واقراها
    قدتقول اني صوفي لذلك استميت في الدفاع عنهم لكنك بصراحة لن تفهم لماذا اذب عنهم هنا واذمهم في اماكن اخرى انه ميزان الاعتدال المفقود عندك ياعمر
    لكل قوم سلبيات وايجابيات هنا نتكلم عن ايجابيات انت انكرتها ومحوتها من التاريخ :
    دور الصوفية في الجهاد في سبيل الله]
    دور التصوف في الجهاد في سبيل الله
    الجهاد في سبيل الله الذي الأمة الإسلامية اليوم في أمسَّ الحاجة إليه ونحن نرى واقع العالم الإسلامي وما يجري على أراضيَ المسلمين في المقدس وغيرها في الشرق والغرب ننظر إلى الجهاد الذي مر في العالم الإسلامي من القرون الأولى إلى اليوم وماذا كان دور التصوف فيه .
    نقول : أولاً : إذا رجعنا إلى ترجمة رجال التصوف الأوائل وجدناهم كلهم كانوا ممن يخرجوا في سبيل الله تعالى .
    [الصوفية وحروب الصليبيين]
    ثم نأتي إلى المعارك الكبرى في الإسلام وإلى القادات العظماء في الإسلام فننظر : القائد نور الدين زنكي الذي حارب الصليبية الإمام القائد نور الدين زنكي المشهور الورع التقي الصوفي ، كان جليس رجال التصوف وهو الذي قرر كتاب إحياء علوم الدين للجيش كله وهو من أشهر كتب التصوف .
    ترجم له وذكر ذلك الإمام ابن كثير في كتاب البداية والنهاية وجاء في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء -الإمام القائد نور الدين زنكي- .
    السلطان الأرسلان الذي انتصر على الروم في موقعة ملاذكر سنة (463) أربعمئة وثلاث وستين وكان يتبرك بالشيخ أبي القاسم القشيري وعدد من مشائخ الصوفية وارجع إلى نفس المراجع التي ذكرتها في نور الدين زنكي ، السلطان الأرسلان الذي انتصر على الروم!.
    القائد البطل صلاح الدين الأيوبي الذي جاء تباعًا لنور الدين زنكي الإمام صلاح الدين الأيوبي القائد الذي حرَّر بيت المقدس وما أحوجنا لمثله اليوم وهو في سنة (532) خمسمئة واثنين وثلاثين كان يوصف (الصوفي الزاهد الورع النقي التقي) ذكره السبكي في طبقاته قال عنه ابن كثير : ((كان شجاعًا كثير الصلاة وله خانقاه بالديار المصرية أقامه للصوفية )) خانقاه معروف في مصر هي الدور التي يجتمع فيها أهل التصوف للذكر بناها لهم صلاح الدين الأيوبي ، وبنى مدارس الصوفية في جبل قاسيون في الشام وهو الذي بنى قبة الإمام الشافعي القبة المعروفة على قبر الإمام الشافعي وعلى ضريح الإمام الشافعي الذي بناها هو صلاح الدين الأيوبي ، وفتح بيت المقدس في السابع والعشرين من رجب سنة (583) خمسمئة وثلاث وثمانين بإشارة مشائخ الصوفية وكان في جيشه كثير من أهل التصوف ، صلاح الدين الأيوبي ! ، أخاف أن يأتي أحد اليوم فيقول صلاح الدين الأيوبي مبتدع كبير بنى قبة على قبر الإمام الشافعي وأنه كان يجالس الصوفية ، ومن ؟! عسى أن صاحب هذا القول هو الذي سيفتح بيت المقدس اليوم !!.
    الإمام القائد محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية الذي جاءت الإشارة إليه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (خير الأمير أميرها وخير الجيوش جيشها) كذلك كان جليس رجال التصوف ، هذه حروب الصليبية والذين قاتلوهم .

    [الصوفية وحروب التتار]
    نأتي إلى حروب التتار الذين هاجموا الإسلام وانتهكوا بلاد المسلمين وانتهكوا بغداد وما حولها ، حروب التتار ، نجد الإمام أبو الحسن الشاذلي مرجع الصوفية الشاذلية ، كان هو قائد الحملة التي حبست لويس التاسع في المنصورة كان عمره فوق الستين وكف بصره فخرج حاملاً الراية يدعو الجهاد الجهاد.
    الإمام العز بن عبد السلام هو شيخ القائد سيف الدين قطس ومعروف القائد سيف الدين قطس ، هو الذي انتصرت على التتار في معركة عين جالوت سنة (656) ستمئة وست وخمسين في السابع والعشرين من رمضان ، سيف الدين قطس كان من تلامذة العز بن عبد السلام من أشهر رجال التصوف من كبارهم .
    الإمام أحمد البدوي بمصر كان يهادن وتلامذته معسكرات التتار بالليل لفك الأسرى وكم من كثير من الأخبار التي تذكر عن جهاد الصوفية .
    [الصوفية والاستعمار]
    نأتي إلى جهاد الصوفية ضد الاستعمار الأخير
    نجد الشيخ عبد الكريم المغربي قائد حركة المرابطين في المغرب ضد الاستعمار -الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وغيره-.
    الشيخ عبد القادر -الأمير عبد القادر- الجزائري ضد فرنسا بالجزائر من كبار علماء التصوف.
    الشيخ عمر المختار في ليبيا من الطريقة السنوسية الذي أذاق إيطاليا مُرً ومرارة عظيمة في صحراء ليبيا ، الشيخ عمر المختار وهو سنوسي الطريقة صوفي .
    الإمام الزاهر من آل أبي علوي هو الذي أخرج هولندا من منطقة آكي باندنوسيا وهو من كبار الصوفية .
    عز الدين القسام في فلسطين الذي أتعب اليهود والصهيونية كان صوفيًا عليه رحمة الله تعالى عز الدين القسام .
    في السودان الذي حارب وأقام الحملة ضد الاستعمار الإمام المهدي الصوفي .
    الذين قاتلوا الاستعمار بالشام هم أصحاب الطريقة الشاذلية والنقشبندية .
    اليوم الذين يجاهدون بالشيشان هم أهل الطريقة النقشبدنية من الصوفية.
    فهذا طرف من أخبار جهاد الصوفية قديمًا وحديثًا
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة