اللحظات الحاسمة( قصص مؤثرة جدا لاتفوتكم )

الكاتب : أبو العمرين   المشاهدات : 465   الردود : 0    ‏2007-06-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-06-01
  1. أبو العمرين

    أبو العمرين عضو

    التسجيل :
    ‏2007-01-31
    المشاركات:
    162
    الإعجاب :
    0
    اللحظات الحاسمة

    تأليف
    محمد بن عبد العزيز المسند

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المقدمة
    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد .. فقد روى البخاري في صحيحه ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : نظر النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين – وكان من أعظم المسلمين غناءً عنهم – فقال : " من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا " فتعبه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى جُرح ، فاستعجل الموتَ ، فقال بذبابة سيفه ( ) فوضعه بين ثديين ، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه ( أي أنه قتل نفسه ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليعمل – فيما يرى للناس – عمل أهل الجنة ، وإنه لمن أهل النار ، ويعمل – فيما يرى للناس – عمل أهل النار ، وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم " ( )
    إن المؤمن حين يقرأ هذا الحديث ليشعره بقشعريرة تسري في كيانه ، يرتجف منها الجنان ، وتهتز لها سائر الجوارح والأركان كيف وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : " لن يُدخل أحداً عملُه الجنةَ " ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ ! قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ بفضل وحمةٍ " ( ) فتأمل قوله : " ولا أنا " وهو القائل صلى الله عليه وسلم : " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " وقارن نفسك يا مسكين بسيد الخلق أجمعين ، عندها ستعرف حقيقة نفسك ، ومدى تفريطك في جنب الله ، وكلنا كذلك – لكنا لا نملك إلا أن نقول كما قال الأبوان عليهما السلام : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) .
    وبعد : فهذه بعض القصص الواقعية لأناس خُتم لهم بخاتمة السعادة ، وآخرين خُتم لهم بالأخرى ، وهي خاتمة السوء (عياذاً بالله تعالى ) وقد دفعني إلى جمعها قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذات ك الموت " . وغفلة الكثيرين عن هذه الحقيقة العظمى ، والفاجعة الكبرى ، سائلاً المولى عز وجل أن يختم لي ولإخواني المسلمين بخاتمة السعادة ، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد سواه .
    المؤلف في 1/4/1422هـ



    وجاءت سكرة الموت بالحق( )

    كان باراً بإمه ، وبعد وفاة أبيه كان هو العائل الوحيد لأسرته .. قال على إخوته اليتامى فأحسن تربيتهم ، وملأ البيت حباً وعطفاً وحناناً .. أ؛بته أمه حباً شديداً فجعلت من إخوته خدماً له .. تقف أخته الصغرى عند الباب لاستقباله ونزع حذائه ، بينما يبتسم الجميع فرحاً بقدومه .
    وتمضي الأعوام ، ويكبر الإخوة ، ويفكر عبد الله بالزوج لإكمال نصف دينه ، فيستشير والدته ، وتُسَرُّ بذلك ، وتختار له فتاة ذات مال وجمال .. لكنها تفتقر إلى الآداب الإسلامية .. غنية بمالها وجمالها ، فقيرة في دينها وخُلُقها ..
    لقد نسيت تلك الأم أن الجمال الحقيقي هو جمال الروح والخُلُق .. لإجمال الصورة والمنظر ، كما نسيت وصية المصطفى صىل الله عليه وسلم ك " فاظفر بذات الدين تربت يداك " .
    وتزوج عبد الله ، كلنه سرعان ما انقلب رأساً على عقب .. فقد عصّته زوجته الجميلة على أمه ، فأطاعها وعق أمه وأصبح مخلوقاً آخر فما هو بالذي كانت تعرف ..
    ولم تكن زوجته الحسناء خضراء الدمن ( ) بأحسن حال منه ، فقد كانت هي الأخرى عاقه بوالديها اللذين ربما بخلت عليهما بحساء ساخن في أيام الشتاء الباردة .
    وتمضي الأيام .. وتحصل هذه الزوجة على ترقية عالية في عملها ، فتقيم احتفالاً بهذه المناسبة في أفخم فندق من فنادق المدينة دعت إليه خواص زميلاتها اللاتي يماثلنها في الثراء أو يتظاهرن بذلك .. وأردت أن يكون احتفالاً متميزاً يسمع به القاصي والداني ، فاستقدمت له فرقة موسيقية بعشرات الآلاف من الريالات .
    وبعد ليلة صاخبة أُنفق فيها الكثير ، عادت إلي بيتها ، وألقت بنفسها على فراشها الوثير .. وفجأة ... صرخت بأعلى صوتها : عبد الله ...عبد الله ... النار .. النار ... تحرقني .. أحسُّ بأظافر من حديد تنهش جسمي .. وتكرر ذلك على زوجها : عبد الله .. النار .. النار .. ولم يكن زوجها يرى ناراً ، ولكنه ذهب مسرعاً وأحضر ماءً بارداً وصبه عليها ، فما زادت إلا صراخاً ، ولا النار إلا توهجاً في جسمها ، وما هي – والله بنار ، ولكنها سكرات الموت : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيدُ ) [ سورة ق : ] ( )
    ولعلها كانت بداية لعذاب الآخرة جزاء ما اقترفته من معاص وآثام .
    وبعد ساعة من الصراخ والعذاب والألم لفظت أنفاسها الأخيرة على فراشها الوثير مودعة هذه الدنيا على عالم النسيان . أين جاهُها الذي احتفلت من أجله ؟
    أين مالها الذي أنفقته في البذخ والإسراف واللهو والغناء ؟ ..
    أين جمالها الذي كانت تفخر به ؟
    أين وأين وأين .. لقد انتهى كلُ ذلك ولم يبق إلا العمل ..
    يا من بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
    الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته " متفق عليه .



    داعية بعد الموت ( )

    في جمهورية رواندا الأفريقية شاء الله أن يولد مسلم جديد ... كان حياً قبل ذلك ، ولكن بجسده فقط لأنه كان نصرانياً ...أما روحه فلم تعرف إلا بعد أن أعلن إسلامه وذاق طعم الإيمان . .

    ويعلم أهله بالخبر فيثورون عليه ، ويُقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، ولا عجب ، فقلوبهم قد امتلأت بالحقد الصليبي وهو يسمعون يومياً في المدرسة ، وفي الكنيسة ، أن العربي ( المسلم ) مرادف للشيطان ، مع أنهم نادراً ما يرون مسلماً !.
    في المدرسة وهم صغار تتلقفتهم الكنيسة البلجيكية ، وتلقنهم أن العرب قوم متوحشون ... يُحرقون القرى ويقتلون الأبرياء ، ويسرقون النساء ، ويتركون وراءهم الأرض خراباً يباباً !! هذه المعاني كلها تؤكدها الكنيسة في كل مناسبة ... ويصل الخبر إلى شقيق هذا المسلم الجديد ، فيستشيط غضباً ، وينفجر وهو يرى أخاه يصلي واضعاً جبهته في الأرض لله رب العالمين ، وتؤتي تلك التعاليم الفاسدة ثمارها الخبيثة في صورة ثورة عارمة ، تنتهي بقتل النصراني الحاقد لأخيه المسلم وهو ساجد .
    ولكن هل انتهت القصة ؟ كلا ... لقد قبض رجال الشرطة على القاتل ، بينما بقيت جثة المسلم ثلاثة أيام في تلك الأجواء الحارة لم تتغير لتكون دليلاً ملموساً وشاهداً صامتاً على عظمة هذا الدين وطهارته ، وأنه هو الدين الحق ... ويأتي عشرات النصارى ليروا جنازة المسلم التي تنظر الإذن بالدفن من طبيب الشرطة ... ويعلن العشرات منهم إسلامهم بسبب هذا المشهد ، ويستحق هذا المسلم الجديد لقب : داعية بعد الموت .


    إن ربك لبالمرصاد ( )

    بعد أن أتم خالد دراسته الثانوية كان يحلم بما يحلم به غيره من الشباب المراهق من السفر إلى الخارج والدراسة في ديار الغرب بعيداً عن رقابة الأهل والمجتمع (! ) ، وقد شجعه والده على ذلك (!) وهيأ له كل ما يحتاجه من مستلزمات ....
    وحان موعد السفر ن فودعته أمه وقبلها يتوجس خيفة ويتفطر ألماً ، وحذرته من هفوات الشباب ،ومهاوي الردى ...
    بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقاً لتلك البلاد التي سمع عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته التي سافر من أجلها ...
    وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خالياً قبل ذلك ، فتمكن منه الداء :
    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
    كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقاً إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفاً عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ... إلا في فترات متباعدة .
    وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
    وفي صالة الانتظار ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثاً عن ولدها الحبيب ..
    ها هو خالدٌ قد أقبل ..
    " أهذا هو خالدٌ ؟! " همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
    كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
    نادته خالد ... خالد ...
    التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحاً بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكماً : أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!
    ذُهلت الأم لمقالة ابنها ، وتحولت دموع الفرح التي ذرفتها احتفالاً بقدومه ، إلى دموع حزن وأسى أسفاً على حاله ، لكنها أخفت عبرتها خلف حجابها المصون وكتمت أنفاسها الحرّى ... وهي تردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ..
    ومضت الأيام ، وخالد سار في غيه وضلاله ، ينتهز كل فرصة ليسافر على تلك الديار ثم يعود وقد ازداد تعلقاً بها ، ومقتاً لدينه وأهله .
    أما أمه فلم تعد تقيم له وزناً ، أو تلقى له بالاً ، فقد سقط من عينها ، وأبغضته في الله ، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. ) الآية [ المجادلة : الآية : 22]
    وصارت تدعو له بالصلاح والهداية ، وربما دعت بالهلاك إن لم يهده الله ..
    وجاءت ساعة الصفر ..
    كانت ليلة زفاف من العروس التي اختارها لنفسه ، لكن الأجل لم يمهله ، فبينما هو يسير بسيارته الصغير ، إذا اعترضت طريقه شاحنة نقل كبيرة فلم يجد مفراً من الدخول تحتها ليتحول هو وسيارته إلى كومة من حديد ...
    وبعد ساعة من الزمن وقف شرطي المرور وهو يحمل في كفيه كتلاً من اللحم والعظام ... إنه ما تبقى من خالد .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " أخرجه أحمد وغيره .

    اللحظات الحاسمة ( )

    شرب الخمر ، فسَكِر ، فضر أمه ..
    فلما أفاق من سكره وعاد إليه عقله ، قال وهو يتجرع غصص الندم : ليت يدي بُتِرت قبل أن تمتد إليها .. ليتها شُلَّت .. وليتني متُّ قبل أن أفعل هذا ... لا .. لن أغفر لنفسي أبداً .. كل هذه الانفعالات العنيفة ، والأحاسيس الجياشة ، هزت مشاعره هزاً ، واقتلعت قلبه من جذوره ، في محاولة يائسة لإيقاظ ضميره المتحجر بعد أن تبلد عقله وتوقف تماماً عن التمييز ...
    لقد ذهبت الخمر بعقله ، وجعلته أسيراً لها حتى إنه لم يستطع التفريق بين صديقه ، وعدوه .. . بين من يحبه ، وبين من يكرهه ، وها هي ذي يده تمتد بكل وقاحة لتصفع أعز إنسان لديه .. أمه .. ينبوع الحنان !.
    ولماذا ؟! .
    ألا إنها كانت تريد له الخير ، وتنصحه بالإقلاع عما حرم الله ، وتجنب رفقاء السوء ، والالتفات إلى مستقبله ؟ .. أم لأنها كانت تدعو له بالهداية ، وترجو له أن يثوب إلى رشده ، وينتبه لنفسه وعائلته ؟ .
    لم يتمالك نفسه من هول الموقف ، فاغرورقت عيناه بالدموع وأخذ يجهش بالبكاء .. وتوجه نحو والدته التي كانت تبكي وترثي لحالها وحاله .. وارتمى على صدرها كالطفل ، وأخذ يبكي ويصرخ ، وهي تهدئ من روعه ، وتدعو الله أن يتوب عليه ويغفر له ..
    وبدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً ... حتى سكت تماماً ..
    فقالت له : قم يا بني ، واغسل وجهك ، وتوضأ وصلِّ ، وتضرع إلى الله ، واسأله أن يغفر لك وأن يسامحك على ما اقترفته من ذنب في حق نفسك وحق والدتك .. ولكنه لم يُحر جواباً ولم يتحرك أبداً ... ي
    فحركته وهزته ..فإذا هو بارد كالثلج ... فقد لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر أمه ..

    المشيــئة الإلــهية ( )

    الحافلة متوجهة صوب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على متنها عدد من الركب الكرام تكاد نفوسهم تحترق شوقاً إلى رؤية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصلاة فيه ، والسلام على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه الكريمين .
    كانت تسير في طريقها في أمن ودعة ... ها هي قد وصلت إلى مشارف المدينة ، والشوق يزداد ، والقلوب تخفق فرحاً بالوصول ، إلا أن نفساً شقية كانت مع الركب أبت إلا أن تعكر صفوف هذا الشوق ، وتعوق هذا الركب عن سيره المبارك ...
    قال صاحبها : وصلنا إلى المدينة ... وسكت
    فقال له أحد الموفقين مذكراً له بالمشيئة الإلهية : قل إن شاء الله . فما كان من ذلك الشقي إلا أن قال كلمة عظيمة وكأنه يتحدى بها ربه ، قال : وإن لم يشأ الله ..
    لا إله إلا الله ، ما أشعنها من كلمة ، وما أشقاها من نفس .. وهل يحدث شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله وإرادته ؟ ... لكنه الشقاء والحرمان نعوذ بالله من ذلك .. .
    وبعد لحظات يسيرة من مقولة ذلك الشقي شاء الله عز وجل ... ولكن أن يبتلي ذلك الركب الكريم ، وتنقلب الحافلة ، وتكون تلك العنق الفاجرة أول عنق تدق في تلك الفاجعة ...




    اليد الطاهرة

    كان يعمل في إحدى الجهات المشبوهة في وظيفة مرموقة ، وبراتب مجز يتجاوز العشرة آلاف ريال ، وفي يوم من الأيام أصابته صحوة ضمير ، فاتصل بأحد العلماء الجلاء يسأله عن عمله ذلك أحلال هو أم حرام ، فأجابه الشيخ بأن عمله المذكور حرام ، وأن عليه أن يتركه ويبحث عن عمل آخر .. لم يتردد في ترك العمل الحرام ، والبحث عن عمل آخر حلال ، ولو براتب أقل ، المهم أن يأكل حلالاً ، ويطعم أولاده الحلال ، ووجد عملاً .

    كان ذلك في شهر رمضان المبارك ، ومضى شوال وذو العقدة ، وفي غرة شهر ذي الحجة عزم على الحج ، ومضى ... وفي الميقات خلع ثيابه ولبس ملابس الإحرام ، وانطلق ملبياً مع ضيوف الرحمن الذين جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات .. . وفي عرافات ، وما أدارك ما عرفات ، يوم يباهي الله بعباده ملائكته .. وقف هذا الرجل تحت أشعة الشمس الحارقة يسقي الحجاج بيده ، ماء بارداً سبيلاً سلسبيلاً ، يبتغي بذلك الأجر والثواب من الله الكريم المنان ، وبينا هو كذلك إذ فاضت روحه على ذلك الصعيد الطيب ، صعيد عرفات .. لقد شاء الله عز وجل أن يختاره في ذلك اليوم الكريم ، وفي هذه المناسبة العظيمة ، ليُبعث يوم القيامة ملبياً كما جاء في الحديث ( ) يده التي كان يكتب بها الحرام ، تحولت إلى يد طاهرة كريمة تحمل الماء العذب الرقراق لأكرم الضيوف وفي أطهر البقاع ، إنه فضل الله يؤتيه من يشاء ، ويمن به على من اختار طريق الخير على طريق الشر مهما كلفه ذلك من التضحيات ، فيا لها من خاتمة حسنة ...
    جاء في الأثر : " من ترك شيئاً لله ، عوضه الله خيراً منه " .



    شاتم أبي هريرة

    إنه رجل بليد ، أراد الشهرة ، ولكن على حساب دينه وآخرته ، درس في الأزهر ، وأخفق في الحصول على الثانوية الأزهرية عدة مرات ، ولما ترك الأزهر ، بل لما تركه الأزهر لغبائه وكسله ، كان يقف على قارعة الطريق يتحرش بطلابه ، فيبدي استهزاءه بهم لانقطاعهم إلى تعليم الدين وشرائعه ، ويرى ذلك دليلاً على سخف عقولهم وسذاجتهم !! بدأ نشاطه التأليفي بكتاب تافه جداً سماه : ( أضواء على السنة المحمدية ) شحنه بالأكاذيب والأغلوطات ، وقد تبنته بعض الجهات المشبوهة ، لكن الكتاب لم يحقق له الشهرة المنشودة ، فأراد أن يتقدم خطوات أخرى لتحقيق مزيد من الشهرة ، وقد رأى كيف سُلِّطت الأضواء على أمثال القاضي " علي عبد الرزاق " الذي كان مجهولاً إلى أن أخرج للناس بكتابه " الإسلام وأصول الحكم " الذي تهجم فيه على دين الإسلام ، ورأى كيف استقطب " طه حسين " أضواء الشهرة بكتابه عن الشعر الجاهلي الذي أنكر فيه وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام .
    رأى ذلك كله فأراد أن يحقق أقصى درجات الشهرة ، فألف كتابه : (شيخ المضيرة أبو هريرة ) ملأه بالطعن في رواية الإسلام الأول الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه .
    وقد كان عنوان كتابه مبيناً لسوء مقصده ، عامله الله بما يستحق ، فالمضيرة لون من الطعام كان أبو هريرة يحبه – ولا ضير في ذلك - ووصف أبو هريرة رضي الله عنه بأنه شيخ المضيرة لا يخفى ما فيه من السخرية والاستهزاء والانتقاص ، كما لو قيل عن رجل بأنه شيخ البطاطا أو شيخ الدجاج ... فأي وقاحة أعظم من هذه الوقاحة ؟! ومع من ؟! مع رواية الإسلام الأول ، الذي كان ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه : 5374 حديثاً ، فهو أكثر من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعل هذا هو السر في محاولة فئات عديدة من المغرضين إسقاطه وتشويه سيرته رضي الله عنه .
    والآن ، أتدري أيها القارئ من هو هذا الشقي ؟... إنه محمود أبو رية عامله الله بما يستحق .
    أما خاتمته فقد كانت بئس الخاتمة ... قال الشيخ محمد الشنقيطي حفظه اللهُ ( ) : حدثنا الثقة ، عن العالم الذي حضر وفاة هذا الرجل ، قال : أتيت إلى بلده فتذكرته ، فخر لي أن أزوره لأعرف بعض الشيء عنه ، ويشاء الله عز وجل أن توافق زيارتي له وهو في النزع الخير وفي سكرات الموت ، قال : فدخلت عليه – والعياذ بالله – قد تغر لونه ، وكلح وجهه ، واتسعت حدقتا عينيه ، وهو يئن ويقول : آه أبو هريرة ... آه أبو هريرة . .. وظل يتأوه بها حتى نُزعت روحه .. ولم ينطق بكلمة الحق .
    لقد مضى هذا القي ، وبقي أبو هريرة رضي الله عنه عَلَماً شامخاً ، يُذكر في كل حين ويقترن اسمه كثيراً باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتباً لكل أفاك أثيم .
    قضى الله أن البغي يصرع أهله وأن على الباغي تدور الدوائرُ
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سب أصحابي ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين " ( )



    حامـــلـة القرآن

    خرجت من دار تحفيظ القرآن الكريم .. كانت تحمل في يدها كتاب ربها ، وفي يدها الأخرى طبقاً خيرياً ... وقبل ذلك وبعده تحمل في قلبها همّ الإسلام ، وهمّ إخوتها المسلمين ...
    لم تشتر الطبق الخيري لتأكله ، وإنما لتنفق من مالها في سبيل الله ... لتتذكر وهي تأكله إخوانها المسلمين في شتى بقاع الأرض .. وما يعانونه من بؤس وجوع وألم ولعل الله أراد أن يكون شاهداً لها يوم القيامة ...
    خرجت من تلك الدار العامرة لتتخطفها يد المنون ... ليختارها الله إلى جواره – نحسبها كذلك ، ولا نزكي على الله أحداً ... سيارة مسرعة يمتطيها سائق متهور تحطم ذلك الجسد الطاهر .... تطرحه أرضاً ... ويهتز المصحف في يدها ، ويتناثر الطبق الخيري .. والقلب لا يزال ينبض بالحياة ...
    وتنقل إلى المستشفى وهي في حالة خطرة ... كان ذلك يوم الأحد ، وفي يوم الجمعة تخرج روحها إلى بارئها ..
    رحمكِ الله يا حاملة القرآن ، لم تحملي شريطاً ماجناً ، ولا مجلة ساقطة ... ولا خرجت من مرقص أو ملهى ، أو سوق تتسكعين فيه متبرجة سافرة . وإنما خرجتِ من روضة القرآن .. يا حملة القرآن .. هنيئاً لك بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر " ( ) فنامي آمنة مطمئنة ...


    صريع المال والسرطان ( )

    " " يا رب ، هات مليون جنيه وهات معه سرطان " (!) ... كان هذا دعاؤه الذي يردده في كل مجلس ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم .. " إنه يتحدث عن هذا الصنف من الناس .
    " يا رب ، هات مليون جنيه وهات معه سرطان ،كان يرددها على مسمع من زملائه ، فيضحك بعضهم ، ويمتعض آخرون ، ويحذرونه من مغبة قوله هذا ...ولكن :
    يُقضى على المرء في أيامه محنته
    حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن .

    كان يطمح أن يكون غنياً ، فبدأ بالفعل ودخل عالم الفن ، وشق طريقه نحو الشهرة ، ولم تمض سنوات معدودة حتى نال ما تمناه من الشهرة والمال ،وامتلك واحدة من أكبر العمارات بمصر وهي عمارة " الايموبيليا " الشهيرة ، وتحقق ما كن يطلبه من الثراء ، وكلن بقي الشق الآخر مما كان يطلبه ، وهو السرطان ..فأبى الله عز وجل إلا أن يريه دلائل قدرته سبحانه ، ويلقنه – وغيره- درساً لا يُنسى أبداً .
    ويُصاب بالسرطان كما كان يتمنى ، ويراه الناس واقفاً أمام عمارته الكبيرة هزيلاً باكياً يتمنى العافية ويردد متحسراً : " يا رب خذ مني كل شيء وأعطني الصحة والعافية " ، وصدق اللهُ القائل : ( قتل الإنسانُ ما أكفره ) .



    محــدث حتى الموت
    قضى حياته في طلب الحديث وتعلمه وتعليمه حتى صار إماماً في الحديث ... إنه الإمام أبو زرعة الرازي ، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد .. سيد الحفاظ في زمانه .
    كان رحمه الله – كما ذُكر عنه – يحفظ مئتي ألف حديث ، كما يحفظ أحدنا ( قل هو اله أحد ) وذلك في زمن تعز فيه الوسائل .. فهل خذله الله عند الموت ؟
    استمعوا إلى ما حدث له عند النزع ، وهو يصارح السكرات : فقد روى الإمام الذهبي رحمه الله ، عن وراق أبي زرعة ، قال حضرنا أبا زرعة وهو في النزع ، وعنده أبو حاتم ، وابن وارة ، والمنذر بن شاذان – وهم من أئمة الحديث – فذكروا حديث التلقين " لقنوا موتاكم : لا إله الله " ، واستحيوا من أبي زرعة أن يلقنوه ، فقالوا : تعالوا نذكر الحديث ... فقال ابن وارة : حدثنا عاصم ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي ... وسكت . وقال أبو حاتم : حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ... وسكت ، والباقون سكتوا ، وذلك منهم استثارة لأبي زرعة رحمه الله حتى ينطق بالشهادة .
    فقال أبو زرعة وهو في النزع الأخير : حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا عبد الحميد ، عن صالح ابن أبي عريب ، عن كثير بن مرة ، عن معاذ بن جبل ،قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان آخر كلامه ، لا إله إلا الله ، دخل الجنة " ... ثم فاضت روحه ( )
    إن القلوب كالإسفنج ، تتشرب ما وضع فيها ، حتى إذا ما امتلأت واحتاجها العبد في وقت شدته ، لم يجد إلا ما أودعه فيها من خير أو شر ، فهلا عقل ذلك أولئك الذين حشوا قلوبهم بالأغاني والترهات ، وحفظوها عن ظهر قلب ، قبل أن تُنتزع أرواحهم من أجسادهم عند الاحتضار ، فلا يقووا على قول كلمة الحق ؟

    نعوذ بالله من الخذلان .


    نهايـــــــــة مؤلــــــــمة ( )

    في ليلة من ليلي الربيع المقمرة ، جلس مجموعة من الشباب الصالحين على كثبان الرمل في منطقة معروفة ، وبينما هم يتجاذبون أطراف الحديث إذ سمعوا صوتاً مفزعاً ، تبعه دوي هائل اشتعلت على إثره النيران ... نظروا باتجاه الصوت ، فرأوا ناراً تشتعل ... انطلق اثنان منهم مسرعين صوب النار حتى وصلا إلى الشارع العام ، فوجدا سيارتين محطمين إحداهما تحترق وقد أخرج منهما رجلان : أحدهما قد فارق الحياة ، والآخر ما زال يلفظ أنفاسه الأخيرة ... حملاه إلى أقرب مركز صحي أملاً في إنقاذه ، لكن الأجل لم يمهله ففارق الحياة وهم في الطريق ..
    ليس هذا هو المؤلم ، فإن الآجال محدودة ، والأنفاس معدودة ، وقد اعتاد الناس سماع مثل هذه الأخبار والحوادث ؛ ولكن المؤلم أن اللذان لقيا حتفهما كانا ... مخمورين ... نعم ، مخمورين كما يقال – حتى الثمالة ... نعوذ بالله من ميتة السوء .
    قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يُقرُّ في أهله الخبث " ( )


    حتى يأتيك اليقين ( )

    نادرة تلك المواقف التي تمتزج فيها الدمعة بالبسمة ، يورق فيها شجر الحزن ، وتزهر فيها أزاهير السرور .. يختلط فيها نشيد الفرح بنشيج الحزن ..
    جاء ذلك اليوم بيد أنه لم يكن كسابقه من الأيام ، جاء ليزف لنا البشرى ... بشرى رقيك وسموك ...
    كم أرقَّه ذلك النداء : " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم "( ) .
    كم من الاهتمامات ازدحمت في قلبك العليل : ابنك الصغير .. العائلة ميسورة الحال .. الوظيفة ... الدعوة ... الدعوة ... نعم إنها هي ، فلم نرك إلا سباقاً لها ..
    كنت - فقط – تزرع أشجار العطاء ... تسقي أرضاً جدباء ، فتغدوا أرضاً مخضرة بإذن ربها ...
    تبذر البذور على الصخور ونظرك لأعلى قد تعودت التفاؤل في السير على هذا الطريق المعشوشب بالأجر ..
    همك سعاد الإنسان أينما ارتحلت ... وحيثما حللت ، ولا سعادة إلا بالإيمان ... كم قلب ضامئ أرويته ... كم روح تائهة في دياجير الأهواء كنت مناراً وفناراً لها .. لكن ! ما بال القلب ؟! أهو العطب ؟!
    كان يقتات المعاناة جلداً ، ويحتسى مرارة الألم صابراً ، وتزيده صفاءً ونقاءً . .
    أخبروه أن القلب عليل .. . بيد أنه لم يفتأ في التقاط أشلاء النفس المبعثرة ليجعل منها عبداً لبارئها ..
    يتحسس حطام القلوب والأرواح .. يجمعها من جديد ليؤلف منها " صالحاً " بما تعني الكلمة من معنى ...
    يزدد خفقان القلب .. ينقبض .. يضيق .. ، وما يزال مستمراً على الدرب ، يد ترشد وتعلم ، وأخرى على القلب ... آلام شديدة ... لكنها لا تظهر على صفحة الوجه .. فلا مكان إلا للبسمة .. أما مكان تكسر الآهات والأنات ففي الصدر فقط .
    " لا بد للسفر إلى لندن " قال الأخصائي ..
    وبسرعة لاح في خاطره : " هناك كثير عشطى .. جوعى للنور .. إذن فلأبدأ ومن الآن " .
    كتب بلغات مختلفة ... أشرطة لمحاضرين ودعاة .. كان هذا ( عشقه ) .
    وخلال مدة علاج قلب مجروح ، تدب الحياة في قلب ميت ، يولد أحد القوم هناك ،يخرج من رحم الظلمة إلى فسحة النور .. لكن القلب الأول بدأ يذوي ، يخفف نوره ، وعلى ذلك السرير كانت النهاية ، وما أجملها من نهاية :
    عشر تشهدات نطق بها لطالما أرقه عدم انتشارها ...
    ويفارق الدنيا مبتسماً كما عهدناه ، وماذا يهمه وقد نطق بالشهادة عشر مرات ..فيا له من فراق ....
    همة في صدره تلتهبُ من جراح المسلمين المفجعة
    راعف الجرح وحيداً سامقاً عُمرى العزم لا يرضى الدعة
    يقتضي آثار جيل خالدٍ ساق للدنيا الهدي والمنفعة
    وتغادرنا ، بيد أن صورتك ما تزال شاخصة أمامي تصرخ بي :
    حتى متى هذا الجفاء ؟ ! .
    حتى متى هذا التردد والعناء ؟! حتى متى هذا الشقاء ؟! حتى متى يا قلب تغشاك الظنون ؟! الناس في محراب لذات الدنايا عاكفون .. حتى متى ؟! .. وإلي متى يل قلب تغشاك الظنون ؟! .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان آخر كلام لا إله إلا الله دخل الجنة " ( )


    وزمجر الرعد ( )

    الوقت فجراً ... الأمطار تهطل بغزارة .. والرعد يزمجر ... والبرق يكاد يخطف الأبصار ...
    صوت استغاثة يصدر من إحدى الشقق .. امرأة بلا شعور تستغيث ... يسمعها الجيران فيأتون مسرعين ..إنها جارتهم .. زوجها قد خرج إلى العمل فما الذي حدث ؟ !
    رجل عارٍ ممدد على الأرض قد فارق الحياة ... قلّبوه .. حركوه ... إنه جارهم الآخر ، وبعد التحقيق تعترف المرأة .. كانت على موعدٍ معه بعد خروج زوجها .. وأثناء ممارسته لجريمته القذرة دوّى صوت الرعد مسبحاً لله عز وجل فأصيب الرجل بالهلع ، ولقي حتفه على تلك الحال .. سبحانك ربنا ما أعدلك .. سبحانك ربنا ما أحلمك .. كما من عاص لك قد سترته .. وكم من مذنب قد بارزك بالعصيان فتجاوزت عن ذنبه وغفرنه .. ولكن ، هل نغتر بعفو الله وحلمه ؟ .
    يا ساهر الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً

    قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : " لأن يزني الرجل بعشر نسوة ، خير له من أن يزني بامرأة جاره " ( )



    الصلاة ... الصلاة والحجاب

    قال الراوي : كنت في مصر أثناء أزمة الكويت ، وقد اعتدت دفن الموتى منذ أن كنت في الكويت ، واشتهرت بذلك ، وذات ليلة اتصلت بي فتاة تطلب مني دفن أمها المتوفاة ... فلبيت طلبها ، وذهبت إلى المقبرة .. وانتظرت عند مكان التغسيل ... وفجأة ، أربع فتيات محجبات يخرجن مسرعات ... لم أسأل عن سبب خروجهن وسرعتهن في الخروج ، لأن ذلك أمر لا يعنيني ..
    وبعد مدة وجيزة ، حرجت المُغَسِّلة وطلبت مساعدتها في تغسيل الجنازة ، فقلت لها : إن هذا لا يجوز ، فلا يحل للرجل أن يطلع على عورة المرأة ، فَعلّلت ذلك بضخامة جسم الميتة وصعوبة تغسيلها ! .. لكنها عادت وأتمت تغسيلها ثم كفنتها ، وأذنت لنا في الدخول لحملها .. دخلنا ، وكنا أحد عشر رجلاً ، وكان الحمل ثقيلاً جداً ، ولما وصلنا إلى فتحة القبر – وكعادة أهل مصر فإن قبورهم مثل الغرف ، ينزلون من الفتحة العلوية إلى قاعة الغرفة يسلّم ثم يضعون موتاهم بلا دفن (!) ( ) فتحتا الباب العلوي ، وأنزلنا الجنازة من على أكتافنا لإدخالها ، لكنها – لثقلها – انزلقت وسقطت منا داخل الغرفة حتى سمعنا قعقعة عظامها وهي تتكسر من جرّاء السقوط ...
    قال : فنظرت ، فإذا الكفن قد انفتح قليلاً وظهر شيء من الجسم ، فنزلت مسرعاً إلى الجثة وغطيتها ، ثم سحبتها بصعوبة بالغة إلى اتجاه القبلة ، وكشفت عن بعض وجهها ( ) فرأيت منظراً مفزعاً ، عينين جاحظتين مخيفتين ، ووجهاً مسوداً ، فداخلني رعب عظيم ، وكدت أصعق من هول ما رأيت ، فخرجت مسرعاً وأغلقت باب القبر .. وفور وصولي إلى البيت ، اتصلت بي إحدى بنات المتوفاة ، واستحلفتني بالله أن أخبرها بما جرى لوالدتها ... حاولت إخفاء الحقيقة لكنها ألحّت ، فأخبرتها بالذي رأيت ... فقالت : إن هذا هو الذي دعانا إلى الخروج من مكان التغسيل بتلك السرعة .. وأجهشت بالبكاء .. فصبّرتها ... ثم سألتها عن حال والدتها ، وهل كانت قبل موتها مقيمة على شيء من المعاصي ؟ فأجابت والحسرة تكاد تقتلها : يا شيخ ، إن والدتنا ثم تصلّ لله ركعة ، وقد ماتت وهي متبرجة ( )
    قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " أخرجه مسلم .

    كأنك عجّل الأقوامُ غسْلّك وقام الناس يبتدرون حملك
    ونُجِّدَ بالثرى لك بيتُ هَجرٍ وأسرعت الأكف إليه نَقْلَكْ
    وأسلمك ابنُ عمك فيه فرداً وأرسل من يديه أخوك حبلك
    وحاولت القلوبُ سواك ذكراً أنسن بوصله ونسين وصلك
    وصار الوارثون – وأنت صفرٌ من الدنيا – لمالك منك أملك
    إذا لم تتخذ للموت زاداً ولم تجعل بكر الموت شُغلَكْ
    فقد ضيعت حظَّكَ يوم تُدعى وأصلَكَ حين تَنْسِبُهُ وقَصْلَكْ



    والموعد الجنة ( )

    خرجا من بيتهما في إحدى المدن يريدان البيت الحرام .. هو شيخ صالح ن وهي امرأة صائمة قائمة .. وقبل الخروج حدث شيء غريب .. ودعت الأم أولادها ، وكتبت وصيتها ، وقبلت أطفالها وهي تبكي ، ونظرت إليهم وكأنها نظرة مفارق ..
    ومضى الزوجان إلى أطهر بقعة على وجه الأرض يطويان الفيافي والقفار ، وهناك طافا حول الكعبة المشرفة ، وسعيا بين الصفا والمروة ، ثم حلق وقصّرت ، وكرا راجعين وهما في غاية السرور والاغتباط . ولكن ... يشاء الله عز وجل – ولا راد لأمره - أن تنفجر إحدى عجلات السيارة ، فتخرج عن مسارها وتنقلب رأساً على عقب .... ويخرج الزوج سليماً معافى ، ويبحث عن امرأته الصوامة القوامة .. التقية النقية . (نحسبها كذلك والله حسيبها ) ،فيجدها . ... ولكن في سكرات الموت .. (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ..
    مد إليها يديه ليحملها ، لكنها نظرت إليه نظرة مودع قالت له : عفا الله عنك ... بلّغْ أهلي السلام .. اللقاء – إن شاء الله - في الجنة ...
    ثم ختمت كلامها بشهادة التوحيد وكلمة الإخلاص : لا إله إلا الله محمد رسولُ الله لتنام قريرة العين ... لكنها الرقدة الكبرى ..
    يا بانيَ الدارِ المعدَّ لها
    ماذا عملت لدارك الأخرى ؟
    ومُمَهِّد الفُرُشِ الوثيرةِ لا
    لا تُغفل فراش الرقدة الكبرى
    ويعود الرجل وحيداً بعد أن وارى جثمان امرأته والحزن يملأ قلبه ، فيستقبله أطفاله استقبلاً حاراً .. وتسأله ابنته الصغرى : أبي أين أمي ؟ .. فينعقد لسانه ويعجز عن الجواب .. فتصرخ في وجهه : أبي ، أريد أن أرى أمي ، أين أمي ؟ فينهار الرجل أمام طفلته الصغيرة ويبكي بكاء مراً ، ويقول لها : سوف ترينها بإذن الله ، ولكن في جنة عرضها السموات والأرض .. ليست كدنيانا الحقيرة ...

    إلى رحمة الله يا صالح

    صالح شاب عربي .امتلأ قلبه إيماناً ، وجسمه نشاطاً وقوة .. كانت أمنيته أن يرقه الشهادة في سبيله ، ويلحقه بركب الشهداء الأبرار ، فحقق الله أمنيته ولكن ...
    أحد الإخوة كان مع صالح لحظة ودع الدنيا ، حدثني فقال :
    كما مجموعة من الشباب لا يجمع بيننا حسب ولا نسب إلا الأخُوَّةُ في الله ، قررنا ذات يوم القيام برحلة خلوية ، نستعيد فيها نشاطنا ، ونستجمع قوانا ، وانطلقنا ..وهناك ..وعبد أن صلينا الفجر ؛ خرجنا مهرولين ، هتفانا : " الله أكبر " ونشيدنا :
    نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
    ظللنا على هذه الحال قرابة ساعتين ونصف الساعة حتى أصابنا الإعياء من شدة التعب ...كان صالح – رحمه اله – أكثرنا حماساً ، وأشدنا بأساً ..كان يجري وقلبه يتفطر ألماً وحسرة ، وكأنه على مشارف الأقصى ليحرره من أيدي اليهود الغاصبين ، ولسان حاله يقوله : هاأنذا قادم إليكم ولنعيد أقدسنا ونصلي في أقصانا ..
    وبعد تلك الجولة المرهقة ؛ أوينا إلى شجرة وارفة الظلال حول إحدى العيون .. كانت السماء صافية ، والجو ساكناً ، والصمت يخيم على أرجاء المكان ، يقطعه أصوات العصافير وهي تنشد أشعارها فوق أغصان الأشجار ..
    كنا نتحدث ، ويمازح بعضنا بعضاً فترتد أصداء أصواتنا من الجبال القريبة منا فنتذكر تسبيح الجبال مع داود – عليه السلام – فيزيدنا ذلك إيماناً بالله ، واعترافاً بعظمته – سبحانه -.
    ولما افتربنا من عيرن الماء ، تاقت أنفسنا إلى السباحة ، فنزلنا جميعاً إلا صالحاً ظل واقفاً في مكانه ينظر إلينا وكأنها نظرة مودع ... دعوته إلى النزول فأبدى عدم رغبته في ذلك ، وكان قد نسي ملابس السباحة ... لكنه بعد لحظات أقبل علينا وقد لبس ملابس رياضية استعارها من أحد الأخوة ، ولما هم أن يلقي بنفسه في الماء ؛ التفت فرأى رجلاً من بعيد في يده سيجارة ، فأبى إلا أن يذهب إليه وينصحه ، فاستجاب الرجل ، وألقى ما في يده .. وعاد صلح ..ووقف على حافة العين ، وكأنه يريد منا أن نفسح له ليأخذ مكانه بيننا ..فقضينا وقتاً ممتعاً داخل تلك العين ، ولم نكن نعلم أن ملك الموت كان قريباً منا في تلك اللحظات .. لقد كان في تلك العين فتحة صغيرة تسمى ( القصبة ) قطرها لا يزيد عن قطر إطار السيارة .. كان الأطفال الصغار يدخلونها ، ويذهبون إلى قرابة مترين ونصف المتر تحت الماء حتى يصلوا إلى منطقة فيها منسم ، فيستريحون قليلاً ثم يخرجون ..وكثيراً ما كنا نفكر في اقتحام هذه القصبة ، لكنّ أحداً منا لم يجرؤ على ذلك ، مع أن الأمر يبدو في ظاهره سهلاً ..
    وفجأة ، ونحن مشغولون بمطاردة الكائنات المائية الصغيرة ، ينسل صالح ويدخل لك القصبة ، وكأنه يريد أن يقول لنفسه: إذا كنت اليوم تخافين دخول مثل هذه القصبة ، فكيف بد غداً إذا لقيتِ أعداء الله في أعماق البحار وقمم الجبال ..
    " أوصيك بالتسجيلات " ( ) قالها صالح لأحد الإخوة ، وهي أخر كلمة سمعناها منه فلم نلقِ لها بالاً ...
    وحضر طعام الإفطار .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً ...انتظرنا صالحاً فلم يأتِ ، فقلنا : لعله ذهب لقضاء الحاجة أو نحو ذلك ... وطال انتظارنا فأصابنا القلق .. وطفقنا نبحث عنه يميناً وشمالاً ، شرقاً وغرباً فلم نعثر له على أثر...
    أين ذهب صالحٌ ؟! سؤال دار في أذهاننا جميعاً ... لكنا لم نجد له جواباً ...
    وبعد ساعة من الزمن ساورتنا الشكوك وخشينا أن يكون داخل العين ، ولكننا استبعدنا ذلك ، ومع ذلك حاول بعضنا دخول القصبة وإزالة الشك باليقين ، ولكن لا جدوى ؛ فقد كانت ضيقة ، والدخول فيها يعد مخاطرة .
    وأكرمنا الله - عز وجل – بمجيء صبي صغير ماهر في السباحة ، فطلبنا منه الدخول والتحري ، وبعد دقائق خرج إلينا وكلنا ننظر إليه في لهفة ووجل ، فقال : لا أحد هنا .. كدنا نطير من الفرح ، وحمدنا الله – عز وجل – فصالح لا يزال بخير إن شاء الله ... لكنا فرحتنا لم تدم طويلاً ؛ فقد جاء أحد المزارعين من أهل المنطقة وأخبرنا أن ماء هذا العين يخرج من هاهنا – وأشار إلى ناحية منها – ثم قال : أرى أن الماء لا يخرج كالعادة ، وأظن أن صاحبكم داخل العين قد حبس خروج الماء بجسمه ..
    نظر بعضنا إلى بعض وقد عقدت الدهشة ألسنتنا ، وأيقنا أن صالحاً – إن كان الأمر كما قال هذا الرجل – لن يخرج حياً .. فلا أحد يستطيع البقاء داخل تلك القصبة أكثر من دقائق معدودة .
    الرجل المدخن الذي نصحه صالح كان قريباً منا يسمع ما نقول : وكان ماهراً في السباحة فقال : أنا آتيكم بالخبر اليقين ... ولم يمض دقائق معدودة حتى عاد إلينا فزعاً ، وقال : إن صاحبكم داخل القصبة ، واظنه لم يمت بعد ..
    فأسرعنا وطلبنا الدفاع المدني ، ولكن بعد فوات الأوان ، فخرج صالح ، ولكن خرج جثة هامدة بلا روح ... وقد ظهر على جسمه علامات وقشوط تدل على أنه لاقى من شدة الموت وسكراته ما تتصدع منه الجبال ...
    ومن الذي دلّ على موته ؟ إنه الرجل الذي نصحه صالح قبل وفاته بزمن يسير ... رحمك الله يا صالح ... شهيد إن شاء الله .. فأنت غريق ( ) .
    وأنت داعية قبل موتك بدقائق ، تقول : يا أخي ، اترك التدخين فإنه حرام ومدمر ..
    لقد صدق الله فصدقه الله - عز وجل - ، فقد رآه أحد الإخوة بعد موته في صورة بهية ومعه زوجة حسناء .
    وقد صلى عليه جمع غفير من الناس ، وضجت الأصوات بالبكاء ، فقد كان باراً بوالديه وإخوانه ..
    صالح ... إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا لفراقك أيا أبا أسامة لمحزون ...


    صلاة مودع ( )

    كان يعمل نجاراً في إحدى المدن .. لا يعرف الغش ولا الكذب ، ولا المكر ولا الخديعة ، قد رضي بما قسم الله له من الزرق الحلال وإن كان قليلاً . في ضحى كل صباح كان يغلق دكانه وينطلق إلى المسجد القريب ليتوضأ ويصلي ما كتب الله له صلاة الضحى – ثم يعود إلى دكانه ليباشر عمله إلى وقت صلاة الظهر ... وفي ضحى أحد الأيام أغلق دكانه وتوجه إلى المسجد يحث الخطى وهو في شوق إلى مناجاة ربه والوقوف بين يديه ، ودلف إلى المسجد وكبّر للصلاة فقرأ ما تيسر له من القرآن ، ثم ركع ثم رفع .. ثم سجد ..ثم قال إلى الركعة الثانية واضعاً يديه اليمنى على اليسرى ، فإذا بملك الموت قد حضر في تلك اللحظة ليقبض روح هذا العبد الصالح وهو واقف بين يدي ربه ، يناجيه بأحب الكلام إليه ، فتخرج روحه من جسده ، ويخر ساقطاً على الأرض ، ويده اليمنى على اليسرى ، فما علم به أحد إلا وقت صلاة الظهر ، ويُحمل إلى بيته ، فلما أرادوا خلع ثيابه لتغسيله أبت يده اليمنى – بإذن الله عز وجل – أن تفارق يده اليسرى وكأنه لا يزال في صلاة ، وبعد محاولات عديدة كفنوه على هذه الحال ووضعوه في قبره ليلقى ربه مصلياً ...
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُبعث كل عبد على ما مات عليه " ( )
    فاختبر لنفسك ما تشاء يا أخي المسلم .



    خسر الدنيا والآخرة ( )

    حادثة غريبة ..
    ليست مشهداً من " فيلم " أو مسلسل تلفزيوني ، أو قصة نسجها مؤلف أو قاص ، ولكنه واقع أليم شهدته مدينة .. لشاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره ....
    كان فتى يافعاً ممتلئاً نشاطاً وقوة ، لكنه لم يترب تربية إسلامية صحيحة ، ولم يُقَدِّر له أن يواصل تعليمه كسائر إخوانه وأترابه .. ضاقت به الحياة داخل أركان غرفته المتواضعة التي مكث فيها سنوات بلا عمل ... سئم الفراغ ، انتابته حالة نفسية حبسته بين الجدران ليل نهار ... ولضعف إيمانه أدمن المخدرات ..
    وذات ليلة ... وبعد أن انتهى من سماع أغنية لمطرب مشهور ؛ خرج عن صمته ، وكسر أسوار العزلة .. وهرع إلى المطبخ ، ليشعل النيران في جسده الهزيل الذي أنهكه المخدرات ، مردداً في هستيريا " وداعاً أيتها الحياة " .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة " ( )


    حافـــــــظ الزمان ( )

    إنه إمام الحفّاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صالح الصحيح رحمه الله تعالى الذي لم تسمع الدنيا بحافظ مثله ... لقد كانت حياته عجباً ، ووفاته أعجب ..
    ذكر الحافظ ابن حجر في الهدي أن الإمام البخاري رحمه لما رجع في آخر حياته إلى بخاري نُصبت له الخيام على فرسخ من البلد ، واستقبله أهلها استقبالاً حافلاً ، ونثروا عليه الدراهم والدنانير ، فمكث مدة مكرماً معززاً ، ثم طلب منه والي بخاري خالد بن أحمد الذهلي الحضور إلى داره ليسمع منه ويقرأ كتاب الجامع والتاريخ على أولاده ، فقال الإمام رحمه الله لمبعوث الوالي : " قل له إني لا أذل العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة في شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري ، فإن لم يعجبه هذا فهو سلطان فيمنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم "
    هكذا أعلنها صريحة ، فكانت سبباً للوحشة بينهما ، وأراد الوالي أن ينتقم منه ، فاستعان بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهب البخاري وطعنوا فيه ، فنفاه عن البلد ، فما كان منه رحمه الله إلا أن دعا الله عليهم فقال : " اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم " ، فاستجاب الله دعاءه ، فأما خالد ( والي بخارى ) فلم يأت عليه أقل من شهر حتى ورد أمر الخليفة بأن يُنادى عليه فنودي عيه وهو على أتان( ) ثم صار عاقبة أمره إلى الذل والحبس ، وأما حريث بن أب الورقاء فإنه ابتلي في أهله فرأى فيهم ما يجل عن الوصف ، وأما فلان فإنه ابتلي في أولاده فأراه الله فيهم البلايا ..
    وأما الإمام رحمه الله فقد خرج إلى قرية من قرى سمرقند تدعى " خرتنك " وكان له بها أقرباء فنز عندهم ، فسُمع ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه : " اللهم ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " ، فما تم الشهر حتى قبضه الله .. وقال محمد الوراق .. سمعت غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه البخاري يخرتنك يقول : إنه أقام أياماً فمرض حتى وُجه إليه رسولٌ من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم فأجاب ، وتهيأ للركوب ولبس خفيه وتعمم ، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها وأنا آخذ بعضده ، قال أرسلوني فأرسلناه ، فدعا بدعوات ثم اضطجع ففاضت روحه ، ثم سأل منه عرق كثير ، فما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه ووضعناه في حفرته ؛ فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك ن ودامت أياماً .
    قال عبد الواحد بن آدم الطواويسي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع ، فسلّمت عليه ، فرد عليّ السلام ، فقلت : ما وقوفك هنا يا رسول الله ؟ ، قال : انتظر محمد بن إسماعيل ( يعني البخاري ) .. قال فلما كان بعد أيام بلغني موته ، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
    قال مهيب بن سليم : كانت وفاته ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين ...
    رحم اللهُ الإمام البخاري وتغمده بواسع فضله ومغفرته ..


    الليلة الأخـــيرة ( )

    اندمج في الرقص مأخذواً بنشوة الفرح ..
    رقص ورقص .. ورقصت كل ذروة من ذرات جسده .. كان ذلك في حفل زفاف في إحدى المحافظات .. وفجأة سقط .. دُهش الحضور ، وظنوا أنها لحظة إغماءة من جراء الرقص الشديد تزول بعد دقائق ، إلا أنه لم يفق ..
    حملوه إلى المستشفى على عجل ، وهناك كانت المفاجأة .. حيث أكد الطبيب وفاته قبل وصوله إلى المستشفى عقب أزمة قلبية حادة ..
    قضى ذلك الرجل ، وقد كتب اسمه في سجل " الراقصين " فبئست الخاتمة ، وصدق الله إذ يقول : " وكان الشيطان للإنسان خذولاً " .


    الوداع الأخـــــــــير

    امرأة صالحة .. ومربية عظيمة ..ومتصدقة كريمة .. هذا ما شهد به المقربون منها .. خمسون عاماً مرت عليها وهي بكماء ولم تنبس ببنت شفة ..
    أعتاد زوجها وأهلها هذا الوضع ، مؤمنين بقضاء الله وقدره ، فله – سبحانه – الحكمة البالغة في كل ما يدبره في هذا الكون ..وهكذا ينبغي للمسلم أن يرضى بقضاء الله وقدره في كل ما يصيبه من كرب أو بلاء .
    في ليلة من الليالي – وعلى غير عادتها – استيقظت مبكرة قبل الفجر بساعات ، ووقفت تصلي بين يدي الله عز وجل .. وفجأة ..نطقت بصوت مسموع ... واستيقظ الزوج على إثر ذلك الصوت ...
    يا إلهي ..ما الذي حدث ، أبعد هذه العقود الخمسة من الصمت المطبق ينطلق لسانها ... " نعم نطقت ، وبالشهادتين ، بلغة واضحة وصريحة ، وتضرعت إلى الله بالدعاء بالكلمة المسموعة . ..
    وانتظر زوجها فراغها من الصلاة وهو في غاية اللهفة ، ليسألها عما حدث ، ولكن قدر الله كان أسبق ، فما إن فرغت من صلاتها حتى قُبضت روحها وهي لم تبرح سجادتها الأثيرة ، وقد ختمت حياتها بكلمة التوحيد والدعاء ، فهل سمعتم بخاتمة أحسن من هذه الخاتمة ؟ ( )


    واستجاب الله دعاءه ( )

    مَن منا لا يريد حسن الخاتمة ، ومن منا لا يتطلع إليها .. هكذا كان الحاج اللبناني الذي يبلغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً ... لقد كان يكثر من الدعاء بحسن الخاتمة كما حدّث عنه أحد أبنائه ...
    وفي العام الأخير من حياته أصر على تأدية مناسك الحج على الرغم من كبر سنه ورقة عظمه ، وبدأ يجهز نفسه للرحلة على غير عادته في السنوات الماضية ، وكان يردد بين الحين والآخر : " اللهم أحسن خاتمتي ووقفني لأداء مناسك الحج مع إخواني المسلمين " .
    واقترب موسم الحج ، وودع الشيخ عائلته وداعاً لم يعهدوه منه قبل ذلك ، وطلب منهم الدعاء له بحسن الخاتمة ، وقال : " قد لا أراكم مرة أخرى " ، وكرر هذا القول مراراً ..
    وفي صعيد عرفات ، جلس الشيخ على كرسيه مستقبلاً القبلة ، ورافعاً يديه إلى السماء داعياً الله عز وجل بحسن الخاتمة ، والنصر للمسلمين ، وتوحيد شملهم . .
    يقول ابنه الذي كان يرافقه ، لقد كان والدي جالساً على كرسيه أثناء الدعاء ، وفي الساعة السادسة وعشرين دقيقة عصراً ، وقبل أن ينفر الحجيج إلى مزدلفة ، اقتربت منه لكي آخذه إلى الحافلة المعدة لنقلنا إلى مزدلفة ، فإذا به قد فارق الحياة على تلك الحال ، في صعيد عرفات الطيب ، فقد استجاب الله دعاءه ، وختم له بخاتمة السعادة إن شاء الله تعالى .. فهنيئاً له هذه الخاتمة الطيبة .


    ( فصل ) في أسباب سوء الخاتمة ( أعاذنا اللهُ منها )

    اعلم أيها الموفق – إن شاء الله - أن سوء الخاتمة لا يكون لمن صلح ظاهره وباطنه مع الله ، وصدق في أقواله وأفعاله ؛ فإن هذا لم يُسمع به ، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه اعتقاداً ، وظاهره عملاً ، ولمن له جرأة على الكبائر ، وإقدام على الجرائم ، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة النصوح .
    ثم اعلم أن لسوء الخاتمة أسباباً كثيرة من أهمها ما يلي :
    أولاً : الشرك بالله عز وجل .. وحقيقته تعلق القلب بغير الله حباً وخوفاً ورجاءً ودعاءً وتوكلاً وإنابةً ... الخ .
    ثانياً : الابتداع في الدين ... وهو اختراع ما لم يأذن به الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فأهل البدع لا يوفقون لحسن الخاتمة ، لا سيما من قامت عليه الحجة فأصر على بدعته ، نعوذ بالله من الخذلان .
    ثالثاً : الإصرار على المعاصي تهاوناً بها واستصغاراً لشأنها لا سيما الكبائر فإنها تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له فيجتمع عليه مع ضعف الإيمان فيقع في سوء الخاتمة .
    رابعاً الاستهزاء بالدين وأهله من العلماء والدعاة والصالحين ، وبسط الأيدي والألسن إليهم بالسوء والأذى .
    خامساً : الغفلة عن الله والأمن من مكره . قال تعالى " ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " [ الأعراف : 99] .
    سادساً : الظلم .. فالظلم مرتعه وخيم ، والظلمة من أولى الناس بسوء الخاتمة عياذاً بالله . قال تعالى : ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) [ الأنعام : 144] .
    سابعاً : مصاحبة الأشرار ، قال تعالى ( يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً * يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) [ الفرقان : 27- 29 ] .
    ثامناً : العُجب .. وحقيقته إعجاب العامل بعمله مع احتقار أعمال الآخرين والتعالي عليهم ، وهو داء يخاف منه على الصالحين ، وبه تحبط الأعمال وتقع سوء الخاتمة .
    هذه بعض الأسباب الموقعة في سوء الخاتمة ، وهي أصول الشر ومنابته ، فينبغي لكل عاقل موفق أن يحذرها ويتجنبها حذراً من سوء الخاتمة .


    ( فصل )
    في علامات حسن الخاتمة

    علامات حسن الخاتمة كثيرة ، أذكر منها :
    1- النطق بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) عند الموت .قال صلى الله عليه وسلم : " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " ( )
    2- الموت ليلة الجمعة ، أو نهارها ، قال صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة ، إلا وقاه الله تعالى فتنة القبرة " ( ) .
    3- الموت بعرق الجبين ، قال صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يموت بعرق الجبين " ( )
    4- الموت بمرض من الأمراض الوبائية مع الصبر والاحتساب ، كالطاعون والسل وذات الجنب ونحو ذلك .
    5- موت المرأة في نفاسها سبب ولدها ، قال صلى الله عليه وسلم : " والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة يجرها ولدها بسرره إلى الجنة " ( ) .
    6- الرائحة الطيبة الزكية ، وهي رائحة تنبعث من جسد الميت بعد موته يجدها من حوله ، وهي كثيراً ما تنبعث من أجساد الشهداء ، لا سيما شهداء المعارك .
    7- الثناء الحسن بعد الموت ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فأثنوا عليها خيراً ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " وجبت " ( أي الجنة ) ، ثم قال : " أنتم شهداء الله في الأرض " ( )
    8- رؤية ما يسر النفس عند خروج الروح ، كمن يرى طيوراً بيضاء جميلة وبساتين خضراء ومناظر خلابة لا يراها من حوله ، وقد حصل هذا لبعض الصالحين فكانوا يصفون ما يرونه لحظة احتضارهم وهم في سعادة غامرة ، والذين من حولهم في غاية الدهشة والذهول .
     

مشاركة هذه الصفحة