رجال بيض أغبياء.. بوش والغباء الأميركي

الكاتب : وادي بنا   المشاهدات : 516   الردود : 0    ‏2002-10-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-12
  1. وادي بنا

    وادي بنا عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-04
    المشاركات:
    25
    الإعجاب :
    0
    رجال بيض أغبياء.. بوش والغباء الأميركي


    هذا كتاب مثير وساخر, يحمل تهمة ضخمة ضد الأميركيين, لكنه عميق ومهم وقد احتل قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة لمدة طويلة. الكتاب يحمل على جورج بوش الابن ويتهمه بالغباء, وبأنه يمثل أمة غبية. ورغم أن الكتاب كان قد تمت كتابته قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 ونشر بعدها, فإن ذلك لم يفقده أهميته, بل ربما قوى من أطروحته التي تركز على جهل وغباء الرئيس الأميركي وعدم إلمامه بالسياسة وصناعة القرار.

    يرصد الكتاب نقاط الخلل في سياسات أميركا وفي ثقافتها السياسية, ويرى أن أشد ترجمة لذلك الخلل هو انتخاب جورج بوش رئيساً, وهو يسميه اللص وليس الرئيس, إذ يعتبره سرق الرئاسة من آل غور عن طريق التزوير والتآمر وكل الطرق القذرة. لهذا فإن الكاتب (مايكل مور) لا يستهدف الرئيس جورج بوش الابن فحسب, بل والأب والبطانة التي حوله والتي سهلت له الفوز, أو بكلماته, تآمرت معه على سرقة الفوز.
    وعند الأخذ بالاعتبار أن الكتاب لم يتعرض لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وما تلاها من تطورات, فإنه يجب أن يُقيّم تبعاً لمادته وليس تبعاً للظروف المستجدة التي طرأت على تلك المادة. وبشكل عام فإن مؤلف هذا الكتاب لم يحسم أمره بين تقديم عمل هجائي مطلق أو الاكتفاء بكشف "الحقيقة الخفية" للسياسة الأميركية, فنراه يتأرجح بين الغايتين, لكن النتائج التي يصل إليها تظل رغم إشكالياتها ممتعة ومثيرة ويجب تسجيلها

    بين الأكاديمية والصحفية
    وفي الوقت الذي لا يمكن اعتبار هذا الكتاب عملاً أكاديمياً إذ هو في نهاية المطاف عمل صحفي بامتياز, فإن أهميته تنبع من كون مؤلفه مشهورا وكاتبا معروفا وملما بالثقافة والسياسة الأميركية حتى النخاع فهي ثقافته وسياسته قبل كل شيء.
    لكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبار كتاب مايكل مور مؤلفاً عن العلوم السياسية, بل كتاب عن السياسة الأميركية وخاصة الداخلية. فالمناقشات التي يتضمنها لا تغني القارئ بالقسط الذي يتوقعه من المعرفة إما لجهل المؤلف بالطروحات الثقيلة في حقل السياسة الأميركية أو لعدم رغبته في التصدي لها. فهو على سبيل المثال يتعرض بتكرار لموضوع الإجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين, لكنه لا يشير إلى التحليل المعمق للثغرات التي تعاني منها الثقافة السياسية الأميركية التي أشار إليها "أي جاي ديون" في كتابه الشهير "لماذا يكره الأميركيون السياسة" والذي لا يزال يعتبر كتاباً مهماً رغم مرور أكثر من عقد على صدوره.
    في مقارنته لسنوات رئاسة كلينتون بسنوات حقبة ريغان وبوش, يخفق المؤلف في بيان ما إذا كان التنسيق في النظام الحزبي الأميركي الذي وضع في الفترة من 68-1972 لا يزال فاعلاً, وهو أمر ضروري لفهم الأحداث التي صاحبت انتخابات عام 2000 إضافة إلى كونه قضية كان ينبغي لمور أن يثيرها في مجال تناوله لمواضيع العنصرية والسياسة. وتشير المراجع التي يعتمدها مور إلى السمة الصحفية للكتاب, فهي تتكون من صحف ومجلات ومواقع على الإنترنت. وبهذا نتأكد من أن العمل الذي بين أيدينا عمل صحفي لا غير لم يشأ مؤلفه -وهو صحفي وتلفزيوني معروف- أن يتجاوز فيه حدود مهنته واطلاعه.
    مساوئ بوش
    يتوزع الكتاب على 12 فصلاً, كل فصل منها مكتف بذاته ومخصص لموضوع محدد. ويدور الثلث الأول منه حول مواضيع سياسية تشف بشكل خاص عن كراهية المؤلف للرئيس جورج بوش, وهو موضوع يعود إليه المؤلف في الثلث الأخير من الكتاب. وليس من الصعب معرفة مصدر القوة الذي تستند إليه انتقادات مور، فالفوز بالانتخابات بحسب مقاييس أي شخص عاقل باستثناء قضاة المحكمة الأميركية العليا (المعينين من قبل نيكسون وريغان) كان من نصيب آل غور.
    وهنا يورد المؤلف بالتفصيل الجهود التي بذلتها زمرة بوش (جورج الثاني, وابن عمه جيب, وجميع رفاق جورج الأول القدامى) للتأثير في نتائج الانتخابات بما فيها التلاعب غير القانوني المباشر بالسجل الانتخابي وما تبعه من أحكام خاطئة صدرت بعد التصويت. كما يفصل مور في التلاعب الذي حصل عبر التصويت البريدي والذي فاز فيه بوش بأربعة أخماس أصواته بشكل مريب.
    أما بوش نفسه فيبدو هدفاً سهلاً أمام مور، فهناك ماضيه في الإدمان على الكحول وقيادته للسيارة وهو سكران (وهو أمر تشاركه فيه زوجته التي تسببت بمقتل إحدى صديقاتها أيام التلمذة, كما يشاركه فيه نائبه ديك تشيني), وإلقاء القبض عليه بسبب تصرفات طائشة أخرى, وإخفاقاته المتكررة في مجال الأعمال, وضعف فطنته، ورداءة لغته الإنجليزية. وأهم من ذلك كله فإن مور يفتح ملفاً مطولاً لماضي بوش السياسي كحاكم لولاية تكساس, ويستعرض قراراته الغبية, المضرة بالبيئة, أو بالسكان, أو بالفقراء, والمحابية للأغنياء, وهو يظن أنه كان يقرر لصالح المجموع العام.
    يتطرق المؤلف إلى كل هذه الأمور بالكثير من التفصيل والسرد المدعم بالأسماء والحوادث والتواريخ, ويهاجم أداء بوش في الحكومة والحزب والحياة العامة. لكن يبدو ضعف الكتاب وتحليل مايكل مور في الجانب الخاص بالشؤون الخارجية, فتحليله للسياسة الأميركية الخارجية ليس محكماً. ويتجلى ذلك بشكل خاص عندما يحاول أن يظهر حقبة ما قبل بوش بمظهر الحقبة التي كانت أميركا فيها محبوبة وصاعدة، ثم يقارن ذلك بالموقف الرافض للالتزامات الدولية التي تبنتها إدارة بوش في الفترة التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.
    من جانب آخر تشكل انتقادات المؤلف لأداء الإدارة الأميركية الداخلي وخضوعها الذليل لمصالح الشركات الكبرى التي تدعم الحزب الجمهوري وترجيحها لتلك المصالح على قطاعي التعليم والبيئة, الجانب الأهم في الكتاب. وهو يشير إلى التحالفات الفاسدة الخفية بين أطراف الإدارة الأميركية والشركات الكبرى, وانخراط الأسماء السياسية اللامعة من الجمهوريين في صفقات مشبوهة. ويأتي انهيار شركتي إنرون وورلدكوم الذي شهدته الشهور الأخيرة والمحاولة الدعائية من قبل جورج بوش للتصدي لمهاجمة الفساد في الشركات الكبرى ليؤكد ما جاء في هذا الجزء من لكتاب.





    معاد للرأسمالية الجشعة
    من ناحية نظرية يتبنى المؤلف بوضوح ومن دون مواربة موقفاً معادياً للرأسمالية الجشعة. ويقول بأن "الكساد" ليس سوى حيلة جاء بها الأغنياء لحماية مواقعهم المتنفذة, ولا يؤثر إلا في الفقراء والشرائح الأقل حظاً والطبقة المتوسطة، في حين تظل الشريحة الغنية والمتنفذة في منأى عن الآثار المدمرة لأي كساد حقيقي أو مفتعل.
    وقد جلب مور على نفسه بتبني هذا الموقف انتقادات كثيرة رأى أصحابها أن بحث مور ذو طبيعة زائفة, وأن المراجع التي يحيل إليها لا تمثل في الواقع الحقائق التي ينسبها إليها.. والواقع أن تأثير كتاب مور كان سيكون أوقع في الوسط الأميركي لو أنه تجاوز هجومه الشرس على الرأسمالية التي يعتبرها الأميركيون ديناً لا يمس, ولو أنه ركز كتابه على الاختلالات في السياسة والثقافة السائدة التي تجلب أشخاصاً مثل بوش لسدة الحكم.
    ولا بد هنا من الإشارة إلى أن مثل هذه الانتقادات تصدر عادة عن أشخاص يحملون أجندات مؤيدة للرأسمالية، وأن ما خلصوا إليه من استنتاجات بخطل آراء مور إزاء انعدام العدالة في توزيع الثروة لا بد وأن يكون موضع شك أيضاً. لكن هذا لا يعني أن مور بمنأى عن الاتهام بإساءة استخدام مراجعه. ومما يؤسف له حقاً أن يكون مور قد سهل على أولئك النقاد اتهامه وإدانته وأضعف الجوانب القوية الأخرى في كتابه من دون داع.
    من ناحية أخرى يمكن أن يتهم مور أيضاً بدمج الجدل الاجتماعي والاقتصادي المعادي للرأسمالية بقضايا أخرى مثل حملة أنصار البيئة ضد الأطعمة المعدلة وراثياً، إذ لم يستطع مور ولا أنصار البيئة تقديم الدليل الدامغ الذي يسند قضيتهم.
    كما أننا نجد مور في منتصف الكتاب يدلي بدلوه في مختلف أنواع المشاكل الاجتماعية، إذ يتصدى للعنصرية ولقضايا الجنس. ويكفينا عنوان الكتاب وحده لمعرفة أن مور يلقي باللائمة كلها على المجتمع الأبيض في أميركا, وهو موقف ينم عن شجاعة أدبية بالنظر لكونه هو نفسه رجلاً أبيض.
    هذه الفصول من الكتاب تحرك الذهن وتثير الأفكار, وهي بشكل عام موفقة حيثما يتعلق الأمر بالجانب الفكه من التناول. غير أن دور العنصرية في السياسة الأميركية والطبيعة الاجتماعية الاقتصادية لطبقة السود المسحوقة في أميركا والمنطق الذي يحكم التوتر بين الرجال والنساء تظل جميعاً قضايا لم تستوف حقها من التناول الجاد من جانب المؤلف

    أما إذا انتقلنا إلى الوجه الآخر للكتاب وهو الهجاء والتهكم فإننا سنجد أن مور يبدو لامعاً في بعض الأحيان وساخراً إلى حد كبير. ولكن لا مفر من الاعتراف بأن فكاهته التي تعتمد على السخرية والاستنكار وغيرها من الحيل الشائعة التي يعرفها متابعو المسلسلات التلفزيونية الفكاهية لا ترقى إلى مستوى الإجادة الرفيعة، فالجزء الذي يتناول فيه مراكز الاضطراب الخارجية وخصوصاً إيرلندا الشمالية يخفق في إثارة السخرية, في حين تتسم بقية المعالجات الأجنبية بضعف الطرح وضعف المعلومات. وتحقق التوريات نتائج أفضل (مثل تلك المتعلقة باسم المرشحة الرئاسية في انتخابات عام 2000 مونيكا مورهيد) لكنها تفتقر إلى الأصالة. وتشكل الفكاهة الأميركية إحدى هنات الكتاب التي يحتاج القارئ إلى أن يغض الطرف عنها كما يفعل مع بقية الإحالات ذات الخصوصية الأميركية.
    هذا الكتاب الذي يقول مور إنه سيكون كتابه الأخير، لا يعتبر تعليقاً على السياسة الأميركية، وإنما هو مصدر أساسي ومهم لمؤرخي المستقبل، لأنه يقدم الدليل على وجود ثقافة سياسية بديلة في أميركا, إلى جانب الشعور بخيبة الأمل إزاء رموز الاتجاه السائد. لكنه مثل كل المصادر الأساسية كتاب إشكالي، فهو يحمل انحيازاً واضحاً, وتعوزه في بعض المواضيع المعلومة الدقيقة عن الأحداث وعن محتوى السياسة الأميركية عندما تناقش على ضوء العلوم السياسية, إلى جانب موقفه المتهاون من بعض الحقائق.
    غير أن هذه الأمور جميعاً تجعل الكتاب أكثر إثارة في نظر القارئ اليقظ حسن الاطلاع ويظل بالتأكيد إضافة شجاعة ومطلوبة في وجه الغطرسة التي تميز الإدارة الأميركية الحالية والتي صار يقرف منها الأميركيون أنفسهم.

    منقول من الجزيرة
    نقله لكم أخوكم ابن وادي بنا



    اسم الكتاب: رجال بيض أغبياء
    -المؤلف: مايكل مور
    -عدد الصفحات:277
    -الطبعة: الأولى 2002
    -الناشر: Regan
     

مشاركة هذه الصفحة