زلزال نقدي جديد في حركة التوحيد والإصلاح المغربية ( لفريد الأنصاري )

الكاتب : ذو الثدية   المشاهدات : 1,565   الردود : 1    ‏2007-05-30
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-30
  1. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0

    زلزال نقدي جديد في حركة التوحيد والإصلاح المغربية​


    على هامش صدور كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب
    للدكتور فريد الأنصاري
    [​IMG]


    على سبيل التقديم :
    من المنتظر أن يحدث هذا الكتاب ” تسوناميا ” داخل تنظيم حركة التوحيد والإصلاح المغربية، لأن صاحبه يعتبر أحد قادة هذه الحركة سابقا، فضلا عن شهرته كداعية إسلامي وأستاذ جامعي، من جهة، وما احتوى مؤلفه هذا من إشارات وتلميحات لممارسات منحرفة لشخصيات قيادية في التنظيم، من جهة أخرى. والتي بحسب نظر الكاتب قد انحرفت عن الخط الأصيل للدعوة، إلى حد وصفها بمثابة “عقارب خضراء” في الصف الإسلامي - لسعاتها شديدة - قد أنتجت نموذجها وهيمنت خياراتها على التنظيم بكامله ؛ إلى حد أنها ابتلعت كل من أراد أن يعيدها إلى صوابها. والمقصود هنا حركة الإصلاح والتجديد سابقا “حاتم”.
    وتذكرني هذه الانتقادات الواردة في كتاب الأستاذ فريد مع فارق في الزمن والمنهج بالنقد اللاذع والقاسي الذي وجهه الدكتور محمد البشيري - القيادي بجماعة العدل والإحسان رحمه الله آنذاك إلى الشيخ عبد السلام ياسين وأعضاء مجلس الرشاد. وقد نعتهم بأقذع الأوصاف وكشف بعض انحرافاتهم. ومرت تلك العاصفة على الجماعة دون أن تحدث أثرا على هذا الكيان وطويت مع وفاته رحمه الله. وقد تتكرر بنظرنا التجربة ذاتها مع كتاب فريد الأنصاري دون أن يحدث المأمول منه، وتمر العاصفة الهوجاء على الحركة بسلام وتصبح مضامين الكتاب في خبر كان. ولدى تنظيم حركة التوحيد والإصلاح كما لدى جماعة العدل والإحسان ما يغنيهما لتحصين أفرادهما من ” السموم ” الواردة في هذا الكتاب وغيره.
    وجدير بالذكر أن الذي تعرض أكثر لسهام النقد في كتاب الأستاذ فريد هو تنظيم حركة التوحيد والإصلاح، وذلك نتيجة الوحدة بين تنظيمي “حاتم” و”الرابطة” (رابطة المستقبل الإسلامي) و يبدو الكاتب نادما أشد الندم من خطوة التوحيد التي كان ربما يراهن فيها مع رفاقه على ترشيد العمل الحركي ووضعه على السكة الصحيحة – كما يعتقد – لكن صاحبنا خسر رهانه، ولم يكن تأثيره كـ”رابطي” مجديا، فقرر الانسحاب من “جوقة السفهاء” بعد أن لسعته العقارب الخضراء وهيمنت اختيارات “حاتم” التي جعلت الدعوة خادمة للسياسية وكانت تلك الوحدة بنظره “وحدة أشباح لا وحدة أرواح، وأشكالا لا أقوالا. ”
    وعلى الرغم من ذلك بقي تنظيم حركة التوحيد والإصلاح عبارة عن أطلال وبيت مهجور بدأ طوبه وحجره يتساقط الواحدة تلو الأخرى في أفق سقوطه الكامل. ولكن بعد أن يغادره كل من فيه ويتوجه صوب البناء الجاهز الجذاب (الحزب ولواحقه)
    وعليه، فقد انتقينا من كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب أهم النقط التي رأيناها أساسية وجديدة. وسنبدي ملاحظات نقدية حولها، نتوخى من وراء عرضها تبادل وجهات النظر في الشأن الإسلامي، وإن كنا نلاحظ على المؤلف قلة تناوله للأفكار وتركيزه على ممارسات معينة. ومهما يكن من أمر، فما يعنينا من هذا الكتاب هو كونه ينتمي إلى تلك الكتابات النقدية الصادرة حول الحركة الإسلامية بالمغرب والتي بزغت في التسعينيات لتصل ذروتها إلى يوم الناس هذا. بالرغم من اختلاف مشارب أصحاب هذا النقد وطريقة تناولهم، فإن الفعل والممارسة النقديين داخل الصف الإسلامي يعتبر من المكاسب الهامة التي يجب تشجيعها إلى أبعد مدى خاصة في ظل الأزمة الحالية والإخفاقات المتكررة التي تعيشها برامج الفصائل الإسلامية ومن ثم، لزم أن تكون المساءلة والنقد الجذري والمراجعة الشاملة من أوجب الواجبات.

    بين يدي الكتاب
    صدر كتاب للدكتور فريد الأنصاري بعنوان الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب : انحراف استصنامي في الفكر والممارسة، : حقائق تاريخية ومقولات نقدية تنشر لأول مرة، من منشورات رسالة القرآن رقم 2 الطبعة الأولى 2007(177صفحة).
    اختير للون غلاف الكتاب : الأحمر، تتوسطه عقرب خضراء. ومن يتصفح الكتاب لأول وهلة يتساءل عن علاقة هذه الصورة بالعنوان وحصر الأخطاء في ستة وإقحام العنوان الفرعي : حقائق تاريخية ومقولات نقدية تنشر لأول مرة.
    يتضمن الكتاب إهداء ومدخلا قرآنيا عبارة عن آيتين من سورة الأعراف 138 و139 والآية 152 من سورة آل عمران ومقدمة يشرح فيها المؤلف دواعي تأليفه حيث يقول : “بأنها رسالة في نقد العمل الإسلامي بالمغرب، وليست في نقضه نصدرها اليوم بهدف الإسهام في الإصلاح الضروري لمنهجه ومحاولة التقويم الداخلي لما اعوج من خطوه (… ) فعلى هذا كتبنا رسالتنا هذه، ولذلك كان فيها لبعض المواطن شدة، لكنها شدة على قدر ما وقفنا في جسمها العليل من الداء، وعلى درجة خطورة ما لاحظناه في خطوها من تداخل الأعمال بالأهواء ما وجدنا بين أعطافها وحدائقها من عقارب. ” ويستدرك قائلا : “إلا أن ذلك لا يعني أبدا أن الحركة الإسلامية شر كلها كلا وحاشا وبعدها تمهيدا بعنوان : الحركة الإسلامية بالمغرب وقضية “الاستصنام المنهجي” ذكر فيها بأن الحركة الإسلامية بالمغرب تعيش أزمة حقيقية ترجع إلى كونها صارت عاجزة عن أداء وظيفتها الحقيقية، وقيام برسالتها الربانية التي كانت هي مبرر وجودها نتيجة ما أسماه بالاستصنام المنهجي هذا الأخير الذي تجسد بصورة خشنة في فكر الإسلاميين وممارستهم التنظيمية - حسب تعبيره -

    الكتاب مقسم إلى بابين الباب الأول في الأخطاء المنهجية الكبرى للحركة الإسلامية بالمغرب وفيه خمسة فصول في كل فصل منها ذكر لخطإ من الأخطاء الاستصنامية :
    الخطأ الأول : استصنام الخيار الحزبي.
    الخطأ الثاني : استصنام الخيار النقابي.
    الخطأ الثالث : الشخصانية المزاجية.
    الخطأ الرابع : التنظيم الميكانيكي.
    الخطأ الخامس العقلية المطيعية.
    الخطأ السادس : هو الباب الثاني بعنوان”المذهبية الحنبلية في التيار السلفي”. ثم خاتمة مقتضبة.


    لماذا العقرب وليس غيرها ؟
    لقد أثرنا آنفا سؤالا عن علاقة الصورة ؛ أي صورة العقرب بمضمون الكتاب. هل العقارب هي الأخطاء ؟ أم هم أشخاص ساهموا في تكريسها ؟ ولماذا تحديدا “عقرب خضراء” وليست صفراء أو سوداء ؟ ولِـمَ لَـمْ يوظف بعض الحيوانات ذات دلالة ورمزية معروفة تعبر عن المعنى الذي يريده الكاتب ؟
    بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، يتضح أن العقرب إنما كان من توظيف واختياره الكاتب عن قصد بدليل استعماله في أكثر من موضع أما عن اللون الأخضر فهو رمز للإسلام وهذا فيه إيحاء عن ظاهرة استغلال الإسلام لتحقيق مآرب شخصية. وعن أسباب تأليفه لهذ الكتاب يقول : “… لكشف خطورة العقارب الخضراء في العمل الإسلامي وما ألحقته من ضرر –وما تزال على الدين وأهله” (ص. 14). ويقول في موطن آخر : ” وبدل أن تنتج الحركة الإسلامية-هذه المرة المومنين الربانين بمحاضنها الخضراء؟ بدأت تفرخ عقارب خضراء، اندست بخضرتها المموهة في خضرة العمل الإسلامي فكان الإسلاميون أنفسهم هم أول من تعرض للسعاتها السامة. ” (ص. 10).
    يقال : لا تحتقر كيد الضعيف قد تموت الأفاعي بسم العقارب قد يكون للسعة العقرب آثارا سلبية وقاسية ومستمرة على عكس ما تم التعبير بغيرها من الحيوانات والحشرات كناية عن تصرفات وممارسات معينة فآثارها قد تنسى ولكن الفرد يكون محتاطا وحذرا أن يقع في حبالها مرة أخرى فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين.
    وسؤالنا، لماذا لم يستطع د. الأنصاري القضاء على هذه العقارب “الخضراء”؟ بمبيدات من الأفكار وإبطال مفعول سمومها بكميات من التوعية للقواعد والجهر بفضحها في حينها دون مواربة ولا مجاملة حين كان السيد الأنصاري متربعا على عرش المكتب التنفيذي، حيث كان يداعبها محاولا ترويضها لكنها سرعان ما لسعته، فاسترجل وصحا وطفق يبوح ويصيح بما فعلته به وبآخرين وقد كان إخوة من الفضلاء والمخلصين يكتبون في الصحف والمجلات عن هذه الانحرافات والممارسات جهارا نهارا ليدركها الجميع، لكن د. الأنصاري كان ورفاقه جالسين على أرائكهم في المكتب التنفيذي للحركة آنذاك ينظرون في صمت حماية لبيضة الوحدة ويحذرون أصحاب هذه الكتابات النقدية من مغبة ما يفعلون؛ لأنهم ينشرون غسيل الحركة الإسلامية الذي سيتلقفه أعداؤها ويكيدون لهـا كيدا… ؟
    لقد ولى ذلك الزمن الذي تنتظر فيه القاعدة من يؤلف لها ويدبج لها البيانات ويصوغ لها البرامج.. ويتنقد هو ما يجب انتقاده، وأي نقد أو نصح لا توجهه القيادة فهو لا يعتبر وتكون تلك الكتابات في حكم من شق عصا الطاعة.
    والملاحظ أن التعبير بالعقارب الخضراء بوصف أشخاص معينين لم يسبق لي أن قرأته في الكتابات النقدية اللاذعة التي وجهت للحركة الإسلامية، لأن فيه من الشدة ما يبين أن الشخص به حنق شديد ويأس ومرارة وتذمر كبير، وهذا الأسلوب يذكرني بكتابات السلفيين النقدية حينما يحتدم الخلاف بينهم أو بين الآخرين ممن يخالفونهم في مواقفهم، فتراهم يلتجئون إلى قاموس من السباب المقذع والشتائم، وتهم الزندقة، وأساليب الاستهزاء، وهذا يدل على أزمة حقيقية أصابت الذهنية الإسلامية المعاصرة قديما ولا يزال أثرها إلى الآن.

    مصطلحات فريدة ومفاهيم غريبة
    * سنقف عند بعض المفاهيم والمصطلحات التي وضعها الكاتب ونعرض لمعانيها كما تناولها، ونتبع ذلك بملاحظات حولها، ويعتبر –بنظرنا-الفصل الثالث والرابع والخامس أهمها أما الفصل الأول والثاني قد سبق المؤلف أن أشار لمجمل أفكاره في الكتاب: “البيان الدعوي والتضخم السياسي”، أما الباب الثاني من الكتاب وهو يتحدث عن استصنام “المذهبية الحنبلية”في التيار السلفي، لم نتفق مع المؤلف في إقحامه، كان الأجدر أن يفرده بمؤلف خاص مردفا إياه بمزيد من المعلومات والملاحظات النقدية.
    أ- الحركة الإسلامية بالمغرب : يشير الكاتب إلى كل الفصائل والاتجاهات الإسلامية. ويضيف إليها التيار السلفي، وان كان التركيز منصبا على حركة التوحيد والإصلاح، على اعتبار أن الكاتب كان قياديا سابقا فيها.
    ب- الاستصنام المنهجي : يعتبر الكاتب أن خيارات التيار الإسلامي هي بمثابة أصول أخطائه المنهجية، والاستصنام المنهجي هو نوع من الشرك الخفي بنظره، وقعت فيه الحركة الإسلامية وحجبها عن إدراك خطئها، يقول الكاتب : “وذلك ما أسميناه ب”الاصنام المنهجية”او”الاستصنام المنهجي” إذا أنها بما بلغته من إشكال التقديس لاختياراتها والتنزيه لتصوراتها وجعلها فوق النظر النقدي والمراجعة الحقيقية، لصورة شعورية أو لا شعورية قد جعلها “تستصنم” أخطائها بالفعل، فانتصبت أوثانا معنوية بعقلها ووجدانها وجعلت تصد عن إدراك السليم والسير القويم”ص18
    ج-الشخصانية المزاجية : وردت في الخطأ الثالث وقد تناول فيه رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام والإشكالات الفقهية حول هذه القضية وهو يرد على فصيل إسلامي في المغرب “العدل واللاحسان” التي تعتبر هذه القضية من القضايا المركزية في منهاجه التربوي. الشخصانية المزاجية: هي ضد”شخصية العالم”ومن مظاهر استصنام “الشخصانية المزاجية”-بنظره-غياب القيادات العلمية الرسالية والربانية والذي يسير الحركة الإسلامية هي شخصية “المثقف” أو شخصية “التكنوقراطي” وهذه الأخيرة لا تتوفر فيها مواصفات العالم الرباني الحكيم.
    يتمنى الكاتب أن يسود في الحركة الإسلامية بالمغرب علماء حلماء، وهم الذين يجب أن يقودها، والدكتور فريد في هذا السياق يحن إلى خط رابطة المستقبل الإسلامي،وهذا يعتبر أحد ملامح بديله عن “إسلام العقارب الخضراء” وفي معرض شرحه “للاستصنام الشخصية المزاجية” تحدث عن تلك “الأنا الفردية”التي تفشت في أبناء هذه الحركة يقول في هذا الصدد : “تضخمت الأنا التنظيمية في الجماعات ثم تضخمت بداخلها “الأنا الفردية” ومجدت الذوات أو بسبب ذلك لم تنقطع حركة التمرد الفكري بهذه الحركة أو تلك، وحالات الشرود التربوي والنشوة الخلقي، وإنشاء الأحلاف المعاكسة، والجيوب المرضية، والتيارات الشاذة داخل البناء التنظيمي للحركات الإسلامية. (ص. 73)
    وإن كانت هذه المظاهر لا تؤثر في الجو العام السائد في التنظيمات الإسلامية، يصعب أن تعمم على بقية الصف الإسلامي؛ والمريض “بأناه” يكون في الحركة وغيرها. وإنسان التنظيم له من الأمراض النفسية والاجتماعية ما عند غيره، والتدين في الغالب لا يعالج بعض هذه المظاهر، بقدر ما يكرسها، والإنسان لا يتغير بالكامل بمجرد انتمائه إلى إحدى هذه التنظيمات، فلا شك أنه يستصحب ويحمل معه ماضيه بما فيه من سلبيات وايجابيات.

    التنظيم الميكانيكي : الأسلوب الإداري التنظيمي الذي يعتمد البناء الهرمي العمودي في إدارة العمل وتسييره، حيث تتركب هياكل بعضها على بعض على سبيل التحكم الميكانيكي بين قطعها، فلا يتحرك الأدنى إلا بحركة الأعلى، والعكس غير صحيح. (ص 75. وهذا النوع من التنظيم أفرز ظاهرتين الأولى سماها الأنا الجماعي والثانية استصنام الهوى الديمقراطي. الأولى معناها تلك الحالة التي يترتب فيها الأفراد على تضخم الشعور “بالأنا الجماعي” أي بمعنى الحزبي الضيق الذي هو وسيلة للشعور “بالأنا الفردي”حيث يصبح الفرد لا يرى إلا ذاته التنظيمية وأجهزته الحزبية التي تصبح هي المقياس للحق، وليس الحق هو المقياس لها. والثانية معناها : بعد ذكر بعض مثالب الديمقراطية، وحديث عن بعض الفئات التي تتولى مناصب “قيادية في التنظيم باسم الديمقراطية وخدعت الجماهير بخطاباتها المنمقة، وهي لا تستحق ذلك الموقع، يقول الدكتور الأنصاري: “إن مشكلة الحركة الإسلامية ذات التنظيم الميكانيكي أنها وضعت الديمقراطية بآلياتها في غير موضع؛ فانتخبت رجالها بأصوات عوامها؟ لوظائف الشورى ووظائف التشريع الدعوي والتوجيه.
    يبين هذا الفصل رؤية الكاتب فيما يتعلق بمسألة التنظيم “الإسلامي” حيث يعتبره من الدين، ويقسم أعضاءه المتنظيمين إلى عامة وخاصة.(يقدم العلماء ويساعدهم الخبراء ، التنظيم لديه خال من المراتب والألقاب، يقدم الأكفأ دينا، بلا انتخاب ولا ديمقراطية، فضلا عن تحديده للأهداف التي يجب أن يتبناها التنظيم .
    العقلية المطيعية: العقلية “المطيعية” وإفشال الوحدة التاريخية للحركة الإسلامية يقول د الأنصاري في هذا الفصل الخامس /الخطأ الخامس : نقصد بالعقلية المطيعية ذلك المنهج الحركي القائم على أسلوب المناورة والخداع، في التعاطي للشأن الإسلامي من الناحية التنظيمية والإدارية، وهي صفة منسوبة إلى الأستاذ عبد الكريم مطيع، المؤسس الرئيس والقائد الأول لحركة الشبيبة الإسلامية. (ص 83).
    وبعد هذا التعريف، يتحدث الأنصاري عن الأفراد الذين ورثوا هذه الصفة(المطيعية) في تدبير الأمور الحركية في العمل الإسلامي، وهو وإن لم يسم أحدا بإسمه لاعتبارات دينية- اتباعا للحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول “ما بال أقوام” فأنباء الحركة يعرفونهم واحدا واحدا ويدركون إشارات وتلميحات فريد وكذلك تحيزاته حين يشير إلى أفراد بالاسم ويصفهم بنعوت ويتغاضى عن آخرين وإن كان د الأنصاري حاول أن يوهمنا بأنه سيتحرى الموضوعية وما يراه صوابا من باب النصيحة.
    ملامح “العقلية المطيعية”
    بحسب التعريف نجد أن من ركائز العقلية المطيعية هي المناورة والخداع، وهنا، مناورة من من؟وخداع من؟إنها المناورة والخداع “الإخواني”أي الإخوان المنتظمين فيما بينهم، وعن هذه المناورة والخداع تولدت أمراض منها حب الرئاسة والزعامة، وتضخم الأنا، وتكوين الجيوب والأحلاف و”الكولسة” وتزوير الحقائق والتعتيم و… وعن هذه العقلية “المطيعية”يورد لنا فريد واقعة من الوقائع التي عايشها، يقول: ما زات أذكر بعض مجالس الشورى التي وضعت. في الأصل لجمع آراء ذوي العقول والأحلام، كيف كانت تشكل فرقا وأحلافا، وتترس ببعض زوايا مقر الحركة لتحصين مدافعها ضد إخوانها. وإني لأذكر بعض تلك الوجوه البئيسة من أهل الحل والعقد “يا حسرة كيف كانت تتخير خنادقها بين الكراسي، وترتب أرقام تدخلاتها ومواقعها بعناية؟وقبل من تكون؟وبعد من؟حتى إذا افتتحت الكلمات وحميت النقاشات واشتعل الشرر لم تسمع منها إلا اعتبارات اللمز، ولم تر بينها إلا إشارات الغمز في مناورات من الرجل والحيل؛من أجل “ترشيد” قرارات العمل الإسلامي وخططه، والله المستعان. (ص 95)
    والغريب أن الأستاذ فريد حينما يصف هذا الوصف الدقيق لممارسات هذه العقليات، هذا يدل على أنه يعرفها مسبقا، ولماذا لم يناقشها في ذلك الجمع؛ ولنا أن نتخيل فريد في هذا الموقف، إما أنه كان يقوم بمثلها وعلى وزانها أو كان يتفرج عليها ويصفق لها، ولو كان يعترض الأنصاري على هذه الانحرافات آنذاك لما خفيت على أحد، فالمسوغ الوحيد الذي يبقى للملاحظ والقارئ والمنتظم هو أن الأنصاري ربما كان يراهن على ورقة ما ؟…
    إذا غابت الفكرة حضر الوثن / الصنم
    هذه القولة الشهيرة للأستاذ مالك بن نبي - رحمه الله - وهي عبارة تحتاج منا إلى تأمل. فالصف الإسلامي يعاني فراغا قاتلا في عالم الأفكار هذا الفراغ يملؤه بالاهتمام بالقشور والتعلق بالجزئيات، فالمشروع التغييري للحركة الإسلامية بالمغرب في وضع متأزم يستدعي أن تتوجه العقول والجهود إلى النظر النقدي العميق والبحث عن أفكار جديدة ومناهج حديثة تنفض عن تنظيماتها غبار التخلف والجمود. فكتاباتها وإنتاجها يركز على المقاربة التجزيئية المتأثرة بالعقلية الفروعية القائمة على أخذ عينات من الممارسات والظواهر والانحرافات –أقل ما يمكن القول عنها أنها إنسانية طبيعية- وتبنى عليها نتائج بدون نظر علمي دقيق مفصولة عن سياقاتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، فبنظرنا المقاربة التي قام بها د الأنصاري قاصرة وعاجزة؛ لأنها لم تستهدف الجوهر والعمق وهو البناء الفكري والتصوري للحركة الإسلامية. في هامش الصفحة 106 : يقول: “والذي لا شك فيه أن الورقات المنهجية والتصورية التي أنجزتها حركة التوحيد والإصلاح لا غبار عليها ولا إشكال على الإجمال وإنما المشكلة أنها بقيت مع الأسف بلا تفصيل حقيقي، وتعاملت معها قيادة الحركة وأطرها بأسلوب “الحملات” لا بمنهج العمل المدرسي الثابت الذي هو وحده منهج الدعوة والتربية والتكوين والبناء ، وفي ظل ذلك صار العمل السياسي للأفراد هو ألأصل وصار العمل الدعوي هو التابع”.
    فالمشكل عند فريد هو ليس في الأوراق المنهجية والتصورية، ولكن المشكل يكمن في أشخاص معينين وقيادات يعنيها. فالدكتور لا يطرح سؤال المحتوى الفكري والمنهجي والثقافي، بقدر ما تؤرقه ثنائية الدعوة والسياسة، وحتى هذه الإشكالية عرضت من لدنه بشكل مبسط ؛ لا تقنع واقعيا ولا عقليا.

    القابلية للاستصنام :
    لقد نحت د الأنصاري هذا المصطلح على غير غرار مصطلح علي شريعتي-رحمه الله-المشهور “بالاستحمار”، وقد أستعرنا بدورنا هذا العبارة على غرار عبارة مالك بن نبي-رحمه الله-”القابلية للاستعمار'’ التي لم نستطع التخلص من عقدتها لنبدأ باسترجاع ذاتنا، حتى انضافت إليها عقدة أخرى من قبيل القابلية للاستصنام/الاستبداد؟
    ونتساءل هنا، عمن يصنع الاستصنام؟ ومن يتلقاه؟
    إن الذين يصنعون الاستصنام هم أولئك القيادات والرموز الذين يدعون أنهم أوصياء على إرث العمل الإسلامي؛ بحكم ما يتمتعون به من شرعية تاريخية أو دينية، هؤلاء هم أصحاب “العقلية –المطيعية” سواء كانت “حاتمية” أو “رابطية”، فالأولى تؤسس “لديكتاتورية سدنة هياكل التنظيم الإسلامي” والثانية “لديكتاتورية العلماء “الخاصة” فالأولى تصنع الاستصنام بطرق حديثة ومعاصرة عن طريق آليات الديمقراطية، مع مساحيق من التسلف، والثانية بطرق قديمة-تاريخية-أو لنقل سلفية معتقة، وفق شرع الله الذي يحدده العلماء الحلماء والحكماء، أما الاستصنام الذي يتقبله ويتلقاه الأتباع من “سدنة هياكل التنظيم الإسلامي” فهي موحدة الزي الفكري، ولا تتعداه إلى غيره؛ خوفا من الفتنة وتفوض أمر تدينها إلى قياداتها ورموزها، فهذا هو الغالب الأعم، وما شذ فهو لا يقاس عليه. أما الاستصنام الذي تستجيب له الفئة الثانية من أشياع “ديكتاتورية العلماء”فهو يصطبغ بطابع تعبدي، حيث الجلوس إلى هؤلاء العلماء والاستماع إليهم وإتباعهم في كل صغيرة وكبيرة، فيتحقق للفرد الأجر والثواب.
    فالاستصنام ؟إدن، صناعة محلية؛ بمعنى أنها لم تكن صدفة ولكن نتيجة حتمية لوجود تربة تشجع على نموه ولا تزال المؤشرات قائمة لصناعة “الفعل الاستصنامي”في الحقل الإسلامي مع جل التجارب القائمة فالتنظيم ذاته أصبح وثنا يركع في حضرته، سواء داخل التوحيد والإصلاح أو خارجه من التنظيمات الدينية الأخرى.

    أفق الممارسة النقدية
    على سبيل الختام :
    يحق لنا أن نتساءل، بعد هذه القراءة السريعة، والملاحظات النقدية، عن أفق هذه الكتابات النقدية ونتائجها، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، وبغض النظر أيضا عن مناهج وطرائق أصحابها سواء كانوا من داخل الصف الإسلامي أو من خارجه.
    فالكل مجمع على أهمية النقد الذاتي وضرورة المراجعة المستمرة، ولكن السؤال هنا، هل أصبح النقد ممارسة طبيعية وسلوك يومي يتم بشكل أفقي وعمودي لأبناء الصف الإسلامي؟ وهل انتقل أبناء الحركة الإسلامية بقيادتها ورموزها إلى التعايش مع الرأي الآخر حقيقة لا زيفا، وتحمل النقد مهما كانت صرامته؟ ومن يضمن أن الذي يمارس النقد اليوم، غدا لن يتحمل هو الآخر من ينتقده؟ وهل تستفيد الحركات الإسلامية من هذه الجهود النقدية؟.
    بالرغم من أن ثقافتنا لا تشجع على هذا السلوك الحضاري لأنه تطهير للنفس والمجتمع لذلك يجب أن يمارس على أبعد مدى في حياتنا بدليل أن مجمل الذين كتبوا في نقد الحركات الإسلامية، شنت عليهم حملات من قبيل التخوين والعمالة والزندقة والتساقط والانحراف وابتغاء الشهرة والانتقام و…
    لا شك أن النسق التنظيمي الإسلامي جوهره مبني على الحفاظ على كيانه أولا وعلى مصالح أفراده ثانيا، ومن ثم، استحالة تحريك بناء أسس ليبقى، ولذلك قلنا آنفا قد يفرغ من محتواه لكنه باق إلى أن يؤول إلى أطلال حقيقية، وبنظرنا فالنقد الحقيقي الذي يروم تفكيك النسق التنظيمي والبحث عن جذور الأزمة لم يأخذ طريقه بعد. ​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-08-20
  3. ذو الثدية

    ذو الثدية عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-04-11
    المشاركات:
    1,359
    الإعجاب :
    0
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة