][®][^][®][ (مصانع الأبطال ) ][®][^][®][

الكاتب : jameel   المشاهدات : 995   الردود : 10    ‏2007-05-30
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2007-05-30
  1. jameel

    jameel عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-10-29
    المشاركات:
    2,261
    الإعجاب :
    0
    مصانع الأبطال


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

    أما بعد...

    فإن للأم دورا كبيرا في بناء الجيل، وبقدر النجاح الذي تحققه في تربية الأم يكون النجاح الذي تحرزه في بناء الأمة وصناعة الأبطال، وكثيرا ما تجد وراء أحد العظماء امرأة عظيمة تركت بصمات نفسها الكبيرة بارزة في شخصيته، من خلال اللبن الذي رضع، ومن خلال دفء الحضن الذي فيه رتع.

    وكثير من الرجال يصعب عليه أن يمسح من ذهنه تلك الصور المشرقة التي التقطها لأمه، فيقف وفي ذهنه تلك الصور الرائعة التي جرت في عروقه منذ حداثة سنه، فلا يملك إلا أن يتمثلها بإكبار أو يتملاها بإجلال وافتخار، ثم تندفع الكلمات البسيطة الواضحة التي أودعتها أمه كيانه فتشمخ معالم في طريقه ومنارة على جادته، ولا يستطيع إلا أن يتفيأ الظلال الوارفة التي أقامتها له الأم على طريق العمر الطويل، تغذيها المشاعر الجميلة وتتفاعل معها الأيام الخالدة في حياته، فتشتجر هذه العوامل في كيانه وتكون جزءا لا يتجزأ من شخصيته، ولا يستطيع أن ينسلخ منها إلا إذا انسلخ من إنسانيته وتجرد من بشريته.

    ولذا كان الحفاظ على هذا الود ومقابلة هذا الجميل بالوفاء والبر؛ فريضة من فرائض الإسلام مقرونة بكلمة التوحيد: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء، الآية 32].

    ويعتبر العقوق قرينا للكفر.

    ويحتل احترام الأم منزلة رفيعة في سلم الإسلام، وله ثقل كبير في ميزانه.

    وفي الصحيح جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أبوك) [1].

    قلت ذات مرة لإبراهيم الأخضر - إمام الحرم المكي - لماذا تحرم الناس من صوتك الندي الذي يتجمع عليه المسلمون من كل مكان؟ وكيف تطلب العودة إلى المدينة وبعض الناس يقولون: لكأنما نسمع القرآن يتنزل من السماء غضا طريا ونحن وراء إبراهيم الأخضر؟! فقال: (إن ذخري في الحياة جدتي ووالدتي، ولا بد من الوفاء بعهدهما والقيام ببرهما ولا يقوم أحد بهذا غيري)، فقلت: لماذا لا تأتي جدتك هنا؟ فقال: (إنها ترفض أن تغادر المدينة خوفا من أن تموت خارج المدينة، وأمنية الحياة الغالية عندها أن تدفن في البقيع).

    وفعلا ترك إبراهيم الحرم المكي، وعاد ليؤم في مسجد صغير في المدينة ملتزما الجنة عند قدمي أمه وجدته.

    ولقد أوصى الإسلام بتربية البنت وتأديبها وتعليمها، لتكون حرزا - سترا - لأبيها من النار، وصدق الشاعر:

    الأم مدرسة إذا أعددتها ******* أعددت شعبا طيب الأعراق


    وفي أفغانستان المسلمة؛ نماذج رفيعة من الأمهات - سواء من داخل أفغانستان أو من العالم الإسلامي - نتعرف عليها من خلال الرسائل التي تردنا عبر بريد "مجلة الجهاد".

    ومن خلال هذه النماذج؛ فاطمة - أم فيصل المكية -:

    فلقد كانت فاطمة أم الأولاد الستة، تحلم أن ترى ابنها - فيصلا - يحظى بفتاة أحلامه، وتفرح بابنها قبل أن تخطفها يد المنون، إذ أنها تدلف إلى جدثها بخطى حثيثة بعد أن بلغت السبعين، واشترت لابنها الصغير - الراصد الجوي - أثاث العرس، ولم يبق من أبنائها غيره ممن لم يكمل نصف دينه الآخر.

    كانت فاطمة تعيش مع ابنها فيصل في شقته الهادئة على شاطئ البحر الأحمر في جدة، وتنتظر اليوم الذي تختم فيه فرحها بأصغر أبنائها، ولقد كانت تفخر بابنها الذي طالما تباهت برؤية صورته على شاشة التلفاز يقدم مسرحياته للجمهور.

    ولكنها خلال الأشهر الأخيرة؛ صارت تلمح على قسمات وجه ابنها تغيرا وسهوما ووجوما وصمتا، وغابت تلك الابتسامة المشرقة التي كانت لا تفارق شفتيه، هنالك شيء جديد جاد يعتمل في أعماقه يشغله، وهي تلاحظ عليه شرودا، ولم تعد تلك الأحاديث التي كان يفاتحها بها عن أمانيه وأحلامه، واختفت من أنظاره بهارج الحياة وزخارفها.

    واضطرت أن تقتحم عليه عزلته ووحشته متسائلة: (ماذا عساه دهاك يا حبيبي فأشغلك عنا وعن الحياة الوادعة الآنسة حولك؟!).

    وهنا فاتحها بما يكنه بين جوانحه: (لقد قرأت كتابا عن الجهاد الأفغاني، اسمه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، يتكلم عن قضية خطيرة كبيرة في حياة المسلمين، وهي قضية الجهاد التي ليست مسطرة في سطور، بل حقائق متمثلة في دنيا الواقع يخوضها شعب أعزل أمام العملاق الكبير - الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو -).

    وبدأت الأسئلة تنثال على لسانها: (وأين أفغانستان هذه من الأرض؟).

    فأجاب: (إنها بلد مسلم، يعيش فيه شعب رفض أن يعطي الدنية في دينه، ودفع ضريبة عزته غالية باهظة، فهناك على سفوح الهندوكوش وعلى ضفاف الهلمند وفي سهول هرات؛ يسقط شهيد كل أربع دقائق، ويغادر شيخ أو امرأة منزله كل دقيقة...).

    يستعذبون مناياهم كأنهم ************* لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا


    قالت: (ولكن هذه البلاد جد بعيدة!).

    فأجابها: (أو لسنا المسلمين؟ أو ليست أرض الإسلام كالبقعة الواحدة؟!).

    إذا استنجدوا لم يسألوا من ********** دعاهم لأية أرض أو لأي مكان


    وطفق فيصل يرتب نفسه ويعد للأمر عدته ويتخذ له اهبته، وفاض الغرام واحترق الكبد من الشوق وزاد الشجى، وإذا به ذات يوم يحضر سيارة كبيرة من السوق، ويضع جميع أمتعته رياش العرس وفراش الزواج وأثاثه، ولم يبق في البيت كرسيا ولا أريكة، وانطلق إلى "سوق الحراج"، وطلب من السمسار أن ينادي عليها بالبيع، وصاح الدلال، فقال قائل؛ هي علي بثلاثة آلاف! فلم يتردد عن الإجابة بالقبول، وباعها بهذا الثمن البخس بعد أن دفع ثمنها سبعة عشر ألفا.

    لقد كان بيع الأثاث إعلانا صارخا عن العزم الوامض والتصميم الحاسم على طلاق الدنيا ثلاثا لا رجعة فيها.

    وتعلقت أمه به، لا بد أن أرافقك مسيرة طريق العرق والدماء، ولا بد أن أسير فوق جادة الجهاد رغم الأشواك والعقبات واللأواء والسغوب والنوى.

    ويعجب فيصل: (وهل لمثلك دور في هذا الدرب المضني؟! سيما وقد نيفت على السبعين وثقل اللحم وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر!).

    وتجيب الأم: (نعم، أستطيع أن أغسل ثياب المجاهدين وأن أطبخ طعامهم).

    وصار النقاش يشغل قسما من الوقت في مجيئها أو بقائها في بيتها، ووعدها فيصل أن يأتي لمعرفة الدور الذي يمكنها القيام به في أرض الجهاد ثم يرجع إليها.

    وجاء فيصل فترة، ثم عاد ليرتب أموره نهائيا ويستقيل من وظيفته، ويخلص بنفسه إلى الله وينسلخ من دنياه التي يعيش فيها نهائيا.

    وتُصر الوالدة على القدوم إلى أرض الجهاد، وقدمت فاطمة إلى بيشاور وزارت الأرامل والأيتام، وحاول ابنها أن تعود إلى جدة، وبعد جهد جهيد توصلا إلى قبول تحكيمي، فقالت له: (لن أرجع حتى أسأل الشيخ عبد الله عزام).

    وجاء فيصل بأمه لتطمئن إلى جواز رجوعها إلى جدة، وإلى الحكم الشرعي أن الله يعذرها بالعودة، فأفتيتها بجواز رجوعها، فغادرت وهي مطمئنة أنها من أصحاب الأعذار.

    نظرت إلى هذه العجوز بإكبار وانبهار، ثم قلت في نفسي؛ أنها مكية ولعلها قرشية، فلا غرو في هذا فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) [متفق عليه] [2].

    إنها تريد أن تسير على نهج أم حرام بنت ملحان - زوج عبادة بن الصامت - حيث نام صلى الله عليه وسلم في بيت عبادة فاستيقظ وهو يضحك، فقالت أم حرام: (مايضحكك يا رسول الله؟!)، قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة)، فقالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم)، فدعا لها، فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها، فهلكت [رواه مسلم] [3].

    تريد فاطمة أن تنسج على منوال أم سليط التي كانت تنقل قرب الماء يوم أحد [البخاري] [4].

    وتود أن تلحق بالربيع بنت معوذ رضي الله عنها، التي قالت: (كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة) [البخاري] [5].

    نموذج فقط:

    وليست القصة هي قصة فاطمة - أم فيصل – وحدها، ولكنها قصة الكثيرات اللواتي يتقلبن على اللظى شوقا لرؤية الجهاد، وتحلم كل واحدة منهن بفتى أحلامها أن يكون ممن يمتشقون السلاح ويمتطون صهوات الجياد ويحيون في قمم الجبال.

    الرسائل:

    وكم من الرسائل ترد إلينا من فتيات جامعيات أو معلمات ومن جميع الطبقات، أنها تود أن تحظى بمحرم يحضرها إلى أرض البطولات، أما وقد يئست أن تجد من محارمها في النسب؛ فلا عدمت أن تجد المحرم الأخير وهو الزوج.

    هذه أم سعيد الجزائرية:

    يستأذنها ابنها في الجهاد، فتقول له: (أنت خريج "الجامعة الإسلامية" في المدينة المنورة، وتعلم الشرع أكثر مني، فأي أمر شرعي فلا تستأذني فيه، أما بالنسبة للجهاد؛ فقد قام الجهاد في الجزائر ولم يكن عندي أولاد، وكنت أتمنى أن يكون لي أولاد أقدمهم في هذا السبيل، والآن فقد رزقني الله أحد عشر ولدا، فلا بد أن أقدم بعضهم في سبيل الله).

    وأرسلت سعيد وعبد الرحيم إلى الجهاد، بعد أن دعت لهما حول الكعبة بالشهادة.

    إنها ليست قصة فاطمة، ولكنها قصة عشرات الألوف من الفواطم، اللواتي ولدن في هذا الدين الذي لن يعقم أن يقدم النماذج عبر الأجيال؟


    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


    مجلة الجهاد، العدد السادس والثلاثون
    ربيع الأول/1408 هـ


    [الكاتب:الشيخ عبد الله عزام رحمه الله]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، فتح الباري: ج10، كتاب الأدب، باب 2، برقم 5917، شرح النووي: ج61، كتاب البر والصلة: ص201.

    [2] شرح النووي: ج16، ص81، وهو عن أبي هريرة بلفظ: (صالح نساء قريش...).

    [3] الحديث متفق عليه عن أنس بن مالك، فتح الباري: ج6، باب 8، برقم 2800، شرح النووي: ج13/ص57.

    [4] فتح الباري: ج6، باب 66، برقم 2881.

    [5] فتح الباري: ج6، باب 86، برقم 2883. ​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2007-05-30
  3. jameel

    jameel عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-10-29
    المشاركات:
    2,261
    الإعجاب :
    0
    مصانع الأبطال


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

    أما بعد...

    فإن للأم دورا كبيرا في بناء الجيل، وبقدر النجاح الذي تحققه في تربية الأم يكون النجاح الذي تحرزه في بناء الأمة وصناعة الأبطال، وكثيرا ما تجد وراء أحد العظماء امرأة عظيمة تركت بصمات نفسها الكبيرة بارزة في شخصيته، من خلال اللبن الذي رضع، ومن خلال دفء الحضن الذي فيه رتع.

    وكثير من الرجال يصعب عليه أن يمسح من ذهنه تلك الصور المشرقة التي التقطها لأمه، فيقف وفي ذهنه تلك الصور الرائعة التي جرت في عروقه منذ حداثة سنه، فلا يملك إلا أن يتمثلها بإكبار أو يتملاها بإجلال وافتخار، ثم تندفع الكلمات البسيطة الواضحة التي أودعتها أمه كيانه فتشمخ معالم في طريقه ومنارة على جادته، ولا يستطيع إلا أن يتفيأ الظلال الوارفة التي أقامتها له الأم على طريق العمر الطويل، تغذيها المشاعر الجميلة وتتفاعل معها الأيام الخالدة في حياته، فتشتجر هذه العوامل في كيانه وتكون جزءا لا يتجزأ من شخصيته، ولا يستطيع أن ينسلخ منها إلا إذا انسلخ من إنسانيته وتجرد من بشريته.

    ولذا كان الحفاظ على هذا الود ومقابلة هذا الجميل بالوفاء والبر؛ فريضة من فرائض الإسلام مقرونة بكلمة التوحيد: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء، الآية 32].

    ويعتبر العقوق قرينا للكفر.

    ويحتل احترام الأم منزلة رفيعة في سلم الإسلام، وله ثقل كبير في ميزانه.

    وفي الصحيح جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أمك)، قال: ثم أي؟ قال: (أبوك) [1].

    قلت ذات مرة لإبراهيم الأخضر - إمام الحرم المكي - لماذا تحرم الناس من صوتك الندي الذي يتجمع عليه المسلمون من كل مكان؟ وكيف تطلب العودة إلى المدينة وبعض الناس يقولون: لكأنما نسمع القرآن يتنزل من السماء غضا طريا ونحن وراء إبراهيم الأخضر؟! فقال: (إن ذخري في الحياة جدتي ووالدتي، ولا بد من الوفاء بعهدهما والقيام ببرهما ولا يقوم أحد بهذا غيري)، فقلت: لماذا لا تأتي جدتك هنا؟ فقال: (إنها ترفض أن تغادر المدينة خوفا من أن تموت خارج المدينة، وأمنية الحياة الغالية عندها أن تدفن في البقيع).

    وفعلا ترك إبراهيم الحرم المكي، وعاد ليؤم في مسجد صغير في المدينة ملتزما الجنة عند قدمي أمه وجدته.

    ولقد أوصى الإسلام بتربية البنت وتأديبها وتعليمها، لتكون حرزا - سترا - لأبيها من النار، وصدق الشاعر:

    الأم مدرسة إذا أعددتها ******* أعددت شعبا طيب الأعراق


    وفي أفغانستان المسلمة؛ نماذج رفيعة من الأمهات - سواء من داخل أفغانستان أو من العالم الإسلامي - نتعرف عليها من خلال الرسائل التي تردنا عبر بريد "مجلة الجهاد".

    ومن خلال هذه النماذج؛ فاطمة - أم فيصل المكية -:

    فلقد كانت فاطمة أم الأولاد الستة، تحلم أن ترى ابنها - فيصلا - يحظى بفتاة أحلامه، وتفرح بابنها قبل أن تخطفها يد المنون، إذ أنها تدلف إلى جدثها بخطى حثيثة بعد أن بلغت السبعين، واشترت لابنها الصغير - الراصد الجوي - أثاث العرس، ولم يبق من أبنائها غيره ممن لم يكمل نصف دينه الآخر.

    كانت فاطمة تعيش مع ابنها فيصل في شقته الهادئة على شاطئ البحر الأحمر في جدة، وتنتظر اليوم الذي تختم فيه فرحها بأصغر أبنائها، ولقد كانت تفخر بابنها الذي طالما تباهت برؤية صورته على شاشة التلفاز يقدم مسرحياته للجمهور.

    ولكنها خلال الأشهر الأخيرة؛ صارت تلمح على قسمات وجه ابنها تغيرا وسهوما ووجوما وصمتا، وغابت تلك الابتسامة المشرقة التي كانت لا تفارق شفتيه، هنالك شيء جديد جاد يعتمل في أعماقه يشغله، وهي تلاحظ عليه شرودا، ولم تعد تلك الأحاديث التي كان يفاتحها بها عن أمانيه وأحلامه، واختفت من أنظاره بهارج الحياة وزخارفها.

    واضطرت أن تقتحم عليه عزلته ووحشته متسائلة: (ماذا عساه دهاك يا حبيبي فأشغلك عنا وعن الحياة الوادعة الآنسة حولك؟!).

    وهنا فاتحها بما يكنه بين جوانحه: (لقد قرأت كتابا عن الجهاد الأفغاني، اسمه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، يتكلم عن قضية خطيرة كبيرة في حياة المسلمين، وهي قضية الجهاد التي ليست مسطرة في سطور، بل حقائق متمثلة في دنيا الواقع يخوضها شعب أعزل أمام العملاق الكبير - الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو -).

    وبدأت الأسئلة تنثال على لسانها: (وأين أفغانستان هذه من الأرض؟).

    فأجاب: (إنها بلد مسلم، يعيش فيه شعب رفض أن يعطي الدنية في دينه، ودفع ضريبة عزته غالية باهظة، فهناك على سفوح الهندوكوش وعلى ضفاف الهلمند وفي سهول هرات؛ يسقط شهيد كل أربع دقائق، ويغادر شيخ أو امرأة منزله كل دقيقة...).

    يستعذبون مناياهم كأنهم ************* لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا


    قالت: (ولكن هذه البلاد جد بعيدة!).

    فأجابها: (أو لسنا المسلمين؟ أو ليست أرض الإسلام كالبقعة الواحدة؟!).

    إذا استنجدوا لم يسألوا من ********** دعاهم لأية أرض أو لأي مكان


    وطفق فيصل يرتب نفسه ويعد للأمر عدته ويتخذ له اهبته، وفاض الغرام واحترق الكبد من الشوق وزاد الشجى، وإذا به ذات يوم يحضر سيارة كبيرة من السوق، ويضع جميع أمتعته رياش العرس وفراش الزواج وأثاثه، ولم يبق في البيت كرسيا ولا أريكة، وانطلق إلى "سوق الحراج"، وطلب من السمسار أن ينادي عليها بالبيع، وصاح الدلال، فقال قائل؛ هي علي بثلاثة آلاف! فلم يتردد عن الإجابة بالقبول، وباعها بهذا الثمن البخس بعد أن دفع ثمنها سبعة عشر ألفا.

    لقد كان بيع الأثاث إعلانا صارخا عن العزم الوامض والتصميم الحاسم على طلاق الدنيا ثلاثا لا رجعة فيها.

    وتعلقت أمه به، لا بد أن أرافقك مسيرة طريق العرق والدماء، ولا بد أن أسير فوق جادة الجهاد رغم الأشواك والعقبات واللأواء والسغوب والنوى.

    ويعجب فيصل: (وهل لمثلك دور في هذا الدرب المضني؟! سيما وقد نيفت على السبعين وثقل اللحم وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر!).

    وتجيب الأم: (نعم، أستطيع أن أغسل ثياب المجاهدين وأن أطبخ طعامهم).

    وصار النقاش يشغل قسما من الوقت في مجيئها أو بقائها في بيتها، ووعدها فيصل أن يأتي لمعرفة الدور الذي يمكنها القيام به في أرض الجهاد ثم يرجع إليها.

    وجاء فيصل فترة، ثم عاد ليرتب أموره نهائيا ويستقيل من وظيفته، ويخلص بنفسه إلى الله وينسلخ من دنياه التي يعيش فيها نهائيا.

    وتُصر الوالدة على القدوم إلى أرض الجهاد، وقدمت فاطمة إلى بيشاور وزارت الأرامل والأيتام، وحاول ابنها أن تعود إلى جدة، وبعد جهد جهيد توصلا إلى قبول تحكيمي، فقالت له: (لن أرجع حتى أسأل الشيخ عبد الله عزام).

    وجاء فيصل بأمه لتطمئن إلى جواز رجوعها إلى جدة، وإلى الحكم الشرعي أن الله يعذرها بالعودة، فأفتيتها بجواز رجوعها، فغادرت وهي مطمئنة أنها من أصحاب الأعذار.

    نظرت إلى هذه العجوز بإكبار وانبهار، ثم قلت في نفسي؛ أنها مكية ولعلها قرشية، فلا غرو في هذا فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) [متفق عليه] [2].

    إنها تريد أن تسير على نهج أم حرام بنت ملحان - زوج عبادة بن الصامت - حيث نام صلى الله عليه وسلم في بيت عبادة فاستيقظ وهو يضحك، فقالت أم حرام: (مايضحكك يا رسول الله؟!)، قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة)، فقالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم)، فدعا لها، فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها، فهلكت [رواه مسلم] [3].

    تريد فاطمة أن تنسج على منوال أم سليط التي كانت تنقل قرب الماء يوم أحد [البخاري] [4].

    وتود أن تلحق بالربيع بنت معوذ رضي الله عنها، التي قالت: (كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة) [البخاري] [5].

    نموذج فقط:

    وليست القصة هي قصة فاطمة - أم فيصل – وحدها، ولكنها قصة الكثيرات اللواتي يتقلبن على اللظى شوقا لرؤية الجهاد، وتحلم كل واحدة منهن بفتى أحلامها أن يكون ممن يمتشقون السلاح ويمتطون صهوات الجياد ويحيون في قمم الجبال.

    الرسائل:

    وكم من الرسائل ترد إلينا من فتيات جامعيات أو معلمات ومن جميع الطبقات، أنها تود أن تحظى بمحرم يحضرها إلى أرض البطولات، أما وقد يئست أن تجد من محارمها في النسب؛ فلا عدمت أن تجد المحرم الأخير وهو الزوج.

    هذه أم سعيد الجزائرية:

    يستأذنها ابنها في الجهاد، فتقول له: (أنت خريج "الجامعة الإسلامية" في المدينة المنورة، وتعلم الشرع أكثر مني، فأي أمر شرعي فلا تستأذني فيه، أما بالنسبة للجهاد؛ فقد قام الجهاد في الجزائر ولم يكن عندي أولاد، وكنت أتمنى أن يكون لي أولاد أقدمهم في هذا السبيل، والآن فقد رزقني الله أحد عشر ولدا، فلا بد أن أقدم بعضهم في سبيل الله).

    وأرسلت سعيد وعبد الرحيم إلى الجهاد، بعد أن دعت لهما حول الكعبة بالشهادة.

    إنها ليست قصة فاطمة، ولكنها قصة عشرات الألوف من الفواطم، اللواتي ولدن في هذا الدين الذي لن يعقم أن يقدم النماذج عبر الأجيال؟


    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


    مجلة الجهاد، العدد السادس والثلاثون
    ربيع الأول/1408 هـ


    [الكاتب:الشيخ عبد الله عزام رحمه الله]

    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، فتح الباري: ج10، كتاب الأدب، باب 2، برقم 5917، شرح النووي: ج61، كتاب البر والصلة: ص201.

    [2] شرح النووي: ج16، ص81، وهو عن أبي هريرة بلفظ: (صالح نساء قريش...).

    [3] الحديث متفق عليه عن أنس بن مالك، فتح الباري: ج6، باب 8، برقم 2800، شرح النووي: ج13/ص57.

    [4] فتح الباري: ج6، باب 66، برقم 2881.

    [5] فتح الباري: ج6، باب 86، برقم 2883. ​
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2007-06-02
  5. الظبع

    الظبع عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-04-04
    المشاركات:
    1,464
    الإعجاب :
    0
    أسأل من الله العزيز أن يرزقنا الزوجه الصالحه مثل أم سعيد الجزائريه وغيرها........

    بهذا الصنف نعرف قيمه الحياة
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2007-06-02
  7. الظبع

    الظبع عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2007-04-04
    المشاركات:
    1,464
    الإعجاب :
    0
    مشكور أخي الكريم...........وأفضل ماكان مكتوب ..........عبد الله عزام...........
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2007-06-03
  9. ابورغد

    ابورغد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-12-18
    المشاركات:
    6,823
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير أخي أبو جعفر ..​
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2007-06-03
  11. ابورغد

    ابورغد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-12-18
    المشاركات:
    6,823
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير أخي أبو جعفر ..​
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2007-06-03
  13. ابورغد

    ابورغد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-12-18
    المشاركات:
    6,823
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير أخي أبو جعفر ..​
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2007-11-21
  15. jameel

    jameel عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-10-29
    المشاركات:
    2,261
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيكم الى المرور الكريم
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2007-11-21
  17. الجوكر

    الجوكر مشرف الكمبيوتر والجوال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-01-26
    المشاركات:
    54,688
    الإعجاب :
    8
    [​IMG]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2007-11-23
  19. حرب التويتي

    حرب التويتي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-10-30
    المشاركات:
    196
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك اخي
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة