ويلٌ للعرب من شر قد اقترب

الكاتب : الكاسر   المشاهدات : 600   الردود : 0    ‏2002-10-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-10-11
  1. الكاسر

    الكاسر عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    175
    الإعجاب :
    0


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
    (تتجه أنظار العالم صوب بغداد حابسة أنفاسها، تنتظر تلك الرصاصة التي سيطلقها بوش على رأس صدام حسين).
    وبهذه البساطة المتناهية تدور أغلب التحليلات والمواقف والمقالات تجاه تلك المؤامرة الكبرى على العراق أولاً، وعلى بلاد المسلمين ثانياً وثالثاً.
    ومساهمةً في توضيح الصورة التي يراد لنا أن نراها على غير حقيقتها، وقياماً بالواجب الشرعي كتبت هذه السطور، لندرك الحقيقة قبل فوات الأوان، وقبل أن نبكي مثل النساء حقاً مضاعاً لم نحافظ عليه مثل الرجال، وعلى الباغي تدور الدوائر.

    أرى خلل الرماد وميـــــض نار
    ويوشك أن يكون لها ضرام

    فـإن لم يطفها عقــلاء قــومـي
    يكـون وراءهــا فـتن عظـام

    وبادئ ذي بدء أعلنها صريحة كما أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل: (( ويلٌ للعرب من شر قد اقترب))(1) .
    ثم أقول مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، سائلا إياه التوفيق والسداد:

    أولاً: من الخطأ بل من السذاجة المتناهية أن نتصور أن المعركة بين صدّام حسين وبين بوش، أو بين النظام البعثي في العراق وبين الحكومة في أمريكا، إن هذا التحليل مع ما يحمله من غفلة وحماقة، قد يجر إلى السلبية القاتلة نحو ما سيجري هناك، بل قد يدفع البعض إلى أن يضع يده في يد أمريكا، أملاً وطمعاً في التخلص من صدّام وحزبه الذي جرّ على الأُمّة ويلاتٍ ونكبات.
    إن حقيقة المعركة تتمثل في أهداف أمريكا تجاه العالم الإسلامي فهي حلقة من سلسلة الحروب الصليبية التي أعلنها بوش وبدون مُوارَبَة في العام الماضي، فقد أعلن أن معركته الأولى في أفغانستان والثانية في العراق وهلمّ جَرّا.
    والذي ينكر هذه الحقيقة أو يتجاهلها فهو كمن ينكر أن أمريكا هي التي دمّرت أفغانستان، وجاءت بحكومة عميلة هزيلة، لا يستطيع رئيسها أن يخرج من بيته إلا بحراسة أمريكية خوفاً عليه من شعبه، ومن أقرب المقربين إليه.
    إن الذي يجري الآن نحو العراق حلقة أخرى من حلقات المؤامرة الكبرى التي بدأتها أمريكا قبل حرب الخليج الثانية، بل قبل حرب الخليج الأولى حيث استخدمت العراق لضرب إيران وتفكيك قواها وبخاصة بعد ثورة الرافضة مباشرة وقيام دولتهم، فقد خشيت أمريكا من أن يفلت الزمام من يدها فكانت تلك الحرب الطاحنة التي استمرت أكثر من ثمان سنوات دفع ثمنها العراق ودول الخليج قبل إيران، أتت على الأخضر واليابس، وأوهنت القوى، وزادت الجراح، وأنضبت الموارد (2).
    وقد ظهرت في الآونة الأخيرة وثائق تثبت تورط أمريكا في تلك الحرب، ودعمها المباشر ومن خلال عملائها وحلفائها للعراق، من أجل تحقيق الهدف الأول ضمن استراتيجيتها الطويلة البعيدة المدى.
    ثم جاءت حرب الخليج الثانية التي تداعت فيها الأمم على العراق بحجة إخراجه من الكويت وإقامة العدل وإعادة الحق إلى نصابه، فكانت تلك الكارثة التي لم يسلم من شرها لا الظالم ولا المظلوم وذلك بقيادة أمريكا ومن أجل تحقيق أهدافها التي لم تعد سراً.
    مع أنني أعتبر أنّ غزو الكويت من أعظم الظلم والبغي والفساد في الأرض، وأن صدّام هو السبب المباشر لكل ما حدث وهذه قناعة أعلنتها في وقتها، مع ذلك فتلك الحقيقة شيء وما أنا بصدده الآن شيء آخر لا تلازم بينهما، فلا يتوقع من أمريكا أن تأتي بعد صدام إلاّ بصدام آخر ولكنه مستنسخ من بوش.

    والمستجير بـ(بوش) عند كربته
    كالمستجـير من الرمضاء بالنار!

    لقد حقق الغرب الصليبي من خلال حرب الخليج الثانية أهدافاً استراتيجية كبرى التقت فيها مصالح اليهود مع مصالح الصليبيين، وهاهي تلتقي مرة أخرى ضمن مخطّطٍ رهيبٍ في معركة طويلة يكون العراق في أول قائمتها كما أعلنوا.
    ولئن كانت إدارة بوش تردد الحديث عن خطورة نظام صدام وخطورة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وتتعمد إثارة البلبلة الإعلامية حول خططها الحربية العسكرية وتوقيتها، فإنه من الأهمية التساؤل عن مبرر إثارة هذه القضيّة الآن وفي هذا التوقيت بالذات؟ أليس العدو الصهيوني يمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل أكثر مما يملك العراق؟
    ألم تترك إدارة بوش الأب نظام بغداد دون الإجهاز عليه مع توافر الإمكانية القصوى لذلك. ومع وجود قدرات عسكرية للعراق أكثر مما هي عليه الآن؟ ألم تبتز الإدارة الأمريكية المنطقة بالإبقاء على نظام صدام رغم مخاطره التي يتحدثون عنها طوال العقد الماضي؟ فلماذا لآن؟
    إن الذي يظهر من التسريبات الصحفية والأجواء العالمية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يشير إلى أن القضية أبعد من إسقاط نظام صدام أو حتى التحكم في منتوجاته النفطية على أهمية ذلك.
    إن الهدف الأكبر هو إيجاد نظام بديل أكثر طواعية وعمالة، يكون صنيعة أمريكية بحتة، سواءً بالأسلوب العسكري أو الأمني الاستخباري، وهذا بدوره سوف يدخل المنطقة بل العالم في طور جديد من النفوذ الأمريكي إذا سمح له أن يمر دون مقاومة.
    فهذا التحول سيقلل من دور الدول الخليجية الأخرى في المنطقة، وسيسمح بضغوطات أكبر وأكبر عليها تتعدى المطالبة بتغيير أنظمة التعليم والعمل الخيري إلى ما هو أبعد من ذلك.
    وهذا التحول سيحرك أحجاراً أخرى في المنطقة كإيران وسوريا وقد يدفع لتغيير جغرافي بين العراق والأردن من أجل إنهاء القضية الفلسطينية بالطريقة التي يريدونها هم، وخصوصاً اليمين الإنجيلي المتطرف الذي يرى أن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد! وبخاصة أن إنهاء القضية الفلسطينية هو أحد الأهداف الاستراتيجية الكبرى للغرب، والذي يجري الآن لون من الاستعمار الجديد والهيمنة على العالم الإسلامي، عن طريق زرع عدد من القواعد الأمريكية في بلاد المسلمين.

    ثانياً: إن عداوتنا لصدام وحزبه البعثي الكافر وظلمه السافر، لا تجيز لنا بحال من الأحوال تبرير موقف أمريكا تجاه العراق فضلا عن تأييدها أو الوقوف معها:

    إليك فإنـي لسـت مـمن إذا اتقى
    سموم الأفاعـي نام فوق العقارب!

    وعداوتنا وبغضنا لأمريكا لا يلزم منه حبنا لصدام أو التعاطف معه ومع حزبه، فأمريكا صليبية نصرانية عداوتها ركن أصيل من صلب عقيدتنا (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل(3)) (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)(4) وكذلك نتقرب إلى الله ببغض صدام وحزبه والبراءة منه حتى يعودوا إلى دينهم (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بينا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده..)(5) . وأي خلل في بغض هؤلاء أو عداوة أولئك خلل في عقيدة المسلم وولائه وحبه لله ولدينه ولرسوله صلى الله عليه وسلم وذلك أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حرب الله هم المفلحون) (6).
    إن فقه هذه العقيدة والالتزام بها جزء من موقف المسلم تجاه تلك المعركة الطويلة ومنطلق أصيل لفهم مجرياتها وأبعادها وآثارها، وما يجب على المسلم تجاهها، دون إفراط أو تفريط ودون غلو أو جفاء.

    ثالثاً: يجب أن نعرف أن ضرب العراق ظلم فادح وجريمة كبرى، فشعب العراق وبخاصة أهل السنة هم الذين سيكتوون بنار تلك الحرب ، سواء بقي صدام أو ذهب، وكما دفعوا الثمن فيما مضى من حروب طاحنة فهم من سيدفع الثمن في هذه الحرب، ولن يتم الوصول إلى صدام إلا بعد أن يكون الدمار والبوار، فقد أخذ صدام للأمر أهبته وأعد له عدته، فجعل من يشك في ولائهم أول وقود الحرب وحطبها، وقد أثبتت لنا التجارب أن أمريكا في سبيل احتمال كبح إنسان واحد لا مانع لديها من إهلاك مصر كامل، وبلاد الأفغان خير شاهد، ومن هذا المنطلق وحيث إن الله حرم الظلم لما له من عواقب وخيمة كما في الحديث القدسي: ((ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا))(7) لذلك كله لا يجوز تأييد هذا الظلم، بل تجب البراءة المعلنة منه براءة بالقلب واللسان، مع الحذر كل الحذر من تأييده سواء أكان ذلك بالجنان أو الأركان، بالعبارة أو الإشارة، ولنتذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في صيد الحرم ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه))(8) فمجرد الإشارة مشاركة في العمل، وقول اللسان من أعظم الأفعال (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون)(9) فسمى القول فعلاً، غير أن بعض الناس يظنه هيناً غير مؤاخذ عليه وليس الأمر كذلك (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم)(10) (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين)(11) كما أن عمل القلب له آثاره ولوازمه (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين)(12) (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم..) فالحذر الحذر، تفقد قلبك وألجم لسانك وارفع يدك وإياك أن تشير أو تشارك في تلك الجريمة النكراء، أو تسكت عن إنكارها وبيان أخطارها.
    رابعاً: يجب الوقوف مع إخواننا في العراق، لا مع النظام، فوقوفنا معهم واجب شرعي وحق أخوي ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما))(13) ، والوقوف معهم له صور وأشكال متعددة باليد واللسان والقلب، بالحس والمعنى، بالمال والنفس، كل حسب استطاعته وطاقته، ولنحذر من السلبية القاتلة والوقوف في صف المتفرجين، فإن من أعظم الظلم خذلان المسلم لأخيه المسلم، و ((ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته))(14) ، و((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة.. )) (15).

    خامساً: مأساة الأمة مع الأنظمة العربية وحكام المسلمين مأساة طويلة، فكم خذلت تلك الأنظمة شعوبها وجرت على نفسها الويلات والنكبات، فتراها تعلن شيئا وتخفي أشياء وتقول قولا وتعمل بضده، ومن ثم فقدت أغلب الحكومات ثقة شعوبها، حتى أصبحت لدى الشعوب قناعة بأن النفي من حكوماتها إثبات، والعطاء أخذ، والنصر هزيمة.
    وفي هذه القضية كيف تُصدق بعض الأنظمة التي تعلن وقوفها ضد ضرب العراق وهي تزود ناقلات أمريكا وطائراتها بالنفط! وأخرى تشجب ضرب العراق والقواعد الأمريكية في أراضيها! وثالثة تعلن عداوة لأمريكا أمام الملأ وتعقد معها الصفقات في الخفاء! ورابعة تسمح بمرور الأساطيل الأمريكية عبر موانئها وأجوائها.
    ويزداد عجبي من شأن هذه الأنظمة وتعاملها مع الأحداث الكبرى، انظر إلى واقعها فيما بينها تجد أن التناحر والتطاحن والاختلاف هو الأصل، والاتفاق حالة استثنائية، حتى أثناء الأزمات والمحن ليس لديها القدرة على اتخاذ موقف موحَد مشرِف، وعدوها الحقيقي يأكلها دولة بعد أخرى، بل صرح زعماء الغرب أنه يصعب عليهم التعامل مع العرب والمسلمين، لأنهم لا يملكون رأياً واحداً مشتركاً، بل كل دولة لها وجهة نظر تختلف عن الدولة الأخرى.
    وهذا يذكرني بقصة يهود بني قريظة مع كعب بن أسد عندما كانوا يساقون إلى القتل واحداً تلو الآخر، فقالوا له: إلى أين يذهب بنا؟ فقال قولته المشهورة: تباً لكم يا معشر يهود، أفي كل موطن لا تعقلون.
    فهل تعقل تلك الأنظمة ماذا تريد بها أمريكا، وهي لا تزال تتباكى، تحت قدمي أمريكا مُقسِمَة اغلظ الأيمان أنها هي الصديق والحليف وأنها معها ضد الإرهاب في خندق واحد، وأمريكا تعلن جهاراً نهاراً عداوتها واستعدادها لمواجهتها، وأنها مصممة للقضاء عليها واحدة تلو الأخرى.
    إن أولئك الحكام لا يتعلمون من التاريخ! ماذا جنوا من صداقتهم لأمريكا وتحالفهم معها، قدموا بلادهم وأموالهم بل أموال المسلمين قرباناً لتلك الصداقة، بل أصبحت بعض الأنظمة تدفع لأمريكا قيمة الرصاصة التي تقتلها بها، وعلى نفسها جنت براقش، وهاهي النتيجة ظاهرة للعيان، فقد أكلنا يوم أكل الثور الأول، وصدق الله العظيم (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (16).
    إنني أدعو الأنظمة العربية والحكام العرب بل وحكام المسلمين جميعاً إلى أن يصطلحوا مع شعوبهم ويتحالفوا معهم بدلاً من تحالفهم مع اليهود والنصارى، وصداقتهم للشرق والغرب، فوالله إن تلك الأحلاف الظالمة لن تغني عنهم من الله شيئاً، كما أنهم لن يصطلحوا مع شعوبهم، ولن يحافظوا على وحدة صفهم، مالم يتوبوا إلى ربهم، ويستمسكوا بدينهم، ويسلموا قيادة أمرهم وحكمهم إلي مليكهم (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)(17) . كما أنصحهم بالبعد عن اتخاذ المواقف التي تبعدهم عن شعوبهم، وتثير الفتن الداخلية، مما يسهل على العدو تحقيق أهدافه ومآربه.
    إنني آمل أن تجد هذه الكلمات آذاناً صاغية وقلوباً واعية قبل فوات الأوان، وحلول الهوان، ومن أنذر فقد أعذر.(وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)(18) (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (19) .

    سادساً: أما الشعوب الإسلامية، والعربية خصوصاً فلها شأن آخر، حيث لا تزال في لهوها وغفلتها، ومع أن الأمر جدّ خطير، فلم تغير من واقعها شيئاً يذكر، وكأن الأمر لا يعنيها، بل هناك من ينتظر بفارغ الصبر ما ستفعله أمريكا، من أجل رفع المعاناة عن شعب العراق المظلوم ولم يدرك ذلك المسكين أن الغرب لا يعنيه من شأن ذلك الشعب شيئاً، وهل ضُرب الشعب العراقي إلا على يد الغرب وحلفائه.
    إن إنقاذ شعب العراق من محنته مع حكومته الجائرة والتآمر الدولي الظالم، لا يأتي على يد بوش، وهل كانت محنته إلاّ صنيعة أبيه مِن قبله!
    إن حلّ مشكلة العراق، بيد الشعب العراقي أولاً، وذلك بعودته الصادقة إلى الله والتزام شرعه وأمره، ثم بيد إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
    كما أن الحكومات العربية والإسلامية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حل تلك الأزمة، وإنقاذ هذا الشعب من ذلك الظالم الجائر.
    والتزام الدول العربية بالقرارات الدولية الظالمة هو من جملة ما أوصل الحال إلى تلك المأساة، ويزداد عجبي من تقديس الحكومات العربية للأنظمة الدولية فضلاً عن تنفيذها والالتزام بها، وبخاصة عندما أرى مواقف الحكومة الصهيونية من تلك القرارات، وضربها إياها بعرض الحائط، وجعلها خلفها ظهريا.
    وأوجه نصيحة خاصة لكل عراقي ألا يجعل من نفسه مطية لأمريكا، من أجل تنفيذ مآربها وأهدافها على أرضه ومن خلال أهله وعشيرته، والموت بشرف على يد صدام، أفضل من حياة ذليلة في جنة أمريكا.

    لا تسقـني مــــاء الحيـاة بــذلة
    بل فاسقـني بالعز كأس الحنظل

    فاخـتر لنفســك منـزلاً تاعلو بـه
    أو مت كريماً تحت ظل القسطل

    مــوت الفـتى في عزة خير له
    من أن يبيت أسير طرف أكحل

    سابعاً: إن استراتيجية أمريكا في المنطقة بعيدة المدى، غائرة الجذور، ثابتة الأركان، وهي مصممة على تنفيذ تلك الاستراتيجية، طال الزمن أو قصر (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل أن هدى الله هو الهدى ولإن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير)(20) (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(21) ، وهي في ذلك تستخدم أسلوب الكر والفر، والإقدام الإحجام، والسر والإعلان، في ضوء ما يحقق لها أهدافها، ولن تتورع عن أي أسلوب يوصلها لغايتها، فالغاية لديها تبرر الوسيلة، وما أحجار رقعة الشطرنج عنا ببعيد، والميكافيلية دينها وديدنها، كما صرح بذلك وجلاّه ساستها ودهاقنتها ورجال مخابراتها وجيوشها.
    ومن هنا فإن مواجهة تلك الاستراتيجية وذلك المخطط الرهيب، لا يكون بردود الأفعال، والتصرفات غير المدروسة، أو الخطط قصيرة المدى والأثر، وإنما باتخاذ كل ما يكافئ تلك الاستراتيجية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون(22)) . وهذا يتطلب جهوداً جماعية مضاعفة، يتضامن فيها الحاكم والمحكوم، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الفرد والجماعة، جهود على مستوى الأمة المؤمنة المسلمة، لا تفرقها العصبيات والحزبيات واختلاف البلدان والأقاليم (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)(23) (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)(24) ، نحن بحاجة إلى جهود في كافة المجالات، عسكرية وأمنية وإعلامية واقتصادية وسياسية واجتماعية.
    كما أن إعداد الأفراد لخوض هذه المعركة يجب أن يكون شاملاً لكل الجوانب الإيمانية والتربوية والمالية والنفسية، ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))(25) ، إننا يجب أن نربي أبناءنا منذ الصغر على معرفة عدوهم، وأن نرضعهم بغض أمريكا ومن يدور في فلكها، وأن نقرر لهم العقيدة الراسخة في كفر اليهود والنصارى والمشركين، وأنهم لم يكونوا ولن يكونوا لنا أصدقاء أبداً حتى يعود إلى الضرع اللبن، أو يؤمنوا بالله وحده، (..كفرنا بكم وبدا بينا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده..) (26) .
    إن أعظم من ضرب العراق، ما نشهده من ضرب عقيدة الولاء والبراء، بل ونحرها نحراً على أيدي بعض من يدعي الإسلام، (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق..) (27) .
    والمعركة تتطلب تربية إيمانية شاملة جادة بعيدة عن اللهو والعبث والمجون، تربية أساسها القرآن والسنة، ومنهجها فهم سلف الأمة، وميدانها تزكية النفوس وصقلها، وتجنيبها الفتن والمحن وبنيات الطريق.
    وهي كذلك معركة اقتصادية تحتاج منا إلى خطة بعيدة المدى نواجه فيها عدونا بما يكافئ تلك الوسائل التي يواجهنا بها، وأولى تلك الخطوات الاستغناء عن عدونا، ومقاطعة منتجاته ضمن برنامج عملي تدريجي تراعى فيه الأحوال والظروف مع الصدق والعزيمة، (..في الأرض مراغما كثيرا وسعة..)(28) . والمهم أن نصدق مع الله ونتخلص من الهزيمة النفسية، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)(29) (..فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم) (30) وأن نكون على ثقة بوعد ربنا، وبشرى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
    ولست في سبيل تفصيل كيف يكون الإعداد، وإنما أردت استنهاض الهمم والعزائم، وشحذ الطاقات، واستثمار الإمكانات وعندها سنرى العجب وما لا يخطر لنا على بال قال ابن القيم رحمه الله: "لو توكل العبد على الله حق توكله، في إزالة جبل عن مكانه، مأموراً بإزالته، لأزاله". (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)(31) .
    فإذا أخذنا بالأسباب، وتوكلنا على الله حق توكله، فلن تستطيع أمريكا ولا غيرها هزيمتنا واستباحة بيضتنا، طال الزمان أو قصر (..قال أصحاب موسى إنا لمدركون* قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم* وأزلفنا ثم الآخرين* وأنجينا موسى ومن معه أجمعين* ثم أغرقنا الآخرين* إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين* وإن ربك لهو العزيز الرحيم) (32) .

    وأخيراً أختم هذا البيان بكلمتين:
    الأولى أوجهها إلى العلماء وطلاب العلم والدعاة رجالاً ونساءً: قوموا بما أوجب الله عليكم، وبما أخذه من العهد والميثاق بتبليغ رسالة الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العلم، والصدع بالحق، لا تأخذكم في ذلك لومة لائم، واعملوا على جمع شمل الأمة حكاماً ومحكومين على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكونوا صفاً واحداً في مواجهة أعداء الأمة والملة، و تقدموا الصفوف مجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولا تدعوا المجال للمنافقين والعلمانيين، فإن الناس إذا لم يجدوا عالماً ربانياً اتخذوا رؤساء جهالاً، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، فبادروا إلى بيان الحق قبل فوات الأوان، وابتعدوا عن التسويف والتأجيل، وأذكركم بقوله تعالىوإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً فبئس ما يشترون)(33) وقولهإن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (34).
    وعليكم أن تتداعوا وتجتمعوا لتبصير الأمة بما يجب عليها، خاصة وأن الخطب جلل، والأمر جدّ خطير، وأن تبتعدوا عما يفرقها، ويزيد من شتاتها، وتنافرها، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (35) .
    والثانية: أن نحسن الظن بالله، وأن نثق بوعده، وبأن العاقبة للمتقين، وأن الباطل وإن انتصر في جولة فسينهزم في جولات.
    إن ما يجري على مرارته وشدته يحمل بشائر النصر، وإن المستقبل بإذن الله لهذا الدين، وإن قوى الكفر مهما عملت فلن تستطيع إطفاء نور الله (يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله أن يتم نوره ولو كره الكافرون)(36) ، إن جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة وإن الظلم مرتعه وخيم، وعلى الباغي تدور الدوائر، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، وسيأتي يوم نردد فيه ما ردده نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو يحطم الأصنام (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (37) ، ولكنه الابتلاء والامتحان ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، والمهم أن نكون كما أمرنا الله في عقيدتنا وعبادتنا وخلقنا وسلوكنا واستعدادنا الحسي والمعنوي، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)(38) ولنتفقد أحوالنا حتى لا يحل بنا ما حذرنا منه رسولنا صلى الله عليه وسلم: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (39).
    فلنعد إلى ديننا عودة صادقة مخلصة، ولنغير من أحوالنا فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعندها أبشروا وأملوا، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً، وعندما تكون الأمة على مستوى المسؤولية سيتحقق وعد الله بالنصرة، ويحيق بعدونا ما حاق بأمثالهم من قبل (أم يقولون نحن جميع منتصر* سيهزم الجمع ويولون الدبر* بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر* إن المجرمين في ضلال وسعر)(40) .
    وقبل الوداع أذكر نفسي وإخواني بأهمية الالتجاء إلى الله، والرجوع إليه بتوبة صادقة، وفيئة خالصة، مع التضرع إليه في سجودنا وقنوتنا وأسحارنا بأن يكشف هذه الغمة، ويهلك أعداء الملة والأمة، وأن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين، وأن يدفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يوحد قلوب العلماء والدعاة والمؤمنين على كلمة سواء، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من ظلم الظالمين، وكيد الكافرين، وأن يرد كيدهم في نحورهم، ويجعل الدائرة عليهم، إنه قوي عزيز سميع مجيب، (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)(41) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    --------------------------------------------------------------------------------
    1- صحيح البخاري 3/1221 (3168)، ومسلم 4/2207 (2880).
    2- ولا شك أن لجم دولة الرافضة وضرب قوتها، مما حال دون تحقيق أهدافها في المنطقة و تصدير ثورتها، ومنعها من نشر التشيع في العالم الإسلامي –كما تريد- وفرض الفكر الرافضي على بلاد المسلمين، وكان العراق في مقدمة أهدافها فبيتها ليلاً قبل أن تدهمه فجراً، ولكن من جهة أخرى كان في ذلك تحقيق لبعض أهداف أمريكا من نحو ضرب أي قوة ناشئة قد تسبب خطراً على مصالحها، ومن نحو إفرادها بالولاء والطاعة في المنطقة، وهو ما نحن بصدد بيانه.
    3-الممتحنة:1.
    4-المائدة:51.
    5-الممتحنة:4.
    6-المجادلة: 22.
    7- صحيح مسلم 4/1994 (2577) وغيره.
    8- صحيح مسلم 2/853 (1196)، وغيره.
    9-الأنعام: 112.
    10- النور: 15.
    11- التوبة: 66.
    12- فصلت: 23.
    13-صحيح البخاري 6/2550 رقم (6552)، ومسلم 4/1998 رقم (2584).
    14-انظر صحيح الجامع رقم (5690).
    15- صحيح البخاري 2/862 رقم (2310)، ومسلم 4/1996 رقم (2580) ورواه غيرهما.
    16-الحج: 46.
    17-النساء: 65.
    18- الأعراف: 164.
    19-المائدة: 41.
    20- البقرة: 120.
    21- البقرة: 217.
    22- الأنفال: 60.
    23- آل عمران: 103.
    24- الأنفال: 46.
    25-انظر صحيح سنن أبي داود (2186).
    26- الممتحنة: 4.
    27-الممتحنة: 1.
    28-النساء: 100.
    29-التوبة: 119.
    30 -محمد: 21.
    31 - العنكبوت: 69.
    32- الشعراء: 61-68.
    33-آل عمران: 187.
    34- البقرة: 159.
    35- آل عمران: 103.
    36- التوبة: 32.
    37- الإسراء: 81.
    38- محمد: 38.
    39- حديث حسن رواه أبوداود 3/274 كتاب البيوع في النهي عن العينة (3461)، والبيهقي في السنن الكبرى 5/319 باب ما ورد في كراهية التابيع بالعينة (10484)، قال ابن كثير بعد أن ذكره: "وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي جناب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك وهذا شاهد للذي قبله والله أعلم"التفسير 2/344. وشاهد أحمد الذي عناه في المسند 2/84. وانظر صحيح أبي داود (2956).
    40- القمر: 44-47.
    41- غافر: 44.



    (( أ.د. ناصر بن سليمان العمر )
    09/09/2002


    تحياتي؛؛

     

مشاركة هذه الصفحة